المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مع المصطفى صلى الله عليه وسلم

سلمان بن فهد العودة

صفحة ٦ من ٢٢

 مرجوح وأن رأي عمر رضي الله عنه كان هو الراجح؟وأبي بكر أنه لا يظهر هذا، بل نصوص القرآن تدل على أن ما فعله والجواب: كان صوابًا، ولم يعاتبهم الله تعالى في شأنه قط، وإنما عاتبهم في ×النبي ﱫ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦﱪشأن آخر، فقال لهم: .]67[ فعاتبهم على الأسر، بمعنى أن الله تعالى كأنه يقول للمؤمنين: وقد لقيتم المشركين في ميدان المعركة وشهروا سيوفهم في وجوهكم، فلماذا ﱫﮂ تأسرونهم؟ لماذا لم تقتلوهم كما يقاتلونكم؟ هذا شيء طبيعي جدًّا: . وليس المعنى: لقيتموهم في الشارع ]4[ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﱪ أو في السوق أو في بيوتهم. وإنما لقيتموهم في ميدان المعركة، وهم قد جاءوا واستعدوا وتهيؤوا لقتالكم، فأي قانون في الدنيا أو نظام أو مبدأ أو دولة يمكن أن يقول: إن هؤلاء يواجهون بغير الحرب؟ قوم حاربوكم وقاتلوكم واستعدوا لقتالكم لا بد أن يواجهوا بمثل ذلك. كُلِّ مائلِ )1(وَما هُوَ إِلا الوَحيُ أَو حَدُّ مُرهَّفٍ تُميلُ ظُبَاهُ أَخدَعَي )2(فَهَـذا دَواءُ الـدَّاءِ مِن كُـلِّ عاقِـلٍ وَهَذا دَواءُ الدَّاءِ مِن كُلِّ جاهِلِ المرهف: السيف الحاد. وظب السيف؛ جمع: ظُبَّة، وهو حد السيف. والأخدعان: عرقان )1( خفيان في موضع الحجامة من العنق ).295/2 ينظر: المثل السائر)2( أسرى بدر / × مع المصطفى

عدد الصفحات ٨١

 . حرب بحرب، وضرب]4[ ﱫ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﱪقال: . أي: بالغتم في ﱫ ﮈ ﮉ ﮊ ﱪبضرب، وسيف بسيف، ومواجهة متكافئة . أي: بالأسر، فالآية تدل على أن |فَشُدُّوا الْوَثَاقَ }النكاية بهم وقتلهم، فهنا الأسر لا يكون في بداية الحرب طمعًا في المغنم أو الفدية، وإنما يكون بعد الإثخان فيهم، وهذا ما لم يقع في يوم بدر. فالله تعالى عاتبهم أنه ما كان لكم أن تأسروهم حتى تثخنوهم، فإذا أثخنتموهم فأسروهم، فإذا أصبحوا أسرى فقد انتقلوا حينئذ من المقاتلين ﱫ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ إلى أن يكونوا أسرى حرب، ولهذا قال: . أي: فإذا أثخن في الأرض كان له أسرى، ]67[ ﯣ ﯤ ﯥﯦﱪ .ﱫ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﱪوهؤلاء الأسرى حكمهم: . فإذا ﱫ ﮋ ﮌ ﱪفإذا أثخن فيهم بالقتل انتقل إلى المرحلة الأخرى وهي: شددنا الوثاق صار هؤلاء أسرى حرب كما في المصطلحات المعروفة، ثم .]4[ ﱫ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﱪقال سبحانه: ولم يذكر الله سبحانه وتعالى هنا القتل، فذكر المَنّ أو الفداء. ، أنه قد يمن على بعضهم كما مَنَّ على كثيرين، ×وهذا الذي عمله النبي ، وذلك دون أن يطلب )1(وقصة ثُمامة بن أُثال رضي الله عنه هي مثال لذلك أي: أن يطلب . ﱫ ﮐ ﮑ ﱪمنه فدية، أو يطلب الفدية، وهذا ما بينه بقوله: )، 4372،2422،462)، وصحيح البخاري51/6ينظر: السيرة النبوية لابن هشام )1( )، وتفسير البغوي42/26)، وتفسير الطبري2679)، وسنن أبي داود1764وصحيح مسلم ).49/5)، والبداية والنهاية178/4( أسرى بدر / × مع المصطفى

عدد الصفحات ٨٢

7 منهم الفدية ويطلقوا مقابلها، وقد يكون من أئمة الإسلام مَن يرى أن له أن يقتل الأسير لسبب معين، مثل: أبي عزة الجمحي الذي خدع المسلمين مرة « :×بعد أخرى، فقال له النبي .)1(قَدْ خَدَعْتُ مُـحَمَّدًا مَرَّتَيْنِ دين الإسلام دين الرحمة والملحمة:رابعًا: إن دين الإسلام هو دين الرحمة، ودين الملحمة، ودين العدل، وقد جعل الله تعالى لكل شيء قدرًا، فالحرب لها أحكامها، والأَسْر له أحكامه، والسِّلْم له أحكامه، وكثير من المسلمين اليوم الذين يختلطون بغير المسلمين ويعايشونهم في بلاد الغرب وسواها قد تضطرب عندهم الأمور، فلا يفرقون بين الناس، ولا بين المَوَاطِن، وهذه الأوضاع التي يعيشها المسلمون المغتربون، أو من أهل البلاد الأصلية في أوروبا أو أمريكا تجعلهم في أمسِّ الحاجة إلى أن يتعلموا ويتقنوا أساليب التعامل مع هؤلاء القوم ومخاطبتهم ودعوتهم، بالإقناع، والقدوة، وبيان محاسن الإسلام التي من شأنها أن تقربهم، وتجعل قلوبهم أكثر استعدادًا لتقبل الإسلام والنظر فيه، فالمسلمون دعاة قبل أن يكونوا جباة أو مقاتلين، وإنما القتال دواء لداء، أو عبارة عن الكي الذي هو آخر الدواء، والمسلمون في عصور التاريخ كلها لم يكونوا معتدين )، ودلائل النبوة 17807)، وسنن البيهقي55/4ينظر: السيرة النبوية لابن هشام )1( )، والبداية 405/3)، ونصب الراية 207/2)، وتاريخ الإسلام 281،280/3للبيهقي )، والمقاصد 440/10)، وفتح الباري 554/2)، والسيرة الحلبية 51،46/4والنهاية ).3132)، وكشف الخفاء1329الحسنة أسرى بدر / × مع المصطفى

عدد الصفحات ٨٣

8 ولا ظالمين، ولا طلاب مال أو شهوة أو شهرة، وإنما كانوا دعاة إلى الله عز وجل. إنه يجب أن نقول: إن عدد الذين قُتلوا في الفتوح أو في الحروب لا يتجاوزون بضع مئات خلال أكثر من ×الإسلامية كلها في عهد النبي ثلاث وعشرين سنة، بينما نجد أن ضحايا حرب واحدة من الحروب التي تديرها القوة الغربية والشرقية اليوم على الإسلام يعدون بالآلاف أو عشرات الآلاف: من المقاتلين، ومن الرجال والنساء والأطفال والشيوخ الأبرياء، فهذا رحمة للعالمين.×الدين دين الرحمة الذي بعث الله به نبيه أسرى بدر / × مع المصطفى

عدد الصفحات ٨٤

خبيب في مكة

عدد الصفحات ٨٥

101 على مـاء الرَّجِيـع v مجموعة من أصحابه في سرية بقيادة عاصم بن ثابت ×أرسل النبي رضي الله عنه، فأسرهم المشركون، فقاتل بعضهم حتى قتلوا، واستسلم ثلاثة منهم تحت العهد والميثاق ألا يقتلوا، وكان منهم خُبيب، فأخذوه وباعوه لبعض المشركين بمكة ليقتلوه بأبيهم الذي قُتل يوم بدر، فأسر خُبيب رضي الله عنه، وكان ينتظر القتل، وفي أسره عبر أي عبر. وفاء في وجه الغدر: v جاء في وهو في الأسر، فطلب من صاحبة البيت موسى حتى يستحد بها، ويزيل شعره من بدنه، وفي هذه الأثناء تسلل إليه طفل صغير من أطفالهم. تقول صاحبة البيت: ما إن فقدت الطفل حتى شعرت باللوعة والخوف؛ أين ذهب ابني، فنظرت فإذا هو على فخذ خُبيب، فأصابني ما أصابني، وقلت: السكين في يده، والطفل في حجره، وهو رجل مأسور ينتظر الموت، فلا بد أنه سوف يأخذ بثأره فورًا، ويقتل هذا الطفل بنفسه.

عدد الصفحات ٨٦

102 لقد عرف خُبيب ما في نفسها وابتسم وقال لها: أتخشين أن أقتله؟ والله ما .)1(كنت لأفعل ذلك شرف الخصومة: v إن أثر هذا الدين في التربية الراقية التي يغرسها في أبنائه ليست من خلال الادعاءات العريضة والشعارات الجوفاء، بل من خلال الممارسة العملية الصغيرة والكبيرة؛ فإن هذا الصحابي الأسير ما أقبل على أي عمل، مع أن العاطفة البشرية قد تحمله على أن يعمل عملاً ما، لكن هذا الدين رباه تربية خاصة بحيث إنه لم يفكر أن ينتقم ويقتل هذا الطفل البريء. هذا المعنى العظيم يجب أن يجدد اليوم في واقع المسلمين، ويؤكِّد للعالَم أجمع أن هذه القيم العظمى هي قيم الإسلام، وأن المسلمين حتى إليهم أن لا يقتلوا وليدًا، ولا شيخًا كبيرًا، ×خلال الحرب كانت وصية نبيهم ولا امرأةً، ولا أصحاب الصوامع... إلى آخر ما هو معروف في وصايا النبي .)2( ووصايا أبي بكر وعمر رضي الله عنهما× )،3112)، وأبو داود4086،3989،3045)، والبخاري8082أخرجه أحمد )1( ). وينظر: دلائل النبوة6428)، والبيهقي7039)، وابن حبان8839والنسائي في الكبرى )، والبداية 231 230-/2)، وتاريخ الإسلام181/1)، وتفسير البغوي325/3للبيهقي ).63 62-/4والنهاية )، وسنن أبي داود 1731)، وصحيح مسلم 23080،2728ينظر: مسند أحمد )2( )،2858،2857)، وسنن ابن ماجه 1617،1408)، وجامع الترمذي 2614،2613( )، والمعجم11562،7397،2305)، والمعجم الكبير للطبرا4739وصحيح ابن حبان )، 582/4)، والمستدرك 514،340)، والمعجم الصغ 4162،1431،135الأوسط ).17934 - 17931،17929،17825،17728وسنن البيهقي خبيب في مكة / × مع المصطفى

عدد الصفحات ٨٧

103 ولا تعتدوا v نحن اليوم أمام ما يسمى بالحرب على الإرهاب، والتي وجدنا أنها عرت الكثير من الادعاءات التي تقال عن حقوق الإنسان، خصوصًا حين تنتقل الجيوش إلى دول أخرى غير دولها، فأصبح هناك عدوان، وتعذيب، وإطاحة بالإنسانية، واستخفاف بالجنس البشري، ويصاحب ذلك حملة هائلة وضخمة ومضللة من ادعاءات تتعلق بالحفاظ على حقوق الإنسان ونشر الديمقراطية، لكن الإسلام ينشر هذه الحقوق بطريقته الخاصة، وهذه القصة هي أبلغ تعبير يجب أن يوصل للمسلمين كما يوصل لغيرهم. طفل صغير في حجر رجل يتهيأ للموت ظلمًا وعدوانًا وقهرًا، فقد أخذ بالخدعة والعهد والميثاق، ومع ذلك يقول لها: لا تخافي على طفلك، ما كنت لأقتله. .)1(« :×هذه تربية محمد أين شباب المسلمين من هذا المعنى: ألا تقتل طفلاً، ولا امرأةً ولا شيخًا ولا بريئًا -يعني: ممن لا يقاتلون- وهذا حينما تكون منهمكًا في معركة شرعية واضحة المعالم مع عدوك، فكيف إذا كانت القضية فيها لبس؟ فكيف إذا كانت ﱫ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ القضية فيها عدوان؟ والله سبحانه وتعالى يقول: . ويقول ]190[ ﯴ ﯵ ﯶﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼﱪ )، وأبو داود 2597)، والدارمي15462)، وأحمد22949أخرجه ابن أبي شيبة )1( )، والبيهقي 53/2)، والحاكم 35/3)، والدارقطني 1264)، والترمذي 3535،3534( .)21092( خبيب في مكة / × مع المصطفى

عدد الصفحات ٨٨

104 ﱫﮱ ﯓ ﯔ ﯕسبحانه في محكم تنزيله في غير ما موضع: ﯡ ﱫ. وفي الآية الأخرى: ]8[ ﯖ ﯗ ﯘﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝﯞ ﱪ . ]2[ ﱪﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫﯬ مَن عصى الله فيك فحقه أن تطيع الله فيه، فلا تخن مَن خانك، ولا تظلم مَن ظلمك، ولا تغدر مَن غدر بك، ولا تهتك عرض مَن هتك عرضك. هذه قيم وأخلاقيات حتى في الحرب يقررها الإسلام لأبنائه. أحب إليه من نفسه: v يخرج خُبيب بن عَدي رضي الله عنه من مكة ليُقتل، فيقال له موقف آخر: أتحب أن محمدًا عندنا الآن مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ قال ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس .)1(في أهلي شوكة في رجله.×يعني: أُفَضِّل أن أموت على أن تصيب النبي إن هذا هو الإيمان والشعور بنعمة الله تعالى عليك ببعثة هذا النبي الكريم ﱫ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ، كما قال تعالى: × ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ .]164[ ﯺ ﯻﱪ بنفسه وأهله وماله وولده، وحتى في هذا الموقف ×فهو يفدي النبي )، 327-326/3)، ودلائل النبوة للبيهقي 5284ينظر: معجم الطبراني الكب )1( )، وزاد المعاد 303/4)، والمنتظم 162/21)، وتاريخ دمشق 246/1وحلية الأولياء ).66/4)، والبداية والنهاية245 244-/3( خبيب في مكة / × مع المصطفى

عدد الصفحات ٨٩

10 الذي يؤمن فيه الكافر، ويعيى فيه الشاعر، ويصدق فيه الكاذب، كان تعبير من أعماق قلوبهم، ×خُبيب رضي الله عنه تعبيرًا عن كل الذين أحبوا النبي وأدركوا عظيم أثره في حياتهم، وأنه هو القيادة النبوية التي اختارها الله تعالى لهذه الأمة، فهو حظنا من النبيين، كما نحن حظه من الأمم، ولذلك فإن حبه لم × مغروس في أعماق أعماق القلوب، والذين لم يذوقوا طعم محبته× «يذوقوا طعم الإيمان بالله عز وجل .)1(وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خبيب أمام المشنقة: v لقد خرج خُبيب رضي الله عنه إلى القتل، فكان منه موقفين قصيدة يرتجلها وكأنه يقدم إلى عرس واحتفال:أولاً: لَقَدْ أَجْمَعَ الأحْـزَابُ حَوْلِي وَألَّبُوا قَبَائِلَهُمْ وَاسْتَجْمعُوا كُــلَّ مَـجْـمَــعِ وَكُلُّهُــمْ مُـبْـدِي الْعَدَاوَةَ جَـاهِــدٌ عَـليَّ لأنِّــي فِــي وَثَـــاقٍ مُــضَـيَّعِ وَقَدْ قَـرَّبُــوا أبْـنَـاءَهُمْ وَنِسَـاءَهُـمْ وَقُــرِّبْتُ مِــنْ جِــذْعٍ طَــوِيلٍ مُمَنَّعِ )، 2741)، والدارمي 13991،12837)، وأحمد 20321أخرجه عبد الرزاق )1( )،5015،5014،5013)، والنسائي67)، وابن ماجه44)، ومسلم15،14والبخاري ).179وابن حبان خبيب في مكة / × مع المصطفى

عدد الصفحات ٩٠

10 إلَى اللهِ أشْكُو غُرْبَتـي بَـعْـدَ كُرْبَتِي وَمَا أرْصَدَ الأحْزَابُ لِي عِنْدَ مَصْرَعِي فَذَا الْعَرْشِ صَبِّرْنِي عَلَى مَا يُرَادُ بِي فَقَدْ بَضَّعُوا لَحْمِي وَقَدْ يَـاسَ مَطْمَعِي وَقَدْ خَيَّرُونِي الْكُفْرَ وَالْمَوْتُ دُونَـهُ وَقَـدْ ذَرَفَــتْ عَيْنَــايَ مِنْ غَيْرِ مَجْزَعِ وَمَا بِي حِذَارُ الْـمَوْتِ إنِّي لَمَيِّــتٌ وَإنَّ إلَى رَبِّــي إيــابِي وَمَــرْجِـعِــي وَلَسْتُ أبَالِي حِـينَ أُقْتَلُ مُـسْـلِـمًا عَلَى أيِّ شِقٍّ كَـانَ فِي اللهِ مَـضْـجَـعِي وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإلـــهِ وَإنْ يَشــأْ )1(يُــبَــارِكْ عَلَى أَوْصَـالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ فَلَسْتُ بِمُبْدٍ لِلْعــدُوِّ تَــخَــشُّــعًا وَلاَ جَــزَعًا إنِّــي إلَى اللهِ مَــرْجِـعِـي بهذه القوة وبهذا الوضوح يتكلم ويخاطب حتى كتب هذه القصيدة وحفظها قوم كافرون، ثم هم بعد يؤمنون ويتحدثون عنها. )، 8082،7915)، وأحمد 9730هذا البيت والذي قبله أخرجه: عبد الرزاق )1( .)4191)، والطبراني في الكب7039)، وابن حبان7402والبخاري )، ودلائل النبوة للبيهقي 130/4والقصيدة بكاملها موجودة في: السيرة النبوية لابن هشام )، 234/2)، وتاريخ دمشق 441/2)، والاستيعاب 114/1)، وحلية الأولياء 329/3( .)293/14)، وعمدة القاري67/4والبداية والنهاية خبيب في مكة / × مع المصطفى

عدد الصفحات ٩١

107 يستأذنهم ليصلِّي ركعتين، فيأذنون له، فيستقبل القبلة ويصلِّي ثانيًا: ركعتين. إن رباطة الجأش وقوة القلب إنما توجد عند أولئك الذين قرروا أن يربطوا . )1(«قلوبهم بالله جل وتعالى فيقوم ويصلِّي ركعتين، والعجب كل العجب أنه حين صلَّى ركعتين خففهما ولم يطل في صلاته، ثم أقبل عليهم يعطيهم درسًا في عزة الإيمان وقوته: .)2(« هذه المعاني العظيمة، وهذه الممارسات العملية التي تربَّى عليها المؤمنون الأولون هي ما نحتاجه اليوم، وهي ما يحتاجه المسلم حتى يعرف حقيقة دينه وعظمته، والأخلاقيات التي تربى عليها المؤمنون الأولون هي ما نحتاجه اليوم أيضًا حتى نقدم بها الإسلام لغير المسلمين، والذين يظن الكثير منهم أن الإسلام دين العنف والدموية والقتل والانتقام، لكن لو قدمنا لهم نماذج السيرة النبوية وتصرفات المسلمين الأولين التي هي خير تعبير عن حقيقة هذا الدين، لأحدثت عندهم نقلة هائلة غير متوقعة. ، 623/3)، والحاكم11560،11243)، والطبراني في الكب2804أخرجه أحمد )1( .)10001،10000،1139،1074)، والبيهقي في شعب الإيمان624 )، وسير أعلام113/1)، وحلية الأولياء126/4ينظر: السيرة النبوية لابن هشام )2( .)65/4)، والبداية والنهاية248/1النبلاء خبيب في مكة / × مع المصطفى

عدد الصفحات ٩٢

اليوم يوم وفاء وبر

عدد الصفحات ٩٣

111 يوم الفتح v لما فتح مكة دخل الكعبة وفيها ثلاثمائة×جاء في وستون صنمًا، فجعل يطعنها بعود في يده، فتتهاوى وتتساقط واحدًا بعد الآخر «وهو يقول .)1(يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ هذا الموقف التاريخي العظيم المتمثل في فتح مكة كان في السنة الثامنة من الهجرة، ولم يكن هذا الموقف العظيم فتحًا لمكة البلد الحرام فحسب، وإنما كان تتويجًا لدينونة الجزيرة العربية كلها لدين الإسلام، وإيذانًا بانتقال الإسلام إلى مرحلة أخرى من المجاهدة والفتح والإصلاح. ؛ خرج ×لقد كانت مكة أعصى المدن على دعوة الإسلام وعلى النبي «منها بالأمس متألمًا حزينًا لفراق بلده، يلتفت إليها وهو يقول )، ومسلم 4720،4287،2478)، والبخاري 10961،3584أخرجه أحمد )1( )، والطبراني في الكب 5862،4760)، وابن حبان 3138)، والترمذي 1781،1780( .)10656،10535،10427(

عدد الصفحات ٩٤

112 .)1(أَرْضِ اللهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إِلَى اللهِ وَلَوْلاَ أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ ﱫ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ فعزَّاه وسلاَّه ربه ومولاه فقال له: .]85[ ﭘﱪ ، وها هي كتائب الإسلام تدخل مكة ظافرة منصورة، ×وها هو قد عاد ومع أن هذا الفتح أعظم الفتوح، إلا أنه لم يرق فيه دم، حتى قال بعض أهل العلم: إن مكة فتحت صلحًا. وقال آخرون: بل فتحت عنوة وبالقوة والحرب. وأيًّا ما كان فإن عدد القتلى يعدون بالأصابع في هذا الفتح العظيم، وهذه إشارة كبيرة إلى أن جهاد الإسلام لم يكن يستهدف قتل الناس، وإنما يهدف إلى دينونة الناس لربهم جل وتعالى لا لغيره. الجهاد ليس توسعًا ولا استكبارًا: v إن الجهاد الإسلامي لا يسعى لابتزاز أموال الناس واستعبادهم، وإنما يسعى لدينونة الناس لله عز وجل، ورفع الظلم عنهم، وقديمًا كان كسرى وقيصر وغيرهم من الملوك يَسُومُونَ الناس سوء العذاب، حتى جاء الرسول بهذا الدين.× فجاء الإسلام ليحرر الإنسان من طغيان أخيه الإنسان ويعبِّده لربه ﱫ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﱪ الواحد الديان، وقال سبحانه: .]75[ )،2510)، والدارمي18738،18737)، وأحمد36900أخرجه ابن أبي شيبة )1( )، وابن حبان 479/2)، والنسائي في الكبرى 3108)، وابن ماجه 3925والترمذي ).454)، والطبراني في الأوسط3708( اليوم يوم وفاء وبر / × مع المصطفى

عدد الصفحات ٩٥

113 مكة وجعل يطوف بالبيت وبيده عود يطعن به الأصنام ×فتح النبي فتهاوت واحدًا بعد الآخر، ومؤذنه يصدح: (أن لا إله إلا الله). إن تاريخ الفتح الإسلامي الرشيد تاريخ أبيض نظيف، وإن تخلله في بعض العصور المتأخرة شيء من مطامع الدنيا ومكاسبها، فإن العبرة ليست بالتاريخ فقط، إنما العبرة بالممارسات الراشدة التي تمثل حقيقة هذا الدين، ومع ذلك يظل الفتح الإسلامي هو الأرقى والأنقى، وباعتراف الأعداء قبل الأصدقاء، فهاهم كُتَّاب الغرب يعترفون بذلك، كما يقول أحد المؤرخين البريطانيين الكبار (أرنولد توينبي): ما عرف التاريخ فاتحًا أعدل ولا أرحم من العرب. هو قائد المسيرة، ولذلك أرشد ×لقد كان فتحًا عظيمًا؛ لأن محمدًا الناس إلى البوصلة الصحيحة، وبين لهم حقيقة الأمر. هذا الفتح العظيم الذي سجلت البشرية صفاءه ونقاءه وحفاظه على الناس لم يعتد على حقوقهم، ولم يبخس أحدًا منهم ولم يظلمه. أنظمة العالم كانت أنظمة بغي واستخفاف: v إن الكثيرين ممن كتبوا عن الإسلام وتاريخ الإسلام وفتوحاته حتى من غير المسلمين يعترفون بعظمة هذا الدين، وعظمة الأخلاق التي انتصر بها المسلمون، فقد كانوا يفتحون قلوب العباد قبل البلاد، وهذه الأمم والشعوب والأجناس التي فتحت آنذاك أصبحت اليوم تدين بالإسلام وتدافع عنه، وتؤمن به، وتموت في سبيله، وتشارك في صناعة واقعه كما شاركت من قبل في صناعة تاريخه العظيم، وما ذلك إلا لأن الفتح لم يكن عدوانًا ولا اغتصابًا اليوم يوم وفاء وبر / × مع المصطفى

عدد الصفحات ٩٦