20 .]37[ ﮃﱪ تخيل لو أن والدك أو شيخك قال لك في مجلس فيه عشرون شابًّا: يا فلان، أنت تخفي في نفسك أشياء والله يبديها، وأنت تخشى الناس والله أحق أن تخشاه. ماذا سيكون شعورك وإحساسك؟! سينتابك كثير من الامتعاض والانزعاج والقهر،وسترى أن هذا ليس وقت هذه الكلمة، وسوف تقول: كان من المفترض أن يهمس بها في أذني. لكن تخيل هذا النبي العظيم يخاطبه ربه سبحانه وتعالى من فوق سبع ﱫﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ سماوات، بقرآن يُتلى إلى يوم القيامة، فيقول له: .ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃﱪ هذه الآيات إلى أصحابه من الشباب والشيوخ وحدثاء ×ثم يلقي النبي العهد بالإسلام وغيرهم، لتُتلى ويُصلِّى بها، ويتداولها الناس، وتدوَّن في المصاحف، ويسمعها حتى غير المسلمين من المنافقين والمشركين واليهود، أن يستغل الأعداء هذا المعنى ×الذين يتآمرون عليه، ومع ذلك لم يأبه النبي أو يشهروا به أو يسيؤوا إلى صفحته البيضاء. يخفي شيئًا مما أنزل الله × مكشوفة وظاهرة، ولم يكن×إن سيرة النبي .)1(تبارك وتعالى عليه قط، كما قالت عائشة رضي الله عنها كاتمًا شيئًا مما أُنزل عليه؛ لكتم هذه الآية: ×قالت عائشة رضي الله عنها )1( ﱫﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ]37[ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃﱪ )، والطبراني في 3207)، والترمذي 177)، ومسلم 26338،26083أخرجه أحمد ).7420)، ومعناه من حديث أنس رضي الله عنه عند البخاري111( )41/24الكب )2كأنك تراه / × مع المصطفى
عدد الصفحات ١٧21 بل يأتيه الرجل الأعمى، وهو عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه، فيقول مشغول بدعوة الكبراء، ×يا رسول الله، علِّمني مما علَّمك الله. ورسول ا بذلك؛ لأنه يريد أن يخصص هذا الوقت لدعوة آخرين، ×فيضيق صدر النبي لم يكن يتشاغل عنه بأكل أو شرب أو نوم أو أمر مباح، بل كان يتشاغل ×وهو بأمر يتعلق بالدعوة وفي مصلحتها، فينزل العتاب من السماء على قلب محمد ، ويصلِّي به في الصلوات × وعلى لسان جبريل عليه السلام، ويتلوه × ﱫ ﭑ ﭒالجهرية، ويقرؤه بأعلى وأرفع صوت ليسمعه القريب والبعيد: ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ .]10-1[ ﭸ ﭹﱪ ، وحاشاه! وإنما كان ×فسمَّى الله ذلك تلهيًا، مع أنه لم يكن لهوًا منه انشغالاً بأمر آخر، هو من الدعوة ومصالحها، فيؤدبه ربه، ويعلمه أن الناس سواسية، وأن مَن تقبَّل الحق ولان له واستجاب له، وأشرب قلبه حبه، فهو .)1(الجدير والحري بأن يُهتم به، ويُستجاب له، ويُستمع إليه بل أشد من ذلك أن تقع في المدينة المنورة سرقة، فيختلف الناس مَن الذي سرق؟ فتشير أصابع الاتهام إلى بعض اليهود، وبعضها تشير إلى بعض مال إلى تبرئة هؤلاء ×المسلمين الذين يتظاهرون بالإسلام ، فكأن النبي ﱫﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ المسلمين، وهنا ينزل القرآن: )، ومسند 51/30)، وتفسير الطبري3331)، وجامع الترمذي476ينظر: الموطأ )1( )، وتفسير القرطبي558/2)، والمستدرك535)، وصحيح ابن حبان4848،3123أبي يع ).471/4)، وتفسير ابن كث213-212/19( ) 2كأنك تراه / × مع المصطفى
عدد الصفحات ١٨22 ﭑ ﭒﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ .]107-105[ ﭧ ﭨﱪ ولو وقفنا عند هذا المعنى العظيم في مجتمع المدينة؛ المجتمع الذي لا يزال منقسمًا على نفسه: فيه اليهود والمنافقون والوثنيون والمؤمنون وغيرهم، وفيه القبائل المختلفة المتعددة، ثم يظل الوفاء للحق والصبر عليه والإيمان به هو في كل الظروف، حتى ينزل القرآن ×المبدأ الذي يربِّي الله تعالى عليه نبيه محمدًا يعاتبه على هذا الموقف، ويبيِّن له أنَّ السرقة هي من هؤلاء المنافقين المنتسبين .)1(إلى الإسلام، وليست من أولئك اليهود الذين دارت حولهم أصابع الاتهام هي اللائقة برجل جاءت ×إن هذا الوضوح والمباشرة في شخصية النبي سيرته قدوة للعالمين جميعًا. :×وصف شعر رأسه v ولقد تكلَّم الذاتية، ×إنك لتعجب وأنت تقرأ تفاصيل شخصية النبي ، وأنه كان ×العلماء عن خلقه الظاهر بأدق التفاصيل، فوصفوا شعر رأسه ، وأنه يطول أحيانًا )2(ليس بالجَعْد القَطَطِ، ولا بالسَّبِط، وإنما هو وسط بين ذلك )، ومعجم الطبراني 270-268/5)، وتفسير الطبري3036ينظر: جامع الترمذي )1( .)552-551/1)، وتفسير ابن كث426/4)، والمستدرك15( )9/19الكب )، وصحيح البخاري 13543)، ومسند أحمد31805ينظر: مصنف ابن أبي شيبة )2( )،3638،3623)، وجامع الترمذي 2347)، وصحيح مسلم 5900،3548،3547( .)6387)، وصحيح ابن حبان3643ومسند أبي يع )2كأنك تراه / × مع المصطفى
عدد الصفحات ١٩23 .)1(حتى يضرب إلى منكبيه، وأحيانًا يقصر حتى يصل إلى أنصاف أذنيه × يعتني بشعره، فقد ذكرت عائشة رضي الله عنها أن رسول ا×وكان .)3( تباشر ذلك بالمشط)2(كان إذا امتشط بالمُشط، كأنه حُبُك الرمال ×وعن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها قالت .)4(مكة مرة وله أربع غدائر .)5( ضفائر أربعًا ×وفي رواية :×وصف وجهه الطاهر v ،)6(، فقد كان مستدير الوجه ×وكذلك وصفوا ما يتعلَّق بوجه النبي أبيض ×ليست استدارة كاملة، لكنه أشبه بالقمر المكتمل، فقد كان وجهه .)7(مشربًا بالحمرة، كأنما الشمس أو القمر تجري فيه )، 31805)، ومصنف ابن أبي شيبة21033،20519ينظر: مصنف عبد الرزاق )1( )،5904،5903،5901)، وصحيح البخاري 18688،12196،12139ومسند أحمد ).5061)، وسنن النسائي4186)، وسنن أبي داود2338،2337وصحيح مسلم جمع: حبيكة، وهي الطريق في الرمل. )2( )، وإحياء علوم الدين357/3)، وتاريخ دمشق300/1ينظر: دلائل النبوة للبيهقي )3( .)382/2( )، وابن1781)، والترمذي4191)، وأبو داود27429،26934أخرجه أحمد )4( .)1049( )429/24)، والطبراني في الكب3631ماجه ) 429/24)، والطبراني في الكب 4191)، وأبو داود 27430أخرجه أحمد )5( .)223/2)، وينظر: تاريخ الطبري1048( .)6297)، وصحيح ابن حبان2344ينظر: صحيح مسلم )6( )، وصحيح مسلم944)، ومسند أحمد31807،31805ينظر: مصنف ابن أبي شيبة )7( .)299/1)، ودلائل النبوة للبيهقي2344،2340( ) 2كأنك تراه / × مع المصطفى
عدد الصفحات ٢٠24 )1(وَأَبيَضَ يُسْتَسْقَى الغَمامُ بِوَجهِهِ ثِمالُ اليَتامى عِصمَةٌ لِلأَرامِلِ واسع الجبين، حتى تقول عائشة رضي الله عنها×وكان النبي أَجْلَى الجبين، إذا طلع جبينه من بين الشعر، أو اطلع في فلق الصبح، أو × ، أو طلع بوجهه على الناس، تراءوا جبينه كأنه ضوء السراج)2(عند طَفَلِ الليل .)3(المتوقِّد يت .)4(×وكانت عيناه زهراوين واسعتين، كأنه أكحل .)5( قائمًا أَقْنَى، أي: وسط الأنف مرتفع عن بقية الأنف ×وكان أنفه .)6( وخداه حافنين، أبيضين مستقيمين×وكانت وَجْنَتَاهُ )، 963)، والبخاري5673،26)، وأحمد26067أخرج هذا البيت ابن أبي شيبة )1( .)67، وهو في ديوانه (ص×) من شعر أبي طالب في الرسول1272وابن ماجه طَفَلَ الليل: أقبل ظلامه. )2( ) -مختصرًا-، وأبو نعيم في دلائل 597/1أخرجه الخطابي في غريب الحديث )3( .)363-356/3)، وابن عساكر306-298/1)، والبيهقي في دلائل النبوة549النبوة )، والبداية والنهاية 168/6)، وتخريج أحاديث الإحياء 435/3وينظر: السيرة الحلبية ).453/8( )، وجامع الترمذي 20955)، ومسند أحمد 31806ينظر: مصنف ابن أبي شيبة )4( )، والمستدرك 2024)، ومعجم الطبراني الكب 347،193)، ومختصر الشمائل 3645( )، والشمائل الشريفة436/3)، والسيرة الحلبية212/1)، ودلائل النبوة للبيهقي662/2( .)27/1للسيوطي )، ومعجم الطبراني الكبير 6)، ومختصر الشمائل 422/1ينظر: طبقات ابن سعد )5( .)215/1)، ودلائل النبوة للبيهقي414( )155/22( )، ومعجم الطبراني الكب 6)، ومختصر الشمائل 1155ينظر: الأدب المفرد )6( .)287/1)، ودلائل النبوة للبيهقي414( )155/22( ) 2كأنك تراه / × مع المصطفى
عدد الصفحات ٢١2 يهتم بنظافة فمه ×، وكان )2(، مُفَلِّج الأسنان )1( ضَلِيع الفم ×وكان .)3(بالسواك ؛ لكنها لم تكن بالكبيرة، ولكن بين ذلك، وكان )4( كَثَّة ×وكانت لحيته .)5( يهتم بتسريحها ودهنها وتنظيفها وتطييبها× :×جسده الطيب v وسطًا، فليس بالطويل البائن الشديد الطول، و ×وكان جسده الطاهر )، وصحيح مسلم 21024،20950)، ومسند أحمد422/1ينظر: طبقات ابن سعد )1( )،6289،6288)، وصحيح ابن حبان6)، ومختصر الشمائل3647)، وجامع الترمذي2339( )، ودلائل النبوة1430)، وشعب الإيمان414( )155/22)،1904ومعجم الطبراني الكب ).348،344،338،294،293/3)، وتاريخ دمشق215/1للبيهقي )، وشعب 414( )155/22)، ومعجم الطبراني الكب 6ينظر: مختصر الشمائل )2( .)348،344،338/3)، وتاريخ دمشق215/1)، ودلائل النبوة للبيهقي1430الإيمان وضليع الفم: أي: كبير الفم. والفلج -بالتحريك- فرجة ما بين الثنايا والرباعيات. ، 1783)، ومصنف ابن أبي شيبة 19605،2106ينظر: مصنف عبد الرزاق )3( )، وصحيح1136،245)، وصحيح البخاري25594،967،607)، ومسند أحمد1790 .)255،253،252مسلم )، وصحيح مسلم 21036،684)، ومسند أحمد31807ينظر: مصنف ابن أبي شيبة )4( )، ومعجم الطبرا 6297،6311)، وصحيح ابن حبان 5232)، وسنن النسائي 2344( .)86،85/1)، وتخريج أحاديث الإحياء1916الكب ، 1545،296)، وصحيح البخاري20872،20843،20826ينظر: مسند أحمد )5( )،6297)، وصحيح ابن حبان 5114)، وسنن النسائي 2344)، وصحيح مسلم 5923 ،6463)، وشعب الإيمان 4202( )664/2)، والمستدرك 1963ومعجم الطبراني الكب ).6465 ) 2كأنك تراه / × مع المصطفى
عدد الصفحات ٢٢2 .)1(بالقصير الشديد القصر، ولكنه وسط بين ذلك :×لباسه v : فقد كان يلبس ما تيسر، فلا يتكلَّف مفقودًا ولا يرد×أما ما يتعلق بلباسه .)4(، ولبس الإزار والرداء)3(، ولبس العِمامة)2(موجودًا، لبس جُبَّة رُومِيَّة وكان يحب الطَّيِّب من اللباس والنظيف، ولكنه كان لا يبالغ ولا يتكبر، « عن ذلك، لا سيما إذا صحبه الخيلاء، فقال×ولا يطيل ثوبه، وقد نهى .)5(يَنْظُرُ اللهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ :×تواضعه v كان أُنموذجًا للإنسان البعيد عن التكلُّف، البعيد عن الخيلاء ×إن النبي )، ومسند أحمد 31807)، ومصنف ابن أبي شيبة6786ينظر: مصنف عبد الرزاق )1( .)2347)، وصحيح مسلم5900،3549-3547)، وصحيح البخاري13543،1053( )،1877،1859)، ومصنف ابن أبي شيبة750،747ينظر: مصنف عبد الرزاق )2( )،5799،5798،2918،363)، وصحيح البخاري 18265،18159ومسند أحمد )، وسنن ابن ماجه 1768)، وجامع الترمذي151)، وسنن أبي داود274وصحيح مسلم ).1645)، وصحيح ابن خزيمة125،82)، وسنن النسائي3563( )، وسنن أ1359،1358)، وصحيح مسلم14375،15196ينظر: مسند أحمد )3( )،1735،1679)، وجامع الترمذي3587،1104)، وسنن ابن ماجه4077،4076داود ).5346،2869وسنن النسائي )، وصحيح 1545)، وصحيح البخاري 26275،221،208ينظر: مسند أحمد )4( .)2080،1365مسلم )، وأبو داود 2085)، ومسلم5783)، والبخاري11023،5351أخرجه أحمد )5( .)5572)، وأبو يع1731)، والترمذي4085( ) 2كأنك تراه / × مع المصطفى
عدد الصفحات ٢٣27 والكبرياء، الحريص على أن يكون قريبًا من الناس في مأكله ومشربه، وملبسه ؛ )1( يومًا على سرير فأثرت ناحية السرير في جنبه×ومركبه، ومجلسه، وقد نام ؛ بل كان يجلس أحيانًا على التراب، وربما )2(لأنه لم يكن بينه وبينه فراش وَثِير .)3(أكل على الأرض، وقعد على الحصير وفي يوم من الأيام دعته مُليكة جدة أنس بن مالك رضي الله عنهما إلى « فأكل من الطعام، ثم قال لهم×طعام صنعته له، فجاء النبي ، فنضحته )4( . قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسودَّ من طول ما لُبِسَ بِكُمْ ، وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، ×بماء، فقام عليه رسول ا .)5(فصلَّى لنا ركعتين ثم انصرف أحب البساطة ×، لكنه )6( لجعلت له الجبال ذهبًا وفضة ×ولو شاء ، 4913،2468)، وصحيح البخاري 3709،2744،222ينظر: مسند أحمد )1( .)1479)، وصحيح مسلم5843 أي: ثخين ل )2( )، وصحيح البخاري 3709)، ومسند أحمد 175/1ينظر: سيرة ابن إسحاق )3( .)1159)، وصحيح مسلم5862،1980( أي: فُرش )4( )، ومسلم 860،380)، والبخاري 12703،12529،12362أخرجه أحمد )5( .)2205)، وابن حبان801)، والنسائي612)، وأبو داود658( )، وجامع الترمذي 22190)، ومسند أحمد 466،381/1ينظر: طبقات ابن سعد )6( لأبي الشيخ×)، وأخلاق النبي578/11)، وتفسير الطبري2253)، والآحاد والمثا2347( )، والشفا 345/1)، ودلائل النبوة للبيهقي 1404)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم 267(ص )، 68/3)، والبداية والنهاية 134/4)، وتاريخ دمشق 241/1بتعريف حقوق المصطفى ).291/2)، والخصائص الكبرى292/11)، وفتح الباري321،62/6( ) 2كأنك تراه / × مع المصطفى
عدد الصفحات ٢٤28 والعفوية، وترك التكلف، وأحب أن يكون قريبًا من الناس، يشاركهم في كل ما يفعلون، ولا يشق عليهم، أو يكلفهم ما لا يستطيعون. )2كأنك تراه / × مع المصطفى
عدد الصفحات ٢٥أبـو طالـب
عدد الصفحات ٢٦31 سر إلهي v أن قيَّض له أبا طالب يحوطه ويحميه ×كان مما صنعه الله تعالى لنبيه وينصره، وكان على دين قومه، ولعل هذا من بديع الأسرار، فإنه لو كان مسلمًا ربما لم يستطع أن يصنع الذي صنع، ولضعف مقامه، لكن بقاءه على دين قومه كان من أسباب القوة والتمكين له ومراعاة قريش لهذا الجانب. جاءت إليه قريش وقالوا له: إن هذا الرجل قال كذا وكذا، وفعل كذا وكذا، فلو أعطيتنا إياه، ونعطيك أحد أبنائنا بدلاً عنه، فقال تعطوني ابنكم أَغْذُوه لكم، وأعطيكم ابن أخي تقتلونه، هذا والله لا يكون أبدًا، .)1(أفلا تعلمون أن الناقة إذا فقدت ولدها لم تحن إلى غيره وجاءوه يومًا آخر فقالوا له: ما نحن يا أبا طالب، وإن كنت فينا ذا منزلة بسنك وشرفك وموضعك، بتاركي ابن أخيك على هذا حتى نهلكه أو يكف عنا ما قد أظهر بيننا من شتم آلهتنا، وسب آبائنا، وعيب ديننا، فإن شئت فاجمع لحربنا، )، وتاريخ الطبري 202/1)، وطبقات ابن سعد133/2ينظر: سيرة ابن إسحاق )1( .)63/3)، والبداية والنهاية344/66)، وتاريخ دمشق545/1(
عدد الصفحات ٢٧32 وإن شئت فدع، فقد أعذرنا إليك، وطلبنا التخلص من حربك وعداوتك، فكل ما نظن أن ذلك مخلص، فانظر في أمرك، ثم اقض إلينا قضاءك. وقال له: يا ابن أخي، إن قومك قد جاءوني فقالوا كذا ×فدعا النبي وكذا، وآذوني قبل، فأبق عليَّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق أنا ولا أنت، واكفف عن قومك ما يكرهون من قولك هذا الذي فرَّق بيننا أنه قد بدا لعمه فيه بداء، وأنه خاذله ومسلمه، ×وبينهم. فظن رسول ا « :×وضعف عن نصرته والقيام معه، فقال رسول ا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي والْقَمَرَ فِي يَسَارِي عَلَى أنْ أَتْرُكَ هَذَا الأمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللهُ أوْ فبكى ثم قام، فلما ولَّى ناداه أبو ×. ثم استعبر رسولُ ا أَهْلِكَ فِيهِ مَا تَرَكْتُهُ ، فقال: اذهب يا ابن ×طالب فقال: أقبل يا ابن أخي. فأقبل عليه رسول ا أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدًا. وفي رواية: قال أبو طالب: إن بني عمك هؤلاء قد زعموا أنك تؤذيهم في ببصره إلى السماء ×ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم. فحلق رسول ا «. قالوا: نعم. قال«فقال . فقال أبو طالب: والله ما كذبنا ابن مِنْكُمْ عَلَى أنْ تَسْتَشْعِلُوا لي مِنْها شُعْلَةً .)1(أخي فارجعوا جاءته قريش مرة أخرى، فوقف أمامهم، وبيَّن لهم أنه لا يمكن أن يتخلى ) 176/12)، وأبو يع315/2)، والطبري في تاريخه136/2أخرجه ابن إسحاق )1( )،187/2)، وينظر: دلائل النبوة للبيهقي315/66)،5-4/41)، وابن عساكر6804( .)236/7)، والإصابة149/1وتاريخ الإسلام أبو طالب / × مع المصطفى
عدد الصفحات ٢٨33 ، فهددوه بأن يجتمعوا ويتحالفوا عليه وعلى قومه، فحينئذٍ قال ×عن النبي :)1(أبو طالب قصيدته المشهورة التي ذكرها ابن هشام وغيره وَلمَّا رَأَيتُ القَـومَ لا وُدَّ عِندَهُــم وَقَد قَطَعوا كُلَّ العُرى وَالوَسائِـلِ وَقَــدْ حالَفُــوا قَومًا عَلَينا أَظِـنَّـةً يَعَضُّـونَ غَيظًــا خَلفَنا بِالأَنامِــلِ صَبَرتُ لَهُم نَفسي بِسمراءَ سَمحَةٍ وَأَبيَضَ عَضبٍ مِن تُراثِ المقاوِلِ :)2(×ويقول وهو يصف النبي وَأَبيَضَ يُستَسقى الغَمامُ بِوَجهِهِ ثِمالُ اليَتـامى عِصمَــةٌ لِلأَرامِــلِ يَلوذُ بِهِ الهُلاَّكُ مِـن آلِ هاشِــم فَهَــم عِنْدَهُ في نِعمَــةٍ وفَوَاضِــلِ أَعوذُ بِرَبِّ الناسِ مِن كُلِّ طاعِنٍ عَلَينا بِســوءٍ أَو مُـــلِــحٍّ بِباطِــلِ وَمِن كاشِـحٍ يَسعَـى لَنا بِمعيـبَةٍ وَمِن مُلحِقٍ في الدينِ ما لَم نُحاوِلِ يشير هنا إلى أنه يستعيذ بالله من شر هؤلاء القوم الذين يتآمرون ضده ويهددونه، وقد فعلوا، كما في قصة الصحيفة الظالمة التي كتبوها وعلقوها في جوف الكعبة، والتي كان فيها مقاطعة لبني هاشم ومَن في حكمهم: لا )، وتاريخ 319/66)، وتاريخ دمشق 108/2ينظر: السيرة النبوية لابن هشام )1( .)63)، وهو في ديوانه (ص496/2)، وفتح الباري39/1الإسلام )، والبخاري 5673،26)، وأحمد 26067أخرج البيت الأول: ابن أبي شيبة )2( )، وتاريخ 109-108/2)، وينظر: السيرة النبوية لابن هشام 1272)، وابن ماجه 963( )، وهو246،186،91،44/6)،55-54/3)، والبداية والنهاية163-162/1الإسلام ).67،64في ديوانه (ص أبو طالب / × مع المصطفى
عدد الصفحات ٢٩34 .)1(يبيعونهم، ولا يشترون منهم، ولا يناكحونهم لقد كانت هذه الصحيفة جولة من الحرب الظالمة، وهي خطة يتواصى بها أعداء الإسلام اليوم عبر العصور. لقد قامت قريش بهذا العمل وعلَّقت صحيفة المقاطعة، حتى أصابهم ما أصابهم من الجوع والفقر، بل كانوا يأكلون الجلود اليابسة ويستفونها، ثم قام بعد ذلك مَن أراد أن يقضي على هذه الصحيفة، لكنهم وجدوا أن الأَرَضَة كانت قد أكلتها، في إشارة إلى أن الله تعالى لا يُصْلح عمل المفسدين. إن المواقف النبيلة من أبي طالب ومَن معه من آل هاشم في نصرة النبي وإحاطته لها معانٍ عظيمة. × ولعل من أبرز المعاني التي نشير إليها: أن الذين لم يؤمنوا بهذا الدين درجات ومقامات، فلكل واحد منهم مقام يناسبه. على هدايته حتى آخر ×فمثل أبي طالب له مقام خاص، وقد حرص « وقال×لحظة، ففي لحظة الموت جاءه . فقال: لولا أن تعيرني قريش، يقولون: إنما حمله على ذلك بِهَا يَوْمَ الْقِيامَةِ .)2(الجزع لأقررت بها عينك )، والكامل في 549/1)، وتاريخ الطبري195/2 ينظر: السيرة النبوية لابن هشام) 1( .)108/3)، والبداية والنهاية378/5)، وأسد الغابة269/1التاريخ )، 23724،9685،9608)، ومسند أحمد 222/4ينظر: سيرة ابن إسحاق )2( )، وتفس3188)، وجامع الترمذي25،24)، وصحيح مسلم1294وصحيح البخاري -344/2)، ودلائل النبوة للبيهقي544/1)، وتاريخ الطبري92/20)،41/11الطبري )، 124/3)، والبداية والنهاية396/3)، وتفسير ابن كث233/1)، وتاريخ الإسلام345 .)74،73)، والأبيات في ديوانه (ص46/2)، والسيرة الحلبية334/7( أبو طالب / × مع المصطفى
عدد الصفحات ٣٠3 :)1(وقد كان يقول فوَاللهِ لَــوْلاَ أنْ أَجِـيءَ بِسُبَّــةٍ تجرُّ عَلَى أَشْياخِنَا فِي المَحافِـلِ لكُنَّا اتَّبَعْناهُ عَلَى كُــلِّ حَالَــةٍ مِنَ الدَّهْرِ جدًّا غَيْرَ قَوْلِ التَّهَازُلِ لَقـدْ عَلِمُوا أنَّ ابنَنَا لا مُكَذَّبٍ لَدَيْنَا وَلا يُعْنَى بِقـوْلِ الأباطِــلِ وَجُدتُ بِنَفْسِي دُونَـهُ وحَمَيْتُهُ ودَافَعْتُ عَنْهُ بِالطُّلَى والكَلاكِـلِ :)2(ويقول أيضًا ولَقدْ عَلِمْتُ بِأنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ مِنْ خَيْـرِ أَدْيـانِ الْبَرِيَّـةِ دِينَا لَوْلاَ المَلامَةُ أوْ حِذَارِي سُبَّةً لَوَجدْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبِينَا لقد مات أبو طالب على غير الإسلام، ومات وهو يقول: هو على ملة عبد المطلب. : هذا الرجل مات على غير الإسلام، ومع ذلك فالمسلمون جميعًا إذًا يعترفون بهذا العمل الكبير الذي عمله، ولم يكتب أحد في السيرة إلا وأشاد له محبة شخصية وليست ×بهذا الموقف النبيل، بل القرآن سجَّل محبة النبي )، والبداية 163/1)، وتاريخ الإسلام 115/2ينظر: السيرة النبوية لابن هشام )1( .)57/3والنهاية ) البيت الأول بلفظه، وذكره الباقون بلفظ: وعرضت 64/1ذكر البغوي في تفسيره )2( )، ودلائل136/2دينًا قد علمت بأنه... من خير أديان البرية دينا، وينظر: سيرة ابن إسحاق )، والبداية والنهاية 150/1)، وتاريخ الإسلام21/3)، وزاد المس188/2النبوة للبيهقي ).91)، والأبيات في ديوانه (ص127/7) وروح المعا42/3( أبو طالب / × مع المصطفى
عدد الصفحات ٣١3 .]56[ ﱫﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓﱪمحبة دينية، ولهذا قال سبحانه: ، ومن حبه أن أحب هدايته.×نعم، أحبه ومن هنا ينبغي أن نراعي أن هناك من غير المسلمين مَن لديه نوع من تقبل الإسلام أو الرغبة فيه، وعنده وفاء وذمة أو أمانة. ﱫ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ بينما هناك مَن يقول الله تعالى عنهم: . فهؤلاء كفروا، وزادوا على كفرهم أيضًا أنهم صدوا عن ]1[ ﭘﱪ سبيل الله. ﱫﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚﱪوقال أيضًا: ، فهؤلاء يفسدون ويصدون ويحاربون.]88[ : الكفار درجات، وينبغي أن نراعي أن التعامل مع هؤلاء الناس بالعدلإذًا والصدق من أهم أسباب تقريبهم للدين، فالذي أعلن دخوله في الإسلام اليوم، كان يفكِّر في الإسلام بالأمس، وقبل شهر قرأ، وقبل سنة سمع وحاول التعرف على الدين، فهو قد قطع طريقًا طويلة، وهكذا فقد يكون مَن تلقاه من غير المسلمين قد قطع مرحلة في الطريق إلى هذا الدين، ولذا يفترض فينا ألا نصد عن سبيل الله، بل نكون ممن يقرب الناس لهذا الدين بالخلق الفاضل وحسن التعامل مع الناس، وإدراك أن الكفار هم محل للدعوة أيضًا. أبو طالب / × مع المصطفى
عدد الصفحات ٣٢