المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تطريز شرح حديث أبي الدرداء لابن رجب الحنبلي

صالح بن عبد الله بن حمد العصيمي

صفحة ٣ من ٤

الشيخ/ صالح بن عبد الله بن حمد العصيمي 33 قولهﷺ: «و إ ن الع ال م ل ي س ت غ ف ر ل ه م ن ف ي الس م و ات و م ن ف ي الأ ر ض ، ح ت ى الح يت ان ف ي ج وف الم اء ». قد أخبر افي كتابه باستغفار ملائكة السماء للمؤمنين عموم ا بقوله تعالى: {ال ذ ين ي ح م ل ون ال ع ر ش و م ن ح و ل ه ي س ب ح ون ب ح م د ر ب ه م و ي ؤ م ن ون ب ه و ي س ت غ ف ر ون ل ل ذ ين آم ن وا }. وقوله تعالى {و ال م لا ئ ك ة ي س ب ح ون ب ح م د ر ب ه م و ي س ت غ ف ر ون ل م ن ف ي الأ ر ض } فهذا للمؤمنين عموماً. فأما العلماء فيستغفر لهم أهل السماء وأهل الأرض حتى الحيتان في البحر. وخرج الترمذي من حديث أبي أمامة -رضي الله عنه- عن النبي ﷺ قال: «إ ن الله و م لا ئ ك ت ه و أ ه ل الس م و ات و ا لأ ر ض ين ح ت ى الن م ل ة ف ي ج ح ر ه ا و ح ت ى الح وت ف ي الب ح ر ل ي ص ل ون ع ل ى م ع ل م ي الن اس الخ ي ر » وصححه الترمذي وخرج الطبراني من حديث جابر، عن النبي ﷺ قال: «م ع ل م الن اس ال خ ي ر ي س ت غ ف ر ل ه ك ل ش يء ح ت ى الح يت ان ف ي ال ب ح ر ». ويروى من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه ، عن النبي ﷺ: «الع ل م اء و ر ث ة الأ ن ب ي اء ، ي ح ب ه م أ ه ل الس م اء ، و ت س ت غ ف ر ل ه م الح يت ان ف ي الب ح ر إ ذ ا م ات وا إ ل ى ي وم ال ق ي ام ة ». وورد الاستغفار أيض ا لطالب العلم ؛ ففي مسند الإمام أحمد عن قبيصة بن المخارق قال: أت ي ت الن ب ي ﷺ ف ق ال : «م ا ج اء ب ك ؟ » ق ل ت : ك ب ر س ن ي، و ر ق ع ظ م ي، و أ ت ي ت ك ل ت ع ل م ن ي م ا ي ن ف ع ن ي الله ب ه ، قال: «ي ا ق ب يص ة ، م ا م ر ر ت ب ح ج ر و لا ش ج ر و لا م د ر إ لا اس ت غ ف ر ل ك ». وقد دل قوله تعالى{ي ا أ ي ه ا ال ذ ين آم ن وا اذ ك ر وا الله ذ ك ر ا ك ث ير ا * و س ب ح وه ب ك ر ة و أ ص يلا * ه و ال ذ ي ي ص ل ي ع ل ي ك م و م لا ئ ك ت ه ل ي خ ر ج ك م م ن الظ ل م ات إ ل ى الن ور } . على أن الله وملائكته يصلون على أهل الذكر، والعلم من أفضل أنواع الذكر، كما سبق تقريره وخر ج الحاكم من حديث سليم بن عامر قال: ج اء ر ج ل إ ل ى أ ب ي أ م ام ة رضي الله عنه ف ق ال : ي ا أ ب ا أ م ام ة ، إ ن ي ر أ ي ت ف ي م ن ام ي، ك أ ن الم لا ئ ك ة ت ص ل ي ع ل ي ك ك ل م ا د خ ل ت و ك ل م ا خ ر ج ت ، و ك ل م ا ق م ت و ك ل م ا ج ل س ت ف ق ال أ ب و أ م ام ة : الل ه م غفر ا، د ع ون ا ع ن ك م ، و أ ن ت م ل و ش ئ ت م ل ص ل ت ع ل ي ك م ال ملا ئك ة . ث م ق ر أ : {ي ا أ ي ه ا

عدد الصفحات ٣٣

شرح رسالة وراثة الأنبياءشرح حديث أبي الدرداء شرح حديث أبي الدرداء 34 ال ذ ين آم ن وا اذ ك ر وا الله ذ ك ر ا ك ث ير ا * و س ب ح وه ب ك ر ة و أ ص يلا * ه و ال ذ ي ي ص ل ي ع ل ي ك م و م لا ئ ك ت ه ل ي خ ر ج ك م م ن الظ ل م ات إ ل ى الن ور } . وقد ذكر بعضهم السر في استغفار دواب الأرض للعلماء، وهو أن العلماء يأمرون الناس بالإحسان إلى المخلوقات كلها، وبإحسان قتل ما يجوز قتله أو ذبحه من الحيوانات، فيتعدى نفعهم إلى الحيوانات كلها، فلذلك يستغفرون لهم. ويظهر فيه معن ى آخر وهو أن سائر المخلوقات مطيعة لله، قانتة له، مسبحة له غير عصاة الثقلين: الجن والإنس، فكل الخلق المطيعين لله يحبون أهل طاعته، فكيف به وهو يعرف الله ويعرف حقوقه وطاعته؟ فمن كانت هذه صفته، فإن الله يحبه ويزكيه ويثني عليه، ويأمر عباده من أهل السماء والأرض وسائر خلقه بمحبته والدعاء له، وذلك هو صلاتهم عليه، ويجعل له المودة في قلوب عباده المؤمنين. كما قال تعالى: {إ ن ال ذ ين آم ن وا و ع م ل وا الص ال ح ات س ي ج ع ل ل ه م الر ح م ن و د ا } . ولا تختص محبته بالحيوانات؛ بل تحبه الجمادات أيض كما جاء في تفسير قوله تعالى: {ف م ا ب ك ت ع ل ي ه م الس م اء و الأ ر ض } أن الس ماء والأ رض ت ب ك ى ع ل ى الم ؤ م ن إ ذ ا م ات أ ر ب ع ين ص ب اح ا. وفي الحديث: إ ن الأ ر ض ت ق ول ل ل م ؤ م ن إ ذ ا د ف ن : إ ن ك ن ت لأ ح ب م ن ي م ش ي ع ل ى ظ ه ر ي، ف س ت ر ى إ ذ ا ص ر ت إ ل ى ب ط ن ى صنيعي . وإنما يبغض المؤمن والعالم عصاة الثقلين؛ لأن معصيتهم لله اقتضت تقديم أهواء نفوسهم على محبة الله وطاعته، فكرهوا طاعة الله وأهل طاعته، ومن أحب الله وأحب طاعته أحب أهل طاعته، وخصوص ا من دعا إلى طاعته وأمر الناس بها. وأيض ا فإن العلم إذا ظهر في الأرض وعمل به در ت البركات ونزلت الأرزاق فيعيش أهل الأرض كلهم، حتى النملة وغيرها من الحيوانات ببركته، ويستبشر أهل السماء بما يرتفع لأهل الأرض من الطاعات والأعمال الصالحات فيستغفرون لمن كان السبب في ذلك.

عدد الصفحات ٣٤

الشيخ/ صالح بن عبد الله بن حمد العصيمي 35 وعكس هذا أن من كتم العلم الذي أمر الله بإظهاره لعنه الله وملائكته وأهل السماء والأرض، حيث سعى في إطفاء نور الله في الأرض، الذي بسبب إخفائه تظهر المعاصي والظلم والعداوة والبغي. قال الله تعالى: {إ ن ال ذ ين ي ك ت م ون م ا أ ن ز ل ن ا م ن ال ب ي ن ات و ال ه د ى م ن ب ع د م ا ب ي ن اه ل لن اس ف ي ال ك ت اب أ ول ئ ك ي ل ع ن ه م الله و ي ل ع ن ه م اللا ع ن ون } . وقد قيل أنها نزلت في أهل الكتاب، الذين كتموا ما عندهم في كتابهم من صفة النبيﷺ. وكان أبو هريرة يقول: ل و لا آي ة م ن ك ت اب الله م ا ح د ث ت ك م ش ي ئ ا أ ب د ا. و ي ت ل و ه ذ ه الآي ة . وفي سنن ابن ماجه عن البراء بن عازب، عن النبي ﷺ في قوله: {ي ل ع ن ه م الله و ي ل ع ن ه م اللا ع ن ون } ق ال د و اب الأ ر ض . وقد روي هذا موقوف ا على البراء . وروي عن طائفة من السلف قالوا: ت ل ع ن ه م د و اب الأر ض ، ويقولون: م نع ن ا الق ط ر ب خ ط اي ا ب ن ي آد م . فإن كتمان العلم النافع سبب لظهور الجهل والمعاصي، وذلك يوجب محو المطر ونزول البلاء، فيعم دواب الأرض، فتهلك بخطايا بني آدم، فتلعن الدواب من كان سبب ا لذلك. وقد ظهر بهذا أن محبة العلماء من الدين، كما قال علي رضي الله عنه لكميل بن زياد: و م ح ب ة الع ال م د ين ي د ان ب ه ا. وفي الأثر المعروف: ك ن ع ال م ا أ و مت ع ل م ا أ و م س ت م ع ا أ و م ح ب ا ل ه م ، و لا ت ك ن الخ ام س ف ت ه ل ك . قال بعض السلف عند هذا: س بح ان الله ! ل ق د ج ع ل الله ل ه م م خ ر ج ا. يعني أن ه لا يخرج عن هذه الأربعة الممدوحة إلا الخامس الهالك، وهو من ليس بعالم ولا متعلم، ولا مستمع ولا محب لأهل العلم، وهو الهالك. فإن من أبغض أهل العلم أحب هلاكهم، ومن أحب هلاكهم فقد أحب أن يطفأ نور الله في الأرض ويظهر فيها المعاصي والفساد، فيخشى أن لا يرفع له مع ذلك عمل، كما قال سفيان الثوري وغيره من السلف. وكان بعض خدم الخلفاء يبغض أبا الفرج ابن الجوزي ويسعى في أذاه بجهده فرآه بعضهم في منامه وهو يذهب به إلى النار، فسئل عن سبب ذلك فقيل له: كان يبغض ابن الجوزي.

عدد الصفحات ٣٥

شرح رسالة وراثة الأنبياءشرح حديث أبي الدرداء شرح حديث أبي الدرداء 36 قال ابن الجوزي: ل م ا ز اد ت ع ص ب ه و أ ذ اه ل ج أ ت إ ل ى الله ف ي ك ش ف س ت ر ه ، ف ق ص م ه الله ت ع ال ى ق ر يب ا . ولما قتل الحجاج سعيد بن جبير ك ان الن اس ك ل ه م م ح ت اج ين إ ل ى ع لم ه ، ف م ن ع ه م الان ت ف اع ب ع ل م ه ، ف ر ئ ي ف ي الم ن ام أ ن الح ج اج ق ت ل ب ك ل ق ت يل ق ت ل ه ف ي الد ن ي ا ق تل ة ، و ق ت ل ب سعيد بن ج بير س ب ع ين ق ت ل ة . ولهذا المعنى كان أشد الناس عذاب ا من قتل نبي ا؛ لأن ه سعى في الأرض بالفساد، ومن قتل عالم ا فقد قتل خليفة نبي، فهو ساع في الأرض بالفساد أيضاً، ولهذا قرن الله بين قتل الأنبياء وقتل العلماء الآمرين بالمعروف في قوله تعالى: {و ي ق ت ل ون الن ب ي ين ب غ ي ر ح ق و ي ق ت ل ون ال ذ ين ي أ م ر ون ب ال ق س ط م ن الن اس ف ب ش ر ه م ب ع ذ اب أ ل يم } . وقال عكرمة وغيره من السلف في قوله تعالى{م ن ق ت ل ن ف س ا ب غ ي ر ن ف س أ و ف س اد ف ي الأ ر ض ف ك أ ن م ا ق ت ل الن اس ج م يع ا و م ن أ ح ي اه ا ف ك أ ن م ا أ ح ي ا الن اس ج م يع ا } م ن ق ت ل ن ب ي ا أ و إ م ام ع د ل ق ال : ف ك أ ن م ا ق ت ل الن اس ج م يع ا، و م ن ش د ع ل ى ع ض د ن ب ي أ و إ م ام ع د ل ف ك أ ن م ا أ ح ي ا الن اس ج م يع ا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ذكر المصنف رحمه الله تعالى في هذه الجملة بيان قوله ﷺ: «و إ ن الع ال م ل ي س ت غ ف ر ل ه م ن ف ي الس م و ات و م ن ف ي الأ ر ض ، ح ت ى الح يت ان ف ي ج وف الم اء » . فبي ن رحمه الله تعالى أن هذا استغفار خاص دون الاستغفار الذي يكون للم ؤمنين عامة من بعض الأجناس؛ كاستغفار الملائكة لأهل الإيمان فيكون في تخصيصهم باستغفار آخر على علو قدرهم، وشرفهم وارتفاع منزلتهم عند الله ▐ فتستغفر لهم الملائكة في السماء، وتستغفر لهم المخلوقات في الأرض؛ فيجمع الله عز وجل للعلماء بين استغفار هؤلاء وهؤلاء. و قد رويت أحاديث في أن الاستغفار يشمل أيض ا طلاب العلم ممن لم يبلغوا المرتبة العالية وهي مرتبة العالم لكن لا يثبت منها شيء، والظاهر من الأخبار أن الاستغفار مخصوص بالعلماء، وإنما خ ص الاستغفار بالعلماء لأنهم به أحق وأولى فإنه يقع على أيديهم ما لا يقع على أيدي المتعلمين. وقد بي ن المصنف رحمه الله تعالى وجه ذلك فنقل قولا ، وأبدى قولا فصار مجموع ما ذكره رحمه الله تعالى من الأقوال المبينة لسبب استغفار من في السماء ومن في الأرض للعلماء شيئين اثنين:

عدد الصفحات ٣٦

الشيخ/ صالح بن عبد الله بن حمد العصيمي 37 أحدهما: أن الإحسان الجاري بين المخلوقات كلها إنما هو في تعلي م العلماء، فصار من شكر هؤلاء العلماء الاستغفار لهم. والثاني: أن المخلوقات كلها خاضعة مطيعة لله ▐، والله عز وجل يحب العلماء ولازم من كل مطيع ا لله ▐ أن يحب من أحبه الله عز وجل، ومن مظاهر محبة من يحبه ا عز وجل الاستغفار له، والصلاة عليه وهذا هو الواقع من هذه المخلوقات في حق العلماء؛ فصارت الصلاة والاستغفار لمعلم الخير لأجل هذين المعنيين الكريمين كلاهما. ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى أن بث العلم ونشره يورث صاحبه محبة الله عز وجل وثناءه عليه، ويأمر الله عز وجل عباده من أهل السماء والأرض أن يحبوه؛ فيكون لهؤلاء من المحبة القدر العظيم في قلوب المخلوقات حتى في الجمادات كما ذكر المصنف رحمه الله تعالى. وإنما يبغض العلماء عصاة الثقلين لأنهم يطلبون أهواء أنف سهم وموا فقة مراداتها ولا يمكنون من ذلك بتعليم العلماء للناس وتمييزهم بين الخير والشر؛ فعند ذلك يقع لهؤلاء بغض العلماء. ومن أبغض عالم ا فإنه بمنزلة من أبغض من ورثه ذلك العالم وهو النبي؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء فلا يبغض العلماء ويسعى في إلحاق الضرر بهم، ويجمع خيله ورجله لأجل الإزراء عليهم وتنقصهم إلا من لم يقم في قلبه حب النبي ﷺ مقام ا تام ا. ثم بي ن رحمه الله تعالى أن كتم العلم موجب لما يقابل بثه؛ فإن بث العلم كما سلك يوجب محبة الناس. وكذلك فإن كتمه يوجب بغض الخلق له حتى يبلغ بهم بغض صاحبه إلى أن يلعنه اللاعنون كما ذكر الله ▐ في حق من كتم العلم، وإنما صار لهم هذا البغض الشديد واللعن؛ لأنهم في الحقيقة الساعون إلى إطفاء نور الله عز وجل في الأرض الذي هو العلم وإذا انطفأ نور الله ▐ في العلم وقع ضلال الجهل والضلالة والحيرة والشك والشبهة والريبة. ثم أعاد المصنف رحمه الله تعالى تقرير أن محبة العلماء من الدين الذي يتدين به الإنسان لما لهم من المنزلة والحظوة والمقام، فمن كان على الهدى و السداد ف إنه يحب العلماء لأن الله ▐

عدد الصفحات ٣٧

شرح رسالة وراثة الأنبياءشرح حديث أبي الدرداء شرح حديث أبي الدرداء 38 يحبهم، وقد جعل لهم ميراثة النبوة فهم محبوبون لأجل ما صار إليهم من العلم والهدى لا لذواتهم المجردة وإنما لأجل الخير الذي هم بسبب بثه ونشره وإيضاحه للخلق.

عدد الصفحات ٣٨

الشيخ/ صالح بن عبد الله بن حمد العصيمي 39 قولهﷺ: و ف ض ل الع ال م ع ل ى الع اب د ك ف ض ل الق م ر ل ي ل ة الب د ر ع ل ى س ائ ر الك و اك ب . وقد ر و ي هذا المعنى عن النبي ﷺ أيض ا من حديث معاذ وأبي الدرداء ، ولكن إسنادهما منقطع. وفي هذا المثل تشبيه للعالم بالقمر ليلة البدر، وهو نهاية كماله، وتمام نوره، وتشبيه للعابد بالكواكب، وأن بين العالم والعابد من التفاوت في الفضل ما بين القمر ليلة البدر والكواكب، والسر في ذلك -والله أعلم - أن الكوكب ضوءه لا يعدو نفسه، وأما القمر ليلة البدر فإن نوره يشرق على أهل الأرض جميع ا، فيعمهم نوره فيستضيئون بنوره، ويهتدون به في مسيرهم. وإنما قال: على سائر الكواكب ولم يقل: على سائر النجوم؛ لأن الكواكب هي التي لا تسير ولا يهتدى بها، فهي بمنزلة العابد الذي نفعه مقصور على نفسه، وأما النجوم فهي التي يهتدى بها كما قال تعالى: {و ب الن ج م ه م ي ه ت د ون } . وقال{و ه و ال ذ ي ج ع ل ل ك م الن ج وم ل ت ه ت د وا ب ه ا ف ي ظ ل م ات ال ب ر و ال ب ح ر } . فكذلك م ث ل العلماء من أمته بالنجوم في الحديث الذي سبق ذكره وكذلك روي عنه أن ه قال: أ ص ح اب ي ك ا لن ج وم ؛ ف ب أ ي ه م اق ت د ي ت م اه ت د ي ت م . وقد قيل: إن القمر إنما يستفيد نوره من ضوء الشمس، كما أن العالم نوره مقتبس من نور الرسالة، فلذلك ش به بالقمر ولم يشبه بالشمس. ولما كان الرسول ﷺ سراج ا منير ا، يشرق نوره على الأرض، كان العلماء ورثته وخلف اؤه مشبهين بالقمر عند تمام نوره وإضاءته. وفي الصحيح عن النبي ﷺ: إ ن أ و ل ز م ر ة يدخلون الج ن ة ع ل ى ص ور ة الق م ر ل ي ل ة الب د ر لأ ه ل الأ ر ض ، ث م ال ذ ين ي ل ون ه م ع ل ى أ ض و أ ك و ك ب د ر ي ف ي الس م اء . ولا يبعد-والله أعلم- أن العلماء الربانيين من الزمرة الأولى، كما كانوا في الدنيا بمنزلة القمر ليلة البدر لأهل الأرض، وقد يشاركهم في ذلك المبرزون من العباد ولا سيما من انتفع الناس باستماع أخبارهم، ورقت القلوب عند ذكرهم، وحنت إلى اقتفاء آثارهم، وأما الزمرة الثانية فهم عموم العباد.

عدد الصفحات ٣٩

شرح رسالة وراثة الأنبياءشرح حديث أبي الدرداء شرح حديث أبي الدرداء 40 ولما مات الأوزاعي، وكان إمام أهل الشام في العلم مع شدة عبادته وكثرة خشيته وخوفه من الله تعالى رئي في المنام ف ق ال : ما رأيت هناك أعظم من درجة العلم، ثم درجة المحزونين، يعني: أهل الخوف من الله والخشية والحزن. وقد دل هذا الحديث على تفضيل العلم على العبادة تفضيلا بين ا، والأدلة الدالة على ذلك كثيرة. قال الله تعالى: {ه ل ي س ت و ي ال ذ ين ي ع ل م ون و ال ذ ين لا ي ع ل م ون } . وقال{ي ر ف ع الله ال ذ ين آم ن وا م ن ك م و ال ذ ين أ وت وا ال ع ل م د ر ج ات } . يعني: على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم، كذا قال ابن مسعود رضي الله عنه وغيره من السلف. وخرج الترمذي من حديث أبي أمامة، عن النبي ﷺ: أ ن ه ذ ك ر ل ه ر ج لا ن أ ح د ه م ا ع اب د ، و الآخ ر ع ال م ، ف ق ال ص ل ى الله ع ل ي ه و س ل م : «ف ض ل الع ال م ع ل ى الع اب د ك ف ض ل ي ع ل ى أ د ن اك م » وقال: صحيح حسن غريب وخرج أيضاً هو وابن ماجه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، عن النبي ﷺ قال: ف ق يه و اح د أ ش د ع ل ى الش ي ط ان م ن أ ل ف ع اب د . وخرج ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: خ ر ج ر س ول الله ﷺ ذ ات ي و م ف د خ ل ال م س ج د ، ف إ ذ ا ه و ب ح ل ق ت ي ن ، إ ح د اه م ا ي ق ر ء ون ال ق ر آن و ي د ع ون الله -ع ز و ج ل - و الأ خ ر ى ي ت ع ل م ون و ي ع ل م ون ، ف ق ال الن ب ي ﷺ« :ك ل ع ل ى خ ي ر ، ه ؤ لا ء ي د ع ون الله -ع ز و ج ل - و ي ق ر ء ون ال ق ر آن ، ف إ ن ش اء أ ع ط اه م ، و إ ن ش اء م ن ع ه م ، و ه ؤ لا ء ي ت ع ل م ون و ي ع ل م ون ، و إ ن م ا ب ع ث ت م ع ل م ا. ف ج ل س م ع ه م » . وخرجه ابن المبارك في كتاب الزهد وزاد فيه بعد قوله: و إ ن م ا و إ ن م ا ب ع ث ت م ع ل م ا : ه ؤ لا ء أ ف ض ل . وخرج الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ: ق ل يل ال ف ق ه خ ي ر م ن ك ث ير ال ع ب اد ة . وخرج البزار والحاكم وغيرهما بأسانيد متعددة مرفوع ا: ف ض ل ال ع ل م أ ح ب م ن ف ض ل ال ع ب اد ة ، و خ ي ر د ين ك م ال و ر ع . وفي مراسيل الزهري عن النبي ﷺ: ف ض ل ال ع ال م ع ل ى ال ع اب د س ب ع ون د ر ج ة ، م ا ب ي ن ك ل د ر ج ت ي ن م س ير ة ح ض ر ج واد م ائ ة ع ام . والآثار الموقوفة عن السلف في هذا كثيرة جد ا: فروي عن أبي هريرة وأبي ذر قالا: الب اب ي ت ع ل م ه الر ج ل أ ح ب إ ل ي ن ا م ن أ ل ف ر ك ع ة ت ط و ع ا .

عدد الصفحات ٤٠

الشيخ/ صالح بن عبد الله بن حمد العصيمي 41 وخرجه ابن ماجه من حديث أبي ذر مرفوع ا وروي عن أبي الدرداء قال: م ذ اك ر ة الع ل م س اع ة خ ي ر م ن ق ي ام ل ي ل ة . ويروى عن أبي هريرة مرفوع ا : لأ ن أ ف ق ه س اع ة أ ح ب إ ل ي م ن أ ن أ حي ي ل يل ة أ ص ل يه ا ح ت ى أ ص ب ح . وعنه قال: لأ ن أ ع ل م ب اب ا م ن الع ل م ف ي أ م ر أ و ن ه ي أ ح ب إ ل ي م ن س ب ع ين غ ز و ة ف ي س ب يل الله -ع ز و ج ل - . وعن ابن عباس- رضي الله عنه- قال: ت ذ اك ر الع لم ب عض ل يل ة أ ح ب إ ل ي م ن إ ح ي ائ ه ا . وصح عن أبي موسى الأشعري أن ه قال: ل م ج ل س أ ج ل س ه م ن ع ب د الله ب ن م س ع ود أ و ث ق ف ي ن ف س ى م ن ع م ل س ن ة . وعن الحسن قال: لأ ن أ ت ع ل م ب اب ا م ن الع ل م ف أ ع ل م ه م س ل م ا أ ح ب إ ل ي م ن أ ن ت ك ون ل ي الد ن ي ا ك ل ه ا أ ج ع ل ه ا ف ي س ب يل الله -ع ز و ج ل - . وعنه قال: إن ك ان الر ج ل ل ي ص يب الب اب م ن الع ل م ف ي ع م ل ب ه ف يك ون خ ير ا ل ه م ن الد ن ي ا و م ا ف يه ا، ل و ك ان ت ل ه ف ي ج ع ل ه ا ف ي الآخ ر ة . وعنه قال: م د اد الع ل م اء ود م الش ه د اء م ج ر ى و اح د . وعنه: م ا م ن ش ي ء م م ا خ ل ق الله أ ع ظ م ع ند الله ف ي ع ظ يم الث و اب م ن ط ل ب ع ل م ، لا ح ج ، و لا ع م ر ة ، و لا ج ه اد ، و لا ص د ق ة ، و لا ع ت ق ، و ل و ك ان الع ل م ص ور ة ل ك ان ت ص ور ت ه أ ح س ن م ن ص ور ة الش م س و الق م ر و الن ج وم و الس م اء و الع ر ش . قال الزهري: تعلم سنة أفضل من ع ب اد ة م ائ ت ي س ن ة . وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة: ل يس ب عد الف ر ائ ض أ ف ض ل م ن ط ل ب الع ل م . قال الثوري: لا ن عل م ش ي ئ ا م ن الأ ع م ال أ ف ض ل م ن ط ل ب الع ل م و الح د يث ل م ن ح س ن ت ف يه ني ت ه . ق يل ل ه : وأ ي ش يء الن ي ة ف يه ؟ ق ال : ي ريد الله والد ار الآخ ر ة . وقال الشافعي: ط ل ب الع ل م أ ف ض ل م ن ص لا ة ن اف ل ة . ورأى مالك بعض أصحابه يكتب الع ل م ثم تركه وقام يصلي، ف ق ال : ع ج ب ا ل ك ! م ا ال ذ ي ق م ت إ ل ي ه ب أ ف ض ل م ن ال ذ ي ت ر ك ت ه .

عدد الصفحات ٤١

شرح رسالة وراثة الأنبياءشرح حديث أبي الدرداء شرح حديث أبي الدرداء 42 وسئل الإمام أحمد: أ ي م ا أ ح ب إ ل يك ، أ ن أ ص ل ي ب الل يل ت ط و ع ا، أ و أ ج ل س أ نس خ الع ل م ؟ قال: إ ذ ا كنت ت نس خ م ا تعلم أ مر د ين ك ف ه و أ ح ب إ ل ي . وقال أحمد أيضاً: الع ل م لا ي ع د ل ه ش يء . وقال المعافى بن عمران: ك ت اب ة حديث واح د أ ح ب إ ل ي م ن ق ي ام ل يل ة . ومما يدل على تفضيل الع ل م على جميع النوافل أن الع ل م يجمع جميع فضائل الأعمال المتفرقة. فإن الع ل م أفضل أنواع الذكر، كما سبق تقريره، وهو أيضاً أفضل أنواع الجهاد. ويروى من حديث عبد الله بن عمر والنعمان بن بشير -رضي الله عن ه- مرفوع ا : إ ن ه ي وز ن م د اد الع ل م اء ب د م الش ه د اء ف ي رجح م د اد الع ل م اء . وخرج الترمذي من حديث أنس رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: م ن خ ر ج ف ي ط ل ب الع ل م ف ه و ف ي س ب يل الله ح ت ى ي رج ع . وورد في حديث آخر : إ ذ ا ج اء الم و ت ط ال ب الع ل م ف ه و ش ه يد . وقال معاذ بن جبل: «ت ع ل م وا ال ع ل م ف إ ن ت ع ل م ه ل ل ه ح س ن ة، و ط ل ب ه ع ب اد ة ، و م د ار س ته ت س ب يح ، و ال ب ح ث ع ن ه ج ه اد ، و ت ع ل يم ه ل م ن لا ي ع ل م ص د ق ة ، و ب ذ ل ه لأ ه ل ه ق ر ب ة ؛ لأ ن ال ع ل م س ب يل م ن از ل أ ه ل ال ج ن ة ، و ه و الأ ن يس ف ي ال و ح د ة ، و الص اح ب ف ي ال غ ر ب ة و ال م ح د ث ف ي ال خ ل و ة ، و الد ل يل ع ل ى الس ر اء و الم ع ين ع ل ى الض ر اء ، و الس لا ح ع ل ى ا لأ ع د اء ، و الز ي ن ع ن د الأ خ لا ء ، ي ر ف ع الله ت ع ال ى ب ه أ ق و ام ا ف ي ج ع ل ه م ف ي ال خ ي ر ق اد ة و أ ئ م ة ، تق ت ص آث ار ه م ، و ي ق ت د ى ب ف ع ال ه م ، و ي ن ت ه ى إ ل ى ر أ ي ه م ، ت ر غ ب ال م لا ئ ك ة ف ي خ ل ت ه م ، و ب أ ج ن ح ت ه ا ت م س ح ه م ، ي س ت غ ف ر ل ه م ك ل ر ط ب و ي اب س ح يت ان ال ب ح ر و ه و ام ه ، و س ب اع الب ر و أ ن ع ام ه ؛ لأ ن ال ع ل م ح ي اة ال ق ل وب م ن ال ج ه ل ، و م ص اب يح الأ ب ص ار م ن الظ ل م ، و ق و ة الأ ب د ان م ن الض ع ف ، ي ب ل غ ب ال ع ب د ف ي ال ع ل م م ن از ل الأ خ ي ار والأ ب ر ار و الد ر ج ات ال ع ل ى ف ي الد ن ي ا و الآ خ ر ة ، و الت ف ك ر ف يه ي ع د ل الص ي ام ، و م د ار س ت ه ت ع د ل ال ق ي ام ، ب ه ت وص ل الأ ر ح ام ، و ي ع ر ف ال ح لا ل م ن ال ح ر ام ، و ه و إ م ام ال عم ل ، و ال ع م ل ت اب ع ه ي ل ه م ه الس ع د اء ، و ي ح ر م ه الأ ش ق ي اء ».رواه ابن عبد ال

عدد الصفحات ٤٢

الشيخ/ صالح بن عبد الله بن حمد العصيمي 43 به ي ع ر ف الله و ي ع ب د، وبه يمجد ويوحد، يرفع الله بالعلم أقوام ا فيجعلهم قادة وأئمة للناس يقتدون بهم ويرجعون إلى رأيهم . في كلام أكثر من هذا. وقد روي هذا مرفوع ا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ومما يدل على تفضيل الع ل م على العبادة: قصة آدم ♠ فإن الله تعالى إنما أظهر فضله على الملائكة بالعلم، حيث علمه أسماء كل شيء واعترفت الملائكة بالعجز عن معرفة ذلك، فلما أنبأهم آدم بالأسماء ظهر حينئذ فضله عليهم، وقال عز وجل لهم: {أ ل م أ ق ل ل ك م إ ن ي أ ع ل م غ ي ب الس م او ات و الأ ر ض و أ ع ل م م ا ت ب د ون و م ا ك ن ت م ت ك ت م ون } . وذكر طائفة من السلف أ ن ال ذ ي كتم وه أن ه م قال وا ف ي أنف سهم : ل ن ي خ ل ق الله خ ل ق ا إ لا ن ح ن أ كر م ع ل ي ه م ن ه . ومما يدل على فضل الع ل م أن جبرئيل عليه السلام، إنما فضل على الملائكة المشتغلين بالعبادة بالعلم ال ذ ي خص به، فإنه صاحب الوحي ال ذ ي ينزل به على الأنبياء -عليهم السلام-. وكذلك خواص الرسل إنما فضلوا على غيرهم من الأنبياء -عليهم السلام - بمزيد الع ل م المقتضي لزيادة المعرفة بالله والخشية له. ولهذا وصف الله تعالى محمد ا ﷺ في كتابه ومدحه بالعلم ال ذ ي اختصه به، وامتن به عليه في مواضع كثيرة، وأمره أن يعلمه لأمته. فأول ما ذكره بالعلم وبتعليمه في قصة إبراهيم حين دعا ربه لأهل البيت الحرام أن يبعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ثم امتن علينا بأن بعث فينا رسولا منا، وهو محمد ﷺ بهذه الصفة، ف ق ال تعالى: {ل ق د م ن الله ع ل ى ال م ؤ م ن ين إ ذ ب ع ث ف يه م ر س ولا م ن أ ن ف س ه م ي ت ل و ع ل ي ه م آي ات ه و ي ز ك يه م و ي ع ل م ه م ال ك ت اب و ال ح ك م ة و إ ن ك ان وا م ن ق ب ل ل ف ي ض لا ل م ب ين }. وأول ما أنزل على محمدﷺ ذكر الع ل م وفضله، وهو قوله تعالى: {اق ر أ ب اس م ر ب ك ا ل ذ ي خ ل ق * خ ل ق الإ ن س ان م ن ع ل ق * اق ر أ و ر ب ك الأ ك ر م * ال ذ ي ع ل م ب ال ق ل م * ع ل م الإ ن س ان م ا ل م ي ع ل م } . وامتن على محمدﷺ بالعلم في مواضع، كقوله تعالى: {و أ ن ز ل الله ع ل ي ك ال ك ت اب و ال ح ك م ة و ع ل م ك م ا ل م ت ك ن ت ع ل م و ك ان ف ض ل الله ع ل ي ك ع ظ يم ا } .

عدد الصفحات ٤٣

شرح رسالة وراثة الأنبياءشرح حديث أبي الدرداء شرح حديث أبي الدرداء 44 وأمره أن يسأل ربه أن يزيده علم ا، ف ق ال {و ق ل ر ب ز د ن ي ع ل م ا } . وكانﷺ يقول:« أ ن ا أ ع ل م ك م ب الله و أ ش د ك م ل ه خ ش ي ة » . وامتن الله تعالى علينا أنبعث فينا هذا الرسول ﷺ ال ذ ي يعلمنا ما لم نكن نعلم وأمرنا بشكر هذه النعمة كما قال تعالى: {ك م ا أ ر س ل ن ا ف يك م ر س ولا م ن ك م ي ت ل و ع ل ي ك م آي ات ن ا و ي ز ك يك م و ي ع ل م ك م ال ك ت اب و ال ح ك م ة و ي ع ل م ك م م ا ل م ت ك ون وا ت ع ل م ون * ف اذ ك ر ون ي أ ذ ك ر ك م و اش ك ر وا ل ي و لا ت ك ف ر ون } . وأخبر سبحانه أن ه إنما خلق السموات والأرض ونزل الأمر إلا لنعلم بذلك قدرته وعلمه، فيكون دليلا على معرفته ومعرفة صفاته، كما قال تعالى: {الله ال ذ ي خ ل ق س ب ع س م او ات } إلى قوله{و أ ن الله ق د أ ح اط ب ك ل ش ي ء ع ل م ا }. ومدح الله في كتابه العلماء في مواضع كثيرة، وقد سبق ذكر بعضها، وأخبر أن ه إنما يخشاه من عباده العلماء، وهم العلماء به. قال ابن عباس في قوله تعالى: {إ ن م ا ي خ ش ى الله م ن ع ب اد ه ال ع ل م اء } . قال: إ ن م ا ي خ اف ن ي م ن ع ب اد ي م ن ع ر ف ج لا ل ي و ك ب ر ي ائ ي و ع ظ م ت ي فأفضل الع ل م الع ل م بالله، وهو الع ل م بأسمائه وصفاته، وأفعاله التي توجب لصاحبها معرفة الله وخشيته ومحبته وهيبته وإجلاله وعظمته، والتبتل إ ل ي ه والتوكل عليه، والرضا عنه، والاشتغال به دون خلقه. ويتبع ذلك الع ل م بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتفاصيل ذلك، والعلم بأوامر الله ونواهيه وشرائعه وأحكامه، وما يحبه من عباده من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وما يكرهه من عباده من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. ومن جمع هذه العلوم فهو من العلماء الربانيين، العلماء بالله، العلماء بأمر الله. وهم أكمل ممن قصر علمه على الع ل م بالله دون الع ل م بأمره وبالعكس، وشاهد هذا النظر في حال الحسن وابن المسيب والثوري وأحمد وغيرهم من العلماء الربانيين، وحال مالك بن دينار والفضيل بن عياض ومعروف وبشر وغيرهم من العارفين. فمن قايس بين الحالين عرف فضل العلماء بالله وبأمره على العلماء بالله فقط.

عدد الصفحات ٤٤

الشيخ/ صالح بن عبد الله بن حمد العصيمي 45 فما الظن بتفضيل العلماء بالله وبأمره على العلماء بأمره فقط، فإن هذا واضح لا خفاء به، وإنما يظن بعض من لا علم له تفضيل العباد على العلماء؛ لأنهم تخيلوا أن العلماء هم العلماء بأمر الله فقط، وأن العباد هم العلماء بالله وحده، فرجحوا العالم بالله على العالم بأمره، وهذا حق. ونحن إنما نقول: إن العلماء بالله والعلماء بأمره أفضل من العباد، ولو كان العباد من العلماء بالله؛ لأن العلماء الربانيين ش اركوا العباد في فضيلة الع ل م بالله؛ بل ربما زادوا عليهم فيه، وانفردوا بفضيلة الع ل م بأمر الله، وبفضيلة دعوة الخلق إلى الله وهدايتهم إ ل ي ه ، وهو مقام الرسل -عليهم السلام- وكذلك كانوا خلفاء الرسل وورثتهم كما سيأتي ذكره -إن شاء الله تعالى. وهذا القدر ال ذ ي انفردوا به عن الع ب اد أفضل من القدر ال ذ ي انفرد به الع ب اد من نوافل العبادة، فإن زيادة المعرفة بما أنزل الله على رسوله توجب زيادة المعرفة بالله والإيمان به، وجنس المعرفة بالله والإيمان به أفضل من جنس العمل بالجوارح والأركان، ولكن من لا علم له تعظ م في نفسه العبادات على الع ل م؛ لأن ه لا يتصور حقيقة الع ل م ولا شرفه، ولا قدرة له على ذلك، وهو يتصور حقيقة العبادات، وله قدرة على جنسها في الجملة. ولهذا تجد كثير ا ممن لا علم لديه يفضل الزهد في الدنيا على العلوم والمعارف وسببه ما ذكرناه. وهو أن ه لا يتصور معنى الع ل م والمعرفة، ومن لا يتصور شيئ ا لا يقر في صدره عظمته، وإنما يتصور الجاهل بالعلم حقيقة الدنيا، وقد عظمت في صدره، فعظم عنده من تركها. كما قال محمد بن واسع -وقد رأى شاب ا ، فق يل ل ه : هؤلاء زهاد - ف ق ال : و أ ي ش ي ء ق د ر الد ن ي ا ح ت ى ي م د ح م ن ز ه د ف يه ا. وقال أبو سليمان الداراني قريب ا من هذا المعنى أيض ا، فالمفتخر بالزهد في الدنيا كأن ه يفتخر بترك نزر يسير من شيء هو أقل عند الله من جناح بعوضة، وهذا أحقر من أن يذكر، فضلا عن أن يفتخر به. ولهذا أيضاً يعظم في نفوس كثير من الناس ذك ر الخوارق والكرامات، ويرونها أفضل مما أعطيه العلماء من المعرفة والعلم، وإنما يتصورون حقيقة الخوارق؛ لأنها من جنس القدرة والسلطان في الدنيا، ال ذ ي يعجز أكثر الناس عنه.

عدد الصفحات ٤٥

شرح رسالة وراثة الأنبياءشرح حديث أبي الدرداء شرح حديث أبي الدرداء 46 وأما العلماء بالله فلا تعظم هذه الخوارق عندهم؛ بل يرون الزهد فيها، وإنها من نوع الفتنةوالمحنة وبسط الدنيا على العبد، فيخافون من الاشتغال بها والوقوف معها، والانقطاع عن الله عز وجل. وقد ذكر أبو طالب المكي هذا المعنى في كتابه عن كثير من العارفين منهم : أبو يزيد، ويحيى بن معاذ، وسهل التستري ، وذو النون، والجنيد وغيرهم. وقيل لبعضهم: إن فلان ا يم شي على الماء! ف ق ال : م ن أ م ك نه الله م ن م خ ال ف ة ه و اه ف ه و أ ف ض ل . وكان أبو حفص النيسابوري يوم ا جالس ا مع أصحابه خارج المدينة، وهو يتكلم عليهم، فطابت أنفسهم فجاء أيل قد نزل من الجبل حتى برك بين يديه، فبكى بكاء شديد ا وانزعج، فسئل عن س بب بكائه، ف ق ال : رأيت اجتماعكم حولي وقد طابت قلوبكم، فوقع في قلبي، لو أن لي شاة ذبحتها ودعوتكم، فما تحكم هذا الخاطر حتى جاء هذا الوحش فبرك بين يدي، فخيل لي أني مثل فرعون، ال ذ ي سأل ربه أن يجري له النيل فأجراه له، قلت: فما يؤمنني أن يكون الله يعطني كل حظ في الدنيا، وأبقى في الآخرة فقير ا لا شيء لي، فهذا ال ذ ي أزعجني. فأحوال العارفين كلها تدل على أن هم لم يكونوا يلتفتون إلى هذه الخوارق وإنما كان اهتمامهم بمعرفة الله وخشيته، ومحبته والأنس به، والشوق إلى لقائه وطاعته، والعلماء الربانيون يشاركون في ذلك ويزيدون عليهم بالعلم بأمر الله وبدعوة الخلق إلى الله. وهذا هو الفضل العظيم عند الله وملائكته ورسله كما قال بعض السلف: م ن ع م ل و ع ل م و ع ل م ف ذ ل ك ي د ع ى ع ظ يم ا ف ي م ل ك وت الس م اء . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ذكر المصنف رحمه الله تعالى بيان قوله ﷺ: و ف ض ل الع ال م ع ل ى الع اب د ك ف ض ل الق م ر ل ي ل ة الب د ر ع ل ى س ائ ر الك و اك ب . فذكر أن النبي ﷺ شبه العالم بالقمر ليلة البدر، والقمر حينئذ هو في نهاية كماله وتمام نوره، وشبه العابد بالكواكب. والفضل بين البدر والكوكب ظاهر لكل ذي عينين، وكذلك يكون الفضل بين العالم والعابد.

عدد الصفحات ٤٦

الشيخ/ صالح بن عبد الله بن حمد العصيمي 47 وإنما شبه العالم بالقمر ليلة البدر لأن القمر ليلة البدر يضيء بنوره الدروب، والعالم بتعليمه يضيء القلوب؛ فلأجل ما بينهما من الإنارة الكائنة في حق القمر فيما يتعلق بالطرق والمسالك، وفي حق العالم بالقلوب؛ صار العالم مشبه ا بالقمر، ولنزول رتبة العابد عنه صار مشبه ا بالكوكب. ثم بي ن رحمه الله تعالى أن مقتضى ذلك أن يكون النبي ﷺ أكمل الخلق إشراق ا بالنور، وأظهر ذلك من كونه ﷺ سمي سراج ا منير ا والسراج هو الذي يشرق نوره على الأرض جميع ا، ولما كان العلماء ورثته كانوا هم المستمدين من هذا النور. ثم استطرد رحمه الله تعالى في بيان فضل العلم على العبادة وطو ل القول في ذلك؛ لأن هذه المسألة مما عظمت بها البلية حتى صار دهماء الناس وأكثرهم يفضلون العابد على العالم، فبي ن رحمه الله تعالى أن دلائل الشرع جاءت بضد ذلك وعكسه، وقدمت العالم وأظهر رحمه الله تعالى فضل العالم على العابد من وجوه كثيرة: تارة بسوق الأدلة على ذلك، وتارة بذكر جملة من الأمثلة التي اقتضى الفضل فيها إظهار صاحبها على غيره بالعلم كما اتفق لآدم عليه الصلاة والسلام فإنه ق د م على الملائكة لأجل العلم، وكما اتفق لجبريل فإنه ق دم على غيره من الملائكة لأجل العلم، وكما اتفق لمحمد ﷺ فإنه ق دم على غيره من الأنبياء والرسل لأجل ما معه من العلم. وعذر المصنف رحمه الله تعالى هذا أيض ا بوجوه أخر: أن العلم هو الأصل الجامع لفضائل الأعما ل جميع ا، فكل الأعمال الفاضلة إنما يستدل عليها بالعلم. وكذلك فإن الله ▐ قد مدح العلماء في مواضع كثيرة من كتابه . فكل هذه الأدلة العامة والخاصة التي ذكرها ابن رجب ♫ تعالى تدل على فضل العلم، وأنه أكمل من العبادة. ثم ذكر ♫ تعالى أن هذا العلم الذي ف ضل إنما هو العلم بالله والعلم بأمره، كما تقدم وذكر ♫ تعالى الفرق بين حال العالم بالله وبأمره وبين حال غيره من العباد، فإن العالم يقف مع الأوامر الشرعية والعابد يطلب الكرامات الإليهة، وفرق بين الأثنين، فإن العالم قد وقف نفسه مع مراد

عدد الصفحات ٤٧

شرح رسالة وراثة الأنبياءشرح حديث أبي الدرداء شرح حديث أبي الدرداء 48 الله ، والعابد قد وقف نفسه مع مرادها، فإن الذي يتطلع إلى طلب الكرامة إنما يتطلع إلى شيء يقدره ا ▐ يظهر به فضل ذلك العبد، وهذا حظ العابد وأما العالم فإنه لا يقف مع مراد نفسه، وإنما يقف مع أمر الله ▐، ولهذا كان العلماء يلتفون إلى هذه الخوارق و الكرامات ولا يعظمونها؛ لعلمهم أن الله ▐ إنما يجريها تطمين ا وتبشير ا؛ لا أنها تستقل برفع صاحبها إلى مقام لم يصل إليه إلا بها، وهم يعلمون أن الرفعة إنما تكون بالعلم. وقد رأينا هذا في العلماء، فإن العالم يظهر له من الأحوال، ويقع له من حسان الأعمال الشيء الذي يبهر العقول، ومع ذلك لا يلتفت إليه ولا يأبه به، والعابد يقع له ما هو أقل من ذلك، وتسمع منه تكرار ا وحديث ا بأنه وقعت لنا كرامة في كذا وكذا، واتفق لنا كرامة في كيت وكيت، فيظن السامع الجاهل أن هؤلاء أرفع رتبة من العلماء وهذا من جهله؛ فإن العلماء لكمال إيمانهم مستغنون عن تأييدهم بمثل هذا، وهؤلاء لقلة علمهم يحتاجون إلى التثبيت بمثل هذا، ولهذا تكثر الرؤيا الصالحة في آخر الزمان لأن الفتن تكثر في آخر الزمان، فيحتاج أهل ذ لك الزمان إلى التطمين والتبشير والتثبيت فيكون هذا بالرؤيا الصالحة، وكامل العلم منهم لا يحتاج إلى مثلها؛ لأنه مستغن عنها بما ثبته الله به من العلم. ولهذا كان أول نبوة النبي ﷺ الرؤيا الصالحة، فلما كملت حاله ﷺ صار أكثر ما يأتيه هو الوحي الصادق بنزول جبريل ♥ عليه ، ولذلك جعل ا ▐ أكمل عمله ﷺ نازلا بالوحي، ولم يجعل أكمل علمه ﷺ صادر ا بالرؤيا، فكان تنزيل القرآن بالوحي، ولم يقع تنزيل شيء من القرآن بالرؤيا المنامية، بل ينزل جبريل ♥ بالوحي على النبيﷺ لأجل هذا المعنى الذي ذكرناه.

عدد الصفحات ٤٨