الشيخ/ صالح بن عبد الله بن حمد العصيمي 17 وإذا فقدت هذه المشاعل أظلم الطريق، كإنسان جلس في مكان مضاء، فانقطعت الكهرباء فأظلم عليه المكان فصار لا يدري بما حوله، وكذلك إذا انطفأت مشاعل العلم وقع ظلام الجهل والضلالة والحيرة والشبهة فأظلمت على الناس أبصارهم وأظلمت عليهم بصائرهم. ثم ذكر ♫ تعالى أن ما وقع في النصوص من تشبيه العلماء بالنجوم، وهي من الجنس الدال على النور أن تشبيه العلماء بذلك لما في ذلك من الفوائد المشابهة لفوائد النجوم؛ لأن النجوم يهتدى بها في الظلمات وهي زينة للسماء ورجوم للشياطين، وكذلك العلماء يهتدى بهم في الظلمات، وهم زينة للأرض، وهم رجوم شياطينها من شياطين الإنس والجن. وإذا ذهب العلماء ذهبت منافعهم ووقع الناس في الجهل وانطمس العمل بينهم لأنهم لا يعرفون الطريق الموصل إلى الله ▐ ، ولهذا فإن الله سبحانه و تعالى إذا قبض العلماء في آخر الزمان ارتفع العلم، حتى صار الناس لا يصلحون لحمله فعندئذ يسرى بأصل العلم، وهو القرآن الكريم فلا يبقى منه في المصاحف شيء ولا في الصدور حرف كما ثبتت بذلك الأحاديث والآثار ، وانعقد إجماع أهل السنة على رفع القرآن في آخر الزمان على هذا المعنى، كما بسطه الضياء المقدسي في كتابه «اختصاص القرآن الكريم بعوده إلى الرحمن الرحيم» وإذا مات العلماء وانطمس العلم عند ذلك امتنع العمل وبين المصنف ♫ تعالى أن العلم الذي يراده ويطلب وفيه البركة، إنما هو علم الباطن الذي يوجب الخشية والخوف من الله ▐ والانقياد له؛ لأنه العلم الذي يباشر القلوب فينير ظلمتها ويلين قسوتها ويقربها إلى ربها ▐، وهذا هو نعت العلم النافع، فالعلم النافع هو العلم الذي يباشر القلب فيحمل صاحبه على الخير، وما كان على غير هذا الوصف فإنه ليس بعلم نافع ، ولأجل هذا أرشد النبي ﷺ إلى سؤال العلم النافع وإلى التعوذ من ضده، فقال فيما رواه النسائي في الكبرى، وابن ماجه بسند حسن قال: «سلوا الله علم ا نافع ا، وتعوذوا بالله من علم لا ينفع »، ففي هذا الحديث الإرشاد إلى أن العلم منه علم نافع ، ومنه علم لا ينفع، وأن المطلوب الأعظم هو العلم الذي ينفع، وأن المذموم الأرذل هو العلم الذي لا ينفع، وأن بركة العلم إنما تكون بنفعه لا بجمه، وأن نفعه لا يكون بمجرد أخذه، بل يكون بمباشرته للقلب، حتى يورث ذلك القلب خشية وا نكسار ا وأخبات ا وإقبالا على
عدد الصفحات ١٧شرح رسالة وراثة الأنبياءشرح حديث أبي الدرداء شرح حديث أبي الدرداء 18 ا▐، وأما العلم الذي لا يصل إلى شغاف القلب ولا يعمل عمله فيه، وإنما يجري على اللسان فإنما يكون حجة لله سبحانه وتعالى على ابن آدم، كما قال النبي ﷺ فيما جاء في الصحيح: «والقرآن حجة لك أو عليك »، فيكون حجة لك إذا كان حاملا لك على مقتضاه، ويكون حجة عليك إذا كان على لسانك ولم يلامس مقتضاه قلبك فلم يكن له أثر من خشية وخشوع وإنابة وخوف وإقبال على الله .
عدد الصفحات ١٨الشيخ/ صالح بن عبد الله بن حمد العصيمي 19 ومن هنا ق س م من ق س م من الع ل م اء العلم إ لى باطن وظاهر، فالباطن: ما باشر القلوب فأثمر لها الخشية والخشوع، والتعظيم والإجلال، والمحبة والأنس والشوق. والظاهر: ما كان على اللسان، فبه تقوم حجة الله على عباده. وكتب وهب بن منبه إلى مكحول : إ ن ك ام ر ؤ ق د أ ص ب ت ب م ا ظ ه ر ل ك م ن ع ل م الإ س لا م ش ر ف ا ف اط ل ب ب م ا ب ط ن م ن ع ل م الإ س لا م م ح ب ة و ز ل ف ى . وفي رواية أخرى أن ه ك ت ب إليه: إ ن ك قد بلغ ت ب ظ اه ر ع ل م ك ع ن د الن اس من ز لة وش ر ف ا، ف اط ل ب ب باط ن ع ل م ك ع ن د الله م ن ز لة وز ل ف ى، واع لم أن إ ح دى ال من ز لتي ن ت م نع الأ خ رى . فأشار وهب بع لم الظاهر إلى علم الفتاوى والأحكام، والحلال والحرام، والقصص والوعظ وهو ما يظهر على اللسان. وهذا العلم يوجب لصاحبه محبة الناس له، وت ق د مه عندهم، فحذره من الوقوف عند ذلك، والركون إليه والالتفات إلى تعظيم الناس ومحبتهم؛ فإن م ن و ق ف مع ذلك فقد انقطع عن الله وانحجب بنظره إلى الخلق عن الحق. وأشار بعلم الباطن إلى العلم الذي يباشر القلوب، في حدث لها الخشية والإجلال والتعظيم، وأ م ر ه أن يطلب بهذا المحبة من الله والقرب منه والزلفى لديه. وكان كثير من السلف كسفيان الثوري وغيره ي قسمون العلماء ثلاثة أقسام: ع ال م ب الله و ع ال م ب أم ر الله . وي شيرون بذلك إلى م ن جمع بين هذين العلمين المشار إليهما الظاهر والباطن، وهؤلاء أشرف العلماء، وهم الممدوحون في قوله تعالى: {إ ن ما يخ شى الله م ن ع باد ه ال ع لماء } . وقوله{إ ن ال ذ ين أ وت وا ال ع ل م م ن قب ل ه إ ذا ي ت لى علي ه م يخ ر ون ل لأ ذ قان س ج د ا } إلى قوله{ويز يد ه م خ ش وع ا } . وقال كثير من السلف: ل ي س ال ع ل م ك ث ر ة الر واية ول ك ن ال ع ل م ال خ ش ية . وقال بعضهم: ك ف ى ب خش ية الله ع ل م ا، وكفى ب الاغ ت رار ب الله جه لا . ويقولون أيض ا: ع ال م ب الله ل ي س ب عالم ب أ م ر الله .
عدد الصفحات ١٩شرح رسالة وراثة الأنبياءشرح حديث أبي الدرداء شرح حديث أبي الدرداء 20 وهم أصحاب العلم الباطن الذي يخشونالله، وليس لهم اتساع في العلم الظاهر. ويقولون: ع ال م ب أ م ر الله ل ي س ب ع ال م ب الله . وهم أصحاب العلم الظاهر الذين لا نفاذ لهم في العالم الباطن، وليس لهم خشية ولا خشوع ، وهؤلاء مذمومون عند السلف. وكان بعضهم يقول: ه ذ ا ه و الع ال م الف اج ر . وهؤلاء الذين وقفوا مع ظاهر العلم ولم يصل العلم النافع إلى قلوبهم ولا ش م وا له رائحة ، غلبت عليهم الغفلة والقسوة، والإعراض عن الآخرة والتنافس في الدنيا، ومحبة العلو فيها والتقدم بين أهلها. وقد م ن ع وا إحسان الظن بم ن وصل العلم النافع إلى قلبه، فلا ي حبونهم ولا يجالسونهم، وربما ذموهم وقالوا: ليسوا بعلماء، وهذا من خداع الشيطان وغروره، ليحرمهم الوصول إلى العلم النافع الذي مدحه الله ورسوله، وسلف الأمة وأئمتها. ولهذا كان علماء الدنيا يبغضون علماء الآخرة، ويسعون في أذاهم جهدهم، كما سعوا في أذى سعيد بن المسيب والحسن وسفيان ومالك وأحمد، وغيرهم من العلماء الربانيين، وذلك لأن علماء الآخرة خلفاء الرسل، وعلماء السوء فيهم ش ب ه من اليهود، وهم أعداء الرسل وقتلة الأنبياء ومن يأمر بالقسط من الناس، وهم أشد الناس عداوة وحسد ا للمؤمنين، ولشدة محبتهم للدنيا لا ي عظمون علم ا ولا دين ا، وإنما ي عظمون المال والجاه والتقدم عند الملوك. كما قال بعض الوزراء للحجاج بن أرطاة: إن ل ك د ين ا وإ ن ل ك ف ق ه ا . فقال الحجاج: أ ف لا ت ق ول إ ن ل ك ش ر ف ا وإ ن ل ك ق د ر ا . فقال الوزير: و الله إ ن ك ل ت ص غ ر م ا ع ظ م الله و ت ع ظ م م ا ص غ ر الله . وكثير ممن يدعى الباطن ويتكلم فيه ويقتصر عليه يذم العلم الظاهر، الذي هو الشرائع والأحكام، والحلال والحرام ويطعن في أهله ويقولون: هم محجوبون وأصحاب قشور، وهذا ي وجب القدح في الشريعة، والأعمال الصالحة التي جاءت الرسل بالحث عليها والاعتناء بها. وربما انحل بعضهم عن التكاليف، واد عى أنها للعامة، وأما من وصل فلا حاجة له إليها، وأنها حجاب له، وهؤلاء كما قال الج نيد وغيره من العارفين: وصلوا ولكن إلى س ق ر . وهذا من أعظم خداع الشيطان وغروره لهؤلاء، لم يزل يتلاعب بهم حتى أخرجهم عن الإسلام.
عدد الصفحات ٢٠الشيخ/ صالح بن عبد الله بن حمد العصيمي 21 ومنهم من يظن أن هذا العلم الباطن لا ي ت ل ق ى من مشكاة النبوة، ولا من الكتاب والسنة، وإنما يتلقى من الخواطر والإلهامات والكشوفات، فأساءوا الظن بالشريعة الكاملة، حيث ظنوا أنها لم تأت بهذا العلم النافع الذي ي وجب صلاح القلوب وق ربها من علام الغيوب، وأوجب لهم الإعراض عما جاء به الرسول ﷺ في هذا الباب بالكلية، والتكلم فيه بمجرد الآراء والخواطر، فضلوا وأضلوا. فظهر بهذا أن أكمل العلماء وأفضلهم: العلماء بالله وبأمره الذين جمعوا بين العلمين وتلقوهما مع ا من الوحيين -أعني: الكتاب والسنة - وعرضوا كلا م الناس في الع لمين مع ا على ما جاء في الكتاب والسنة، فما وافق قبلوه، وما خالف ردوه. وهؤلاء خلاصة الخلق، وهم أفضل الناس بعد الرسل، وهم خلفاء الرسل حق ا، وهؤلاء كثير في الصحابة، كالخلفاء الأربعة، ومعاذ ، وأبي الدرداء، وسلمان، وابن مسعود ، وابن عمر، وابن عباس وغيرهم. وكذلك فيمن بعدهم كالحسن، وسعيد بن المسيب، وعطاء ، وطاوس، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، والنخعي، ويحيى بن أبي كثير. وفيمن بعدهم كالثوري، والأوزاعي، وأحمد، وغيرهم من العلماء الربانيين. وقد سماهم علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: العلماء الربانيين. ي شير إلى أن هم الربانيون الممدوحون في غير موضع من كتاب الله -عز وجل-؛ فقال: الن اس ثلاثة : عال م رب ان ي ، وم تعل م على سب يل نجاة ، و ه م ج ر عاع ... . ثم ذكر كلام ا طويلا وصف فيه علماء السوء والعلماء الربانيين، وقد شرحناه في غير هذا الموضع. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعد أن بين المصنف ♫ تعالىأن العلم علمان: علم نافع ، وعلم غير نافع ، وحقق أن العلم النافع هو علم الباطن، وأن العلم غير النافع هو علم الظاهر ، ونبه على أن المراد بعلم الباطن، هو العلم الذي يلامس القلب، فيورث صاحبه الخشية والخوف من الله ▐، ويجعل فيه محبة ا
عدد الصفحات ٢١شرح رسالة وراثة الأنبياءشرح حديث أبي الدرداء شرح حديث أبي الدرداء 22 ورجاءه والأقبال عليه والوثوق بوعده والخوف من وعيده، ذكر أن هذا جر إلى ترتيب العلماء على طبقات ثلاث: فالطبقة الأولى: عالم بالله عالم بأمر الله. والطبقة الثانية: عالم بأمر الله غير عالم با لله. والطبقة الثالثة: عالم بأمر الله غير عالم بالله. وهذه الطبقات الثلاث جاءت في كلام جماعة من السلف رحمهم الله تعالى، منهم سفيان الثوري وغيره. فالطبقة الأولى: هي طبقة كمل الخلق، من أصحاب النبي ﷺ وأئمة الهدى المقتدى بهم، ممن كان له معرفة بالله ▐ وتعظيمه وإجلاله ودرك ما له من الكمالات وما يلزم له من العبودية، والإقرار بالربوبية مع معرفة أحكام الشرع في العبادات والأقوال والأعمال والعقائد. ووراء ذلك طبقة ثانية: وهي طبقة قوم شغلوا بالعلم بأمر الله دون العلم بالله، وهم المشغولون بالعلم الظاهر كأحكا م الحلال والحرام. ووراء هؤلاء طبقة تقابلهم : وهم المشغلون بعلم الباطن من أحوال القلوب وعلل النفس وآفاتها، دون علم بما يلزمهم من أحكام الشرع في الحلال والحرام. وما أخذت طائفة بشيء دون شيء إلا ضلت، فإن الآخذين بعلم الظاهر وهو الواقف مع العلم بأمر الله قد حرموا المعرفة التامة بالله ▐ في قلوبهم، كما أن الذين اشتغلوا بمعرفة ا والنظر دقائق القلوب وأحوالها وتقلبات النفوس وآفاتها حرموا معرفة ما ينبغي من عبادة الله سبحانه وتعالى، فضل هؤلاء وضل هؤلاء. والناجون هم كمل الخلق المقتدون بطريقة النبي ﷺ في رعاية العلم بالله والعلم بأمره ▐، فيجعلون في قلوبهم طلب تعظيم الله وإجلاله ومعرفته والاطلاع على جليل أفعاله وجليل صفاته، كما
عدد الصفحات ٢٢الشيخ/ صالح بن عبد الله بن حمد العصيمي 23 يشتغلون بمعرفة ما أوجب الله عليهم من أحكام الظاهر في الحلال والحرام وأبواب الديانة، ويكون لهؤلاء الكمل من المنصب والحظوة عند الله ▐ وعند خلقه ما لا يكون لغيرهم، فيحصل النفع بهم أكثر من الانتفاع بغيرهم، ويكون لهم من المقام الحميد ما لا يكون لغيرهم، وهؤلاء هم علماء الآخرة على الحقيقة، وأما الأولون فإنهم وإن عرفوا أمر الله عند طائفة أو عرفوا الله عند طائفة أخرى فهؤلاء على الحقيقة إ نما هم علماء الدنيا ؛ لأنهم لا يحملون علم ا نافع ا بل يحملون علم ا قاصر ا عن النفع، فقد أخلت كل طائفة بما يجب عليها من أمر الله ▐ أو معرفته .
عدد الصفحات ٢٣شرح رسالة وراثة الأنبياءشرح حديث أبي الدرداء شرح حديث أبي الدرداء 24 والمقصود ها هنا أن التماس العلم سبب موصل إلى الجنة. وفي الحديث المعروف عن النبي ﷺإ ذا مرر ت م ب ر ياض الجن ة فار تع وا »، قال وا: وما ر ياض الجن ة ؟! قال: «ح ل ق الذ ك ر » وكان ابن مسعود إذا ذكر هذا الكلام يقول: أ م ا إن ي لا أع ن ي الق ص اص ولك ن ح ل ق الف ق ه وروي عن أنس معناه أيضاً. وقال عطاء الخراساني: مج ال س الذ ك ر مج ال س الح لال والح ر ام ، ك يف ت ش تر ي و ت ب يع ، وت ص ل ي وت ص وم ، وتن ك ح وت طل ق ، وت ح ج وأش باه هذا . وقال يحيى بن أبي كثير : د ر س الف ق ه ص لاة . وكان أبو الس و ار العدوي في حلقته يتذاكرون العلم ومعهم فتى شاب ف ق ال ل ه م : ق ول وا: س ب ح ان الله و الح م د ل ل ه ، ف غ ض ب أ ب و الس وار ، و ق ال : و ي ح ك ، في أ ي ش يء ك ن ا إ ذ ا؟! والمراد بهذا أن مجالس الذكر لا تختص بالمجالس التي ي ذكر فيها اسم الله بالتسبيح والتكبير والتحميد ونحوه؛ بل تشمل ما ذ كر فيه أ م ر الله ونهيه وحلاله وحرامه وما يحبه ويرضاه، فإنه ربما كان هذا الذكر أنفع من ذلك؛ لأن معرفة الحلال والحرام واجبة في الجملة على كل مسلم ، بحسب ما يتعلق به في ذلك، وأما ذ كر الله باللسان، فإن أكثره يكون تطوع ا، وقد يكون واجب ا كالذكر في الصلوات المكتوبة. وأما معرفة ما أمر الله به ونهى عنه، وما يحبه ورضاه، وما يكرهه وينهى عنه فيجب على كل من احتاج إلى شيء من ذلك أن يتعلمه. ولهذا روى: «ط ل ب ال ع ل م ف ر يض ة ع ل ى ك ل م س ل م » . فإنه يجب على كل مسلم معرفة ما يحتاج إليه في دينه، كالطهارة والصلاة والصيام. ويجب على من له مال معرفة ما يجب عليه في ماله من زكاة ونفقة ، وحج وجهاد . وكذلك يجب على كل من يبيع ويشتري أن يتعلم ما يحل ويحرم من البيوع. كما قال عمر : لا ي ب ع ف ي س وق ن ا إ لا م ن ق د ت ف ق ه ف ي الد ين . خرجه الترمذي . ويروى بإسناد فيه ضعف عن علي قال: الف ق ه ق ب ل الت ج ار ة ، إ ن ه م ن ات ج ر ق ب ل أ ن ي ت ف ق ه ار ت ط م ف ي الر ب ا ث م ار ت ط م .
عدد الصفحات ٢٤الشيخ/ صالح بن عبد الله بن حمد العصيمي 25 وس ئل ابن المبارك: ما الذي يجب على الناس من تعلم ا لعلم؟ قال: أن لا ي قدم الرجل على شيء إلا بعلم يسأل ويتعلم، فهذا الذي يجب على الناس من تعلم العلم، ثم فسره وقال: ل و أ ن ر ج لا ل م ي ك ن ل ه م ال ل م ي ك ن ع ل يه و اج ب أ ن ي ت ع ل م الز ك اة ، ف إ ذ ا ك ان ل ه م ائ ت ا د ر ه م و ج ب ع ل ي ه أ ن ي ت ع ل م ك م ي خ ر ج و م ت ى ي خ ر ج و أ ي ن ي ض ع و س ائ ر الأ ش ي اء ع ل ى ه ذ ا . وسئل الإمام أحمد ♫ عن الرجل: م ا ي ج ب ع ل يه م ن ط ل ب الع ل م ؟ فقال: م ا ي ق يم ب ه الص لوات و أ م ر د ين ه م ن الص و م و الز ك اة ، و ذ ك ر ش ر ائ ع الإ س لا م . وقال: ي ن ب غ ي ل ه أ ن ي ت ع ل م ذ ل ك . وقال أيضاً: ال ذ ي ي ج ب ع ل ى الإ نس ان م ن الع ل م م ا لا ب د ل ه م ن ه ف ي ص لا ت ه و إ ق ام ة د ي ن ه . واعلم أن علم الحلال والحرام علم شريف ، ومنه ما ت ع ل م ه فرض عين ، ومنه ما هو فرض كفاية . وقد نص العلماء على أن ت ع ل م ه أفضل من نوافل العبادات، منهم أحمد وإسحاق. وكان أئمة السلف يتوقون الكلام فيه تورع ا؛ لأن المتكلم فيه م خبر عن الله بأمره ونهيه، م بلغ عنه شرعه ودينه. وكان ابن سيرين إ ذ ا س ئ ل ع ن ش ي ء م ن الح لا ل و الح ر ام ت غ ي ر ل و ن ه و ت ب د ل ، ح ت ى ك أ ن ه ل ي س بال ذ ي ك ان . وقال عطاء بن السائب: أ د ر ك ت أ ق و ام ا إ ن ك ان أ ح د ه م ل ي س أ ل ع ن الش يء ف ي ت ك ل م و إ ن ه ل ي ر ع د . ور وي عن مالك أن ه كان إذا س ئل عن مسألة ، كأن ه بين الجنة والنار. وكان الإمام أحمد شديد التورع في إطلاق لفظ الحرام والحلال أو دعوى النسخ، ونحو ذلك مما ي جسر عليه غيره كثير ا، وأكثر أجوبته: أرجو وأخشى، أو أحب إلي، ونحو ذلك. وكان هو ومالك وغيرهما يقولون كثير ا: لا ندري. وكان أحمد يقول ذلك في مسألة ي ذ ك ر للسلف فيها أقوالا عديدة ، ويريد بقوله: لا أدري أي الراجح المفتى به من ذلك. ومن مجالس الذكر أيضاً: مجالس العلم التي يذكر فيها تفسير كتاب الله أو يروى فيها سنة رسول الله ﷺ. فإن كانت رواية الحديث مع تفسير معانيه، فذلك أكمل وأفضل من مجرد رواية ألفاظه، ويدخل في الفقه في الدين كل علم م ستنبط من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ سواء كان من علوم الإسلام التي هي
عدد الصفحات ٢٥شرح رسالة وراثة الأنبياءشرح حديث أبي الدرداء شرح حديث أبي الدرداء 26 الأعمالالظاهرة والأقوال، أو من علوم الإيمان التي هي الاعتقادات الباطنة، وأدلة ذلك وبراهينه المقررة في الكتاب والسنة، أو من علوم الإحسان التي هي علوم المراقبة والمشاهدة بالقلب، ويدخل في ذلك علم الخشية والمحبة والرجاء والإنابة، والصبر والرضا، وغير ذلك من المقامات. وكل ذلك قد سماه النبي ﷺ في حديث سؤال جبرائيل له عنه: «دين ا ». فالفقه فيه من الفقه في الدين، ومجالسه من أفضل مجالس الذكر التي هي من رياض الجنة، وهي أفضل من مجالس ذ كر اسم الله بالتسبيح والتحميد والتكبير؛ لأنها دائرة بين فرض عين أو فرض كفاية ، والذكر المجرد تطوع محض . وقد دخل بعض السلف مسجد البصرة فرأى فيه حلقتين في إحداهما قاص وفي الأخرى فقيه ي علم الفقه، فصلى ركعتين واستخار الله في الجلوس إلى إحداهما، فنعس فرأى في نومه قائلا يقول له: أو قد سويت بينهما؟! إن شئت أريناك مقعد جبرائيل -عليه السلام- من فلان- يعني: الفقيه الذي ي علم العلم. وسنذكر فيما بعد النصوص الدالة على فضل العلم على أنواع العبادات من الذكر وغيره -إن شاء الله تعالى-. وكان زيد بن أسلم من ج ل ة علماء المدينة، وكان له مجلس في المسجد يذكر فيه التفسير والحديث والفقه وغير ذلك، فجاء إليه رجل فقال له: إني رأيت بعض أهل السماء وهو يقول لأهل هذا المجلس: ه ؤلا ء ف ي ر و ض ات الج ن ات آم ن ون ، ث م أ ر اه أ ن ز ل ع ل ى أ ه ل الم ج ل س ح وت ا ط ر ي ا و و ض ع ه ب ي ن أ ي د يه م ، و ج اء إ ل ي ه ر ج ل ف ق ال ل ه : إ ن ي ر أ ي ت ا لن ب ي ﷺ وأبا بكر وعمر- رضي الله عنهما- خرجوا من هذا الباب والنبي ﷺ يقول: ان ط ل ق وا ب ن ا إ ل ى ز يد ن ج ال س ه و ن س م ع م ن ح د يث ه . فجاء النبي ﷺ حت ى ج ل س إ ل ى ج ن ب ك ف أ خ ذ ب ي د ك ، ف ل م ي ب ق ز يد ب ع د هذ ه الر ؤي ا إ لا ق ل يلا ح ت ى م ات رحمه الله تعالى . ومع ما ذكرنا من تفضيل العلم على القصص؛ فالعالم لا ي ستغني أحيان ا عن موعظة الناس والقصص عليهم، وإزالة القسوة عن قلوبهم، بالتذكير بالله وأيامه، فإن القرآن يشتمل على ذلك كله، والفقيه العالم حق ا هو م ن ف ه م كتاب الله واتبع ما فيه. كما قال علي : الف ق يه حق الفقيه م ن لا ي ق ن ط الن اس م ن ر ح م ة الله و لا ي ر خ ص ل ه م ف ي م ع اصي الله ، و لا ي د ع الق ر آن ر غ ب ة ع ن ه إ ل ى غ ي ر ه .
عدد الصفحات ٢٦الشيخ/ صالح بن عبد الله بن حمد العصيمي 27 وقد كان النبيﷺ ي ت خ و ل أ ص ح اب ه ب ال م و ع ظ ة أ ح ي ان ا؛ خشية الس آم ة ع ل ي ه م . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ رجع المصنف ♫ تعالى في هذه الجملة إلى تقرير ما سبق من أن التماس العلم سبب موصل إلى الجنة، وذكر في تصديق هذا المعنى الحديث الذي رواه الترمذي وغيره بسندين ضعيف ين، يقوي أحدهما الآخر عن أنس ، أن النبي ﷺ قال: «إ ذا مرر ت م ب ر ياض الجن ة فار تع وا »، قال وا: وما ر ياض الجن ة ؟! قال: «ح ل ق الذ ك ر » فأخبر النبيﷺ بأن حلق الذكر هي رياض الجنة ، وإنما جعلت حلق الذكر في الدنيا بمنزلة رياض الجنة لأنها موصلة للجنة التي تكون في الآخرة، فلما كانت كالسلم إليها والطريق الموصل إليها سميت باسمها ونسبت إليها، فصار اسمها: رياض الجنة. ثم بين المصنف ♫ تعالى معنى حلق الذكر: فأورد عدة آثار عن السلف رحمهم الله تعالى في بيان أن مجالس الذكر لا تختص بالتسبيح والتكبير والتحميد كما يتوهمه بعض الناس، بل هي تضم هذا المعنى، وتضم ما هو أعلى منه، وهو: معرفة الحلال والحرام والفقه في دين الله ▐، فذكر ا ▐ يطلق على هذا وعلى هذا كما بينه ابن ا لقيم ♫ في بيان كاف شاف في أوائل كتابه الوابل الصيب، فمن ذكر الله ▐: تعلم الحلال والحرام، والجلوس في مقاعد العلم ثم بين ♫ تعالى أن الموجب لتقديم معرفة الحلال والحرام على مجرد الذكر بالتسبيح والتهليل لله ▐ هو أن كون اسم حلق الذكر على الأول أقوى، بين أن وجه ذلك هو: قول أن التسبيح والتحميد لا يعدو كونه تطوع ا مطلق ا، وأما معرفة الحلال والحرام فإنها قد تكون فرض عين وقد تكون فرض كفاية. ثم بين ♫ تعالى فيما نقله عن عمر وعلي وابن المبارك غفر الله لهم ورحمهم، بين حد العلم الواجب، وهو الذي ذكرناه غير مرة، من أن الصحيح في حد العلم الواجب ما اختاره ابن القيم ♫ في مفتاح دار السعادة، والقرافي في الفروق، هو أنه: كل ما وجب العمل به فإن تقدم العلم عليه واجب.
عدد الصفحات ٢٧شرح رسالة وراثة الأنبياءشرح حديث أبي الدرداء شرح حديث أبي الدرداء 28 فإذا كان للإنسان مال يتجر فيه فإنه يجب عليه أن يقدم بين يديه تعلم أحكام الحلال والحرام البيع، وإذا صار له مال كثير تجب فيه الزكاة فإنه يجب عليه تعلم أحكامها. وقد كان السلف رحمهم الله تعالى يعظمون معرفة الحلال والحرام ويتورعون في ذلك ويتوقون في الكلام فيه ورع ا. ونقل المصنف ♫ في ذلك آثار ا حسان ا ومن مجالس الذكر أيض ا غير معرفة الحلال والحرام: مجالس العلم التي يذكر فيها تفسير كتاب الله أو تروى فيها سنة رسول الله ﷺ، سواء اقترنت تلك الرواية بمعرفة ما فيها من الأحكام والتفقه فيها، والاستنباط منه ا، أو كانت رواية مجردة كجلوس المقرئ ليعلم الناس القرآن، أو إملاء المحدث الأحاديث يرونها عن النبي ﷺ، وإذا زاد على ذلك العناية بالاستنباط والفهم وحسن الاستدلال من معاني الكتاب والسنة كان ذلك أكمل في تقديم علمهما على علم غيرهما وانتفاع الناس بهذه العلوم. ثم ذكر ♫ تعالى أنه مع ما تقدم من تفضيل العلم على مجرد الوعظ والقص على الناس فإن العالم الكامل لا يزال يتعاهد أصحابه بوعظهم وإرشادهم ونصحهم وإزالة القسوة عن قلوبهم بتذكيرهم بالله ▐ . والعلم في أصله ملين للقلب مقرب إلى ا▐، ولكن لما تكدرت العلوم بذكر الخفيات وبيان وجوه الترجيحات مما لم يكن في الصدر الأول صار العلم مورث ا نوع قسوة، كما ذكر ذلك ابن الجوزي ♫ في كتاب صيد الخاطر، قال: تأملت العلم والميل إليه والتشاغل به فإذا هو يقوي القلب قوة تميل به إلى نوع قساوة . انتهى كلامه. وليس مراد ابن الجوزي العلم الذي كان عليه الصدر الأول، ولكن المراد به العلم الذي انتهى إليه الناس في هذه الأزمنة المتأخرة لما كثر الخلاف والنزاع والشقاق واحتيج إلى الترجيح والرد والإبطال في أبواب العقائد والأحكام فعند ذلك صار في العلم هذا النوع من القوة الذي يجر إلى القسوة، ولم يكن هذا موجود ا في علوم الأوائل من السلف الصالح رحمهم الله تعالى، فلا غنى حينئذ عن يعتني المعلم بترقيق قلوب أصحابه بأنواع المرققات، ومن جملتها وعظهم وتذكيرهم والقص عليهم؛ طلب ا لإذهاب
عدد الصفحات ٢٨الشيخ/ صالح بن عبد الله بن حمد العصيمي 29 هذه القسوة وتليين قلوبهم بالوعظ والإرشاد، وقد كان هذا هدي النبي ﷺ فإنه كان يتخول أصحابه بالموعظة كما ثبت في الصحيح. ولذلك فإنك تجد في كلام العلماء الكاملين مهما تكلموا في فن من الفنون سواء في فن التفسير أو الحديث أو العقيدة أو غيرها تجد في كلامهم من المعاني الجليلة في وعظ العبد وطلب إلانة قلبه وغرس خشية الله عز وجل وخوفه به تجد في ذلك لهم شيئ ا عظيم ا كما تجد ذلك في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتلميذه ابن القيم، وحفيده في التلمذة ابن رجب، وعلامة القصيم عبدالرحمن بن الناصر بن سعدي رحمهم الله تعالى ؛ فيحصل الانتفاع بكلام هؤلاء أكثر من الانتفاع بكلام غير هم لأن يشوبون معارفهم وعلومهم بالوعظ والقص والتذكير بعظمة الله ▐ وإجلالهوخشيته. وإذا كان هذا الأصل موجود ا عند المعلم فإنه يحصل الانتفاع بعلمه حتى وإن عل م في العلوم التي يتوهم الناس أنه لا مدخل للوعظ فيها؛ فعلم العربية ربما حضر الإنسان مجالس كثيرة للنحو وهو لا يسمع في كلام معلمه ما يقربه إلى الله ▐، وإنما صار هذا من سماتهم لأنهم شغلوا بزيد وعمر و عن ضرب الأمثلة من كلام الله وكلام رسوله ﷺ. ومن هنا نفر جماعة من الصدر الأول من علوم العربية؛ لأن فيها الاشتغال بمثل هذا مما لا ينتفع به كما قيل للقاسم بن مخيمرة، لما أراد تعلم النحو: ق ل ض ر ب زيد عمر ا، فقال: لما ضربه ؟، فقال المعلم: هكذا المثال، فقال: شيء أوله كذب وآخره بغي لا حاجة لي فيه. ومعنى أوله كذب؛ لأنهم يتوسعون في الأمثلة وإنما هذا في صورة كذب وليس حقيقة كذب لأن المثال ي علم بأنه ليس بحقيقة. وآخره بغي لأن هذه العلوم إذا خرجت من غير تليين القلوب تورث أصحابها كبر ا، ولذلك قال أبو بكر ابن الأنباري وهو أحد أهل العربية: تأملت الفسق فوجدته في الأدباء؛ يعني في المشتغلين بالعربية لأن اشتغالهم بها يجرهم إلى المجون. ومن تأمل في السير المشتغلين بالعربية وجد ذلك، وقل مثل هذا في علم أصول الفقه فإن من نظر بعض تراجم أعلامه وجد فيهم من قسوة القلب والبعد عن الله ▐ شيئ ا عظيم ا، وقل فوق هذا فيمن يشتغل بالعلوم العقلية المحضة؛ كالمنطق والفلسفة فيحدث له من قسوة القلب بسبب ما سماه
عدد الصفحات ٢٩شرح رسالة وراثة الأنبياءشرح حديث أبي الدرداء شرح حديث أبي الدرداء 30 علم ا ما يعلمه إلا ا ▐، ولو كسيت هذهالعلوم بما كان عليه السلف رحمهم الله تعالى من رعاية الوعظ والقصد وإصلاح النفوس وتليين القلوب لانتفع الناس بهذه المعارف والعلوم. فلو أن المعلم إذا أراد أن يشرح باب الإعراب لأصحابه ذكرهم بما جاء عن مالك رحمه الله تعالى أنه قال: أعربنا في كثير من كلامنا فلم نلحن، ولحنا في كثير من أعمالنا فلم نعرب. وإذا أراد المرء أن ينشر ما في كلام مالك رحمه الله تعالى من العناية بالعمل والحرص على القيام به والوفاء بما أوجب ▐ والحذر من الخروج عن مقتضى العلم لئلا يزيغ الإنسان فيلحن في عمله لوجد في ذلك معان كثيرة، والمقصود أنه كلما وصلت هذه العلوم بالقرآن والسنة كلما انتفع الناس بها لأن للعلم الوارد في القرآن والسنة من النور والثناء والبهاء في النفوس ما لا يكون لكلام غير الله وغير رسوله ﷺ. وانظر الفرق إذا قرأت كتاب ا في النحو بين من يضرب مثالا في كل باب بعمر و وزيد، وبين ما يذكر في كل باب أمثلة من الكتاب والسنة فإن انتفاع الإنسان بالثاني أكثر بأضعاف من انتفاعه في الأول.
عدد الصفحات ٣٠الشيخ/ صالح بن عبد الله بن حمد العصيمي 31 قولهﷺ: «و إ ن ال م لا ئ ك ة ل ت ض ع أ ج ن ح ت ه ا ل ط ال ب الع ل م ر ض ى ب م ا ي ص ن ع » وخر ج ابن ماجه من حديث زر بن حبيش قال: أتيت صفوان بن عسال، فقال: م ا ج اء ب ك ؟ ق ل ت : أ ط ل ب الع ل م . قال: ف إ ن ي س م ع ت رسول الله ﷺ يقول: «م ا م ن خ ار ج خ ر ج م ن ب ي ت ه ف ي ط ل ب ال ع ل م إ و ض ع ت ل ه ال م لا ئ ك ة أ ج ن ح ت ه ا ر ض ى ب م ا ي ص ن ع » وخرجه الترمذي وغيره موقوف ا على صفوان. وقد اختلف الناس في تأويل وضع الملائكة أجنحتها: فمنهم من حمله على ظاهره، وأن المراد فرش الأجنحة وبسطها لطلاب العلم لتحملهم عليها إلى مقاصدهم من الأرض التي يطلبون فيها العلم؛ إعانة لهم على الطلب وتيسيره عليهم. وقال: وقد سمع هذا الحديث بعض المل حدين، فقال لطلبة العلم: ارفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة لا تكسروها. يستهزئون بذلك، فما زال من موضعه حتى جفت رجلاه وسقط . وروي عن آخر قال: لأكسرن أجنحة الملائكة. فصنع له نعلا طرقها بمسامير كثيرة، فمشى بها إلى مجلس العلم فجفت رجلاه ووقعت فيهما الأكلة. ومنهم من فسر وضع الملائكة أجنحتها بالتواضع لهم، والخضوع لطلاب العلم كما في قوله تعالى: {و اخ ف ض ج ن اح ك ل م ن ات ب ع ك م ن ال م ؤ م ن ين } . وفي هذا نظر؛ لأن للملائكة أجنحة حقيقة بخلاف البشر ومنهم من فسر ذلك بأن الملائكة تحف بأجنحتها مجالس الذكر إلى السماء كما جاء ذلك صريح ا في حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ. وورد مثله في بعض ألفاظ حديث صفوان بن عسال رضي الله عنه مرفوع ا: إ ن ط ال ب ال ع ل م ل ت ح ف ه ال م لائ ك ة و ت ظل ه ب أ ج ن ح ت ه ا، ث م ي ر ك ب ب ع ض ه م ب ع ض ا ح ت ى ي ب ل غ وا إ ل ى س م اء الد ن ي ا، م ن ح ب ه م ل م ا ي ط ل ب . ولعل هذا القول أشبه، والله أعلم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ذكر المصنف رحمه الله تعالى بيان قوله ﷺ: «و إ ن ال م لا ئ ك ة ل ت ض ع أ ج ن ح ت ه ا ل ط ال ب الع ل م ر ض ى ب م ا ي ص ن ع »
عدد الصفحات ٣١شرح رسالة وراثة الأنبياءشرح حديث أبي الدرداء شرح حديث أبي الدرداء 32 فذكر في ذلك ثلاثة أقوال: أولها: أن المراد فرش الأجنحة وبسطها لتحمل الملائكة عليها طلاب العلم إلى مقاصدهم من الأرض. والقول الثاني: أن المراد بذلك وضع الملائكة أجنحتها على وجه التواضع والخضوع لأهل العلم. وثالثها: أن معنى ذلك أن الملائكة تحف بأجنحتها مجالس الذكر إلى السماء؛ كما جاء صريح ا في حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ في صحيح مسلم وفيه أن النبي ﷺ قال: «و م ا اج ت م ع ق و م ي ت ل ون ك ت اب الله ، و ي ت د ار س ون ه ب ي ن ه م »ثم ذكر أنواع ا من الجزاء فذكر منها: «و ح ف ت ه م ال م لا ئ ك ة » وهذا القول كما ذكر المصنف رحمه الله تعالى أشبه بكونه هو المعنى المراد؛ لأن الأحاديث يفسر بعضها ببعض كما قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «الحديث ي ف س ر بعضه بعض ا »فحمل الوضع على الحث أقوى لأنه هو الذي جاء مبين ا في بعض الأحاديث عن النبي ﷺ؛ فوضع الملائكة أجنحتها لطالب العلم هو حفها لهؤلاء الطلبة في مجالس العلم والذكر.
عدد الصفحات ٣٢