المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تطريز شرح حديث أبي الدرداء لابن رجب الحنبلي

صالح بن عبد الله بن حمد العصيمي

صفحة ٤ من ٤

الشيخ/ صالح بن عبد الله بن حمد العصيمي 49 وإذا ظهر فضل العالم علىالعابد، فإنما المراد تفضيله على العابد بعلم ، فأما العابد بغير علم ؛ فإنه مذموم. ولهذا شبهه السلف بالسائر على غير طريق ، وبأنه ي فسد أكثر مما يصلح. وبأنه كالحمار في الطاحون، يدور حتى يهلك من التعب ولا يبرح من مكانه. وهذا أشد ظهور ا ووضوح ا من أن يحتاج إلى بسط القول فيه. ولنضرب هاهنا مثلا جامع ا لأحوال الخلق كلهم، بالنسبة إلى دعوة الرسول ﷺ وانقسامهم في إجابة دعوته إلى: سابق ، ومقتصد ، وظالم لنفسه، وبه يظهر فضل العلماء الربانيين على غيرهم من الناس أجمعين، فنقول: مثل ذلك كمثل رسول ق د م من بلد الملك الأعظم فأدى رسالة الملك إلى سائر البلدان، وظهر لهم صدقه في رسالته، فكان مضمون رسالته التي أداها عند الملك الأعظم إلى رعيته: أن هذا الملك لا إحسان أتم من إحسانه، ولا عدل أكمل من عدله، ولا بطش أشد من بطشه، وأنه لابد أن يستدعي الرعية كلهم إ ل ي ه ليقيموا عنده، فمن ق د م عليه بإحسان جازاه بإحسانه أفضل الجزاء، ومن قدم عليه بإساءة جازاه بإساءته أشد الجزاء، وأنه يحب كذا وكذا، ويكره كذا وكذا، ولم يدع شيئ ا مما تعمله الرعية إلا أخبرهم بما يحبه الملك منه وبما يكره، وأمرهم بالتجهز والسير إلى دار الملك التي فيها الإقامة وأخبرهم بخراب جميع البلدان سوى ذلك البلد، وأن من لم يتجهز للسير بعث إ ل ي ه الملك من يزعجه عن وطنه، وينقله منه على أسوأ حال، وجعل يصف صفات هذا الملك الحسنى من الجمال والكمال، والجلال والإفضال. فانقسم الناس في إجابة هذا الرسول الداعي إلى الملك أقسام ا عديدة: فمنهم من صدقه، ولم يكن له هم إلا السؤال عما يحب هذا الملك من الرعية واستصحابه إلى داره عند السير إ ل ي ه . فانشغل بتخليصه لنفسه، وبدعاء من يمكنه دعاؤه من الخلق إلى ذلك، وعما يكرهه الملك، فاجتنبه وأمر الناس باجتنابه، وجعل همه الأعظم السؤال عن صفات الملك وع ظمته وإفضاله، فزاد

عدد الصفحات ٤٩

شرح رسالة وراثة الأنبياءشرح حديث أبي الدرداء شرح حديث أبي الدرداء 50 بذلك محبته لهذا الملك وإجلاله، والشوق إلى لقائه، فارتحل إلى الملك مستصحب ا لأنفس ما قدر عليه مما يحبه الملك ويرتضيه، واستصحب معه ركب ا عظيم ا على مثل حاله، سار بهم إلى دار الملك. وقد عرف من جهة ذلك الدليل -وهو الرسول الصادق- أقرب الطرق التي يتوصل بالسير فيها إلى الملك، وما ينفع من التزود للمسير فيها، وع م ل بمقتضى ذلك في السير هو ومن اتبعه. فهذه صفة العلماء الربانيين الذين اهتدوا وهدوا الخلق معهم إلى طريق الله، وهؤلاء يقدمون على الملك قدوم الغائب على أهله، المنتظرين لقدومه، المشتاقين إ ل ي ه أشد الشوق. وقسم آخرون اشتغلوا بالتأهب لمسيرهم بأنفسهم إلى الملك ولم يتفرغوا لاستصحاب غيرهم معهم. وهذه صفة العباد الذين تعلموا ما ينفعهم في خاصة أنفسهم، واشتغلوا بالعمل بمقتضاه. وقسم آخرون تشبهوا بأحد القسمين، وأظهروا للناس أن هم منهم، وأن قصدهم التزو د للرحيل، وإنما كان قصدهم استيطان دارهم الفانية. وهم العلماء والعباد المراءون بأعمالهم؛ لينالوا بذلك مصالح دارهم التي هم بها مستوطنون، وحال هؤلاء عند الملك الأعظم إذا قدموا عليه شر حال، ويقال لهم: اطلبوا جزاء أعمالكم ممن عملتم لهم، فليس لكم عندنا من خلاف، وهم أول من تسعر بهم النار من أهل التوحيد. وقسم آخرون فهموا ما أراده الرسول من رسالة الملك، لكنهم غلب عليهم الكسل والتقاعد عن التزود للسفر. واستصحاب ما يحب الملك، واجتناب ما يكرهه. وهؤلاء العلماء الذين لا يعملون بعلمهم، وهم على شفا هلكة، وربما انتفع غيرهم ب معرفتهم ووصفهم لطريق السير، فسار المتعلمون فنجوا، وانقطع بمن تعلموا منهم الطريق فهلكوا. وقسم آخرون صدقوا الرسول فيما دعا إ ل ي ه من دعوة الملك، لكنهم لم يتعلموا منه طريق السير، ولا معرفة تفاصيل ما يحبه الملك وما يكرهه، فساروا بأنفسهم، ورموا نفوسهم في طرق شاقة، ومخاوف وقفار وعرة، فهلك أكثرهم، وانقطعوا في الطريق، ولم يصلوا إلى دار الملك. وهؤلاء هم الذين يعملون بغير علم.

عدد الصفحات ٥٠

الشيخ/ صالح بن عبد الله بن حمد العصيمي 51 وقسم لم يهتموا بهذه الرسالة، ولا رفعوا بها رأس ا، واشتغلوا بمصالح إقامتهم في أوطانهم التي أخ الرسول بخرابها. وهؤلاء: منهم من كذب الرسول بالكلية ومنهم من صدقه بالقول ولكنه لم يشتغل بمعرفة ما دل عليه ولا بالعمل به، وهؤلاء عموم الخلق الم ع ر ض ون عن الع ل م والعمل. ومنهم الكفار والمنافقون، ومنهم العصاة الظالمون لأنفسهم. فلم يشعروا إلا وقد طرقهم داعي الملك، فأخرجهم عن أوطانهم، واستدعاهم إلى الملك، فقدموا عليه قدوم الآبق على سيده الغضبان. فإذا تأملت أقسام الناس المذكورة لم تجد أشرف ولا أقرب عند الملك من العلماء الربانيين، فهم أفضل الخلق بعد المرسلين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعد أن بين المصنف ♫ تعالى فضل العالم على العابد نبه♫ تعالى إلى أن المراد بالعابد هنا من يعبد الله ▐ على بصيرة وعلم ، أما العابد الذي يتعبد  بغير علم فإنه مذموم ، و مدخل له فيما ذكره ♫ تعالى من الآثار، بل هو على خطر عظيم ، ويفسد أكثر مما يصلح ثم ضرب ♫ مثالا جامع ا لأحوال الخلق كلهم بالنسبة إلى دعوة النبي ﷺ، وسبق في كلام العلامة ابن سعدي أن من محاسن التعليم: ضرب الأمثلة، وتصوير الحقائق المذكورات بما يعبر عنها. وقد ضرب ♫ تعالى مثالا حسن ا في انقسام الناس على دعوة النبي ﷺ في انقسامهم على ملك عظيم له من الحال وال هيبة والمقام ما له، ثم أظهر للناس ما يدعوهم إليه وبعث برسالته برسول صادق يدعوهم إليه ، فاختلف الناس فيه على أنحاء عدة ذكرها المصنف ♫ تعالى، والسعيد من هؤلاء هو الذي يسعى إلى ذلك الملك بما يحبه ويرضاه ويجتهد في دعاء غيره من الخلق إليه، وهذا حال العلماء الربانيين كما ذكر المصنف ♫ تعالى مع رب العالمين، فإنهم يقومون بما وجب ويجتهدون في طاعته، ويدعون الخلق إلى ذلك، فهم أفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام.

عدد الصفحات ٥١

شرح رسالة وراثة الأنبياءشرح حديث أبي الدرداء شرح حديث أبي الدرداء 52 قولهﷺ: و إ ن الع ل م اء ه م و ر ث ة الأ ن ب ي اء . يعني أن هم ورثوا ما جاء به الأنبياء من الع ل م، فخلفوا الأنبياء في أممهم بالدعوة إلى الله وإلى طاعته، والنهي عن معاصي الله والذب عن دينه. وفي مراسيل الحسن، عن النبي ﷺ قال: ر ح م ة الله ع ل ى خ ل ف ائ ي. ق ال وا: ي ا ر س ول الله ، و م ن خ ل ف اؤ ك ؟ ق ال : «ال ذ ين ي ح ي ون س ن ت ي م ن ب ع د ي و ي ع ل م ون ه ا ع ب اد الله . وقد روي نحوه من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه مرفوع ا أيضاً. فالعلماء في مقام الرسل بين الله وبين خلقه، كما قال ابن المنكدر: إ ن الع ال م ب ي ن الله و ب ي ن خ ل ق ه ، ف ل ي ن ظ ر ك يف ي د خ ل ع ل ي ه م . وقال ابن عيينة: أ ع ظ م الن اس م ن ز ل ة م ن ك ان ب ي ن الله و ب ي ن خ ل ق ه : الأ ن ب ي اء ، و الع ل م اء . وقال سهل التستري: م ن أ ر اد أ ن ي ن ظ ر إ ل ى م ج ال س الأ ن ب ي اء ف ل ي ن ظ ر إ ل ى م ج ال س الع ل م ا ء ، ي ج يء الر ج ل ف ي ق ول : ي ا ف لا ن ، أيش ت ق ول ف ي ر ج ل ح ل ف ع ل ى ام ر أ ت ه ك ذ ا و ك ذ ا؟ ف ي ق ول : ط ل ق ت ام ر أ ت ه ، و ي ج يء آخ ر ف ي ق ول : م ا ت ق ول في ر ج ل ح ل ف ع ل ى ام ر أ ت ه ب ك ذ ا و ك ذ ا؟ فيقول: ليس يحنث بهذا ا لقول. وليس هذا إلا لنبي أو عالم، فاعرفوا لهم ذلك. ورأت امرأة من العابدات في زمن الحسن البصري، كأنها تستفتي في المستحاضة، فق يل ل ه ا: أتستفتين وفيكم الحسن، وفي يده خاتم جبرئيل عليه السلام؟ وفي هذا إشارة إلى وراثة الحسن ما جاء به جبرئيل من الوحي بخاتمه. ورأى بعض العلماء النبي ﷺ في المنام ف ق ال له: يا رسول الله، قد اختلف علينا في مالك والليث أيهما أعلم؟ ف ق ال ﷺ: مالك ورث جدي -يعني: ورث علمي. ورأى بعضهم في المنام النبي ﷺ قاعد ا في المسجد، والناس حوله، ومالك قائم بين يديه، وبين يدي رسول الله ﷺ مسك، وهو ي أخذ منه قبضة فيدفعها إلى مالك، ومالك ينشرها على الناس فأول ذلك لمالك بالعلم واتباع السنة.

عدد الصفحات ٥٢

الشيخ/ صالح بن عبد الله بن حمد العصيمي 53 ورأى الفضيل بن عياض النبي ﷺ في منامه جالس ا، وإلى جنبه فرجة، فجاء ليجلس فيها، ف ق ال له النبي ﷺ: هذا مجلس أبي إسحاق الفزاري . فسئل بعضهم: أيهما كان أفضل أبو إسحاق أو فضيل؟ ف ق ال : كان فضيل رجل نفسه، وكان أبو إسحاق رجل عامة. يشير إلى أن ه كان عالم ا ينتفع الناس بعلمه، وكان فضيل عابد ا نفعه لنفسه. والعلماء في الآخرة يتلون الأنبياء في الشفاعة وغيرها، كما في الترمذي ، عن عثمان، عن النبي ﷺ: ي ش ف ع ي و م ال ق ي ام ة ا لأ ن ب ي اء ، ث م ال ع ل م اء ، ث م الش ه د اء . وقال مالك بن دينار: ب ل غ ن ا أ ن ه ي ق ال ل لع اب د : اد خ ل الج ن ة ، و ي ق ال ل ل ع ال م : ق ف ف اش ف ع . وقد روي هذا مرفوع ا من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف جد ا. وللعلماء الكلام في الموقف إذا اشتبهت الأمور على الناس؛ فإذا ظن أهل الموقف أن هم لم يلبثوا في قبورهم إلا ساعة؛ ب ي ن أهل الع ل م أن الأمر على خلاف ذلك كما قال تعالى: {و ي و م ت ق وم الس اع ة ي ق س م ال م ج ر م ون م ا ل ب ث وا غ ي ر س اع ة ك ذ ل ك ك ان وا ي ؤ ف ك ون * و ق ا ل ال ذ ين أ وت وا ال ع ل م و الإ يم ان ل ق د ل ب ث ت م ف ي ك ت اب الله إ ل ى ي و م ال ب ع ث } الآية والعلماء يخبرون يوم القيامة بخزي المشركين كما قال تعالى: {ث م ي و م ال ق ي ام ة ي خ ز يه م و ي ق ول أ ي ن ش ر ك ائ ي ال ذ ين ك ن ت م ت ش اق ون ف يه م ق ال ال ذ ين أ وت وا ال ع ل م إ ن ال خ ز ي ال ي و م و الس وء ع ل ى ال ك اف ر ين } . وقد روي في حديث مرفوع: إ ن الن اس ي ح ت اج ون ف ي الج ن ة إ ل ى الع ل م اء ك م ا ك ان وا ي ح ت اج ون إ ل ي ه م الد نيا، إ ذ ا اس ت د ع ى الر ب أ ه ل الج ن ة ل ز ي ار ت ه و ق ال ل ه م : س ل ون ي م ا ش ئ ت م ف ي ل ت ف ت ون إ ل ى الع ل م اء م ن ه م ، ف ي ق ول ون : س ل وه ر ؤ ي ت ه ؛ ف م ا ف ي ال ج ن ة أ ع ظ م م ن ه ا . وهذا كله يبين أن لا درجة بعد النبوة أفضل من درجة العلماء. وقد يطلق اسم العلماء ويراد إدخال الأنبياء فيهم كما في قوله تعالى: {ش ه د الله أ ن ه لا إ ل ه إ لا ه و و ال م لا ئ ك ة و أ ول و ال ع ل م ق ائ م ا ب ال ق س ط } . فلم يفرد الأنبياء بالذكر؛ بل أدخلهم في مسمى العلماء، وكفى بهذا شرف ا للعلم اء أن هم يسمون باسم يجتمعون هم والأنبياء فيه. ومن هنا قال من قال: إ ن الع ل م اء الع ام ل ين ه م أ و ل ي اء الله .

عدد الصفحات ٥٣

شرح رسالة وراثة الأنبياءشرح حديث أبي الدرداء شرح حديث أبي الدرداء 54 كما قال أبو حنيفة والشافعي: إ ن ل م ي ك ن الع ل م اء و الف ق ه اء أ و ل ي اء الله ف ل ي س لله و ل ي وقال الإمام أحمد في أ ه ل ال ح د يث : إ ن ه م ه م الأ ب د ال . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ذكر المصنف ♫ تعالى في هذه الجملة بيان قولهﷺ: وإن العلماء ورثة الأنبياء، إذ قد تقرر أن لكل مخلوق وارث، وإن ممن ي و رث الأنبياء، ووارث الأنبياء هم العلماء؛ لأن أصل النبوة هو العلم والوحي، وإذا انقطع الوحي بموت الأنبياء فإن ما جاءوا به من العلم يبقى بقيام العلماء عليه، فيكون هؤلاء العلماء بمنزلة وراث النبوة لأنهم ورثوا العلم، ولهذا جاء في بعض الآثار أن علماء هذه الأمة بمنزلة أنبياء بني إسرائيل؛ لأن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، إذا مات نبي قام نبي فصلاحهم بذلك، كما ثبت في صحيح البخاري، ولما كانت هذه الأمة لا نبي فيها بعد محمد ﷺ صار العلماء هو الذين يسوسون الناس بعد موت النبي ﷺ ويقسمون ميراثه بين الخلق، ويدلون الناس على ما يجب عليهم من حق ربهم سبحانه وتعالى وما تقوم به عبادتهم له ، فصار مقامهم أفضل لأنهم وراث النبي وكما أن الخلق يقدمون من ورث الملك عن آبائه ويكون له عندهم حسب ، فإن العلماء لهم أرفع من هذا الحسب ، فإن الملك لا يرث إلا سلطان ا أخذه عمن قبله، وأما العالم فإنه يرث ما هو أعظم من سلطان الأرض، وهو سلطان القلوب، ألا وهو العلم الذي تذعن له القلوب وتقر، ولا شك أن من يتصرف في القلوب أعظم ممن يتصرف في الأبدان والأموال، فإن الأبدان والأموال قد يقدر عليها، وأما القلوب فإنه لا يقدر عليها، إنما يمكن ذلك للعالم الذي ورث النبي فصار يهدي الناس ويرشدهم ويبين لهم الهدى والنور.

عدد الصفحات ٥٤

الشيخ/ صالح بن عبد الله بن حمد العصيمي 55 قولهﷺ: إ ن الأ ن ب ي اء ل م ي و ر ث وا د ين ار ا و لا د ر ه م ا، و إ ن م ا و ر ث وا ال ع ل م ؛ ف م ن أ خ ذ ه أ خ ذ ب ح ظ و اف ر . والمراد بهذا أن العلماء ورثوا الأنبياء فيما خلفوه، وأن ال ذ ي خلف الأنبياء هو الع ل م النافع، فمن أخذ الع ل م وحصل له فقد حصل له الحظ العظيم الوافر ال ذ ي يغبط به صاحبه. و ر أ ى اب ن م س ع ود ق و م ا ف ي الم س ج د ي ت ع ل م ون ف ق ال ر ج ل : ع ل ى م ا اج ت م ع ه ؤ لا ء ؟ ف ق ال : ع ل ى م ير اث م ح م د ﷺ ي ق ت س م ون ه . وخرج أبو هريرة إلى السوق، ف ق ال لأهله: ت ر ك ت م م ير اث م ح م د ﷺ ي ق ت س م ف ي الم س جد و أ ن ت م ه ا ه ن ا ؟! فتركة النبي ﷺ وميراثه هو هذا الكتاب ال ذ ي جاء به مع السنة المفسرة له الم بينة لمعانيه. وفي صحيح البخاري عن ابن عباس أن ه سئل: أترك النبي ﷺ من شيء؟ قال: م ا ت ر ك إ لا م ا ب ي ن الد ف ت ي ن ، ي ع ن ي: دفتي الم ص ح ف . وفي الصحيحين عن ابن أبي أوفى أن ه سئل: هل وصى رسول الله ﷺ بشيء؟ قال: و ص ى ب ك ت اب الله . وخطب ﷺ في مر جعه من حجة الوداع ف ق ال : إ ن م ا أ ن ا ب ش ر ، ي وش ك أ ن ي أ ت ي ن ي ر س ول ر ب ي ف أ ج يب ه ، و إ ن ي ت ار ك ف يك م الث ق ل ي ن : أ و ل ه م ا: ك ت اب الله ، ف يه ال ه د ى و الن ور ، م ن اس ت م س ك ب ه و أ خ ذ ب ه ك ان ع ل ى اله د ى و م ن أ خ ط أ ه ض ل خر جه مسلم . وفي المسند عن عبد الله بن عمرو قال: خ ر ج ع ل ي ن ا ر س ول الله ص ل ى الله ع ل ي ه و س ل م ي و م ا ك ال م و د ع ، ف ق ال : أ ن ا الن ب ي الأ م ي -ق ال ذ ل ك ث لا ث م ر ات - و لا ن ب ي ب ع د ي، أ وت يت ف و ات ح ال ك ل م و ج و ام ع ه ، و ع ل م ت ك م خ ز ن ة الن ار و ح م ل ة ال ع ر ش ، و ع وف يت أ م ت ي، ف اس م ع وا و أ ط يع وا م ا د م ت ف يك م ؛ ف إ ذ ا ذ ه ب ب ي ف ع ل ي ك م ب ك ت اب الله ، أ ح ل وا ح لا ل ه و ح ر م وا ح ر ام ه . قوله ﷺ: إ ن الأ ن ب ي اء ل م ي و ر ث وا د ين ار ا و لا د ر ه م ا، و إ ن م ا و ر ث وا ال ع ل م . يريد أن هم لم يورث عنهم سوى الع ل م، وهذا يبين المراد بقوله تعالى: {و و ر ث س ل ي م ان د او ود } . وقوله تعالى عن زكريا أن ه قال {ف ه ب ل ي م ن ل د ن ك و ل ي ا ي ر ث ن ي و ي ر ث م ن آل ي ع ق وب } . إنما أريد به ميراث الع ل م والنبوة لا المال؛ فإن الأنبياء لا يجمعون مالا يتركونه قال عليه السلام: م ا ت ر ك ت ب ع د م ؤ ن ة ع ام ل ي و ن ف ق ة ع ي ال ي ف ه و ص د ق ة . و م ا ت ر ك إ لا د ر ع ه و س لا حه و ب غ ل ت ه الب ي ض اء و أ ر ض ا ج ع ل ه ا ص د ق ة .

عدد الصفحات ٥٥

شرح رسالة وراثة الأنبياءشرح حديث أبي الدرداء شرح حديث أبي الدرداء 56 فلم يخلف سوى آلته ال ذ ي بعث به، والأرض التي كان يقتات منها هو وعياله، ردها صدقة على المسلمين. وكل هذا إشارة إلى أن الرسل لم تبعث بجمع الدنيا وتوريثها لأهليهم، وإنما بعثوا بالدعوة إلى الله والجهاد في سبيله والعلم النافع وتوريثه لأممهم. وفي مراسيل أبي مسلم الخولاني، عن النبي ﷺ قال: م ا أ و ح ى الله إ ل ي أ ن أ ج م ع الم ال و أ ك ن م ن الت اج ر ين ، و ل ك ن أ و ح ى إ ل ي : أ ن س ب ح ب ح م د ر ب ك و ك ن م ن الس اج د ين ، و اع ب د ر ب ك ح ت ى ي أ ت ي ك الي ق ين خرجه أبو نعيم . وفي الترمذي وغيره عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: م ا ل ي و ل لد ن ي ا؟! إن م ا م ث ل ي و م ث ل الد ن ي ا ك ر اك ب اس ت ظ ل ب ظ ل ش ج ر ة ، ث م ر اح و ت ر ك ه ا . فقوله ﷺ: و إ ن ال ع ل م اء و ر ث ة الأ ن ب ي اء ، و إ ن الأ ن ب ي اء ل م ي و ر ث وا د ين ار ا و لا د ر ه م ا، و إ ن م ا و ر ث وا ال ع ل م . فيه إشارة إلى أمرين: أحدهما: أن العالم ال ذ ي هو وارث للرسول حقيقة، كما أن ه ورث علمه فينبغي أن يورثه كما ورث الرسول الع ل م، وتوريث العالم الع ل م هو أن يخلفه بعده بتعليم أو تصنيف، ونحو ذلك مما ينتفع به بعده. وفي الصحيح عن النبي ﷺ: إ ذ ا م ات العبد ان ق ط ع ع م ل ه إ لا م ن ث لا ث : ع ل م ن اف ع ، أ و ص د ق ة ج ار ي ة ، أ و و ل د ص ال ح ي د ع و ل ه . فالعالم إذا ع ل م من يقوم به بعده؛ فقد خلف علم ا نافع ا وصدقة جارية؛ لأن تعليم الع ل م صدقة، كما سبق عن معاذ وغيره، والذين علمهم بمنزلة أولاد الصالحين يدعون له، فيجتمع له بتخليف علمه هذه الخصال الثلاث. والأمر الثاني: أن من كمال ميراث العالم للرسول -عليه السلام- أن لا يخلف الدنيا كما لم يخلفها الرسول، وهذا من جملة الاقتداء بالرسول وبسنته في زهده في الدنيا، وتقلله منها، واجتزائه منها باليسير. كما كان سهل التستري يقول: م ن ع لا م ة ح ب الس ن ة ح ب الآخ ر ة و ب غ ض الد ن ي ا، وألا يأخذ م ن ه ا إ لا ز اد ا ب ل غ ة إ ل ى الآخ ر ة .

عدد الصفحات ٥٦

الشيخ/ صالح بن عبد الله بن حمد العصيمي 57 وقال مالك بن دينار: إ ن م ا الع ال م ال ذ ي إ ذ ا أ ت ي ت ه ف ي ب ي ت ه ف ل م ت ج د ه ق ص ع ل ي ك ب ي ت ه ، ر أ ي ت ح ص ير ة الص لاة و م ص ح ف ه و م ط ه ر ت ه ف ي ج ان ب الب ي ت ، ت ر ى أ ث ر الآخ ر ة . وكان الفضيل يقول: اح ذ ر وا ع ال م الد ن ي ا لا ي ص د ك م ب س ك ر ه . ثم قال: إ ن كثير ا م ن ع ل م ائ ك م ز ي ه أ ش ب ه ب ز ي ك س ر ى و ق ي ص ر، أ ش ب ه م ن ه ب ز ي م ح م د ﷺ، إ ن م ح م د ا ل م ي ض ع ل ب ن ة ع ل ى ل ب ن ة ، و لا ق ص ب ة ع ل ى ق ص ب ة ، و ل ك ن ر ف ع ل ه ع ل م ف ش م ر إ ل ي ه . وكان يقول: الع ل م اء ك ث ير و الح ك م اء ق ل يل ، و إ ن م ا ي ز اد م ن الع ل م الح ك م ة ، ف م ن أ وت ي الح ك م ة ف ق د أ وت ي خ ي ر ا ك ث ير ا. وهكذا كان حال الع ل م اء الربانيين كالحسن وسفيان وأحمد، اجتزءوا من الدنيا باليسير إلى أن خرجوا منها، ولم يخلفوا سوى الع ل م، مع أن بعضهم كان يلبس لباس ا حسن ا، ويأكل أكلا متوسط ا بعيد ا من التقشف. كالحسن البصري؛ فإنه كان يأكل اللحم كل يوم، كان يشتري بنصف درهم لحم ا فيطبخه مرقة طيبة فيأكل منه هو وعياله، وي ط ع م كل من دخل عليه، وكان يلبس الثياب الحسنة، وهو مع هذا أزهد الناس في الدنيا، وما زاحم على شيء منها قط. وكان الناس إذا دخلوا عليه خرجوا من عنده، ولا يعدون الد ن ي ا شيئ ا، وما رأوا أشد احتقار ا لأهل الد ن ي ا منه. وكانوا يدخلون عليه في مرضه يعودونه وليس في بيته إلا سرير مرمول هو عليه، وليس في بيته قليل ولا كثير، حتى قال ابن عون: إ ن م ا اس ت ب د الح س ن الن اس ب الز ه د ف ي الد ن ي ا، ف أ م ا الع ل م ف ق د ش ور ك ف يه . وكان الحسن يقول: إ ن م ا ال ف ق يه الز اه د ف ي الد ن ي ا، الر اغ ب ف ي الآ خ ر ة ، الم ج ت ه د ف ي الع ب اد ة ، الق ائ م ب س ن ة م ح م د ﷺ، من رأى م ح م د ا فقد رآه غادي ا ورائح ا لم يضع لبنة، على لبنة ولا قصبة على قصبة؛ إ ن م ا رفع له علم فشمر إ ل ي ه . وكان سفيان الثوري أشد تقشف ا في ملبسه من الحسن، حتى كان من يراه ولا يعرفه يظنه من السؤال، وكان مع شدة ورعه إذا وجد الحلال أكل منه طيب ا، وإن لم يجد حلالا استف الرمل، وربما بقي ثلاث ا لا يطعم شيئ ا مع عرض الناس عليه الأموال الكثيرة.

عدد الصفحات ٥٧

شرح رسالة وراثة الأنبياءشرح حديث أبي الدرداء شرح حديث أبي الدرداء 58 وكان إذا شبع من الحلال يزيد في عمله ويقول: أطعم الزنجي وكده . وكان أزهد الناس في الد ن ي ا في زمانه حتى كان يتعرى بمجلسه عن الد ن ي ا ولم تكن السلاطين والملوك والأغنياء أذل منهم في مجلسه، ولا الفقراء والمساكين أعز منهم فى مجلسه. وكان الخوف قد غلب عليه، فلما مرض مرض الموت ح مل ما ؤه إلى طبيب ف ق ال : ل ي س ل ه ذ ا د و اء ، ه ذ ا ق د ف ت ت الح زن و الخ وف ك ب د ه . ويقال: لم يكن في زمانه من هو أخوف لله منه، ولا من هيبة الله في صدره أعظم منه. ولما مات قال بعض الع ل م اء: معشر أهل الهوى، كلوا الد ن ي ا بالدين، فقد مات سفيان، ي عني؛ ما بقي بعده أحد يستحيا منه. وأما الإمام أحمد فكان أشد منهما تقشف ا في عيشه وأكثر صبر ا على خشونة العيش للقلة، وكانت معيشته من حوانيت له ورثها من أبيه، ويأخذ أجرها في الشهر دون عشرين درهم ا، ومات لم يخلف إلا قطع ا في خرقة له، كان وزنها دون نصف درهم، وت رك عليه دين ا قضي عنه من أجرة حوانيته مع كثرة ما كان يرد عليه من الخلفاء من الجوائز والصلات. وكان يحيى بن أبي كثير من الع ل م اء الربانيين المتوسعين في الع ل م، وكان يقال: إن ه ل م ي ب ق ع ل ى و ج ه الأ ر ض م ث ل ه ، و ك ان حسن الثياب، حسن الهيئة، ف لما مات خلف ثلاثين درهم ا كفنوه بها رحمه الله. وكان محمد بن أسلم الطوسي من الع ل م اء الربانيين الزهاد، فمات ولم يخلف سوى كساءه ولبده ، فوضعوهما على نعشه وإناء للوضوء تصدقوا به. فكان النساء على السطوح يقلن في جنازته: ه ذ ا الع ال م ال ذ ي خ ر ج م ن الد ن ي ا، و ه ذ ا م ير اث ه ال ذ ي ع ل ى ج ن از ت ه ، ل ي س م ث ل ع ل م ائ ن ا ه ؤ لا ء ع ب يد ب ط ون ه م ، ي ج ل س أ ح د ه م ل ل ع ل م س ن ت ي ن أ و ث لا ث ا ف ي ش ت ر ي الض ي اع و ي س ت ف يد الم ال . وقال العباس بن مرثد: س م ع ت أ ص ح اب ن ا ي ق ول ون : ص ار إ ل ى الأ و ز اع ي أ ك ث ر م ن س ب ع ين أ ل ف د ين ار م ن الس ل ط ان م ن ب ن ي أ م ي ة ، ف ل م ا م ات خ ل ف س ب ع ة د ن ان ير ب ق ي ت ب ق ي ة، و م ا ك ان ل ه أ ر ض و لا د ار . قال العباس: ن ظ ر ن ا ف إ ذ ا ه و أ خ ر ج ه ا ف ي س ب يل الله و الف ق ر اء . وقد وصف الله سبحانه في كتابه الع ل م اء بأوصاف منها: الخشية والخشوع والبكاء، كما سبق ذكره. ومنها احتقار الد ن ي ا والتزهيد فيها كما قال تعالى في قصة قارون:

عدد الصفحات ٥٨

الشيخ/ صالح بن عبد الله بن حمد العصيمي 59 {ف خ ر ج ع ل ى ق و م ه ف ي ز ين ت ه ق ال ال ذ ين ي ر يد ون ال ح ي اة الد ن ي ا ي ا ل ي ت ل ن ا م ث ل م ا أ وت ي ق ار ون إ ن ه ل ذ و ح ظ ع ظ يم * و ق ال ال ذ ين أ وت وا ال ع ل م و ي ل ك م ث و اب الله خ ي ر ل م ن آم ن و ع م ل ص ال ح ا و لا ي ل ق اه ا إ لا الص اب ر ون } . وقيل لمام أحمد: إ ن ابن المبارك ق يل ل ه : كيف يعرف العالم الصادق؟ ف ق ال : ال ذ ي ي ز ه د ف ي الد ن ي ا و ي ق ب ل ع ل ى أ م ر الآخ ر ة . ف ق ال أحمد: نعم، هكذا ينبغي أن يكون. وكان أحمد ينكر على أهل الع ل م حب الد ن ي ا والحرص على طلبها. واعلم أن ه إ ن م ا أهلك أهل الع ل م وأوجب إساءة ظن الجهال بهم وتقديم جهال المتعبدين عليهم ما دخل عليهم من الطمع في الد ن ي ا. وقد رأى علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- رجلا يقص، ف ق ال له: لأ س أ ل ن ك م س أ ل ة ، ف إ ن خ ر ج ت م ن ه ا و إ لا ع ل و ت ك ب ه ذ ه الد ر ة ، ف ق ال له: س ل ي ا أ م ير الم ؤ م ن ين . ف ق ال له: م ا ث ب ات الد ين و ز و ال ه ؟ ف ق ال له: ث ب ات الد ين الو ر ع ، و ز و ال ه الط م ع . ف ق ال له: ق ص ، ف م ث ل ك ي ق ص . وهذا السؤال من علي -رضي الله عنه- لهذا القاص فيه إشارة إ ل ى أن من نشر علمه للناس وتكلم عليهم، ينبغي أن يكون ورع ا عما في أيديهم، غير طامع في شيء من أموالهم ولا أرزاقهم، ولا اجتلاب قلوبهم اليه، وإنما ينشر علمه لله عز وجل ويتعفف عن الناس بالورع. وقال أبو حازم الزاهد: ل ق د أ ت ت ع ل ي ن ا ب ر ه ة م ن د ه ر ن ا و م ا ع ال م ي ط ل ب أ م ير ا، و ك ان الر ج ل إ ذ ا ع ل م اك ت ف ى ب الع ل م ع م ا س و اه ، ف ك ان ت الأ م ر اء تعساهم في منازلهم وتقتبس منهم، ف ك ان ف ي ذ ل ك ص لا ح ل ل ف ر يق ي ن ل ل و ال ي والم ولى ع ل ي ه ، ف ل م ا ر أ ت الأ م ر اء أ ن الع ل م اء ق د غ ش وه م و ج ال س وه م ، و س أ ل وه م م ا ف ي أ ي د يه م ه ان وا ع ل ي ه م ، و ت ر ك وا الأ خ ذ ع ن ه م و الاق ت ب اس م ن ه م ، ف ك ان ف ي ذ ل ك ه لا ك الف ر يق ي ن الو ال ي والم ولى ع ل يه . ودخل أعرابي البصرة ف ق ال : م ن س ي د ه ذ ه الق ر ي ة ؟ فقالوا: الح س ن ، ق ال : ف ب م س اده م ؟

عدد الصفحات ٥٩

شرح رسالة وراثة الأنبياءشرح حديث أبي الدرداء شرح حديث أبي الدرداء 60 قالوا: اح ت اج الن اس إ ل ى ع ل م ه ، و اس ت غ ن ى ه و ع ن د ن ي اه م وكان الحسن يقول: إ ن ل ك ل ش ي ء ش ي ن ا، و ش ي ن الع ل م الط م ع . وقال: م ن از د اد ع ل م ا ف از د اد ع ل ى الد ن ي ا ح ر ص ا، ل م ي ز د د م ن الله إ لا ب ع د ا، و ل م ي ز د د الله ل ه إ لا ب غ ض ا. واجتاز الحسن ي و م ا ببعض القراء ع ل ى أبواب بعض السلاطين ف ق ال : أ ق ر ح ت م ج ب اه ك م ، و ف ر ط ح ت م ن ع ال ك م ، و ج ئ ت م ب الع ل م ت ح م ل ون ه ع ل ى ر ق اب ك م إ ل ى أ ب و اب ه م ، ف ز ه د وا ف يك م ، أ م ا إ ن ك م ل و ج ل س ت م ف ي ب ي وت ك م ح ت ى ي ك ون وا ه م ال ذ ين ي ر س ل ون إ ل ي ك م ؛ ل ك ان أ ع ظ م ل ك م ف ي أ ع ي ن ه م ، ت ف ر ق وا ف ر ق الله ب ي ن أ ض لا ع ك م . وفي رواية: ت ف ر ق وا ف ر ق الله ب ي ن أ ر و اح ك م و أ ج س امك م ، ف ر ط ح ت م ن ع الك م ، و ش م ر ت م ث ي اب ك م ، و ج ز ز ت م ش ع ور ك م ، و ل ك ن ك م ر غ ب ت م ف يم ا ع ن د ه م ف ز ه د وا ف يك م ، ف ض ح ت م ال ق ر اء ف ض ح ك م الله ، أ ما و الله ل و ز ه د ت م ف يم ا ع ن د ه م ل ر غ ب وا ف يم ا ع ن د ك م ، و ل ك ن ك م ر غ ب ت م ف يم ا ع ن د ه م ف ز ه د وا ف يك م و ف يم ا ع ن د ك م أ ب ع د الله م ن أ ب ع د . وفي الجملة فمن لا يصون نفسه لا ينتفع بعلمه ولا ينتفع غيره به. قال الشافعي: م ن ق ر أ الق ر آن ع ظ م ت ق يم ت ه ، و م ن ك ت ب الح د يث ق و ي ت ح ج ت ه ، و م ن ت ف ق ه ن ب ل ق د ر ه ، و م ن ت ع ل م الع ر ب ي ة ر ق ط ب ع ه ، و م ن ت ع ل م الح س اب ج ز ل ر أ ي ه ، و م ن ل م ي ص ن ن ف س ه ل م ي ن ف ع ه ع ل م ه . وفي هذا المعنى يقول أبو الحسن عبد العزيز الجرجاني رحمه الله: ي ق ول ون ل ي ف يك ان ق ب اض و إ ن م ا ... ر أ و ا ر ج لا ع ن م و ق ف الذ ل أ ح ج م ا أ ر ى الن اس م ن د ان اه م ه ان ع ن د ه م ... و م ن أ ك ر م ت ه ع ز ة الن ف س أ ك ر م ا و ل م أ ق ض ح ق الع ل م إ ن ك ان ك ل م ا ... ب د ا ط م ع ص ي ر ت ه ل ي س ل م ا إ ذ ا ق يل ه ذ ا م ن ه ل ق ل ت ق د أ ر ى ... و ل ك ن ن ف س الح ر ت ح ت م ل الظ م ا ول م أ ب ت ذ ل ف ي خ د م ة الع ل م م ه ج ت ي ... لأ خ د م م ن لا ق ي ت ل ك ن لأ خ د م ا أ أ ش ق ى ب ه ع ر س ا و أ ج ن يه ذ ل ة ... إ ذ ا ف ات ب اع ال ج ه ل ق د ك ان أ ح ز م ا و ل و أ ن أ ه ل ال ع ل م ص ان وه ص ان ه م ... و ل و ع ظ م وه ف ي الن ف وس ل ع ظ م ا و ل ك ن أ ه ان وه ف ه ان وا و د ن س وا ... م ح ي اه ب الأ ط م اع ح ت ى ت ج ه م ا

عدد الصفحات ٦٠

الشيخ/ صالح بن عبد الله بن حمد العصيمي 61 الحرص ع ل ى الد ن ي ا والطمع فيها قبيح وهو من الع ل م اء أقبح، فإن كان بعد نزول الشيب فهو أقبح وأقبح. لبس بعض الع ل م اء من التابعين ثيابه وتهيأ ليمضي لبعض الملوك فأخذ المرآة فنظر فيها فنظر في لحيته طاقة شيب، ف ق ال : السلطان والشيب! ثم نزع ثيابه وجلس. ق د آن ب ع د ظ لا م الج ه ل إ ب ص ار ي ... ل ل ش ي ب ص ب ح ي ن اد ين ي ب أ س ف ار ي ل ي ل الش ب اب ق ص ير ف اس ر م ت ئ د ا ... إ ن الص ب اح ق ص ار ى الم د ل ج الس ار ي ك م ذ ا اغ ت ر ار ي ب الد نيا و ز خ ر فه ا ... أ ب ن ي ب ن اه ا ع ل ى ج ر ف ل ه ا ه ار د ار م آث م ه ا ت ب ق ى و ل ذ ت ه ا ... ت ف ن ى أ لا ق ب ح ت ه ات يك م ن د ار ل يس الس ع يد ال ذ ي د ن ي اه ت س ع د ه ... إ ن الس ع يد ال ذ ي ي ن ج و م ن الن ار أ ص ب ح ت م ن س ي ئات ي خ ائ ف ا و جلا ... و الله ي ع ل م إ ع لا ئ ي و إ س ر ار ي إ ذ ا ت ع اظ م ت ذ ن ب ي ث م آي س ن ي ... ر ج و ت ع ف و ع ظ يم الع ف و غ ف ار نجزت، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله ع ل ى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليم ا كثير ا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ختم المصنف ♫ تعالى كتابه هذا ببيان شاف في إيضاح قول النبي ﷺ« :إن الأنبياء لم يورثوا دينار ا ولا درهم ا وإنما ورثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظ وافر » إذ بين أن العلم هو ميراث النبوة، وأن الأنبياء لم يتركوا شيئ ا من الدنيا وإنما ورثوا العلم لمن بعدهم، فمن أقبل على ميراثهم فقد فاز بنصيب عظيم ، وحظ وافر زاخر ، ومن أعرض عنه واشتغل بالدنيا فقد حرم ميراثهم وانتقل إ لى ميراث الأراذل من أهل البطر والأشر والكبرياء والفخر، من المتوسعين في الدنيا. وأخبر فيما أخبر ♫ تعالى أن هذه الجملة تفيد العالم العناية بشيئين اثنين أحدهما : تحريضه على توريث العلم بعده، إما ببث العلم ونشره، أو بالتصنيف فيه، أو غير ذلك.

عدد الصفحات ٦١

شرح رسالة وراثة الأنبياءشرح حديث أبي الدرداء شرح حديث أبي الدرداء 62 والثانية: تحذيره من الركون إلى الدنيا، والأخذ في جمعها، فإنه يخرج بهذا عن وصف ورثة النبوة، لأن الأنبياء لم يكن لهم شغل بها، وإذا اجتر هو الدنيا إليه فقد خرج من طريقة الأنبياء إلى طريقة غيرهم. وساق المصنف ♫ تعالى كلام ا نافع ا نفيس ا في التحذير من الركون إلى الدنيا وقب يح أثرها في أهل العلم، وأن الخلق إنما وقع تقديمهم في الصورة لبعض المتعبدين لأجل ما طرأ على بعض العلماء من طلب الدنيا وسؤالها وإظهار أهل التعبد العزوف عنها والميل عنها، وكلما أقبل الإنسان على طريقة الأنبياء كلما كان حظه من العلم عظيم ا، وكلما شغل بالدنيا كل ما كان حظه من العلم قليلا ، وليس المراد بذم الدنيا ألا يتوسع الإنسان فيما أباحه الله له إذا جاءه بطريق مباح ، ولكن المذموم هو أن تكون الدنيا شغله ووكده ومشقته وتعبه، فلا يعاب العالم إذا كان في منزل واسع، وله مركب فاخر ، ولكن يلام إذا كان هذا المال جاءه بطريق محرم أو مشتبه ، أو كان يتطلب الحصول عليه ليله ونهاره، وينفق من وقته ما يصل به إلى مثل هذه الأموال العظيمة، أما من رزقها بميراث أو صلة سلطان أو غيرها، فالتوسع في ذلك أمر مباح عند أهل العلم والدنيا بعامة بمنزلة القاذورات إذا تنجس الإنسان بها نفرت النفوس السوية عنه، فإذا تلطخ العالم بهذه القاذورات قل انتفاع الناس به، وذهبت بركة علمه، لهذا يوجد في الانتفاع في العالم الصادق المائل عن الدنيا وإن كان متوسع ا فيها فيما أباح الله يوجد من الإقبال عليه ما لا يوجد على غيره. نسأل الله العلي العظيم أن يرزقنا جميع ا وراثة الأنبياء، وأن يوفقنا إلا الإتساء بهم والاقتداء، وأن يحيينا على خير حال ويميتنا على خير حال. وهذا آخر التقرير على هذه الدرس، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين.

عدد الصفحات ٦٢