المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإعجاز البياني في القرآن الكريم

محمد محمد داود

صفحة ٦ من ٧

إِذِ الصاد من أصوات الإرباؽ، والمط بق مفخَّ م، والكاؼ والتاء صوتاف شديداف، وزاد من شدَّ ة الكاؼ تضعيفها. وبه ا أدَّ تْ ى ه اللفظة به ه الأصوات صورة اللطمة الشديدة من بانبها الصوتي الإيحائي، فضلبً عن بانبها اللغوي الداؿٍّ على الضرب الشديد؛ وب لك ضاعف الإيحاء الصوتي للصكٍّ من دلالتو على الضرب الشديد. ومما ينتظم في ى ا السياؽ، نقب اللفظ من صيغة إلى صيغة أخرى: أحيانً ا يػُعْنَى القرآفُ بنقبِ اللفظِ من صيغةٍ إلى صيغةٍ أخرى أكثرَ منها حروفً ا، ل يُ ضيف إلى معناىا الأصليٍّ معنى بديدً ا، حتى تػَتَ قابَبَ قوةُ اللفظ وكثرةُ حروفو، مع قوةِ المعنى وتمكينوِ في الن فس، ويتعاونا معً ا حتى يصلب بالسامع إلى المعنى المرادِ ، والغرضِ المقصود .

عدد الصفحات ٩٢

فمن ذلك قولهُم: خَشُن واخشَوْشن، فمعنى { {اخشوشن لما فيو من تكريرِ الشين وزيادةِ الواو. وك لك قولهُم: أعْشَبَ المكافُ ، فإذا رَأوْا كثرةَ العُشبِ ، قالوا : اعشَوْ شَبَ، ثم أخ ابن الأثير يُط بق ى ا على ما وَرَدَ في القرآف الكريم ، فقاؿ : ومما ينتظمُ في ى ا السَّلكِ ، فمعنى {أقوى من معنى قاؿ الله تعالى: ﭽﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﭼ (القمر: ٕٗ ) فػ {قتدرٍ– في التعبير القرآنى - للدلالة على التضخيم للؤمر، وشدةِ الأخ ِ ال ي لا يَصدُر إلا عن قوةِ الغضبِ، أو للدلالةِ على بسْطةِ القدرة، فإفالمقتدِر أبلاُ في البسط منلك

عدد الصفحات ٩٣

أف}، وا} اسم فاعبٍ من {}شك أف} وله ا كاف مقتدرٍفي الآية الكريمة أبلا من. وقد وردت ى ه الأساليبُ في القرآف الكريم ، فػَنػَرَى الألفاظَ قَدْ زيد فى مبناىا لترشدَ إلى الزَّيادة في معناىا إذا الزٍّيادَةُ في المبنى تدؿ على الزٍّيادة في المعنى. فقد فػَرَّ ؽَ القرآفُ الكريمُ في الاستعماؿ بين الفعب {}، فعبَّ ر بالفعب المزيدِ بالألف والتاء فيما فيو كُلفةُ ومشقةٌ ، فقاؿ تعالى: ﭽ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﭼ (البقرة: ٕٙٛ) فلفظُ {}قةِ، والمبالغةِ في بانب السيئةِ لِ ثقلها(24). «كما أف حرؼَ }لبستعلبء، ولما كانت السَّ يئةَ فيها كُلفةً ومشقة ، تخفضُ الإن سافَ وتضعوُ، وتػَعْلُوهُ حتى يَ خْضعَ لها ويخنَ ع، كاف ذلك موضعَ، ألا ترى أنك

عدد الصفحات ٩٤

تقوؿ فيما تُؤثر هُ ، ولَ ى} وى ا من فضب الله تعالى ولطفو، إذ بعبَ الثوابُ على أدنى ملببسة للطاعة، فله ا أتى فيو بالثلبثي المجرد، وبعب العقاب على مزاولة عظيمة للفعب، وشدة علبج لو (ٖٗ).

عدد الصفحات ٩٥

وسبحػاف مػن ىػ ا كػلبمػو ومػا يعقلهػا إلا العػالػمػوف! ومػا يت كػر إلا أولػو الألباب. ********

عدد الصفحات ٩٦

المضــألــــــة الخامضــــــة الإيحاء الصوتي للتراكيب وقػػد يػػنهض التركيػػب الصػػوتي بإيحػػاءٍ معػػيَّ ن منبعػػث مػػن خصائصو في صورتو المركبة، من ذلك قوؿ الله : ﮋﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﮲ ﮳ ﮴ ﮵ ﮶ ﮷ ﮸ ﮹ ﮺ ﮊ (فصلت). وُصف الدعاء في ى ه الآية بأنو (عريض) أي كثير ممتدّ ، ولعب إيثار العرض على الطوؿ ىو الأقوى دلالةً علػى أنَّػو دعػاء الاستصػػػراخ والاسػػػتغاثة الملهوفػػػة... وذكػػػر العػػػرض يػػػومئ إلػػػى سػػعة الػػدعاء التػػي تُػػومِئ إلػػى حركػػة باىػػدة مػػن أعضػػاء النطػػق، وىػػ ه الحركػػة تُػػومِئ بػػدورىا إلػػى أف ذلػػك الإنسػػاف قػػد امػػتلؤت بوانبػػو بػػ لك الػػدعاء. وقػػد أُوثِػػرت كلمػػة "دعػػاء" علػػى مرادفهػػا "نػػداء"؛ لأف الػػدعاء ػػػ رفػػع الصػػوت وخفضػػو ػػػ أَدَؿ علػػى حػػاؿ

عدد الصفحات ٩٧

اللهفة والمداومة على الطلػب وفقػداف السػكينة، وىػي دلالات يفتقدىا النداء المجرد. ونلبحظ ىنا أف البنيػة الصػوتية للموصػوؼ "دعػاء" تػأتلف مع صفتو "عريض"؛ وذلك أف الألف في "دعػاء"، سػوؼ يصػب صوتها، وتتمكن مدتها؛ لوقوع الهمزة بعدىا. وإنما تمكن المد في الألف مع الهمز؛ لأف الهمزة - كما يقوؿ ابػن بنػي ػػ حػرؼ نَأَى منشؤه، وتراخى مخربو، فإذا نطقنا بالألف (ويجري ذلػك على الواو والياء) قبب الهمزة، ثم تمادينا بالألف نحوىا رالػت الألػػػف وشػػػاعت فػػػي الصػػػوت، فوفَّػػػت لهػػػا، وزادت فػػػي بيانهػػػا ومكانهػػػا، ولػػػيس كػػػ لك إذا وقػػػع بعػػػد الألػػػف ػػػػ وحػػػروؼ المػػػد الأخػػرى - غيػػر الهمػػزة وغيػػر المشػػدد. ولػػ لك كػػاف ابػػن بنػػي يصف حروؼ المد إذا تلبىػن الهمػز والحػرؼ المشػدَّد، بػأنهن ليٍّنات، ناعمات، وافيات، مستطيلبت (ٗٗ).

عدد الصفحات ٩٨

وإذا كاف الأمر ك لك، رسخت الألف في المدٍّ وتمادى الصوت بها في الموصوؼ، وكأف الموصوؼ بما فيو من وفاء الصوت وتمكن المد يحكي معنى الصفة ويطابقها! العرض ػ إذف ػ يومئ إلى الطوؿ، ولا عكس. والعرض فيو التجسيم لصورة الدعاء المتسع. والعرض أقوى تعبيرًا عن الامتلبء بالدعاء. ومن ثم، لا يكفينا أف نتوقف عند تحديد دلالة "عريض" في الآية الكريمة بأنها الكثير كما فعب الشوكاني. إف كلمة (كثير) التي ذكرىا الشوكاني تظب قاصرة عن حمب الدلالات والإيحاءات والمعاني الأسلوبية الخصبة التي تحملها كلمة "عريض" قصورًا ملحوظًا للغاية. لقد حاوؿ الشوكاني تفسير قو لو : ﮋ﮷ ﮸ ﮹ ﮊ في ضوء تخريج المعنى في لغة العرب؛ قاؿ: "والعرب تستعمب الطوؿ والعرض في الكثرة مجازًا. يقاؿ: أراؿ فلبف في الكلبـ، وأعرض في الدعاء، إذا

عدد الصفحات ٩٩

أكثر. والمعنى إنو إذا مسَّ و الشر، تضرع إلى الله واستغاث بو، أف يكشف عنو ما نزؿ بو واستكثر من ذلك" (ٗ٘). ى ا إلى بانب التآزر الخلبؽ بين الصورة التي ترسمها المفارقة والصوت، في تلك الآية. ونعني ب لك علبقة تكرار صوت العين تكرارًا ملحوظًا (خمس مرات) بصورة المعرض إذا دعا دعاءً عريضًا. فالعين ػ مخربًا ػ صوتٌ حلقيٌّ منخفض خلفي، والعين ػ صفةً ػ صوتٌ بهوريٌّ استمراري خشن. ولعػػػب تمتػػػع العػػػين بهػػػ ه الصػػػفات - مػػػن قػػػوة إسػػػماع، واسػػػتمرارية، وخشػػػونة.. إلػػػخ - ممػػػا يجعلهػػػا أكثػػػر الفونيمػػػات مواءمػػػة لهػػػ ا الػػػدعاء الصػػػادر فػػػي تلػػػك الحػػػاؿ بخاصػػػة؛ حػػػاؿ الشدة والضر! ولعلنا ندرؾ في السياؽ الصوتي للآية كلها ملمحًا صوتيًّ ا آخر؛ ىو تردد الأصوات الأنفية، والأصوات الأنفية أصوات رنانة، والأصوات الرنانة ىي التي تنتج بشكب التجويف للوترين الصوتيين ال ي يجعب الجهر التلقائي ممكنًا. ولعب

عدد الصفحات ١٠٠

مثب ى ه الأصوات الرنانة ذات اتصاؿ بالإيحاء بجوٍّ ى ا الدعاء، بما قد يداخلو عند مس الضر من أنين وندـ. ونلبحظ في السياؽ الصوتي الوظيفي للآ ية ذاتها وظيفة أخرى تشغلها حروؼ المد، لا سيما الطويلة، التي تكررت في مجموعها تسع مرات، وتلتقي حروؼ المد صوتيًّا ، من حيث روؿ مدة الاستغراؽ الزمني للنطق بها، به ا الضرب من الدعاء العريض؛ حيثما يستلزـ العرض ىنا الطوؿ! وفي الخطاب القرآني مواضع أخرى وردت فيها مفردات عينية، تصور حالات فزع وىلع. ومن ذلك قولو : ﮋ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮊ (المعارج ). وإذا كانت العين في ى ه الآيات ترتبط قيمتها التعبيرية بمقامات مجردة يغلب فيها الاضطراب والشدة، فإننا نلبحظ ى ه القيمة ذاتها في مقامات محسوسة أيضًا. ومن ذلك لفظ "الدَّع" في قولو  عن المك بين

عدد الصفحات ١٠١

ﮋﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﮊ (الطور: ٖٔ). والدع:دفع في الظهر بعنف.ولعلو وقع ىنا؛ لأنو أقدر من غيره على الإيحاء بما يخرج من المدفوع من صوت غير إرادي، فيو عين ساكنة ىك ا: أ ع، وىو في برسو ػ كما يقوؿ سيد قطب ػ أقرب ما يكوف إلى برس الدع (ٗٙ). ومن ذلك أيضًا لفظ "البلع" و"الإقلبع" في قولو : ﮋ﯉ ﯊ ﯋ ﯌ ﯍ ﯎ ﯏ ﯐ ﯑ ﯒ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﮊ (ىود: ٗٗ). بيد أننا إذا عدنا إلى آية (فصلت) السابقة، لاحظنا تردد حركة الفتحة بخاصة ترد دًا ملحوظًا (بلا اثنتين وعشرين مرة، منها ثمافٍ للفتحة الطويلة، وأربع عشرة للفتحة القصيرة). ولعب من الطريف ىنا أف نشير إلى أف صفة الاتساع التي تتصف بها الفتحة تتصف بها أصوات الحلق أيضًا، ويربع ذلك إلى أف "كب أصوات الحلق بعد صدورىا من مخربها

عدد الصفحات ١٠٢

الحلقي تحتاج إلى اتساع في مجراىا بالفم، فليس ىن اؾ ما يعوؽ ى ا المجرى في زوايا الفم، وله ا ناسبها من أصوات اللين أكثرىا اتساعًا، وتلك ىي الفتحة "(ٗٚ). وإذا كانت الفتحة تتصف بالاتساع، فإف المدى الزمني له ا الاتساع مع الألف التي تكررت سبع مرات سوؼ يصير أروؿ. إف الألف ػ بما فيها من مد الصوت والإبعاد فيو ػ قد ارتبطت به ا الدعاء العريض ارتبارًا وثيقًا، ولعب الألف أشد الحركات الطويلة ارتبارًا وحكاية لطبيعة مثب ى ا الدعاء، إنها ػ فيما يبدو ػ أحق من أختيها: الواو والياء؛ لأف الألف ػ كما يقوؿ ابن بني ػ أمدّىن صوتًا وأنداىن، وأشدّىن إبعادًا وأنآىن (ٗٛ). لقد ىيأت ى ه المادة الصوتية واللفظية لكلمة "دعاء" رسم صورة ساخرة لإنساف لاهٍ، مُعْرِضٍ، ناءٍ بجانبو، مطمئن إلى نعيم وافاه، قد شغلو وأنساه، كما مكنتها من رسم صورة أخرى لإنساف ىلعٍ فزعٍ، قد انقلب حالو، فانخرط في دعاء

عدد الصفحات ١٠٣

عريض (ٜٗ). سبحػاف مػن ىػ ا كػلبمػو! وما يعقلها إلا العاقلوف. وما يت كر إلا أولو الألباب. ********

عدد الصفحات ١٠٤

المضألــــة الضادصـــــة التياصب والتياصق بفي ىو الحزكة والمعيى التناسب والتناسق بين الحركة (فتحة وكسرة وضمة وسكوف) ومعنى الكلمة في سياقها أمْرٌ يثير الانتباه أماـ ى ه العظمة في لغة القرآف الكريم. و من ذلك قوؿ الله : ﮋﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﮊ (فارر). بتأمػػب حركػػة الكػػاؼ فػػي كلمػػة ( ممسػػك ) فػػي الآيػػة نجد أف السكوف في الثانية موافق لمعنى الإمساؾ؛ لما بػها مػن إغػػلبؽ وعػػدـ حركػة، فػػي حػػين أف الأولػى مفتوحػػة وىػػ ي مناسبة لمعنى قوؿ الله : ﮋﯜ ﮊ .

عدد الصفحات ١٠٥

ويمكن ملبحظػة ىػ ه الظػاىرة فػي آيػاتأخػرى نحػو قوؿ الله  :ﭽ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭼ (الفاتحة). لو كانت الجملة من مقوؿ القوؿ لكاف مقتضاىا: الحمدَ بفتح الداؿ على تقدير : أقوؿُ الحمدَ لله، فلماذا عُدِ ؿَ عن النصب إلى الرفع (الحمدُ) على تقدير: قولي: الحمدُ لله؟! الجواب: عُ دِ ؿَ عن النصب إلى الرفع للدلالة على أف الحمد ثابت لله  أزلاً، وإفْ لم يحمده أحد؛ فقد حَ مِ دَ نفسو بنفسو قبب أف يَ حْ مَ دَ هُ الخلق، وعليو فالجملة خبرية لا إنشائية لفظًا ومعنًى. وىو أَ وْ لَ ى الأقواؿ في ى ه الجملة.  وينتظم في ى ا السياؽ توالي الحركات على نحو متفرَّد: وكما شرط ال علماءُ في الكلمة أف تكوف خفيفةً على السمع، سهلةً في المنطق، بع يدةً عن عيوبِ الثقبِ والتنافر، وأف تكوف قليلة َ الحروؼ حتى لا يتعسر اللسافُ عند التلف ظِ بها.

عدد الصفحات ١٠٦

ك لك شرروا أف تكوف الك لمةُ خفيفةَ الحركات للؤسبابِ نفسها، ومن أبب ذلك استُثقلت الضمةُ على الواو والكسرةُ على الياءِ، لأف الضَّمةَ من بنس الواو، والكسرةَ من بنس الياء ، فتكوفُ عند ذلك كأنها حَرَكَتاف ثقيلتاف . فإذا سكَن الوسَطُ كاف أعدؿَ ما يكوفُ وأرؽَّ ، وإف تواؿَ ثلبثُ فػَتَحاتٍ فهو أخف من وبودِ الضَّم في وسَ طو ، ول لك فإفاً وقد توالت حركةُ الضم في بعض ألفاظِ القرآف الكريم، ولم يحدثْ في الكلمةِ ما يُخِبّ بفصاحتها، أو يُوىم ثقلَها على السمع، أو كرىيَّ تَها عند النطق . تأمب سورةَ القَمَر ػ وىي من السور المكية التي حَفَلت آياتُها بالفزَعِ والكربِ، والأخ ِ والتدمير ؛ حيث إنها عَرْضٌ سريعٌ لمصارع قوـِ نوحٍ، وعادٍ، وثمود، وقوـِ لوطٍ ، وف رعوفَ وملئِو، وىي موضوعات َتػَزْخَر بها السورةُ في صور شتى. وقد تتابع فيها حركةُ الضمةِ في كلمات الفواصب في

عدد الصفحات ١٠٧