المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإعجاز البياني في القرآن الكريم

محمد محمد داود

صفحة ٧ من ٧

سبعَ عشر ةَ آية، كقولو تعالى: ﭽ ﯪ ﯫﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹﭼ (القمر: ٘ - ٙ )، ﭽ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﭼ (القمر: ٖٔ)، ﭽﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﭼ (القمر:). تكرَّرَذلك في السورة في سبعَ عشرةَ فاصلة . ولعب تتابعَ الضمةِ وما فيها من القوة والشدة ما يتناسبُ مع غَرَض السورة ، إذ ىي عَرْضٌ لمشاىدَ من صورِ الفزعِ العنيف، والرعبِ الشديد ال ي يُ صيبُ أبياؿ المك بين، وَوَصْفِ مصارعِ القوـِ ال ين سلكوا مسلكَ كفارِ مكة . وقد باء الضم المتتابعُ في فواصبِ ى ه الآ ياتِ الكثيرةِ وفي سورةٍ واحدةٍ حَسَنً ا رائقً ا، لا ثقبَ فيو عند النطق، ولا نػُبػُوَّ في وقعو على السمع (05)، ولا عجب في ذلك فهو من عند الله عالمِ الأسرارِ واللطائف، وتنزيبٌ من الرحمن الرحيم. وسبحػاف مػن ىػ ا كػلبمػو! ومػا يعقلهػا إلا العػالػمػوف.

عدد الصفحات ١٠٨

ومػا يت كػر إلا أولػو الألباب ********

عدد الصفحات ١٠٩

المضــألــــة الضابعـــــة عولـنة الصوت وعالمية اليغه القزآىي الخالد في الواقع المعاصز  مفَوو العالمية يُقصْدَ بالعالمية: سعة الانتشار عبر الزماف والمكاف، والعالمية سمة مميزة للفنوف الرفيعة، فقد أبمع النقاد ومؤرٍّ خو الفنٍّ على أف الفن الرفيع ينبغي أف تتوفر فيو صفتاف ىما : العالمية والدَّواـ ، ويُ رمز إليهما بالحرفين الأوَّلَيْن من ىاتين الكلمتين: lasgedonU أي عالمي، و tdonUsdsP أي دائم، فيُ قاؿ: إف الفن الرفيع (a.t)؛ حيث تشير صفة العالمية lasgedonU إلى الانتشار عبر المكاف، فالفن العظيم لا ورن لو، وتشير صفة الدواـ إلى بقاء الفن الرفيع على مدى العصور.

عدد الصفحات ١١٠

 مفَوو العولمة أمَّا العولمة "mlUlUlgnn "فتعني: تنميط الثقافات المتنوعة وقصرىا على التشك ب في قوالب يػُقَاؿ إنها عالمية، والحقيقة أنها القوالب والأنماط الثقافية الغربية والأمريكية خاصة؛ بحيث تمثب الثقافة الأمريكية المحور والتيار الرئيس ال ي تدور من حو لو ثقافات كب الشعوب وتحت يو مثالاً أَ عْ لَ ى في العلم والإبداع وغير ذلك من أشكاؿ الممارسة الإنسانية. وىنا يكمن الفرؽ بين العالمية والعولمة، فالعالمية تُسْتَمَد من القيم التي يحملها الإبداع، بما يهيٍّئ لو أف يتخطَّى حوابز الزماف والمكاف، ويُ صغي إليو البشر في العصور والبقاع كافة. بينما تػُفْرَ ض العولمة قسرًا؛ خضوعًا للثقافة المهيمنة بما روَّبَتْ لو من نظريات المركز والأرراؼ، المحور والهامش .

عدد الصفحات ١١١

 عولمة الصوت سعى دعاة العولمة إلى تحويب الصوت إلى سلعة يتم تداولها عبر وسائط العولمة الاقتصادية والتكنولوبية كشرائط الكاسيت والفيديو والإذاعة والتليفزيوف وبرامج الكمبيوتر و شبكاتو؛ بحيث لم تعد فنوف الصوت ػ كالموسيقى والغناء ػ فنونًا تؤثر في العارفة الإنسانية المشتركة وتلمس الروح الإنسانية بما تحملو من قيم بمالية ووبدانية، بب مجرد سلعة تػُقَدَّـ لمن يدفع الثمن. وراحت عمليات ا لعولمة تنتج فنونًا موسيقية وغنائية ليس فيها ش يءٌ من الجماؿ أو الإبداع ، وإنما ىي ضجيج صاخب يصدع الر ءوس، وإيقاعات فجة تتمايب معها الأبساد حتى تسقط منهكة القُ وَ ى سقيمة المشاعر، فكانت تلك الأساليب الموسيقية الغربية، والغناء المُ خنَّث على رريقة مايكب باكسوف وغي ره من نجوـ ى ا اللوف من الغناء والموسيقى.

عدد الصفحات ١١٢

كما قامت عمليات عولمة الصوت بابت اب بعض الموسيقيين والمغنين من بلبد العالم الثالث، وراحت تروٍّج لهم بكب أشكاؿ الدعاية، وتروٍّج لموسيقاىم بزعم البحث عن الأصالة والعنصر الروحي في الموسيقي والغناء، على نحو ما فعلوا مع المُ نْ شِ د الصوف ي الباكستاني "نصرت فتح عل ي خاف"، ال ي اشتهر عالميًّا ب ػ"فن القوَّال ي"، أي: الموسيقَى والإنشاد الصوف ي، والمُ غَ نٍّ ي والموسيقي السنغالي "يوسو ندور"، ال ي لم يمتثب لشروط شركات الإنتاج الموسيق ي التي كانت ترغب في تحويب أصالتو الفنية إلى مجرد حِ لْ يةٍ شكليَّ ة ت وب في تيار الموسيقى الغربية؛ ول لك أسقط اسمو من تلك الألبومات الموسيقية التي وصفها النقاد بأنها مُ مْ عِ نة في الطابع الغربي أكثر من اللبزـ. في ى ا الاتجاه نحو عولمة الصوت ادَّعت شركات الإنتاج أنها تبحث عن الأصالة والتنوع الموسيق ي، واخترعت مصطلح "الموسيقى العالمية" وأرلقتو على ألواف الموسيقى التي

عدد الصفحات ١١٣

لا يعرفها الجمهور الغرب ي مثب: التانجو (من الأربنتين وأوربوا ي)، والروؾ والبوب (من البرازيب )، والنورتينو (موسيقى الشماؿ من المكسيك )، إلى الموسيقى الشعبية الأندلسية ذات الأصوؿ العربية المُ سمَّ اة "موسيقى لوس ديب ريو"، وىي بملة إسبانية تعني: أولئك ال ين من النهر، إشارة إلى نهر بود الكوفير ػ مأخوذ من العربية: الوادي الكبير ػ ، وقد اشتهر فنَّ انو ى ه الموسيقى الشعبية الأندلسية باسم "ملوؾ الماكارينا" نسبة إلى أشهر أغنياتهم المُ سماة "ماكارينا" التي كانت مثارًا لجنوف الشباب في الغرب وكثير من بلبد العالم الأخرى ؛ نتيجة للدعاية الضخمة التي قاـ بها مُ نْ تِ جو الكاسيت، بهدؼ بَ نْ ي أرباح وفيرة(ٔ٘). إذف لم تعد الموسيقى ػ في إرار العولمة ػ تحتفي بالقيم الفنية والجمالية، وإنما ىي تُسَوٍّؽ كب ألواف فنوف الصوت، وتخلط الغثَّ بالسمين، وتضع أسطوانات بيتهوفن وباخ وموزار إلى بانب أسطوانات مايكب باكسوف وموسيقى الرا ي الجزائرية... إلخ.

عدد الصفحات ١١٤

إف الهدؼ الواضح في عمليات عولمة الصوت أمراف الأوؿ: بَ نْ ي الأرباح. الآخر: تنميط الأشكاؿ الموسيقية والغنائية في العالم كلو وإخضاعها للقوالب الموسيقية ال غربية؛ لإرضاء ذوؽ الجمهور الغربي، وإبقاء سيادة الأشكاؿ الموسيقية الغربية دوف غيرىا من ألواف الموسيقى وفنوف الصوت في البقاع الأخرى من العالم. وإذا أردنا أف نفهم العلبقة بين الموسيقى العالمية (المزعومة) وبين العولمة، فلن يتأتَّى لنا ذلك إلا بالبحث عن الأىداؼ الاقتصادية والثقافية والابتماعية الكامنة وراء ذلك الإنتاج الضخم لفنوف الصوت المُ عَوْلَمة. فأمَّػػػػػا مػػػػػن الناحيػػػػػة الاقتصػػػػػادية: فنجػػػػػد أف ٜٓ% مػػػػػن إبمػػالي المبيعػػات مػػن ألبومػػات الأغػػاني والموسػػيقى فػػي العػػالم كلو (خلبؿ عاـ ٜٜٗٔ) تملكو ست مؤسسػات تجاريػة دوليػة ىػػػػػي: فيليػػػػػبس، وسػػػػػوني، وماتسوشػػػػػيتا، وثػػػػػورف إي. إـ. آي،

عدد الصفحات ١١٥

وبيرتلزمػػػػػاف، وتػػػػػايم وورنػػػػػر؛ ولػػػػػ ا تميَّػػػػػزت صػػػػػناعة الموسػػػػػيقى العالميػػػة بالهيمنػػػة الاقتصػػػادية لمؤسسػػػات تجاريػػػة مػػػن أمريكػػػا وأور با وشرؽ آسيا، وىي مراكز صناعة العولمة. وأمَّا من الناحية الثقافية: فإف الثقافة المهيمنة ػ أو التي يُراد لها الهي منة ػ ىي الثقافة الغربية، وخاصة الأمريكية وما يدور في فلك التبعيَّة له ه الثقافة؛ ول لك لا تؤخ فنوف الصوت غير الغربية مأخ الجِدٍّ بوصفها فنونًا رفيعة وأدواتٍ للتعبير عن أنماط ثقافية مختلفة، بب تُدَبَّن وتُ تخ كحِلً ى شكلية تػَ زْ داف بها الموسيقى الغربية ؛ إر ضاءً لنزعة الجمهور الغربي إلى الغرائبية والروحانية، وابت ابًا للجاليات الأبنبية في بلبد الغرب. وأمَّا من الناحية الابتماعية : فهناؾ حالة من النفاؽ الابتماعي في الغرب، إذ يجت ب الألواف الموسيقية والغنائية من مختلف الثقافات، والغرب نفسو ىو ال ي يقمع تلك الشعو ب ويمارس عليها صور الهيمنة والتجويع والحرماف

عدد الصفحات ١١٦

كافة، بب وصياغة مصائر تلك الشعوب ولعولمة الصوت كَ هَ نَ تها من الكُتَّاب والصحفيين ومُ قدٍّ مي البرامج الإذاعية والتليفزيونية وأصحاب شركات الإنتاج، ومُ خطٍّ طي البرامج الثقافية، كب ى ا يتآزر معًا لتكوين ثقافة صوتية ع المية، يتم إنتابها في المركز "الغرب"، وتصديرىا إلى الأرراؼ "سائر بلبد العالم". وعلى الرغم من كب ى ه السلبيات الناتجة عن عمليات العولمة لفنوف الصوت، فإف لها بعض الإيجابيات المتمثٍّ لة في تعريف الغرب ببعض من أشكاؿ الفنوف الصوتية في الثقافات الأخرى المُ همَّشة، وأيضًا إلقاء بعض الضوء على تلك الثقافات وما لها من خصوصية في مجاؿ الإبداع الصوت ي. ولكن ما يُضْعِف ى ه الإيجابيات ويعظٍّم من سلبيات عولمة الصوت، أنها تقوـ على الأىداؼ الاقتصادية، وبالتالي استبعاد العناصر الجمالية والفنية، والأىداؼ الثقافية والابتماعية التي كرَّست بهدىا في تنميط الثقافات الأخرى،

عدد الصفحات ١١٧

والقضاء على الخصوصية الثقافية والهوية القومية والشخصية الابتماعية للشعوب الأخرى لحساب حضارة الغرب وىيمنتو بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.  عالمية الصوت الإبداع العظيم يفرض نفسو في كب زماف ومكاف، تلك حقيقة العالمية عبر تاريخ الإنساف. وعلى الرغم من كب ممارسات الهيمنة التي قامت بها قػُوَى العولمة ، فإنها لم تستطع إخضاع الإبداع الصوت ي للحضارات الأخرى، وسنضرب ل لك مثلبً بخلود الصوت القرآني وعظمة أدائو وعمق تأثيره في القلوب والمشاعر. يقوؿ رسوؿ الله  في وصف قراءة الصحابي الجليب عبد الله بن مسعود : "مَنْ أَ حَ بَّ أف يقرأ القرآف غضًّا رريًّ ا كما أُ نزؿ عليَّ فليقرأه على قراءة ابن أُ ـٍّ عبد" (ٕ٘). ولا تزاؿ ىاتاف الصفتاف: الغضاضة والطراوة، التي تعني ع وبة أنغامو، وأخ ىا بمجامع القلوب، ودواـ ى ه الع وبة

عدد الصفحات ١١٨

وذلك التأثير.. لا تزاؿ ى ه الصفة الخالدة للؤداء القرآني العظيم باقية وستظب باقية إلى أف يرث الله الأرض ومن عليها، فها نحن أولاء نستمع إلى كلمات القرآف ونغماتو فنهتز وتنتفض قلوبنا من الأعماؽ، ونسبح في فضاء روحاني نوارني ونحن نصغي لتلبوة المشايخ: محمد رفعت أو محمود خليب الحصري أو محمد صديق المنشاو ي أو مصطفى إسماعيب... وغيرىم ممن وىبهم الله ع وبة الصوت، وكاف لهم تمك ن من فن التجويد والأداء القرآني. وقػػػػػد ظهػػػػػر فيمػػػػػا تقػػػػػدـ مػػػػػن مسػػػػػائب تفػػػػػر د الخصػػػػػائص الصوتية للقرآف الكريم. و ىػػػػػ ا قليػػػػػب مػػػػػن كثيػػػػػر عػػػػػن القػػػػػيم الصػػػػػوتية والإبػػػػػداع الصػػػػػػوتي للقػػػػػػرآف الكػػػػػػريم وررائػػػػػػق أدائػػػػػػو، التػػػػػػي تعبٍّػػػػػػر عػػػػػػن التمي ػػػػػػز والخصوصػػػػػػية والإعجػػػػػػاز الصػػػػػػوتي للقػػػػػػرآف الكػػػػػػريم، وخلود الصوت القرآني في آفاؽ الزماف والمكاف.

عدد الصفحات ١١٩

ولعبَّ ما قدَّمناه مقنعًا للفارؽ الهائب بين عولمة الصوت المفروضة بقُ وً ى خاربية لا تحكمها قيم بمالية وإبداعية، وبين عالمية الصوت المستمدة ممَّ ا يحملو من قيم بم اليَّ ة ووبدانية وإنسػانية فريػدة، وما يتميَّز بو من قدرة على التأثير العميق في القلوب والمشاعر دوف إغفاؿٍ لخطاب العقب وإثارة الفكر والتأم ب؛ الأمر ال ي مكَّن للقرآف الكريم أف ينتشر بقوتو ال اتية عبر الزماف والمكاف. وسيظب الصوت القرآني فريدًا مُ شْ بِ عًا للؤسماع والقلوب، إلى أف تقوـ الساعة وتخشع الأصوات للرحمن فلب تسمع إلا ىمسًا. وىك ا كلما ازددنا تدبرًا ازددنا إبلبلاً له ا الإعجاز الصوتي الفريد في القرآف الكريم. وسبحػاف مػن ىػ ا كلبم ػو! ومػا يعقػلهػا إلا العػالمػوف. ومـا يتذكـر إلا أولو الألبـاب. ********

عدد الصفحات ١٢٠