المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

دلالة النظر في القرآن الكريم

مصطفى كاظم شغيدل

صفحة ٣ من ٤

ٕ وعلى أداء رسالة الله، فً نصرتك وتؤٌٌدك، وسٌجدون ؼبّ ما ٌنتظرونه فٌك وفً أصحابك، من وبٌل عقاب الله لهم، وحلول عذابه علٌهم)) (ٔ). ومهما ٌكن من أمر فإنّ ((النظر)) فً الآٌة الكرٌمة فً الصٌؽتٌن ((انتظر))، و((منتظرون)) ٌدلّ على ((الانتظار))، والمراد (( (فَؤَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ ) الآن، حٌث لم تإثر فً هإلاء البشارة ولا الإنذار، ولا هم أهل منطق واستدلال لٌعرفوا الله سبحانه بمشاهدة الآثار الإ لهٌة فً خفاٌا الخلقة فٌعبدوه، ولٌس لهم وجدان حًٌّ ٌترنـّـم فً أعماقهم بنؽمة التوحٌد فٌسمعونها، فؤعرض عنهم، وانتظر رحمة الله سبحانه، ولٌنتظروا عذابه، فإنهم لا ٌستحقون سواه)) (ٕ).  ومنه قوله ــ عزَّ وجلَّ ــ : ( ٌَوْمَ ٌَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَ اتُ لِلَّذٌِنَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قٌِلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بٌَْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فٌِهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ ) (ٖ). وقد ذكر المفسرون ــ ممن اطلعتُ على آرائهم ــ للـ((نظر)) فً الآٌة الكرٌمة ((انظرونا)) ثلبثة معانٍ، وهً: أولاً : ((انظرونا)) بوصل الهمزة وقطعها بمعنى ((انتظرونا)) (ٗ)، فٌقال: ((انظرنً)) بوصل الهمزة، أي ((انتظرنً))، فـ ((انظرونا)) فً الآٌة بمعنى ((انتظرونا))؛ لأنه ٌسرع بالمإمنٌن إلى الجنة كالبر وق ال خاطـفـة، وال ـمـنـافقون مـشاة، وهذه الحال إنما تقع عند مسٌر المإمنٌن إلى الجنة. وٌقال ــ أٌضاً ــ : ((أنـْـظـِـرْنً )) بقطع الهمزة، أي ((انتظرنً))، قال عمرو بن كلثوم: (ٔ تفسي القرآن العظيم :ٙ/ٖٗٚ. (ٕ الأمثل في تفسي كتاب الله المنـزل :ٖٔ/ٗٗٔ. (ٖ الَديد :ٖٔ. (ٗ ينظر: تفسي مجاىد :ٕ/ٚ٘ٙ، و جامع البيان في تأويل آي القرآن :ٖٕ/ٓٛٔ، و التبيان في تفسي القرآن :ٔ/ٕٕٙ، و معال التنـزيل :ٔ/ٖٖٔ، وزاد المسي في علم التفسي :٘/ٙٛٗ، وتفسي ابن أبي حاتم :ٕٔ/ٖٕٛ، و تفسي القرآن العظيم :ٔ/٘ٗ، والدر المنثور في التأويل بالمأثور :ٜ/ٜٔٗ، وإرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم :ٕ/ٕٚٔ، و روح المعان في تفسي القرآن العظيم والسبع المثان :ٗٔ/ٕٙٗ، و الأمثل في تفسي كتاب الله المنـزل :ٛٔ/ٜٖ.

عدد الصفحات ٣٠

ٖٓ أبا هندٍ فلب تَعجلْ علٌنا وأنـْـظـِـرنا نـُـخبرك الٌقٌنا(ٔ) ثانٌاً : ((أنظرونا)) بقطع الهمزة، بمعنى ((أخـّـرونا)) (ٕ)، أي أخـّـرونا ولا تعجلوا علٌنا، واستؤخروا نستضئ بنوركم، أي: أمهلونا، واجعلونا فً آخركم ولا تستبقونا بحٌث تفوتوننا ولا نلحق بكم. ثالثاً : ((انظرونا)) بمعنى ((انظروا إلٌنا ))؛ لأنهم إذا نظروا إلٌهم استقبلوهم بوجوههم، والنور بٌن أٌدٌهم، فٌستضٌئون به، وهذه الحال إنما تقع عند الموقؾ، وقد انفرد الرازي بذكر هذا المعنى(ٖ). فهذه الاحتمالات من هذا الباب ثلبثة : ((أحدها: أن ٌكون الناس كلهم فً الظلمات، ثم إنه تعالى ٌعطً المإمنٌن هذه الأنوار، والمنافقون ٌطلبونها منهم. وثانٌها: أن ٌكون الناس كلهم فً الأنوار، ثم إن المإمنٌن ٌكونون فً الجنـّـات، فٌمرُّون سرٌعاً، والمنافقون ٌبقون وراءهم فٌطلبون منهم الانتظار. وثالثها: أن ٌكون المإمنون فً النور، والمنافقون فً الظلمات، ثم المنافقون ٌطلبون النور مع المإمنٌن)) (ٗ). ومهما ٌكن من أمر، فما ٌبدو لً ــ والله أعلم ــ أن دلالة ((النظر)) فً الآٌة الكرٌمة هً : ((الانتظار))؛ لأن السٌاق : ((ٌفٌد أنهم الٌوم فً ظلمة أحاطت بهم سرادقها، وقد أُلجئوا إلى المسٌر نحو دارهم التً ٌخلدون فٌها، ؼٌر أن المإمنٌن والمإمنات ٌسٌرون بنورهم الذي ٌسعى بٌن أٌدٌهم وبؤٌمانهم، فٌبصرون الطرٌق (ٔ ديوانو :ٕٗ. (ٕ ينظر: تفسي مجاىد :ٕ/ٚ٘ٙ، وجامع البيان في تأويل آي القرآن :ٖٕ/ٓٛٔ، والتبيان في تفسي القرآن :ٔ/ٕٕٙ، ومعال التنـزيل :ٔ/ٖٖٔ، وزاد المسي في علم التفسي :٘/ٙٛٗ، وتفسي ابن أبي حاتم :ٕٔ/ٖٕٛ، وتفسي القرآن العظيم :ٔ/٘ٗ، والدر المنثور في التأويل بالمأثور :ٜ/ٜٔٗ، وإرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم :ٕ/ٕٚٔ، وروح المعان في تفسي القرآن العظيم والسبع المثان :ٗٔ/ٕٙٗ، والأمثل في تفسي كتاب الله المنـزل :ٛٔ/ٜٖ. (ٖ ينظر: التفسي الكبي :ٕ/ٕٔٙ. (ٗ المصدر نفسو :ٕ/ٕٔٙ.

عدد الصفحات ٣١

ٖٔ وٌهتدون إلى مقاماتهم، وأما المنافقون والمنافقات فهم مؽشٌـُّـون بالظلمة لا ٌهتدون سبٌلبً، وهم مع المإمنٌن كما كانوا فً الدنٌا معهم ومعدودٌن منهم، فٌسبق المإمنون والمإمنات إلى الجنة، وٌتؤخر عنهم المنافقون والمنافقات فً ظلمة تؽشاهم، فٌسؤلون المإمنٌن والمإمنات أن ٌنتظروهم حتى ٌلحقوا بهم، وٌؤخذوا قبساً من نورهم لٌستضٌئوا به فً طرٌقهم))(ٔ). سابعاً : ((النظر)) بمعنى ((الإمهال والتؤخٌر)) ورد ((النظر)) فً القرآن الكرٌم دالاً على ((الإمهال والتؤخٌر )) (ٕ)، ومنه قوله ــ تبارك وتعالى ــ : ( ٌَا أٌَُّهَا الَّذٌِنَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرٌِنَ عَذَابٌ أَلٌِمٌ ) (ٖ). وقبل أن أُبٌـّـن دلالة ((النظر)) فً الآٌة الكرٌمة أقول: إن المفسرٌن ذكروا أن السبب الذي لأجله وقع النهً عن كلمة ((راعنا)) قٌل فٌه أقوال: أحدها: ما قاله قتادة وعطٌة: إنها كلمة كانت تقولها الٌهود على وجه الاستهزاء . الثانً: وقال عطاء : هً كلمة كانت الأنصار تقولها فً (ٔ الميزان في تفسي القرآن :ٜٔ/ٗٛٔ. (ٕ ينظر: قولو تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا لَ يََُفَفُ عَنـْهُمُ الْعَذَابُ وَلَ ىُمْ يُنظَرُونَ )، البقرة :ٕٙٔ، وقولو تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا لَ يََُفَفُ عَنـْهُمُ الْعَذَابُ وَلَ ىُمْ يُنظَرُونَ ) آل عمران :ٛٛ، وقولو تعالى: (مِّنَ الَ ذِينَ ىَادُواْ يَُُرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِوِ وَيـَقُولُونَ سََِعْنَا وَعَصَيـْنَا وَاسََْعْ غَيـْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَ ا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فيِ الدِّينِ وَلَوْ أَنـَهُمْ قَالُواْ سََِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسََْعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْ اً لَُْمْ وَأَقـْوَمَ وَلَكِن لَعَنـَهُمُ اللّوُ بِكُفْرِىِمْ فَلاَ يـُؤْمِنُونَ إِلَ قَلِيلاً ) النساء :ٙٗ، وقولو تعالى: (وَقَالُواْ لَوْل أُنزِلَ عَلَيْوِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الأمْرُ ثَُ لَ يُنظَرُونَ ) الأنعام :ٛ، وقولو تعالى: (قَالَ أَنظِرْنِ إلى يـَوْمِ يـُبـْعَثُونَ ) الأعراف :ٗٔ، وقولو تعالى: (قَالَ إِنَكَ مِنَ المُنظَرِينَ ) الأعراف :٘ٔ، وقولو تعالى: (أَلَُْمْ أَرْجُلٌ يمَْشُونَ بَِِا أَمْ لَُْمْ أَيْدٍ يـَبْطِشُونَ بَِِا أَمْ لَُْمْ أَعْينٌُ يـُبْصِرُونَ بَِِا أَمْ لَُْمْ آذَ انٌ يَسْمَعُونَ بَِِا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثَُ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ ) الأعراف :ٜ٘ٔ، وقولو تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نـَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِوِ يَا قـَوْمِ إِن كَانَ كَبـُرَ عَلَيْكُم مَقَامِي وَتَذْكِيـرِي بِايَاتِ اللّوِ فـَعَلَى اللّوِ تـَوَكَلْتُ فَأَتِْْعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثَُ لَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَةً ثَُ اقْضُواْ إِلَََ وَلَ تُنظِرُونِ ) يونس :ٔٚ، وقولو تعالى: (مِن دُونِوِ فَكِيدُونِ تَِْيعاً ثَُ لَ تُنظِرُونِ ) ىود :٘٘، وقولو تعالى: (مَا نـُنـَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَ بِالََقِّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ ) الَجر :ٛ، وقولو تعالى: (قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِ إلى يـَوْمِ يـُبـْعَثُونَ ) الَجر :ٖٙ، وقولو تعالى: (قَالَ فَإِنَكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ ) الَجر :ٖٚ، وقولو تعالى: (وَإِذَا رَأى الَذِينَ ظَلَمُواْ الْعَذَابَ فَلاَ يََُفَفُ عَنـْهُمْ وَلَ ىُمْ يُنظَرُونَ ) النحل :٘ٛ، وقولو تعالى: (بَلْ تَأْتِيهِم بـَغْتَةً فـَتَبـْهَتـُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَىَا وَلَ ىُمْ يُنظَرُونَ ) الأنبياء :ٓٗ، وقولو تعالى: (فـَيـَقُولُوا ىَلْ نََْنُ مُنظَرُونَ ) الشعراء :ٖٕٓ، وقولو تعالى: (قُلْ يـَوْمَ الْفَتْحِ لَ يَنفَعُ الَذِينَ كَفَرُوا إِيمَانـُهُمْ

عدد الصفحات ٣٢

ىُمْ يُنظَرُونَ ) الأنبياء :ٓٗ، وقولو تعالى: (فـَيـَقُولُوا ىَلْ نََْنُ مُنظَرُونَ ) الشعراء :ٖٕٓ، وقولو تعالى: (قُلْ يـَوْمَ الْفَتْحِ لَ يَنفَعُ الَذِينَ كَفَرُوا إِيمَانـُهُمْ وَلَ ىُمْ يُنظَرُونَ ) السجدة :ٜٕ، وقولو تعالى: (قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِ إلى يـَوْمِ يـُبـْعَثُونَ ) ص :ٜٚ، وقولو تعالى: (قَالَ فَإِنَكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ ) ص :ٓٛ، وقولو تعالى: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَمَاء وَالأَْرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ ) الدخان :ٜٕ، والله أعلم . (ٖ البقرة :ٗٓٔ.

عدد الصفحات ٣٢

ٕٖ الجاهلٌة، فنهوا عنها فً الإسلبم. الثالث: وقال أبو العالٌة: إن مشركً العرب كانوا إذا حدّث بعضهم بعضاً، ٌقول أحدهم لصاحبه: ارعنا سمعاً، فنهوا عن ذلك. الرابع: قال السدي: كان ذلك كلبم ٌهودي بعٌنه، ٌقال له : رفاعة بن زٌد، ٌرٌد بذلك الرعونة، فنهً المسلمون عن ذلك. الخامس: وقال أبو علً: قد بٌـّـن الله عزَّ وجلَّ أنها كلمة كانت الٌهود تلوي بها ألسنتهم فً قوله : ( مِّنَ الَّذٌِنَ هَادُواْ ٌُحَرِّفُونَ الْكَ لِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ) ]النساء:٘ٗ[، و (قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصٌَْنَا ) ]البقرة :ٖ [، و(وَاسْمَعْ ؼٌَْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لٌَّاً بِؤَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فًِ الدٌِّنِ ) ]النساء:٘ٗ[ . وهو قول ابن عباس وقتادة . وقٌل: ( لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا ) من المراعاة والمكافؤة، فؤُمروا أن ٌخاطبوا النبً ــ صلى الله علٌه وآله وسلـّـم ــ بالتوقٌر والتعظٌم، أي: لا تقولوا: راعنا سمعك حتى نفهمك وتفهم عنـّـا، بل قولوا: ((انظُرْنَا )) (ٔ). وقد ذكر المفسرون لـ ((النظر)) فً الآٌة الكرٌمة ((انظُرْنَا )) معانً ستة، وهً: أولاً : ((انظُرْ نَا)) و((أنظـِ رْنَا )) بوصل الهمزة وقطعها بمعنى الإنظار ((التؤخٌر والإمهال))، أي: أمهلنا، وتؤخـّـر قلٌلبً؛ حتى نفهم ونتبٌـّـن ما تعلمناه. ثانٌاً : ((انظُرْنَا )) بمعنى ((انتظرنا)). ثالثاً : ((انظُرْنَا )) بمعنى ((أقبـِـلْ علٌنا، وارعَ أحوالنا)). رابعاً : ((انظُ رْنَا )) بمعنى ((اسمع منـّـا))، أي: اسمع منـّـا كما نستمع منك. خامساً : ((أنظـِـرْنَا )) بقطع الهمزة بمعنى ((أخـّــرنا))، وضعـّؾ الطبري هذا المعنى؛ لأن أصحاب رسول الله ــ صلى الله علٌه وآله وسلـّـم ــ إنما أُمروا بالدنو منه ــ صلى الله علٌه وآله وسلـّـم ــ لا بالتؤخـّـر عنه، ولا بمسؤلته تؤخٌرهم عنه. (ٔ ينظر: تفسي الإمام العسكري :ٕٔ، و جامع البيان في تأويل آي القرآن :ٕ/ٔٙٗ، و التبيان في تفسي القرآن :ٔ/ٖ٘ٛ، وتفسي جوامع الْامع :ٔ/ٖٖٔ، و تفسي القرآن العظيم :ٔ/ٖٕٚ، وتفسي كنـز الدقائق ؛ٔ/ٕٖٗ، وتفسي السراج المني :ٔ/ٖٛٔ، وفي ظلال القرآن :ٔ/ٖٚ.

عدد الصفحات ٣٣

ٖٖ سادساً : ((انظُرْنَا )) بمعنى ((فهـِّـمْنا وبٌـّـن لنا)) ٌا محمد ــ صلى الله علٌه وآله وسلـّـم ــ(ٔ). وٌبدو لً ــ والله أعلم ــ أن دلالة ((النظر)) فً الآٌة الكرٌمة ((انظُرْنَا )) هً ((الإمهال والتؤخٌر))؛ وذلك أن السٌاق العام للآٌة ٌـُقرّب منه، فقد ذُكر فً سبب نزولها عن ابن عباس أن الصحابة ((كانوا ٌطلبون من رسول الله ــ صلى الله علٌه وآله وسلـّـم ــ لدى تلبوته الآٌات وبٌانه الأحكام الإلهٌة أن ٌتمهـّـل فً حدٌثه حتى ٌستوعبوا ما ٌقوله، وحتى ٌعرضوا علٌه أسئلتهم، وكانوا ٌستعملون لذلك عبارة ((راعنا)) أي: أمهلنا. والٌهود صوّروا معنى هذه الكلمة لتكون من ((الرعونة))، فتكون راعنا بمعنى اجعلنا رعناء، واتخذوا ذلك وسٌلة للسخرٌة من النبً والمسلمٌن. والآٌة تطلب من المسلمٌن أن ٌقولوا ((انظُرْنَا )) بدلاً من ((راعنا)) لسد الطرٌق أمام طعن الأعداء)) (ٕ).  ومنه قوله ـــ تبارك وتعالى ــ: (وَاتْلُ عَلٌَْهِمْ نَبَؤَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٌَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلٌَْكُم مَّقَامًِ وَتَذْكٌِرِي بِآٌَاتِ اللهِّ فَعَلَى اللهِّ تَوَكَّلْتُ فَؤَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ ٌَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلٌَْكُمْ ؼُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلًََّ وَلاَ تُنظِرُون ) (ٖ). فـقـد اتـفـقـت كلمة المفسرٌن ــ ممن اطلعتُ على آرائهم ــ (ٗ) على أن معنى ((النظر)) فً الآٌة الكرٌمة (وَلاَ تُنظِرُون ) هو ((الإمهال والتؤخٌر))؛ إذ قال الطوسً: ((أمر (ٔ ينظر: تفسي الإمام العسكري :ٕٔ، وجامع البيان في تأويل آي القرآن :ٕ/ٔٙٗ، و التبيان في تفسي القرآن :ٔ/ٖ٘ٛ، وتفسي جامع الْو امع :ٔ/ٖٖٔ، و تفسي القرآن العظ يم :ٔ/ٖٕٚ، وتفسي كنـز الدقائق :ٔ/ٕٖٗ، وتفسي السراج المني :ٔ/ٖٛٔ، وفي ظلال القرآن :ٔ/ٖٚ. (ٕ الأمثل في تفسي كتاب الله المنـزل :ٔ/ٕٖٗ. (ٖ يونس :ٔٚ. (ٗ ينظر: تنوير المقباس :ٔ/ٕٕٙ، و جامع البيان في تأويل آي القرآن :٘ٔ/ٔ٘ٔ، وتفسي جامع الْوامع :ٕ/٘ٙٔ، ومعال التنـزيل :ٗ/ٖٗٔ، وتفسي الكشاف عن حقائق التنـزيل وعيون التأويل في وجوه التأويل :ٖ/ٜٖ، والتفسي الكبي :ٛ/ٕٖٙ، والبحر المحيط :ٙ/ٖٔٗ، وأنوار التنـزيل وأسرار التأويل :ٖ/ٔٗ، و الدر المنثور في التأويل بالمأثور :٘/ٕٚ٘، و إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم :ٖ/ٜٕٔ، و التفسي الصافي :ٕ/ٕٚٗ، وروح المعان في تفسي القرآن العظيم والسبع المثان :ٛ/ٜٚ، وتفسي السراج المني :ٔ/ٜٛٗٔ، وفي ظلال القرآن :ٗ/ٖٚٔ، و الأمثل في تفسي كتاب الله المنـزل :ٙ/ٗٓ٘.

عدد الصفحات ٣٤

ٖٗ الله تعالى نبٌه ــ صلى الله علٌه وآله ــ أن ٌقرآ على هإلاء الكفار أخبار نوح ــ علٌه السلبم ــ حٌن قال لقومه (قَالَ لِقَوْمِهِ ٌَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلٌَْكُم مَّقَامًِ ) بٌن أظهركم وتذكٌري إٌّاكم بآٌات الله وحججه، وهممتم بقتلً وأذاي فافعلوا ما بدا لكم؛ فإنً عل ى الله توكلت ... ولٌكن أمركم ظاهراً مكشوفاً، ولا ٌكون مؽطىً مستوراً ... ثم افعلوا ما ترٌدون، على وجه التهدٌد لهم، وأنه إذا كان الله ناصره، وعلٌه توكله لا ٌبالً بمـَـنْ عاداه وأراد به السوء؛ ف إن الله ٌكفٌه أمره... ومعنى (وَلاَ تُنظِرُون ) ولا توخـّـرون)) (ٔ). فالإنظار: التؤخٌر، وحذفت ٌاء المتكلم من (تـُ نظِرُون ) للتخفٌؾ، وهو حذؾ كثٌر فً فصٌح الكلبم، وبقاء نون الوقاٌة مشعر بها (ٕ). ومراده ــ عزَّ وجلَّ ــ ثم احكموا بما ترٌدون من أحكام، ولا تتركوا لً مهلة فً تنفٌذها، بل نفـّذوها فً الحال، ولا تإخرونً ساعةً واحدة (ٖ). ثامناً : ((النظر)) بمعنى ((توقـّع الشًء)) جاء ((النظر)) فً القرآن الكرٌم بمعنى ((توقـّع الشًء )) فً قوله ــ تبارك وتعالى ــ : (وُجُوهٌ ٌَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) (ٗ). وقد اختلؾ المفسرون فً دلالة ((النظر)) فً الآٌة الكرٌمة، فمنهم مـَ ـنْ جعله بمعنى ((الرإٌة البصرٌة)) ؛ محتجاً بؤن الفعل ((نـَـظـَـر)) إن تعدّى بحرؾ الجر ((إلى)) فهو ٌفٌد ((الرإٌة البصرٌة))، وإلٌه ذهب كلٌّ من مجاهد(٘)، والبؽوي(ٙ)، وابن الجوزي(ٔ)، وابن كثٌر(ٕ)، والبٌضاوي(ٖ)، (ٔ التبيان في تفسي القرآن :٘/ٕٓٗ. (ٕ ينظر: التحرير والتنوير :ٚ/ٖٙ. (ٖ ينظر: تفسي القرآن العظيم :ٖ/ٖٜٕ، والتفسي الوسيط :ٔ/ٕٓٗٔ. (ٗ القيامة :ٕٕ وٖٕ. (٘ ينظر: تفسي مجاىد :ٕ/ٛٓٚ. (ٙ ينظر: معال التنـزيل :ٛ/ٖٙٙ.

عدد الصفحات ٣٥

ٖ٘ والبٌضاوي(ٖ)، والسٌوطً(ٗ)، وأبً السعود(٘)، والشوكانً(ٙ)، والآلوسً( )، ومحمد الشربٌنً الخطٌب( ). ومنهم مـَـنْ قال بؤن ((النظر)) فً الآٌة الكرٌمة بمعنى ((توقـّع الشًء ))؛ محتجـّـاً بؤن الفعل ((نـَـظـَـرَ )) إن تعدّى بحرؾ الجر ((إلى)) فإنه ٌدل على معنى ((توقـّـع الشًء)) كما ٌدل على ((الرإٌة البصرٌة))، بٌد أنه فً هذه الآٌة لا ٌدل إلا على ((توقـّـع الشًء))؛ لاستحالة الرإٌة البصرٌة عند هإلاء لله ــ تبارك وتعالى ــ ، وإلٌه ذهب كلٌّ من القمً ( )، والشرٌؾ الرضً (ٓٔ)، والطبرسً (ٔٔ)، والطوسً(ٕٔ)، والحوٌزي(ٖٔ)، والسٌد محمد حسٌن الطباطبائً(ٗٔ)، والشٌخ ناصر مكارم الشٌرازي(٘ٔ). والحق أن منشؤ ا لخلبؾ بٌن المفسرٌن فً بٌان دلالة ((النظر)) فً الآٌة الكرٌمة عائد إلى مسؤلة كثر الجدال فٌها، ونشؤ خلبؾ كبٌر بٌن المسلمٌن حولها، (ٔ ينظر: زاد المسي في علم التفسي :ٕ/ٖٚٛ. (ٕ ينظر: تفسي القرآن العظيم :ٖ/ٜٖٓ وٖٓٔ. (ٖ ينظر: أنوار التنـزيل وأسرا ر التأويل :٘/ٖٓ٘. (ٗ ينظر: الدر المنثور في التأويل بالمأثور :ٗ/ٕٔ، وٓٔ/ٜٗٔ. (٘ ينظر: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم :ٙ/ٙٔٗ. (ٙ ينظر: فتح القدير :ٚ/ٖ٘ٙ. (ٚ ينظر: روح المعان في تفسي القرآن العظيم والسبع المثان :ٔٔ/٘ٙ ؤٕ/ٓٛٗ ؤٛٗ. (ٛ ينظر: تفسي السراج المني :ٔ/ٜٓٙ. (ٜ ينظر: تفسي القمي :ٕ/ٗٛ. (ٓٔ ينظر: حقائق التأويل في متشابو التنـزيل :ٔ/ٔ٘ٗ. (ٔٔ ينظر: مجمع البيان في تفسي القرآن :ٓٔ/ٙٚٔ وٚٚٔ. (ٕٔ ينظر: التبيان في تفسي القرآن :ٔ/ٕٕٙ، وٗ/ٕٕٗ، وٓٔ/ٜٛٔ. (ٖٔ ينظر: تفسي نور الثقلين :ٛ/ٖٙ. (ٗٔ ينظر: الميزان في تفسي القرآن :ٖ/ٕٔ وٕٗ، وٛ/ٖٖٔ وٖ٘ٔ وٖٗٔ، وٕٓ/ٔٙ وٗٙ. (٘ٔ ينظر: الأمثل في تفسي كتاب الله المنـزل :ٗ/ٖٔٗ، ؤٜ/ٕٕٓ.

عدد الصفحات ٣٦

ٖٙ وهً مسؤلة ((رإٌة الله ــ عزَّ وجلَّ ــ)). وسؤعرض لها بإٌجاز ــ ما أمكننً ذلك ــ ، فؤقول: أجمع الإمامٌة(ٔ)، وتبعهم المعتزلة على امتناع رإٌة الله ــ تبارك وتعالى وتعالى ــ بالبصر فً الدنٌا والآخرة، وخالفهم فً ذلك المجسّمة من الأشاعرة والكرّامٌة(ٕ)، فجوّزوا رإٌته ــ عزَّ وجلَّ ــ لاعتقاد أنه ــ تعالى ــ جسم، وٌثبتون له الجهة، والأشاعرة ــ مع عدّ أنفسهم من أهل التنزٌه، وتحاشٌهم عن إثبات الجس مٌة والجهة له سبحانه ــ قالوا برإٌته ٌوم القٌامة، وأنه ٌنكشؾ للمإمنٌن انكشاؾ القمر لٌلة البدر(ٖ). وسؤعرض ــ بإٌجاز ــ أدلة كل من الفرٌقٌن(ٗ)، وكما ٌؤتً: أولاً : أدلة الإمامٌة والمعتزلة على امتناع الرإٌة. استدلّ الإمامٌة والمعتزلة على امتناع رإٌة الله ــ عزَّ وجلَّ ــ ببراهٌن نقلٌة، وعقلٌة. أما البراهٌن النقلٌة فهً صنفان: الأول: الكتاب العزٌز. الثانً: أخبار السنـّة المطهـّرة. فمن الكتاب العزٌز آٌات كثٌرة، منها: ٔ ـ قوله ــ تعالى ــ : (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ ٌُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطٌِؾُ الْخَبٌِرُ ) (٘). (ٔ أُطلق على الإمامية مصطلح ((العدلية))؛ لتنزيههم البارئ ـ عز وجل ـ في قب ال غيىم مَِنْ نسب إليو الْسمية والْهة. (ٕ أصحاب أبي عبدالله مُّمد بن كرّام. ينظر: الملل والنحل ((للشهرستان )) :ٔ/ٛٓٔ. (ٖ ينظر: شرح أصول الكافي :ٔٙٔ ـ ٜٙٔ، وبحار الأنوار :ٗ/ٓٙ، والإلْيات على ىدى الكتاب والسنّة والعقل :ٕ/ٕ٘ٔ، والفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية :ٔ/ٕٙٔ، والتوحيد (بحوث في مراتبو ومعطياتو ) ((للسيد ك مال الَيدري )) :ٕ/٘ٛٗوٙٛٗ، ودروس في العقيدة الإسلامية ((لمحمد تقي مصباح اليزدي )) :ٜٛوٜٜ. (ٗ المصادر أنفسها. (٘ الأنعام :ٖٓٔ.

عدد الصفحات ٣٧

ٖ ووجه الاستدلال بالآٌة المباركة : أنه ــ سبحانه ــ لا تراه العٌون؛ لأنّ الإدراك متى قـُـرنَ بالبصر لم ٌـُـفهم منه إلا الرإٌة، كما أنه إذا قـُـرنَ بآلة السمع، فقٌل: أدركت بؤذنً، لم ٌفهم منه إلا السماع، وكذلك إذا أُضٌؾ إلى كلّ واحدٍ من الحواس أفاد أن تلك الحاسة آلة فٌه، فقولهم: أدركته بفمً معناه: وجدت طعمه، وأدركته بؤنفً: وجدت رائحته، فمعنى أنه ــ سبحانه ــ ٌـَـرى ولا ٌـُـرى باعتبار أن الموجودات منها ما ٌـَـرى وٌـُـرى كالأحٌاء، ومنها ما ٌـُـرى ولا ٌـَـرى كالجمادات والأعراض المدرَكة، ومنها ما لا ٌـُـرى ولا ٌـَـرى كالأعراض ؼٌر المدركة، فالله ــ سبحانه ــ خالؾ جمٌعها، وتفرّد بؤنه ــ عزَّ وجلَّ ــ ٌرى ولا ٌـُـرى. ٕ ـ قوله ــ تعالى ــ : (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمٌِقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنًِ أَنظُرْ إِلٌَْكَ قَالَ لَن تَرَانًِ وَلَـكِنِ انظُرْ إلى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْؾَ تَرَانًِ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلٌَْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُإْمِنٌِنَ ) (ٔ). ووجه الاستدلال بالآٌة المباركة: قوله ــ تعالى ــ : (لَن تَرَانًِ)؛ إذ إنّ أداة ((لن)) تفٌد النفً الأبدي، فلو كان ــ سبحانه ــ ممكن الرإٌة بحاسة البصر لكان الأنبٌاء والأولٌاء أولى الناس برإٌته؛ ولأن موسى ((علٌه السلبم)) لم ٌره ببصره فلب ٌراه ؼٌره بطرٌق أولى، فثـَـبـُـت أنه ــ تعالى ــ لٌس مرئٌاً بالبصر. فضلبً عن ذلك فإنّ ((لن)) عند إطلبقها تفٌد النفً الأبدي، وإلا لكان ــ سبحانه ــ قٌـّـده بقٌد ((فً الدنٌا ))، فعدم تقٌٌده بقٌد ٌبقى الإطلبق على شموله، فٌـَـثـْـبـُـتُ بذلك عدم إمكان رإٌته فً الدارٌن. (ٔ الأعراف :ٗٗٔ.

عدد الصفحات ٣٨

ٖ ٖ ــ قوله ــ تعالى ــ (وَ قَالَ الَّذٌِنَ لا ٌَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْ لا أُنزِلَ عَلٌَْنَا الْمَ لبئِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فًِ أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوّاً كَبٌِراً ) (ٔ). ووجه الاستدلال بالآٌة المباركة : أنه لو كانت الرإٌة جائزة لم ٌكن التماسها عتوّاً؛ لأنّ مـَ ـنْ سؤل الله ــ سبحانه ــ نعمةَ فً الدنٌا لم ٌكن عاتٌاً، ولا ٌـُـعدُّ استعظاماً واستفظاعاً؛ لأن كل ذلك الاستعظام والاستفظاع لا ٌناسب كونه أمراً ممكناً ونعمة من نعمه ــ سبحانه ــ ٌكرّم بها عباده فً الآخرة. ٗ ــ قوله ــ تعالى ــ (ٌَعْلَمُ مَا بٌَْنَ أٌَْدٌِ هِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَ لا ٌُحٌِطُونَ ب ـِ هِ عِلْماً ) (ٕ). ووجه الاستدلال بالآٌة المباركة: أنه لو صحت الرإٌة البصرٌة فلب تخلو من أمرٌن: إما أن تقع على الكل، وإما أن تقع على الجزء، وكلبهما ٌعدّان نوع إحاطة به ــ تعالى ــ ، مع أنه فً الآٌة نفً الإحاطة بكلب قسمٌها، فعدم الإحاطة به ؼٌر مقدور حتى الإحاطة المعنوٌة الكلٌة طبقاً للئطلبق المندرج فً الآٌة، ولا ٌمكن تقٌٌده بوقت دون آخر؛ لأن الإطلبق بعدم الإحاطة حكم عقلً لا ٌجوز تقٌٌده؛ لأن الأحكام العقلٌة ؼٌر قابلة للتخصص بزمان دون آخر. فضلبً عن ذلك فإنّ القول بجواز إح اطته بالعٌن خـُـلـْؾ كونه محٌطاً لقوله ــ عزَّ وجلَّ ــ : (وَكَانَ اللهُّ بِكُلِّ شًَْءٍ مُّحٌِطاً ) (ٖ). ومن أخبار السنـّـة المطهـَّـرة: ٔ ـ عن أمٌر المإمنٌن علً بن أبً طالب ((علٌه السلبم)): ((وكلـَّـت عن إدراكه طروؾ العٌون)) (ٗ). (ٔ الفرقان :ٕٕ. (ٕ طو: ٓٔٔ. (ٖ النساء :ٕٙٔ. (ٗ بحار الأنوار :ٗ/ٕٙٙ، والتوحيد ((للصدوق)) :ٗٙ.

عدد الصفحات ٣٩

ٖ ٕ ــ وعن أمٌر المإمنٌن علً بن أبً طالب ((علٌه السلبم)): ((هو الله الحق المبٌن، أحقُّ وأبٌن مما تراه العٌون )) (ٔ). ٖ ــ وعن الإمام الحسٌن ((علٌه السلبم)): ((بل هو الله لٌس كمثله شًء، وهو السمٌع البصٌر، لا تدركه الأبصار، وهو ٌدرك الأبصار وهو اللطٌؾ الخبٌر)) (ٕ). ٗ ــ عن الإمام جعفر الصادق ((علٌه السلبم)): ((إن الله عظٌم رفٌع لا ٌقدر العباد على صفته، ولا ٌبلؽون كنه عظمته، ولا تدركه الأبصار وهو ٌدرك الأبصار وهو اللطٌؾ الخبٌر... فالله تبارك وتعالى داخل فً كل مكان، وخارج من كل شًء... لا إله إلا هو العلً العظٌم)) (ٖ). أما البراهٌن العقلٌة فكثٌرة، منها: ٔ ــ إن الرإٌة إنما تصح لمن كان مقابلبً أو فً حكم المقابل، والمقابلة إنما تتحقق فً الأشٌاء ذوات الجهة، والله ــ تعالى ــ منزّه عنها فلب ٌكون مرئٌاً . ٕ ـ إن الرإٌة إما أن تقع على الذات كلها أو على بعضها. فعلى الأول ٌلزم أن ٌكون المرئً محدوداً متناهٌاً محصوراً شاؼلبً ناحٌة من النواحً، وخلو النواحً الأُخرى منه ــ تعالى ــ . وعلى الثانً ٌلزم أن ٌكون مركّباً متحٌـّـزاً ذا جهة إلى ؼٌر ذلك من التوالً الفاسدة، المرفوضة فً حقه ــ سبحانه ــ . (ٔ المصدران أنفسهما . (ٕ المصدران أنفسهما . (ٖ المصدران أنفسهما . وتَف العقول :ٖ٘. ولمزيد من أخبار السنّة المطهرة: ينظر: الإلْيات على ىدى الكتاب والسنّة والعقل: ٕ/ٜٖٔ وٓٗٔ، والفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية :ٔ/ٖٓٔـٖٖٔ، والتوحيد (بحوث في مراتبو ومعطياتو ) ((للسيد كمال الَيدري )) :ٛٛٗـٕٜٗ.

عدد الصفحات ٤٠

ٓٗ ٖ ــ إن الرإٌة لا تتحقق إلا بانعكاس الأشعة من المرئً إلى أجهزة العٌن، وهو ٌستلزم أن ٌكون ــ سبحانه ــ جسماً ذا أبعاد، ومعرضاً لعوارض وأحكام جسمانٌة، وهو المنزه عن ذلك كلـّه. ٗ ـ إن الرإٌة بؤجهزة العٌن نوع إشارة إلٌه بالحدقة، وهو ــ سبحانه ــ منزّه عن الإشارة. فإنّ كل مرئً فً جهة ٌشار إلٌه بؤنه هنا أو هناك، وٌصح أن ٌقال: إنه مقابل للرائً أو فً حكمه، وهذا المعنى منتؾٍ فً حقه ــ سبحانه ــ . وقبل أن أذكر أدلة القائلٌن بجواز رإٌة الله ــ تبارك وتعالى ــ أُشٌر إلى مسؤلتٌن: إحداهما: أن القائلٌن بجواز الرإٌة انقسموا على فرقتٌن: الأولى: ((مجسـّـمة)) ٌقولون بالرإٌة البصرٌة من دون تنزٌه للخالق العظٌم. الثانٌة: ((منزِّهة)) ٌقولون بالرإٌة مع التنزٌه عن المادة والمادٌات. والفرقة الثانٌة انقسمت على قسمٌن: الأول: فرقة تستند إلى أحكام النقل مدعوماً بالعقل. ومنها الرازي، إذ قال: ((الله ٌصح أن ٌكون مرئٌاً لنا خلبفاً لجمٌع الفرق... فإن لقائل أن ٌقول: إن أردت بالرإٌة الكشؾ التام فذلك لا نزاع فً ثبوته؛ لأن المعارؾ تصٌر ٌوم القٌامة ضرورٌة، وإن أردت بها الحالة التً نجدها من أنفسنا عند إبصارنا الأجسام فذلك مما لا نزاع فً انتفائه... وإن أردت به أمراً ثالثاً فلببدّ من إفادة تصوّره فإنّ التصدٌق مسبوق بالتصور لأنه إذا علمنا الشًء حال ما لم نره ثم رأٌناه، فإنا ندرك تفرقة بٌن الحالٌن، وقد عرفت أن تلك التفرقة لا ٌجوز عودها إلى ارتسام الشبح فً العٌن، ولا إلى خروج الشعاع منها، فهً عائدة إلى حالة أُخرى مسماة بالرإٌة، فندّعً أن تعلـّق هذه الصفة بذات الله جائز)) (ٔ). (ٔ المحصول في علم أُصول الفقو :ٖٙٔ. وينظر: التفسي الكبي :ٖٔ/ٕٙٔ.

عدد الصفحات ٤١

ٔٗ الثانً: فرقة تستند إلى أحكام العقل وحده، ومنها سٌؾ الدٌن الآمدي، إذ قال: ((لسنا نعتمد فً هذه المسؤلة على ؼٌر مسلك العقل، إذ ما سواه لا ٌخرج عن الظواهر السمعٌة، وهً مما ٌتقاصر عن إفادة القطع والٌقٌن، فلب ٌذكر إلا على سبٌل التقرٌب)) (ٔ). والمسؤلة الأخرى: اتفق الأشاعرة على أن رإٌته ــ عزَّ وجلَّ ــ تكون ٌوم القٌامة، كما عبـّر عن ذلك أعلبمهم، ومنهم: ٔ ــ الشٌخ أبو الحسن الأشعري، إذ قال: ((وندٌن بؤن الله تعالى ٌـُـرى فً الآخرة بالأبصار كما ٌـُـرى القمر لٌلة البدر، ٌراه المإمنون كما جاءت الرواٌات عن رسول الله)) (ٕ). ٕ ــ ما اعتقده أحمد بن حنبل إمام الحنابلة، إذ قال: ((والأحادٌث فً أٌدي أهل العلم عن النبً: أن أهل الجنة ٌرون ربهم لا ٌختلؾ فٌها أهل العلم فٌنظرون إلى الله)) (ٖ). ٖ ــ ما اعتقده البخاري فً صحٌحه، إذ قال فً كتاب التوحٌد إن من المإمنٌن مـَـنْ ٌرى الله ــ عزَّ وجلَّ ــ ٌوم القٌامة، وروى رواٌات فً هذا الباب، منها: ((عن قٌس عن جرٌر قال: كنا جلوساً عند النبً ــ صلى الله علٌه وسلـّم ــ : إذا نظر إلى القمر لٌلة البدر قال : إنكم سترون ربكم كما ت رون هذا القمر لا تـُـضامـُّون فً رإٌته، فإن استطعتم أن لا تؽلبوا على صلبة قبل طلوع الشمس وصلبةٍ قبل ؼروب الشمس فافعلوا)) (ٗ). (ٔ الإحكام في أُصول الأحكام ((للآمدي)) :ٗ/ٙ٘. وينظر: منتهى السول في علم الأُصول :ٔ/ٕٖ. (ٕ الإبانة :ٕٔ. (ٖ الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية :ٔ/ٖٚٔ. (ٗ صحيح البخاري :ٛ/ٖٛ٘.

عدد الصفحات ٤٢

ٕٗ وقد استدلّ ال قائلون بجواز رإٌة الله ــ تبارك وتعالى ــ ببراهٌن عقلٌة ونقلٌة(ٔ)، ومن البراهٌن العقلٌة: أولاً : ((لٌس فً جواز الرإٌة إثبات حـَدَث؛ لأن المرئً لم ٌكن مرئٌاً لأنه محدث، ولو كان مرئٌاً لذلك للزمه أن ٌرى كل محدث وذلك باطل عنده)) (ٕ). ورُدّ بؤن الحدوث لٌس شرطاً كافٌاً فً الرإٌة حتى تلزم رإٌة كل محدث، بل هو شرط لازم ٌتوقؾ على انضمام سائر الشروط؛ ولأنّ بعضها ؼٌر متوافر فً الموجودات المجردة المحدثة، لا تقع علٌها الرإٌة. ثانٌاً : ((لٌس فً إثبات الرإٌة لله تعالى تشبٌه)) (ٖ). ورُدّ هذا الدلٌل بؤنّ حقٌقة الرإٌة قائمة بالمقابلة أو ما فً حكمها، وهً لا تنفك عن كون المرئً فً جهة ومكان، وهو ٌستلزم كونه ــ سبحانه ــ ذا جهة ومكان، فؤي تشبٌه أظهر من ذلك، وكٌؾ ٌقول : إن تجوٌز الرإٌة لا ٌستلزم التشبٌه؟! أما البراهٌن النقلٌة، فهً آٌات قرآنٌة كرٌمة، منها: ٔ ـ قوله ــ تعالى ــ : (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمٌِقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنًِ أَنظُرْ إِلٌَْكَ قَالَ لَن تَرَانًِ وَلَـكِنِ انظُرْ إلى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْؾَ تَرَانًِ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلٌَْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْ مُإْمِنٌِنَ ) (ٗ). واحتـُـجَّ بهذه الآٌة المباركة من وجهٌن: (ٔ ينظر: الإلْيات على ىدى الكتاب والسنّة والعقل :ٕ/ٖٔٔ ؤٕٖ، والفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية :ٔ/ٓٗٔ ؤٗٔ، ودروس في العقيدة الإسلامية ((لمحمد تقي مصباح اليزدي )) :ٜٛ. (ٕ اللمع :ٔٙ. (ٖ المصدر نفسو :ٕٙ. (ٗ الأعراف :ٖٗٔ.

عدد الصفحات ٤٣

ٖٗ الأول: أن موسى ((علٌه السلبم)) سؤل الرإٌة، ولو كانت ممتنعة لما سؤلها؛ لأنه إما أن ٌعلم امتناع الرإٌة أو ٌجهله، فإن علم فالعاقل لا ٌطلب المحال، وإن جهله فهو لا ٌجوز فً حق موسى، فإن مثل هذا الشخص لا ٌستحق أن ٌكون نبٌاً . وقد رُدّ هذا الوجه بؤمرٌن: ٔ ــ أن النبً موسى ((علٌه السلبم)) كان من أعلم الناس بالله ــ سبحانه ــ وصفاته وما ٌجوز علٌه وما لا ٌجوز، ولكن ما كان طلب الرإٌة لنفسه، بل لقومه لتبكٌتهم حٌن طلبوا منه الرإٌة البصرٌة، إذ قالوا: (فَقَالُواْ أَ رِنَا اللهِّ جَهْرَةً فَؤَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ) (ٔ). ٕ ــ أن ما طلبه النبً موسى ((علٌه السلبم)) لٌس المراد منه تقلٌب الحدقة نحو المطلوب؛ لأن ذلك إنما ٌكون نحو ذي الجهة، فلو سؤله موسى لكان قد أثبت لله ــ سبحانه ــ جهة، وهو منزّه عنها لضرورة العقل. الوجه الثانً: أنه ــ تعالى ــ علـّق الرإٌة على استقرار الجبل، وهو أمر ممكن فً نفسه، والمعلـّق على الممكن ممكن. وقد رُدّ هذا الوجه بؤنّ المعلـّق علٌه فً قوله : (فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ ) لٌس هو إمكان الاستقرار، بل وجود الاستقرار وتحققه بعد تجلـٌّه، والمفروض أنه لم ٌتحقق بعد التجلـًِّ، وإذا كان إمكان الرإٌة معلـَّـقاً على تحقق الاستقرار بعد التجلـِّـً، فٌنتج أن الرإٌة لٌست أمراً ممكناً لفقدان المعلـّق علٌه. (ٔ النساء :ٖ٘ٔ.

عدد الصفحات ٤٤