97 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 القسم الثالث: الهدي المتعلق بالغرض والغاية الذي سيقت لأجله تلك الآيات الكونية. أولاا : الاستدلال بها على أصول العقائد. فهذه الآيات الكونية وما تدل عليه من حقائق علمية، لم تذكر في القرآن الكريم لمجرد الذكر، أو من أجل بيانها للناس ودلالتهم عليها ابتداءً، وإنما هي سيقت تابعا للغر ع والهدف الذي ذكرت في ثناياه، فهي سيقت في سبيل الاستدلال بها على قضايا كبر كالألوهية والنبوات والبعث والإيمان بالملائكة والكتب واليوم الآخر، وهذا النوع كثير في القرآن (1). قال ابن القيمt :" وهذه طريقة القرآن في إرشاده الخلق إلى الاستدلال بأصناف المخلوقات وأحوالها على إثبات الصانع وعلى التوحيد والمعاد والنبوات، فمرة يخبر أنه لم يخلق خلقه باطلا ولا عبثا، ومرة يخبر أنه خلقهم بالحق، ومرة يخبرهم وينبههم على وجوه الاعتبار والاستدلال بها على صدق ما أخبرت به رسله حتى يبين لهم أن الرسل إنما جا وهم بما يشاهدون أدلة صدقه، وبما لو تأملوه لرأوه مركوزا في فطرهم مستقرا في عقولهم، وأن ما يشاهدونه من مخلوقاته شاهد بما أخبرت به رسله عنه من أسمائه وصفاته وتوحيده ولقائه ووجود ملائكته، وهذا باح عظيم من أبواح الإيمان إنما يفتحه الله على من سبقت له منه سابقة السعادة وهذا أشرف علم يناله العبد في هذه الدار"(2). ومن ذلك الاستدلال بخلقها وملكها على وجوح إفراد الله بالعبادة كما قال تعا : ﮋ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ (1) انظر: مباحث في علوم القرآن لمناع القطان ، مكتبة المعارف، الرياع، ط 3 :313، وسمات الآيات الكونية في القرآن الكريم: 1. (2) بدائع الفوائد لابن القيم، دار الكتاح العربي، بيروت: 4/192-193.
عدد الصفحات ٩٧98 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﮊ (1). قال ابن كث t في بيان مضمون هذه الآية- بعد أن ذكر ما في هذه الآية من أن الله هو المنعم على عبيده بخلقهم وإسباغه عليهم النعم-: " ومضمونه أنه الخالق الرازق مالك الدار وساكنيها ورازقهم، فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يُش ر ك به غ يره؛ ولهذا قال: ﴿ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﴾"(2). وقد وصف الله سبحانه القرآن بأنه هد ورحمة وبيان ورشاد للخلق جميعاًوفي الحق؛ ولذا يجب أن يُقتصر بتلك الآيات فهماً واستنباطاً على ما يحقق الغاية التي سيقت لها، فهذا الغرع والمقصد هو الهدف الأصيل لسياقها، وكل ما تحقق مع هذا الهدف فهو تبع له دائر في فلكه، لا يجوز أن يجنح بنا النظر والاستنباط عن هذه الدائرة (3). ثانياا : الاعتبار والانتفاع بها . يبووين الله تعوووالى أن سوووياق هوووذه الآيوووات الكونيوووة وذكرهووا إنموووا هوووو للعظوووة والاعتبوووار، قوووال تعالى: ﮋ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﮊ (4)، أي يفهموا موا خلقووا مون أجلوه، ويفقهوا الحقائق الشرعية، والمطالب الإلهية، ويتدبروا عن الله آياته وحججه وبراهينه (0). "وظاهر الآية يدل على أنه تعالى ما صرف هذه الآيات إلا لمن فقه وفهم، فأما من (1) البقرة : 21-22. (2) تفسير ابن كث : 1/93، وانظر: تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القران : 28. (3) سمات الآيات الكونية في القرآن الكر : 9. (4) الأنعام: 90. (0) انظر: تفسير الطبر ي: 7 /200، وتفسير ابن كث : 2/148، وتفسير ابن سعدي: 2/481.
عدد الصفحات ٩٨99 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 أعرع وتمرد فهو تعا لى ما صرف هذه الآيات لهم والله أ علم"(1). فالنظر إلى الآيات الكونية والاعتبار بحكمة الله في خلقها، دليل عظيم ينتفع به أهل العقول، ولذلك لما عقل أهل الإيمان هذه الآيات حصل لهم الاع تبار والانتفاع فلاد إيمانهم وتعلقهم بربهم فحصلت لهم الهداية. قال تعالى: ﮋ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮊ (2). أما من أعرع عن آيات الله ولم يتفكر فيها ويأخذ العبرة منها، فإن الآيات على كثرتها والنذر على قوتها لا تغ عن القوم الظالمين، قال تعالى: ﮋ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮊ (3) . ثالثاا: بيان امتنان اللهk بها على عباده والذي يستللم إفراده بالعباده فاللهk يمن على عباده بخلقه لهذه الآيات العظيمة، وتسخيرها للناس وتيسيرها لهم، وهو بذلك يدعوهم إلى عبادته وحده. قال تعالى: ﮋ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮊ (4). قال ابن سعدي t: " وهذا امتنان منه على عباده، يدعوهم به إلى توحيده وعبادته والإنابة إليه، حيث أنعم عليهم بما يسره لهم من الحرث لللروع والثمار، فتخر من (1) تفسير الرازي : 13/23. (2) آل عمران : 163-161. (3) يونس: 131. (4) الواقعة: 93-97.
عدد الصفحات ٩٩111 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 ذلك من الأقوات والأرزاق والفواكه، ما هو من ضروراتهم وحاجاتهم ومصالحهم، التي لا يقدرون أن يحصوها، فضلا عن شكرها، وأداء حقها"(1) . فتعرع هذه الآيات كلها في معرع نعم الله وفضله على الناس، وفي معرع الوحدانية وإخلاص الدين لله، و هي وإن كانت منناً يحق أن يشكرها الناس فإنها أيضاً دلائل إذا تفكر فيها المنع مُ عليهم اهتدوا بها إلى أن الذي يخلق هذا ويبدعه بهذا التناسق هو الإله الحق الذي يجب أن يعبد وحده ويخلص له الدين وحده "(2). رابعاا: بيان آثار صفات الله وأفعاله من خلالها. فإن من هدي القرآن تجاه الآيات الكونية لفت الأنظار والتفتي والاعتبار بآثار ربوبية الله وصفاته من الإحياء والإماتة، والرزق وخلق السماوات والأرع والنبات، وإنلال المط ر من السحب، وتعاقب الليل والنهار وغيرها كثير (3)، للقيام بحق ربوبية الله وألوهيته، فلا يقصد الحوائا غيره، ولا يتوكل على سواه، ولا يستعن إلا به، قال شيخ الإسلام ابن تيمية t :" فإذا عرف العبد أن الله ربه وخالقه وأنه مفتقر إليه محتا إليه عرف العبودية المتعلقة بربوبية الله وهذا العبد يسأل ربه ويتضرع إليه ويتوكل عليه"(4). وقال تعالى مبيناً أثراً من آثار صفاته – وهي صفة الرحمة -: ﮋ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ (1) تفسير ابن سعدي: 4/1798، وانظر تفسير البحر اييط يمد بون يوسوف المعوروف بوأبي حيوان الأندلسوي، تحقيوق: عادل عبد الموجود و علي محمد معوع، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1 :2/333،3/411. (2) تفسير التحرير والتنوير: 20 /337، وانظر: تفسير ابن سعدي: 2/801. (3) انظر: بيان تلبويس الهميوة في تأسويس بودعهم الكلاميوة لابون تيميوة، تصوحيح: محمود بون عبود الورحمن بون قاسوم، دار القاسم، الرياع، ط2 :1/183-181. (4) العبودية: 02.
عدد الصفحات ١٠٠111 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﮊ (1). قال ابن جرير t :" فانظر يا محمد n، إلى آثار الغيث الذي ينلل الله من السحاح، كيف يحيي بها الأرع الميتة، فينبتها ويعشبها، من بعد موتها ودثورها، ﮋ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﮊ . يقول جل ذكره : إن الذي يحيي هذه الأرع بعد موتها بهذا الغيث، ييي الموتى من بعد موتهم، وهو على كل شيء مع قدرته على إحياء الموتى قدير، لا يعل عليه شيء أراده، ولا يمتنع عليه فعل شيء شاءه سبحانه"(2)،" وفي هذا الحث على التذكر والتفكر في آلاء الل ه والنظر إليها بعين الاعتبار والاستدلال، لا بعين الغفلة والإهمال"(3). وقال تعا: ﮋ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾﮊ(4). قال ابن القيمt :" فأما المفعولات فأنها دالة على الأفعال، والأفعال دالة على الصفات؛ فإن المفعول يدل على فاعل فعله، وذلك يستللم وجوده وقدرته ومشيئته وعلمه؛ لاستحالة صدور الفعل الاختياري من معدوم أو موجود لا قدرة له ولا حياة ولا علم ولا إرادة ، ثم ما في المفعولات من التخصيصات المتنوعة دال على إرادة الفاعل، و أن فعله ليس بالطبع بحيث يكون واحدا غير متكرر، وما فيها من المصالح والحكم والغايات ايمودة دال على (1 )الروم: 48-03. (2) تفسير الطبري: 21/94. (3) تفسير ابن سعدي: 2/002-003. (4) يونس: 0-9.
عدد الصفحات ١٠١112 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 حكمته تعالى، وما فيها من النفع والإحسان والخير دال على رحمته ، وما فيها من البط والانتقام والعقوبة دال على غضبه، وما فيها من الإكرام والتقريب والعناية دال على محبته، وما فيها من الإهانة والإبعاد والخذلان دال على بغضه ومقته، وما فيها من ابتداء الشيء في غاية النقص والضعف ثم سوقه إلى تمامه ونهايته دال على وقوع المعاد، وما فيها من أحوال النبات والحيوان وتصرف المياه دليل على إمكان المعاد، وما فيها من ظهور آثار الرحمة والنعمة على خلقه دليل على صحة النبوات، وما فيها من الكمالات التي لو عدمتها كانت ناقصة دليل على أن معطي تلك الكمالات أحق بها، فمفعولاته من أدل شيء على صفاته وصدق ما أخبرت به رسله عنه، فالمصنوعات شاهدة تصدق الآيات المسموعات، منبهه على الاستدلال بالآيات المصنوعات"(1). خامساا: بيان الحكمة في خلق هذه الآيات الكونية، وأن ذلك بالحق، وأنها لم تخلق عبثاً. قال تعالى: ﮋ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﮊ (2). فأختعالى أنه خلق السماوات والأرع بالحق، أي بالعدل والقسط، وأنه لم يخلق ذلك عبثًا ولا لعبًا(3)، قال تعالى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﮊ (4) . فاk ما خلق السماوات والأرع عبثا، ولا لعبا من غير فائدة، بل خلقها بالحق وللحق الذي لا يصلح التدبير إلا به، ليستدل بها العباد على أنه الخالق العظيم، المدبر الحكيم، الرحمن الرحيم، الذي له الكمال كله، والحمد كله، والعلة كلها، الصادق في قيله، الصادقة (1) الفوائد: 32، وانظر: تفسير ابن سعدي: 2/966. (2) الدخان: 38-36. (3) انظر: تفسير ابن كثير : 4/109. (4 )ص: 27.
عدد الصفحات ١٠٢113 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 رسله، فيما تخبر عنه، وأن القادر على خلقهما مع سعتهما وعظمهما، قادر على إعادة الأجساد بعد موتها، ليجازي ايسن بإحسانه، والمسيء بإساءته(1). سادساا: التحدي بها إقامة للتوح يد ورداً للشرك، فهي حجة دامغة وبرهان ساطع كما أخبر الله تعالى في قصة مناظرة إبراهيم p مع المشرك الاحد بألوهية الله وربوبيته، قال تعالى: ﮋ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮊ (2) . قال ابن القيمt :" فإن من تأمل موقع الحجا وقطع المجادل فيما تضمنته هذه الآية وقف على أعظم برهان بأوجل عبارة ، فإن إبراهيم p لما أجاح ايا له في الله بأنه الذي يحيي ويميت أخذ عدو الله معارضته بضرح من المغالطة، وهو أنه يقتل من يريد ويستبقي من يريد فقد أحيا هذا وأمات هذا، فأللمه إبراهيم على طرد هذه المعارضة أن يتصرف في حركة الشمس من غير الهة التي يأتي الله بها منها إذا كان بلعمه قد ساو الله في الإحياء والإماتة، فإن كان صادقا فليتصرف في الشمس تصرفا تصح به دعواه، وليس هذا انتقالا من حجة إلى حجة أوضح منها كما زعم بعض النظار، وإنما هو إللام للمدعي بطرد حجته إن كانت صحيحة" (3) . (1) انظر: تفسير الطبري: 23/176،، وتفسير البغوي: 3/731،20/102، وتفسير ابن سعدي: 3/1306. (2) البقرة : 208. (3) الصواعق المرسلة : 2/463-461، وانظر: تفسير ابن سعدي: 4/2319.
عدد الصفحات ١٠٣114 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 المطلب الثاني: الهدي النبوي تجاه الآيات الكونية قد بين الله تعالى في كتابه العليل أن ما فضل به رسول الله n على غيره من البشر إنما هو بالوحي. قال جل ذكره : ﮋ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎﰏ ﮊ (1). فهوn بشر من ب آدم، ليس له من الأمر شيء، وإنما فضله الله وخصه بالوحي الذي أوحاه إليه، وأمر ه بإتباعه والدعوة إليه(2). والوحي يشمل القرآن الكريم والسنة المطهرة؛ الذي ن جاء بهما محمد n من عند الله، قال تعالى: ﮋ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﮊ (3)، وقال تعالى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﮊ (4). وقد أمر اk بطاعة رسوله n في آيات كثيرة، وبين أن طاعته من طاعة الله تعالى، وليس ذلك إلا لأنه يتكلم بالوحي وينطق به ويأمر بشريعة الله تعالى ويبين سنن الهد التي أمره الله تعالى أن يبلغها، قال تعالى : ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﮊ (0)، وقال تعالى: ﮋ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﮊ (9). (1) الكهف: 113، فصلت: 9. (2) انظر: تفسير الطبري: 24/137، وتفسير ابن كث : 3/114، وتفسير ابن سعدي: 4/1094. (3) النجم: 3-4. (4) يونس: 10. (0) النساء: 83. (9 )المائدة: 62.
عدد الصفحات ١٠٤115 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 وقد ختمت الرسالات ب رسالة محمد n، قال تعالى: ﮋ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﮊ (1). فكان محمد n رسولاً للعا ، وليس خاصاً بقومه من العرح كما كان الأنبياء والمرسلون قبله يرسلون إلى أقوامهم ؛ وذلك لأن رسالته هي خاتم الرسالات ، ودينه هو الباقي إلى أن يرث الله الأرع ومن عليها. قال تعالى: ﮋ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﮊ (2)، وقال تعالى: ﮋ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮊ (3). وقال n :«وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون ». وفي رواية: «كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إ كل أحمر وأسود»(4). وقد بين الله تعالى أنه علم هذا الرسول من العلوم ما يكن يعلم، قال تعالى : ﮋﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﮊ (0). وقد أمره الله تعالى أن يدعوه بطلب زيادة العلم، قال تعا : ﮋ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣﮊ(9). فهذا العلم– ومنه العلم بالآيات الكونية – الذي جاء عن رسول الله n إنما هو من الوحي الذي أوحاه الله تعالى إليه. (1 )الأحلاح : 43. (2) الفرقان : 1. (3) الأنبياء: 137. (4) صحيح مسلم، كتاح المساجد ومواضع الصلاة : 1/373-371 برقم 021،023.) (0) النساء: 113. (9) طه: 114.
عدد الصفحات ١٠٥116 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 وقد جاءحديث عبد الله بن عمرو c أنه عندما سأل رسول ا n عن كتابة كل ما يسمعه منه فأوما n بأصبعه إلى فيه، وقال: «اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخر منه إلا حق»(1). فهذا يدل على أن كل ما جاء في السنة المطهرة حق لا شك فيه سواء كان إشارة إلى حقيقة علمية، أو قضية تاريخية عن نبي من الأنبياء، أو عن أحد من أهل زمانه أو غير ذلك، وهو موافق لما جاء في القرآن. ولما كان الأمر كذلك فلا بد أن تكون وجوه الإعجاز فيها هي نفس وجوه الإعجاز في القرآن الكريم اللهم إلا فيما كان راجعاً إلى الصفة الإلهية في القرآن الكريم كإعجازه اللغوي والنحوي والصرفي والأسلوبي (2). ويمكن تقسيم الهدي النبوي تجاه هذه الآيات الكونية، كالتقسيم السابق للهدي القرآني تجاهها إلى ثلاثة أقسام رئيسة (3) : (1) سوونن أبي داود- اعتوونى بووه فريووق بيووت الأفكووار ا لدوليووة، دار بيووت الأفكووار الدوليووة، الريوواع -: كتوواح العلووم، بوواح في كتابووة العلووم: 433 بوورقم 3949)، ومسووند الإمووام أحموود: 11/08 بوورقم 9013)، وقووال ايقووق: إسووناده صووحيح. ورواه الحوواكم في مسووتدركه، دار الفكوور، بوويروت، 1368 :1/130-139، وقووال: رواة هووذا الحووديث قوود احووتا بهووم عن آخره م غير الوليد، وأظنه الوليد بن أبي الوليد الشامي فإنه الوليد بن عبد الله، وقد غلبت علوى أبيوه الكنيوة، فوإن كان كذلك فقد احتا مسلم به. وقال الذهبي في تلخيص المستدرك : إن كان الوليد هو ابون أبي الوليود الشوامي فهوو علووى شوورط مسوولم. قووال الألبوواني علووى كوولام الحوواكم : كووذا قووال، وإنمووا هووو الوليوود بوون عبوود الله بوون أبي مغيووث مووولى بوو الدار حجازي، وهو ثقة كما قال ابن معين وابن حبان. انظر : السلسلة الصحيحة: 4/40-49 برقم 1032.) (2) انظوور: مقارنووة بووين أسوولوح الحووديث النبوووي وأسوولوح القوورآن الكووريم لمصووطفى أحموود اللرقووا، مجلووة البحوووث الإسوولامية، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، العدد ( 1)، عام1360 :61-60. (3) انظر: ص 79 من هذا البحث، وسمات الآيات الكونية الواردة في القرآن الكر : 1 .
عدد الصفحات ١٠٦117 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 القسم الأول: الهدي المتعلق بذات الآيات الكونية أولاا : بيان عبودية هذه الآيات الكونية لله وأنها تسبح له. أخبر النبي n عن عبودية هذه الآيات الكونية لربها، وأنها تسبحه وتلبي مع الملبي،عن ابن مسعود z أنه قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يُؤكل(1)، و قال n :«ما من مسلم يلبي إلا لبى ما عن يمينه، أو عن شماله من شجر أو حجر أو مدر حتى تنقطع الأرع من هاهنا وهاهنا»(2)، فهذا إخبار بأن الحجر يلبي تلبية حقيقية ثانياا : الإخبار عن بعض صفاتها وأعمالها. أخبر النبي n عنبعض صفات وأعمال هذه الآيات الكونية، فقال عن جبل أحد: «أحد جبل يحبنا ونحبه»(3) . وأخبر عن حجر كان يسلم عليه قبل مبعثه -عليه الصلا ة والسلام-، فقال : «إ لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن»(4). (1 )سبق تخريجه98. (2) سنن الترمذي،، دار بيت الأفكار الدوليوة، الريواع : كتواح الحوا، بواح موا جواء في فضول التلبيوة والنحور: 104 بورقم (828)، و سنن ابن ماجه،، دار بيت الأفكار الدولية، الرياع : بلفظ" ما من ملب"، كتاح المناسك، بواح التلبيوة : 318 بوورقم 2621)، ورواه الحوواكم في المسووتدرك بلفووظ "مووا موون مووؤمن": 1/401 وقووال: هووذا حووديث صووحيح علووى شرط الشيخين ولم يخرجاه. (3) صحيح البخاري، كتاح المغازي، باح ( 81) :838 برقم 4422.) (4) صوووحيح مسووولم، كتووواح الفضوووائل، بووواح فضووول نسوووب النووو n، وتسوووليم الحجووور عليوووه قبووول النبووووة: 4/1782 بووورقم (2277.)
عدد الصفحات ١٠٧118 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 القسم الثاني: الهدي المتعلق بطريقة السنة في عرضها للآيات الكونية وأسلوب ذكرها وإيرادها. أولاا : استعمال الاستفهام لتقرير الأمور الغيبية المتعلق ة بالآية الكونية. كان من هدي النبي n في التعليم استخدام الاستفهام في بيان المسألة فعن أبى ذر z قال دخلت المسجد ورسول الله n جالس فلما غابت الشمس، قال: «يا أبا ذر هل تدر أين تذهب هذه؟» قال: قلت الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تذهب فتستأذن فى السجود فيؤذن لها، وكأنها قد قيل لها ارجعى من حيث جئت فتطلع من مغربها»(1). ثانياا: ضرح الأمثال بها. فمن أساليب تعليم النبي n ضرح الأمثال في الأمور المهمة بالأمور ايسوسة المعقولة(2) فعن أهريرة z :أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نر ربنا يوم القيامة؟ قال: «هل تضارون(3) في الشمس ليس دونها سحاح؟» قالوا: لا يا رسول الله، قال: «فهل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه حجاح؟» قالوا: لا يا رسول الله، قال: «فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك»... ثم ذكر حشرالناس يوم القيامة، ومن يجوز الصراط ثم قا ل: «وبه كلاليب مثل شوك (1) صحيح مسلم، كتاح الإيمان، باح اللمان الذي لا يقبل فيه الإيمان : 1/136 برقم 106.) (2) انظر: مدار السا لكين: 1/271. (3) بضم أوله وبالضاد المعجمة وتشديد الراء بصيغة المفاعلة من الضرر. أي لا تضرون أحداً ولا يضركم بمنازعة ولا مجادلة ولا مضووايقة. وجوواء بتخفيووف الووراء موون الضووير وهووو لغووة في الضوور أي لا يخووالف بعووض بعضوواً فيكذبووه وينازعووه فيضوويره بذلك. انظر: فتح الباري شرح صحي ح البخاري لابن حجر، تعليق : الشيخ عبد العليل ابن باز وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر: 11/449.
عدد الصفحات ١٠٨119 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 السعدان. أما رأيتم شوك السعدان؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله». ثم ذكر صفة الذين يخرجون من النار من أهل السجود فقال : «فيُخرجونه م قد امتحشوا(1)،فيصب عليهم ماء يقال له ماء الحياة فينبتون نبات الحبة(2) في حميل السيل(3)» الحديث (4). (1) بفتح المثناة والمهملة وضم المعجمة. أي احترقوا وزنه و معناه. انظر: فتح الباري: 1/407. (2) بكسر أوله. قال: الفراء هي بلر البقل البري ، وقال أبو عمرو: نبوت ينبوت في الحشوي ، وقيول: موا كوان في النبوات لوه اسم فواحده حبة بالفتح، وما لا اسم له حبة بالكسر. انظر: فتح الباري: 1/131. (3) هو ما يجيء بوه السويل مون طوين وغويره فعيول بمعونى مفعوول وقيول هوو خواص بموا لم يصوك قطوره ولبعضوهم بوالهملة بودل اللام وهو كالحمأة . انظر: فتح الباري: 1/138. (4) صحيح البخاري، كتاح الرقاق، باح : الصراط جسر جهنم : 1270 برقم 9073.)
عدد الصفحات ١٠٩111 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 القسم الثالث: الهدي المتعلق بالغرض والغاية الذي سيقت لأجله تلك الآيات الكونية. أولاا : التوسل إلى الله k بربوبيت ه لها(1) : كان من هدي النبي n حينما كان يتوجه إلى ربه بالدعاء أن يذكر في دعائه خصائص الربوبية والأسماء والصفات الدالة على توحيد الإثبات والمعرفة ، والتي لها علاقة بدلائل الآيات الكونية؛ لأنها من أعظم الدلائل على وحدانية الله سبح انه، فكان n يدعو عند الكرح فيقول: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رح السماوات والأرع ورح العرش العظيم»(2)، و كان n يفتتح صلاته إذا قام من الليل: «اللهم رح جبرائيل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السماوات والأرع، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهد من تشاء إلى صراط مستقيم»(3). ثانياا: بيان المسائل العقدية عند حدوث التغيرات الكونية. فمن هدي النبي n أن يبين بعض المسائل العقدية عند حصول تغيرات كونية، ويبين السبب في حدوث ذلك. فقد أخبر النبي n عند شدة الحر وشدة البرد أن هذه الشدة منفيح جهنم، فعن أبي هريرة z عن النبي n، قال: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم»، وعنه z قال: قال رسول الله n :«واشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رح أكل بعضي بعضا، فأذن لها بنفسين، نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون (1 )انظر في أحكام التوسل كتاح قاعدة جليليوة في التوسول والوسويلة لشويخ الإسولام ابون تيميوة، التوسول أنواعوه وأحكاموه للشيخ محمد ناصر الدين الألباني. (2) صحيح البخاري، كتاح الدعوات، باح الدعا ء عند الكرح : 1223 برقم 9340.) (3) صحيح مسلم، كتاح صلاة المسافرين وقصرها، باح الدعاء في صلاة الليل وقيامه : 1/34 برقم 773.)
عدد الصفحات ١١٠111 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 من الحر، وأشد ما تجدون من اللمهرير » (1)، إ غير ذلك. ثالثاا : التنبيه على المخالفات العقدية عند حدوث التغيرات الكونية: كان من هدي النبي n الواضح التنبيه على المخالفات العقدية خصوصاً عند وجود مناسبة لذلك، فلما كسفت الشمس في اليوم الذي توفي فيه ابنه إبراهيم، وكان من الاعتقادات في ال اهلية أن كسوف الشمس أو القمر يحصل عند موت عظيم أو حياته و ربط بعض الصحابة هذه الآية بحالة الوفاة، قطع النبي n هذا الاعتقاد من أصله، فقال: «الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكنهما آيتان من آيات الله فإذا رأيتموهما فصلوا»(2) . رابعاا: الأمر بالتوجه والتعلق بالله k عند حدوث تغيرات كونية فعند حصول أي تغير في هذه الآيات الكونية نجد أن الرسول n يحث أمته على التوجه إلى الخالق والتعلق به، مع بيانه أن هذه الآيات مربوبة مخلوقة يتصرف الله فيها كيف يشاء. ففي أحاديث الكسوف يأمر n بالإسراع إلى الصلاة والتوجه إلى الله سبحانه، وأن الرمين السماويين الذي ينتا عنهم أثر الخسوف والكسوف ما هي إلا مأمورة بأمر خالقها تؤدي ما وجب عليها من فعل وليس لها تأثير في حياة أو موت وإنما ايي والمميت هو خالقها سبحانه، ولذلك جاء في الحديث السابق: «فإذا رأيتم – يع الكسوف- فصلوا وادعوا الله» . خامساا: الخوف والوجل من الله k عند حدوثالتغييرات الكونية. فقد كانت حاله n بخلاف حال الناس، من الخوفمن الله حتى يعرف ذلك من فعله وحاله، فلما كسفت الشمس قام فلعاً يخشى أن تكون الساعة(3) . وعن عائشة x زو النبي n قالت: ما رأيت رسول الله n ضاحكا حتى أر (1) صحيح البخاري، كتاح مواقيت الصلاة، باح الإبراد بالظهر في شدة الحر : 122 برقم 034،037.) (2) صحيح البخاري، كتاح الكسوف، باح لا تنك سف الشمس لموت أحد ولا حياته : 211 برقم 1307 .) (3) صحيح البخاري، كتاح الكسوف، باح الذكر في الكسوف : 211 برقم 1306.)
عدد الصفحات ١١١112 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 منه لهواته، إنما كان يبتسم، قالت: وكان إذا رأ غيما أو ريحا عرف في وجهه ، قالت: يا رسول الله، إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية؟ فقال: «يا عائشة ما يؤمن أن يكون فيه عذاح؟ عذح قوم بالريح ، وقد رأ قوم العذاح فقالوا: ﮋ ﮍ ﮎ ﮏ ﮊ (1)» (2). (1) الأحقاف: 24. (2) صووووووحيح البخوووووواري، كتووووووواح التفسووووووير، بوووووواح قولوووووووه تعووووووا : ﮋ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮊ: 648 بووووووورقم (4828 .)
عدد الصفحات ١١٢