المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الآيات الكونية دراسة عقدية

عبد المجيد بن محمد الوعلان

صفحة ٥ من ٤٤

65 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 المطلب الخامس: عبودية الكائنات لرب العالمين الله k هو خالق كل شيء وربه ومليكه، وهذه الربوبية للمخلوقاته على نوع : ربوبية عامة، وربوبية خاصة. قال ابن سعدي t في بيان أنواع ربوبية الله لمخلوقاته : " كثر في القرآن ذكر ربوبية الرح لعباده ومتعلقاتها ولوازمها . وهي على نوعين: ربوبية عامة: يدخل فيها جميع المخلوقات: برها وفاجرها ؛ بل مكلفوها وغير المكلفين، حتى المادات. وهي أنه تعالى المنفرد بخلقها ورزقها وتدبيرها، وإعطائها ما تحتاجه أو تضطر إليه في بقائها، وحصول منافعها ومقاصدها فهذه التربية لا يخر عنها أحد. والنوع الثاني: في تربيته لأصفيائه وأوليائه، فيربيهم بالإيمان الكامل، ويوفقهم لتكميله ويُكملهم بالأخلاق الميلة، ويدفع عنهم الأخلاق الرذيلة، وييسرهم لليسر ويجنبهم العسر . وحقيقتها : التوفيق لكل خير، والحفظ من كل شر، وإنالة ايبوبات العاجلة والآجلة، وصرف المكروهات العاجلة والآجلة. فحيث أُطلقت ربوبيته تعالى فإن المراد بها المعنى الأول، مثل قوله تعالى: ﮋ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﮊ (1)، وقوله تعالى: ﮋ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﮊ (2)، ونحو ذلك. وحيث قُيدت بما يحبه ويرضاه، أو وقع السؤال بها من الأنبياء وأتباعهم، فإن المراد بها النوع الثاني. وهو متضمن للمعنى الأول وزيادة . ولهذا تجد أسئلة الأنبياء وأتباعهم في القرآن بلفظ الربوبية غالباً، فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوب يته الخاصة"(3). هذا من جهة ربوبية الله لمخلوقاته، أما من جهة عبودية المخلوقات k فهي أيضاً (1 )الفاتحة: 2. (2 )الأنعام: 194. (3) القواعد الحسان: 83،وانظر: العبودية لشويخ الإسولام ابون تيميوة، تحقيوق: محمود زهوير الشواوي ، المكتوب الإسولامي، بيروت، ط2 :7-02.

عدد الصفحات ٦٥

66 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 على نوع: عبودية عامة، وعبودية خاصة. قال ابن القيم t في بيان انقسام العبودية إلى عامة وخاصة : " العبودية نوعان: عامة وخاصة ، فالعبودية العامة عبودية أهل السماوات و الأرع كلهم لله برهم وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم فهذه عبودية القهر والملك، قال تعالى: ﮋ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﮊ (1)،فهذا يدخل فيه مؤمنهم وكافرهم (2)... وأما النوع الثاني فعبودية الطاعة وايبة وإتباع الأوامر، قال تعالى: ﮋ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮊ(3)، وقال تعالى: ﮋ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﮊ(4) ... فالق كلهم عبيد ربوبيته ، وأهل طاعته وولايته هم عبيد إلهيته"(0). فدل ما سبق على أن للعبودية معنى عام ا وهو: القهر والتسخير، وهو يشمل جميع الكائنات كلها، ومعنى خاص ا وهو: الطاعة وايبة والإتباع، وهو يشمل أهل طاعة الله وولايته. وهذا الكون الواسع بما فيه من الكائنات كلها يخضع لخالقه وباريه ويؤدي عبوديته له (1) مر: 88-63. (2) انظر: العبودية: 134. (3 )اللخرف : 98. (4 )اللمر: 17-18. (0) موودار السووالكين بووين منووازل إيوواك نعبوود وإيوواك نسووتعين لابوون القوويم، تحقيووق : محموود حاموود الفقووي، دار الرشوواد الحديثووة، الدار البيضاء: 1/130.

عدد الصفحات ٦٦

67 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 سبحانهوقد جاء في النصوص الشرعية ما يدل على دخول الكائنات - غير الإنسان- في المعنى الخاص للعبودية، كال طاعة والسجود والتسبيح والاستغفار والإسلام والإشفاق والخشوع وسماع الأذان وشهادتها للمؤذن يوم القيامة وغيرها (1)،وذلك بما أودعه الله فيها من الإدراك والتمييل. قال تعالى: ﮋ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﮊ(2). قال ابن جرير t :" قال الله للسماء والأرع: جيئا بما خلقت فيكما، أما أنت يا سماء فأطلعي ما خلقت فيك من الشمس والقمر والنجوم، وأما أنت يا أرع فأخرجي ما خلقت فيك من الأشجار والثمار والنبات، وتشق ق ي عن الأنهار ﴿ ﯮ ﯯ ﯰ ﴾ جئنا بما أحدثت فينا من خلقك، مستجيبين لأمرك لا نعصي أمرك "(3). وقال تعامخبراً عن سجود الكائنات: ﮋ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮊ(4) . فأثبت الله السجود لهذه الكائنات، ولكن لا نعلم كيفيته، ولا يللم أن سجودها على سبعة أعضاء كسجود المسلمين، إذ سجود كل شيء بحسبه. قال ابن كثير t :"يخبر تعا أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فإنه يسجد (1) انظر: رسوالة في قنووت الأشوياء كلهوا لله تعوالى لشويخ الإسولام ابون تيميوة، ضومن جوامع الرسوائل لابون تيميوة، المجموعوة الأولى، تحقيق: محمود رشواد سوالم، دار العطواء، الريواع، ط 1 :3 وموا بعودها، وعبوديوة الكائنوات لورح العوالمين لفريود إسماعيل التوني، مكتبة الضياء، جدة، ط1 :244 وما بعدها (2) فصلت: 11. (3) تفسير الطبري: 24/114، وانظر: تفسير ابن كثير : 4/131. (4) الحا: 18.

عدد الصفحات ٦٧

68 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 لعظمته كل شيء طوعا وكرها وسجود كل شيء مما يختص به"(1). وقال تعالى: ﮋ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮊ(2). قال ابن كث t :"يقول تعالى: تقدسه السماوات السبع والأرع ومن فيهن، أي من المخلوقات، وتنلهه وتعظمه وتج ل ه وتكبره عما يقول هؤلاء المشركون، وتشهد له بالوحدانية في ربوبيته وإلهيته. ...وقوله: ﴿ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﴾ أي وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد الله ﴿ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﴾ أي لا تفقهون تسبيحهم أيها الناس؛ لأنها بخلاف لغتكم. وهذا عام في الحيوانات والنبات والماد(3)،... كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود z أنه قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يُؤكل(4)"(0). وأما الإسلام، فقد قال تعالى : ﮋ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﮊ(9). قال ابن تيمية t :"فذكر إسلام الكائنات طوعا وكرها لأن المخلوقات جميعها متعبدة له التعبد العام، سواء أقر المقر بذلك أو أنكره ، وهم مدينون له مدبرون، فهم مسلمون له طوعا وكرها ليس لأحد من المخلوقات خرو عما شاءه وقدره وقضاه، ولا حول ولا قوة إلا به، وهو رح العالمين ومليكهم يصر فهم كيف يشاء، وهو خالقهم كلهم وبارئهم ومصورهم ، (1) تفسير ابن كث : 3/223. (2) الإسراء : 44. (3) انظر: رسالة في قنوت الأشياء كلها لله : 1/4، وعبو دية الكائنات لرح العالمين: 234. (4) صحيح البخاري ، كتاح المناقب، باح علامات النبوة : 980 برقم (3076). (0) تفسير ابن كث : 3/40 باختصار. (9) آل عمران : 83.

عدد الصفحات ٦٨

69 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 وكل ما سواه فهو مربوح مصنوع مفطور فقير محتا معب د مقهور، وهو سبحانه الواحد القهار الخالق البارئ المصور"(1). وأما القنوت، فقال تعالى: ﮋ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﮊ(2). والمقصود أن هذه الآيات تؤكد أن جميع المخلوقات، الحيوانات منها والنباتات، ناط قها وجامدها، تسبح الله وتمجده وتقدسه وتصلي له وتوحده (3). وهذه العبادة من هذه المخلوقات آية من آيات الله العظيمةحين يتصور القلب أن كل حصاة وكل حجر ، و كل حبة وكل ورقة ، و كل زهرة وكل ثمرة ، و كل نبتة وكل شجرة ، و كل حيوان وكل إنسان ، و كل دابة على الأرع وكل سابحة في الماء والهواء، وكل سكان الأرع والسماء، كلها تسبح الله وتتوجه إليه في علاه. ولقد أنكر هذه العبودية طائفة من الناس بحجة أن هذه الكائنات لا تعقل ولا تدرك وليس لها أي عبودية للهk، وما ورد في النصوص من سجود هذه الكائنات أو تسبيحها أو نحو ذلك اضطر إلى القول فيها بالتأويل(4) أو المجاز(0). فقالوا عن سجود الشمس قوله تعالى: ﮋ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ (1) العبودية: 134. (2) الروم: 29. (3) انظووور: تفسوووير ابووون كثوووير : 4 /332،333،344،307،393،374، ورسوووالة في قنووووت الأشوووياء كلهوووا لله تعوووا لابن تيمية: 3. (4) المراد به هنا : صرف اللفظ من الاحتمال الراجح إلى الاحتموال المرجووح. انظور : التعريفوا ت: 112، ومجمووع الفتواو : 0/30،13/288، ومختصوور الصووواعق المرسوولة لابوون القوويم اختصووره محموود بوون الموصوولي، تحقيووق : الحسوون العلوووي، دار أضواء السلف، الرياع، ط 1 :1/22. (0) المجووواز: اسوووم لموووا أريووود بوووه غوووير موووا وضوووع لوووه لمناسوووبة بينهموووا. انظووور : التعريفوووات : 283، أسووورار البلاغوووة في علوووم الب يوووان للجرجوواني، تحقيووق : محموود رشوويد رضووا وأسووامة صوولاح الوودين منيمووة، دار إحيوواء العلوووم، بوويروت، ط 1 :437-438، ومختصر الصواعق المرسلة : 2/963 .

عدد الصفحات ٦٩

71 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮊ (1) :أن الذي يسجد هو الملك الموكل بها، وتأويل السجود بدلالة تلك الموجودات على أنها مسخرة بخلق الله، فأستعير السجود لحالة التس خير والانقياد. وعن تسبيح البال في قوله تعالى: ﮋ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮊ (2)، أن البال لم تسبح ولم تردد مع داود p، إنما الأمر أن البال كانت تمشي مع داود p فكان كل من ر آها كذلك سبح، إلى غير ذلك من التأويلات الباطلة(3). والقول بالمجاز وتأويل النصوص الشرعية على غير مرادها مخالف لهدي السلف الصالح بل فيه محادة لله تعالى ورسوله في نفي آيات الله تعالى المنللة وتعطيل معناها. ومخالف لما يجب أن يكون عليه المؤمنون تجاه النصوص الشر عية، حيث إنهم مأمورون بالتسليم لها والإيمان بها وعدم الخوع في الكيفية ما دام قد ثبت صحة النص، قال تعالى: ﮋ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﮊ (4)، و قال تعالى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﮊ (0). والآيات في هذا المع كثيرة. (1) الحا: 18. (2) سبأ: 13. (3) انظر: زاد المسير في علوم التفسوير لابون الووزي، المكتوب الإسولامي، بويروت، ط 4،: 4 /316،403-404، وأنووار التنليل وأسورار التأويول المعوروف بتفسوير البيضواوي، تحقيوق : محمود المرعشولي، دار إحيواء الوتراث العوربي، بويروت، ط 1 : 4/96،243، ومفووووردات ألفوووواظ القوووورآن للراغووووب الأصووووفهاني، تحقيووووق : صووووفوان داودي، دار القلووووم، دمشووووق، ط2 : 363،369 . (4) النور: 01. (0) الأحلاح : 39.

عدد الصفحات ٧٠

71 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 قال البغوي(1) t :" ومذهب أهل السنة أن لله علما في المادات وسائر الحيوانات سو العقلاء لا يقف عليه غيره، ولها صلاة وتسبيح وخشية كما قالk: ﮋﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮊ (2)، و قال تعالى: ﮋ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﮊ (3)، وقال تعا: ﮋ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮊ (4)،فيجب على المرء الإيمان به ويكل علمه إلى الله تعالى"(0). وقال ابن تيمية t في الرد على من فسر السجود والتسبيح بنفوذ مشيئة الرح وقدرته فيها ودلالتها على الصانع فقط : " و أما تفسير سجودها وتسبيحها بنفوذ مشيئة الرح وقدرته فيهما ودلالتها على الصانع فقط فالاقتصار على هذا باطل؛ فإن هذا وصف لازم دائم لها لا يكون في وقت دون وقت، وهو مثل كونها مخلو قة محتاجة فقيرة إلى الله تعالى وعلى هذا فالمخلوقات كلها لا تلال ساجدة مسبحة، وليس المراد هذا فإنه قال تعالى: ﮋ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﮊ (9). وقال: ﮋﯠ ﯡ (1) هو أبومد الحسين بن مسعود الفراء البغوي الشافعي ، من مؤلفاته: معوالم التنليول، وشورح السونة، والأنووار في شمائول النبي المختار، توفي سنة 019 . انظر: سير أعلام النبلاء: 16 /436، وشذرات الذهب : 4/48. (2 )الإسراء : 44. (3 )النور: 41. (4 )الحا: 18. (0) تفسير البغوي: 1/99. (9) ص: 18-16.

عدد الصفحات ٧١

72 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 ﯢ ﯣ ﯤ ﮊ (1)، فقد أخبر سبحانه وتعالى عنه أنه يعلم ذلك، ودلالتها على الرح يعلمه عموم الناس"(2). فبt :"أن دلالتها على الصانع فقط والاقتصار عليه باطل، وذلك لأن الدلالة لا تكون في وقت دون وقت، فإن الله أخبر عن البال أنها تسبح مع داود p بالعشي والإشراق، ولو كان المراد الدلالة على الصانع لكان ذلك في كل وقت "... ثم ذكر t أن الله ذكر أن سجودها يكون طوعاً وكرهاً، ولو كان متعلقاً بانفعالها لمشيئة الرح وقدرته فإن ذلك لا ينقسم إلى طوع وكره، فقال : "وأيضا فإنه قسم السجود إلى طوع وكر ه، وانفعالها لمشيئة الرح وقدرته لا ينقسم إلى طوع وكره ، ولا يوصف ذلك بطوع منها ولا كره ؛ فإن دليل فعل الرح فيها ليس هو فعل منها ألبتة. والقرآن يدل على أن السجود والتسبيح أفعال لهذه المخلوقات، وكون الرح خالقا لها إنما هو كونها مخلوقة للرح ليس فيه نسبة أمر إليها، يبين ذلك أنه خص الظل بالسجود بالغدو والآصال، والظل متى كان وحيث كان مخلوق مربوح "(3). ثم بt أن كونها ساجدة مسبحة " آية دالة وشاهدة للخالق تعالى بصفاته لكونها مفعولة له، وهذا معنى ثابت في المخلوقات كلها لازم لها، وهي آيات للرح بهذا الاعتبار، وهي شواهد ودلائل وآيات بهذا الاعتبار؛ لكن ذاك معنى آخر، كما يفرق بين كون الإنسان مخلوقا وبين كونه عابدا لله، فهذا غير هذا، هذا يتعلق بربوبية الرح له، وهذا يتعلق بتألهه وعبادته للرح " (4). وقال أيضاً في الرد على من قال يللم لسجودها أن يكون لها سبعة أعضاء، ووضع البهة على الأرع: " ولا يجب أن يكون سجود كل شيء مثل سجود الإنسان على سبعة أعضاء (1) النور: 41. (2) رسالة في قنوت الأشياء كلها لرح العا : 1/43. (3) المصدر السابق: 1/44. (4) المصدر السابق: 1/44.

عدد الصفحات ٧٢

73 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 ووضع جبهة في رأس مدور على التراح؛ فإن هذا سجود مخصوص من الإنسان ومن الأمم من يركع ولا يسجد، وذلك سجودها كما قال تعالى: ﮋ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﮊ (1)،وإنما قيل ادخلوه ركعا . ومنهم من يسجد على جنب كاليهود، فالسجود اسم جنس ولكن لما شاع سجود الآدميين المسلمين صار كثير من الناس يظن أن هذا هو سجود كل أحد"(2). وقال ابن القيمt في الرد على من قال أن تسبيح الشجر وورقه هو دلالته على صانعه فقط، بعد أن بين الحكمة في خلقها وأنها ساجدة لله مسبحة بحمده: " وكلها ساجدة لله مسبحة بحمده، قال تعالى: ﮋ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮊ (3)، ولعلك أن تكون ممن غلظ حجابه فذهب إلى أن التسبيح دلالتها على صانعها فقط، فاعلم أن هذا القول يظهر بطلانه من أكثر من ثلاثين وجها قد ذكرنا أكثرها في موضع آخر، وفي أي لغة تسمى الدلالة على الصانع تسبيحا وسجودا وصلاة وتأويبا وهبوطا من خشيته، كما ذكر تعالى ذلك في كتابه فتارة يخبر عنها بالتسبيح وتارة بالسجود وتارة بالصلاة، كقوله تعالى: ﮋﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﮊ (4)، افتر يقبل عقلك أن يكون معنى الآية قد علم الله دلالته عليه، وسمى تلك الدلالة صلاة وتسبيحا، وفرق بينهما وعطف أحدهما على الأخر، وتارة يخبر عنها بالتأويب، كقوله: ﮋ ﮊ ﮋ ﮌ ﮊ (0)، وتارة يخبر عنها بالتسبيح الخاص بوقت دون وقت كالعشى والإشراق، أفتر دلالتها على صانعها إنما يكون في هذين الوقتين، وبالملة فبطلان هذا القول اظهر لذوي البصائر من أن يطلبوا دليلا على بطلانه والحمد (1 )البقرة : 08. (2) المصدر السابق: 1/27-28. (3) الإسراء : 44. (4 )النور: 41. (0 )سوبأ: 13.

عدد الصفحات ٧٣

74 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 لله"(1). (1) مفتاح دار السعادة: 1/347-348.

عدد الصفحات ٧٤

75 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 المبحث الثاني الهدي القرآني والنبوي تجاه الآيات الكونية وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: الهدي القرآني تجاه الآيات الكونية. المطلب الثاني: الهدي النبوي تجاه الآيات الكونية. المطلب الثالث: تأييد الله لأنبيائه بالآيات الكونية. المطلب الرابع: الآيات الكونية وأركان الإسلام.

عدد الصفحات ٧٥

76 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 المطلب الأول: الهدي القرآني تجاه الآيات الكونية إن تناول القرآن لحقائق الكون ومشاهده، ودعوته إلى النظر في ملكوت السماوات والأرع والأنفس، لا يُراد منه إلا مخاطبة العقول والفطر البشرية، وتوجيه عامة الناس وخاصتهم إلى مكان العظة والعبرة، ولفتهم إلى آيات قدرة الله وحكمته ودلائل وحدانيته، من جهة ما لهذه الآيات والمشاهد من روعة في النفس وجلال في القلب، لا من جهة ما لها من دقائق النظريات وضوابط القوانين (1). فالآيات الكونية التي يتحدث عنها القرآن الكريم تتميل بأنها حقائق ضخمة، وخلق عظيم، لا يقدر قدرها إلا الذي أبدعها وخلقها سبحانه وبحمده، وقد أراد الله تعالى أن تكون تلك الآيات الكونية شواهد حق على صدق القرآن الكريم، وبراهين صدق على المبلغ له. ولهذا نجد أن للقرآن الكريم الهد ي الواضح تجاه هذه الآيات الكونية، ويمكن تقسيم ذلك إلى ثلاثة أقسام رئيسة (2) : (1 )انظر: الموافقات لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي، تحقيق : مشهور حسن آل سلمان، دار ابن القيم، الودمام، ط1 :2/131 وما بعدها، والتفسير والمفسرون: 2/463. (2) انظر: سمات الآيات الكونية الواردة في القرآن الكريم : 1.

عدد الصفحات ٧٦

77 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 القسم الأول: الهدي المتعلق بذات الآيات الكونية أولاا : بيان عجلها عن التصرف. إن من الهدي القرآني تجاه الآيات الكونية أن يبين عجلها، وأنها لا تملك لنفسها ولا لغيرها شيئاً (1)، للاستدلال بذلك على إثبات وجود الله، وتقرير وحدانيته وعظمته وقدرته، قال تعالى: ﮋ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮊ (2). قال إبراهيم p في مناظرته لقومه مبيناً عجل هذه الآلهة التي تدعى من دون ا: ﮋ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﮊ (3). قال ابن كث t :" وب – يع إبراهيم p - في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل، وهي الكواكب السيارة السبعة المتحير ة... فبين أولاً أن هذه اللهرة لا تصلح (1) انظر: مناهل العرفان في علوم القرآن يمد بن عبد العظيم اللرقاني، تحقيق : فوواز زموري، دار الكتواح العوربي، بويروت، ط3 :2/279. (2) فاطر: 13. (3) الأنعام: 70-76.

عدد الصفحات ٧٧

78 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 للإلهية؛ لأنها مسخرة مقدرة بسير معين، لا تليغ عنه يمينًا ولا شمالا ولا تملك لنفسها تصرفا، بل هي جرم من الأجرام خلقها الله منيرة، لما له في ذلك من الحكم العظيمة، وهي تطلع من المشرق، ثم تسير فيما بينه وبين المغرح حتى تغيب عن الأبصار فيه، ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال. ومثل هذه لا تصلح للإلهية. ثم انتقل إلى القمر فبين فيه مثل ما بين في النجم. ثم انتقل إلى الشمس كذلك. فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار، وتحقق ذلك بالدليل القاطع ﴿ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﴾"(1). فالمعبود لا بد أن يكون قائماً بمصالح من عبده، ومدبرا له في جميع شؤونه، فأما الذي لا يستطيع أن يفعل ذلك، فمن أين يستحق العبادة؟(2). ثانياا: الاستدلال بانتظامها وحركتها على وجوح إفراده بال عبادة، كما قال تعالى : ﮋ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﮊ (3)، فالله الذي بعلته دبر هذه المخلوقات العظيمة، بأكمل تدبير، وأحسن نظام، و هذا دليل ظاهر على عظمة الخالق، وعظمة أوصافه، وأنه ليس مع ه آلهة أخر ؛ ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون(4). ثالثاا: بيان خلق الله وتقديره وهدايته لها، قال تعالى : ﮋ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮊ (0)، وقال تعا: ﮋ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ (1) تفسير ابن كث : 2/109-107. (2) انظر: تفسير ابن سعدي: 1/489. (3) يس: 37-43. (4) انظر: تفسير الطبري: 23 /6-13، تفسير البغوي: 3/943، تفسير ابنسعدي: 3/1403. (0 )الأعلى: 1-3.

عدد الصفحات ٧٨

79 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 ﰖﮊ (1). فالله هو الذي خلق كل شيء فسواه، فأكمل صنعته، وبلغ به غاية الكمال الذي يناسبه. وقدر لكل مخلوق وظيفته وغايته فهداه إلى ما خلقه لأجله. قال ابن سعدي t :" يأمر تعالى بتسبيحه المتضمن لذكره وعبادته، والخضوع للاله، والاستكانة لعظمته، وأن يكون تسبيحا، يليق بعظمة الله تعالى، بأن تذكر أسما ه الحسنى العالية على كل اسم بمعناها الحسن العظيم، وتذكر أفعاله التي منها أنه خلق المخلوقات فسواها، أي أتقنها وأحسن خلقها، ﴿ ﮨ ﮩ ﴾ تقديرًا، تتبعه جميع المقدرات ﴿ ﮪ ﴾ إلى ذلك جميع المخلوقات. وهذه الهداية العامة التي مضمونها أنه هد كل مخلوق لمصلحته"(2). رابعاا: بيان خضوعها للهk. أخبر اk في آيات كثيرة عن خضوع هذه الآيات الكونية له، طوعاً وكرهاً، قال تعالى: ﮋ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﮊ (3). وقال تعا: ﮋ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﮊ (4). فجميع ما خلقه في السماوات وما دح على الأرع ومشى على ظهرها من مخلوقات (1) طوه: 03. (2) تفسير ابن سعدي: 4/1606، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم: 7 /2424-2420، وتفسير القرط: 23/10. (3 )النحل: 48-46. (4 )فصلت: 11.

عدد الصفحات ٧٩

81 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 كلها خاضعة لربها، تسجد له ﴿ ﭵ ﭶ ﴾(1). خامساا: بيان موافقتها للفطرة. إذا تدبر الإنسان كتاح الله سبحانه وتعالى وسنة نبيه n وجد أن ا k قد أنلل الوحي موافقا للفطرة ، والواقع ايسوس، لا يستطيع أن ينكر ذلك إلا مكابر قال تعالى: ﮋﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠﮊ (2). قال ابن القيمt :"وتأمل حال العالم كله علوية وسفلية جميع أجلائه تجده شاهدا بإثبات صانعه وفاطره ومليكه، فإنكار صانعه وجحده في العقول والفطر بمنللة إنكار العلم وجحده لا فرق بينهما، بل دلالة الخالق على المخلوق والفعال على الفعل والصانع على أحوال المصنوع عند العقول اللكية المشرق ة العلوية والفطر الصحيحة أظهر من العكس. فالعارفون أرباح البصائر يستدلون بالله على أفعاله وصنعه إذا استدل الناس بصنعه وأفعاله عليه، ولا ريب أنهما طريقان صحيحان كل منهما حق والقرآن مشتمل عليهما"(3). ومن رحمة الله سبحانه وتعالى بهذا المخلوق أن وضع الدلائل ا لمساندة للفطرة والموضحة له الطريق الصحيح في السلوك لما يريده خالقه منه، وأعقب ذلك بإرسال الرسل u بالوحي لليادة التوضيح والبيان لكيفية سلوك هذا الطريق فجاءت معاني النصوص ودلالاتها موافقة لما في الكون من الآيات والحقائق. قال تعالى: ﮋ ﮱ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚﯛ ﮊ (4) . قال ابن كث t :"بريخ تعا عما دار بين الكفار وبين رسلهم من المجادلة، وذلك (1) انظر: العبودية: 134، وتفسير ابن كث : 3/40، وتفسير ابن سعدي: 2/829. (2) الأنعام: 33. (3) مدار السالك : 1/06-93. (4) إبراهيم : 13.

عدد الصفحات ٨٠