المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الآيات الكونية دراسة عقدية

عبد المجيد بن محمد الوعلان

صفحة ١٠ من ٤٤

145 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 قال تعا: ﮋ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﮊ (1)، وقال تعا: ﮋﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﮊ (2)،تلك هي مهمة القرآن الأصلية، وقد وضحت سبل الهداية فيه: في عقائده وتشريعاته، وكانت مظاهر القدرة في الآيات الكونية فيه وسيلة من وسائل الاحتجا للحق الذي جاء به(3). قال ابن القيم t :" ولهذا كان أكمل الأمم علما أتباع الرسل وإن كان غيرهم أحذق منهم في علم الرمل والنجوم والهندسة... ونحوها من العلوم التي لما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بها وآثروها على علوم الرسل وما جاءوا به، وهي كما قال الواقف على نهاياتها الواصل إلى غاياتها: وهي بين ظنون كاذبة - وإن بعض الظن إثم - وبين علوم غير نافعة، نعوذ بالله من علم لا ينفع ، وإن نفعت فنفعها بالنسبة إلى علوم الأنبياء كنفع العي العاجل بالنسبة إلى الآخرة ودوامها" (4). فإشارة القرآن لبعض هذه المسائل المرتبطة بالعلوم التجريبية لم يكن هو المقصد الأول، ولم ينو ل ل القرآن من أجلها، أما المعلومات الدنيوية بما فيها العلوم التجريبية فإنها تجيء مرتبطة بالدلالة على حكم عقدي أو شرعي ، فهي جاءت تبعًا وليس أصالةً؛ أي أن القرآن لم يقصد أن يذكرها على أنها حقيقة علمية مجردة، بل ليستدل بها مثلا: على توحيد الله وأحقيته بالعبادة، أو على حكم تشريعي، أو على إثبات اليوم الآخر، أما أهل العلم الحديث فهي مقصدهم الأول(0). (1 )الإسراء : 6. (2 )إبراهيم : 1. (3 )عنايوووة المسووولمين بوووإبراز وجووووه الإعجووواز في القووورآن الكووور : 133، ومنووواها البحوووث في العقيووودة الإسووولامية في العصووور الحاضر: 147. (4) الصواعق المرسلة : 3/870-879، باختصار (0 )انظر: نقد ما يسمى بالتفسير العلمي للقرآن : 10.

عدد الصفحات ١٤٥

146 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 ثانياا: لا توجد آية كونية ورد الإشارة إليها في كتا ح الله، إلا وهي مدركة لميع المخاطبين بها، يستوي في ذلك المتقدمون والمتأخرون، فالمتقدمون قد فهموا المراد بها على نحو ما انتهى إليه علمهم، وأدركوا دلالتها على ما سيقت له، وإنما حصل للمتأخرين زيادة في معرفة التفاصيل، ولعل مما يشبه ذلك معرفتنا اليوم بمعاني الآ يات التي تتحدث عن أهوال يوم القيامة، ثم مشاهدتها على الواقع حين حصولها، فمعرفتنا اليوم بالمعاني كمعرفة الرسول n بتلك المعاني، ومعرفتنا يوم نر الواقع كمعرفة العلماء اليوم (1). أما العلم الحديث فإن القضايا العلمية التي يفسرها لا يدركها إلا الخواص من الناس، ولا يوصل إليها إلا بالمراس . ثالثاا : أنه ليس هناك تعارع أو تناقض بأي حال، ولا من أي نوع بين أي نص قرآني صريح في دلالته، وبين أي حقيقة علميه بلغت يقين المعاينة، والمشاهدة، ضرورة أن خالق الكون سبحانه هو منلل القرآن الكريم، ولن يكون تناقض أبدا بين قول الله تعا لى وبين خلقه ﮋ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮊ (2)، أما العلم الحديث فإن ما أثبته بالأمس نقضه اليوم، وما يثبته اليوم سينقضه بالغد. رابعاا : أن بعض الحقائق التي وردت في القرآن والسنة لا يم كن أن تدخل تحت العلم التجريبي (3)، مثل خلق الكون، والإنسان، والأمور المستقبلية الغيبية مما يحدث للكون عند قيام الساعة(4). خامساا: القرآن يقرر القضية حقيقة حيث كانت وانتهت، وهي حقائق قطعية، فهو تقرير من العليم بأسرارها ، الخبير بدقائقها، اييط بعلومها ومعارفها : ﮋ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ (1) انظر: منها الاستدلال بالمكتشفات العلمية على النبوة والربوبية : 332. (2 )اعراف : 04. (3) انظر: قضية الإعجاز العلمي بين المؤيد والمعارع: 38، ومناها البحث العلمي: 131-132، وصراع مع الملاحدة حتى العظم: 32. (4) انظر: مناها البحث في العقيدة: 333، وكبر اليقينيات الكونية : 220.

عدد الصفحات ١٤٦

147 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 ﭡ ﭢﮊ (1). أما العلم التجريبي فهو يبدأ في البحث عنها من البداية حتى يصل إلى الحقيقة العلمية، فهو علم احتماي في حقائقه وقوانينه(2). سادساا: ما ذكر في القرآن من حقائق وفق سنن كونية معينة فإن الله قادر على تغييرها إذ شاء، أما أهل العلم التجريبي المعاصر فإنهم ينكرون ذلك (3). سابعاا: ظن بعضهم أن مواءمة القرآن للعلم التجريبي لا تتحقق إلا بتتبع جلئيات الحقائق العلمية وأفرادها وربطها بالإشارات القرآنية، مع أن مواءمة القرآن للعلم التجريبي متحققة بالمنها العلمي الاستدلاي وطريقة التفكير النق دي التي يقررها القرآن، ويشهد على ذلك انسجام القضايا الكلية الكبر في القرآن مع معطيات المنها العلمي المعاصر(4)، وقبل ذلك استدلال القرآن على المشركين وإللامهم بما تدل عليه هذه الآيات الكونية من توحيد الربوبية المستللم لتوحيد الألوهية (0). ثامناا: وسائل المعر فة في القرآن متعددة، أما أصحاح المنها التجريبي فإنهم يحصرون المعرفة بالتجارح، فكل معرفة حقة عندهم مرتبطة بالتجارح، بحيث يمكن فحصها أو إثباتها بصورة مباشرة أو غير مباشرة (9)، مع أن الحقائق التي يمكن مشاهدتها والتي يمكن عمل التجارح عليها قليلة(7). تاسعاا: القرآن يذكر القضية العلمية مجملة غير مفصلة في الغالب، أما العلم التجريبي فينحو إلى تفصيل القضية العلمية(8). (1 )الملك14. (2) انظووور: منووواها البحوووث العلموووي: 144، الإسووولام يتحووود: 143، منووواها البحوووث في العقيووودة الإسووولامية في العصووور الحاضر: 103. (3) انظر: البراهين العلمية على صحة العقيدة الإسلامية: 233. (4) انظر: كبر اليقينيات الكونية: 34. (0) انظر: منها الاستدلال بالمكتشفات العلمية على النبوة والربوبية : 263. (9) الإسلام يتحد: 29. (7) المرجع السابق : 47. (8) انظر: نقد ما يسمى بالتفسير العلمي للقرآن : 10.

عدد الصفحات ١٤٧

148 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 المطلب الثاني المقصد من إشارة القرآن لبعض الآيات الكونية المرتبطة بالعلوم التجريبية قد كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أعلم بالقرآن و بعلومه وما أُودع فيه من غيرهم، وكان كلامهم في القرآن عن ما ثبت فيه من أحكام التكاليف، وأحكام الآخرة، وما يتبع ذلك، ولم يكن لهم خوع في تفاصيل الآيات الكونية المرتبطة بالعلوم التجريبية، ولا يع هذا أنهم كانوا لا يعرفونها ولا يتأملون فيها، لا؛ بل إنهم لا يتو سعون في ذلك(1)؛لأن تناول القرآن لحقائق الكون ومشاهده، ودعوته إلى النظر في ملكوت السموات والأرع وفى الأنفس، لا يُراد منه إلا التدبر والتفكر في هذه الآيات، وتوجيه عامة الناس وخاصتهم إلى مكان العظة والعبرة، ولفتهم إلى آيات قدرة الله ودلائل وحدانيته فيها (2)، ويثبت له بالحجا الواضحة قدرة الله و وجوده ووحدانيته (3). وهذا هوالمقصد من إشارة القرآن لبعض الآيات الكونية المرتبطة بالعلوم التجريبية ليعمل الإنسان فكره وعقله في الآيات الكونية فيقوده ذلك إلى إفراد الله بالعبادة (4). قال تعا: ﮋ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮊ (0)،وقال تعالى: ﮋ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﮊ (9). فهو يجعل تلك العلوم الكونية من موضوعه فهو كتاح هداية وإعجاز، و إذا ذكر فيه (1) انظر: الموافقوات: 2/127، قضوية الإعجواز العلموي بوين المؤيود والمعوارع: 33، والمعجولة القرآنيوة – الإعجواز العلموي والغيبي: 13،147، الإعجاز العلمي في القرآن : 49-47. (2) انظر: التفسير والمفسرون: 2/463، والمعجلة العلمية في القرآن والسنة : 40. (3) انظر: البراهين العلمية على صحة العقيدة الإسلامية: 239، والإعجاز العلمي في القرآن : 16. (4) انظر: الآيات الكونية في ضوء العلم الحديث: 27. (0) يونس: 131. (9) الاثية: 13.

عدد الصفحات ١٤٨

149 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 شيء من الكونيات فإنما ذلك للهداية ودلالة الخلق على الخالق، وللاستدلال بها على توحيد الله وأحقيته بالعباده، أو على حكم تشريعي، أو على إثبات إمكانية البعث، أو غير ذلك (1)، ولا يقصد القرآن مطلقا من ذكر هذه الكونيات أن يشرح حقيقة علمية في الهيئة والفلك أو الطبيعة أو غيرها(2)، قال تعا: ﮋ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ ﮊ (3)، وقال تعالى: ﮋ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮊ (4). (1) انظر: نقد ما يسمى بالتفسير العلمي للقرآن : 10. (2) انظر: مناهل العرفان : 2/279. (3) البقرة : 2. (4) المائدة: 10-19.

عدد الصفحات ١٤٩

151 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 المبحث الثالث الآيات الكونية المستقبلية والدراسات حولها وصلتها بالعقيدة وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الدراسات العلمية حول الآيات الكونية المستقبلية. المطلب الثاني: صلة هذه الدراسات بالعقيدة. المطلـــب الثالـــث : المخالفـــات العقديـــة في الدراســـات العلميـــة حـــول الآيـــات الكونية المستقبلية.

عدد الصفحات ١٥٠

151 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 المطلب الأول: الدراسات العلمية حول الآيات الكونية المستقبلية إن من عقيدة أهل الإسلام التي يجب على كل مسلم أن يعتقدها أنه لا يعلم الغيب إلا الله، قال تعالى: ﮋ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵﮊ (1)،وقال تعالى: ﮋ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﮊ (2)، فالغيب لله تعالى وحده ؛ ولكن من فضل الله تبارك وتع الى أنه يطلع بعض رسله على شيء منه، قال تعالى: ﮋ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﮊ (3). إلا أن هناك أمورا اختص الله تبارك وتعالى بعلمها فهي من الغيب المطلق (4) الذي يطلع الله تبارك وتعالى عليه ا أحد، ومن ذلك: علم الساعة، متى تقوم ؟ فهذه علمها عند الله لا يجليها لوقتها إلا هو، قال تعالى: ﮋ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﮊ (0). ومعرفة الغيب المستقبل لا بد أن يكون الانشغال به ومعرفته عن طريق المصدر الحق؛ فإن مصادر معرفة المستقبل تنقسم إلى ثلاثة أنواع (9) : (1) النمل: 90. (2) الأنعام: 06. (3) الن: 29-27. (4) انظر: مجموع الفتاو : 19/113،24/207،208. (0) الأعراف : 187. (9) انظوور: موون معووالم المنهجيووة الإسوولامية للدراسووات المسووتقبلية لهوواني بوون عبوود الله البووير، مجلووة البيووان، الريوواع، 1426 : 113.

عدد الصفحات ١٥١

152 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 النوع الأول : مصادر باطلة قطعاً ، وما توصل إليه فهو باطل، ومن ذلك ما تحصل معرفته عن طريق التنجيم والكهانة والشعوذة ونحوها (1). النوع الثاني : مصادر ظنية، كالر والمنامات، و ما عند أهل الكتاح من أخبار مما لم يأت في ديننا ما يدل على بطلانه، وكالدراسات القائمة على الاجتهاد وا لنظر في سنن الله الكونية. النوع الثالث: المصدر الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وهو ما جاء في كتاح الله وسنة رسوله n. وقد ورد في القرآن والسنة الإخبار عن بعض الأمور الغيبية المستقبلية (2) التي تحدث لبعض الآيات الكونية في آخر اللمان مما يكون من علامات الساعة، وعند قيامها ، مما يستحيل تفسيره مهما تقدمت العلوم وتطورت، ومهما أكتُشف من حقائق الكون(3). كما لا يمكن إخضاعه للتجربة، وهو أمر لا يتكرر، ولا يستطيع أحد أن يدخله مفردات العلوم الطبيعية والكونية، وهو مما حجب الله تعالى علمه؛ لحكمة يعلمها (4). ولهذا لا يجوز لنا أن ندخلفي هذه الأمور وتفاصيلها إلا بما جاء في الكتاح والسنة(0). وبعض ما يذكر من الدراسات ينبغي أن لا يجلم به وبتفاصيله لئلا يخالف المقطوع به من عدم إدراك الغيب، ويمكن الاستفادة منه وفق ضوابط شرعية (9). (1) انظر: مجموع الفتاو : 4/83. (2) انظر: البداية والنهاية: 16/28،200،296،383-433، وقيام الساعة كما يرأها العلم الحديث لعمر بن محمود الراو ي، دار وحي القلم، دمشق، ط 1 :0-13. (3) انظور: كووبر اليقينيووات الكونيووة: 331، والفلوك وعلاقتووه بالعقيوودة في الكتوواح والسونة لعبوود الله بوون محموود الأنصوواري، بحث تكميلي مقدم لنيل درجة الماجستير بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة أم القر بمكة : 430. (4) انظر: مفتاح دار السعادة: 1/420. (0) انظوور: لمعووة الاعتقوواد الهووادي إلى سووبيل الرشوواد : 21، وعوووالم الغيووب والشووهادة لعثمووان جمعووة ضووميرية، دار السووووادي، جدة، ط1 :08،112. (9) انظر: من معالم المنهجية الإسلامية للدراسات المستقبلية : 90.

عدد الصفحات ١٥٢

153 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 المطلب الثاني: صلة هذه الدراسات بالعقيدة إن كثيراً من أمور الدين وعقائده إنما هي إيمان بالغيب، فالحياة البرزخية غيب، والحياة الآخرة غيب، من قيام الساعة إلى البعث والنشور إلى الحساح والميلان ... كل هذا غيب يجب الإيمان به. وقد أخبرنا الله تعالى في كتابه الكريم عن بعض الأمور الغيبية، وأخبرنا أنها ستقع، ووقعت هذه الأمور التي أخبر الله عنها على نحو ما أخبر، مما يعرفه المؤمن والكافر، والبر والفاجر. فالتنكر للإيمان بالغيب إلحاد ونقص في العلم، والإيمان به من صفات عباد الله المؤمنين المهتدين المفلحين، قال تعالى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﮊ (1). ودراسة الغيب المستقبل والإطلاع عليه من أمور الدين التي جاء بها رسولنا n، فقد أخبر الله k عن بعضها، وأخبر الرسول n عن بعضها، وعل م ذلك كله للصحابةz، واهتموا به وسألوا عنه؛ لأنه من عقيدتهم، ومن ذلك أن عائشة x سألترسول الله n عن قوله تعالى: ﮋ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮊ (2)،أين يكون الناس يومئذ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: « على الصراط »(3). بل إن المشركين قد سألوا رسول ا n عن أمر غيبي مستقبلي وهو: إعادتهم بعد موتهم منكرين بذلك البعث، مستبعدين له، فاحتا الله عليهم بخلق السموات والأرع، قال تعالى: (1) البقرة : 2-0. (2) إبراهيم : 48. (3) صحيح مسلم، ك تاح صفة القيامة والنة والنار، باح في البعث والنشور وصفة الأرع يوم القياموة: 4/2103 بورقم (2761.)

عدد الصفحات ١٥٣

154 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 ﮋﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮊ (1)،فاحتا تعالى عليهم، ونبههم على قدرته على ذلك، بأنه خلق السماوات والأرع، فقدرته على إعادتهم أسهل من ذلك(2). وهذه الدراسات لها صلة وثيقة بالعقيدة من جهة أن هذه الدراسات تتكلم عن أمور غيبية. وقد جر ت هذه الدراسات ممن لا يؤمن بالغيب إلى إنكار ما أخبر الله عنه ورسوله n مما يكون في أخر اللمان، منكرين بذلك قدرة الله، نافين لحكمته أما أهل الإيمان الذين يؤمنون بالغيب وبقدرة الله وحكمته، وأن الله على كل شيء قدير فكانت عقيدتهم في ذلك الإيمان والتسليم، وعدم الدخول فيما لا علم لهم به وعدم التكلف والتنطع في ذلك، فإن الكلام في مثل هذه الأمور ليس من موضوع علوم الفلك ونحوها (3)، وإنما يتكلم فيه حسب النصوص الشرعية، مع اللم واليقين بوقوعها لأن الله أخبرنا بذلك، قال تعالى: ﮋ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮊ (4)، وقال تعالى مخبراً عن حال الراسخين في العلم مع القرآن: ﮋ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﮊ (0). (1) الإسراء : 68-66. (2) انظووور: تفسوووير ابووون كثوووير : 3/96، والكوووون والإنسوووان في التصوووور الإسووولامي لحامووود صوووادق قنيجوووي، مكتبوووة الفووولاح، الكويت، ط1 :73. (3) انظر: ما دل عليوه القور آن مموا يعضود الهيئوة الديودة القويموة بالبرهوان يموود شوكري الألوسوي، تحقيوق : زهوير الشواوي ، المكتب الإسلامي، بيروت، ط2 :76. (4) البقرة : 280 (0) آل عمران : 7.

عدد الصفحات ١٥٤

155 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 ثم إن الإيمان بهذه الأخبار– إذا تحققنا صحتها- هو من الإيمان بالله، والإيمان برسوله n، إذ كيف نؤمن بالله ورسوله ثم لا نصدق بخبرهما!. و وقوع تلك المغيبات على النحو الذي جاءت به الأخبار يثبت الإيمان ويقويه، وقد يكون ذلك مدخلاً لدعوة الآخرين إلى هذا الحق الذي جاءنا من ربنا . وكذلك تثبيت الإيمان بيوم القيامة، فالقيامة وأهوالها من الغيب الذي أخبرنا به الله ورسوله n، والإيمان به إحد دعائم الإيمان، ووقوع الوقائع في الدنيا على النحو الذي جاءت به النصوص دليل واضح بو ين على صدق كل الأخبار ومنها أخبار الساعة، فالكل من عند الله تبارك وتعالى.

عدد الصفحات ١٥٥

156 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 المطلب الثالث: المخالفات العقدية في الدراسات العلمية حول الآيات الكونية المستقبلية بالإضافة إلى ما سبق ذكره من المخالفات العقدية في التفسير العلمي عموماً (1)، فإن الدراسات العلمية حول الآيات الكونية المستقبلية يتعلق بها بعض المخالفات لتعلقها بالإيمان بالغيب. أولاا : الرجم بالغيب في ما يحصل للكون، والخوع في تفصيلات بعض الآيات الكونية المستقبلية دون مراعاة للضوابط الشرعية، وعدم الرجوع إلى ما ورد في الكتاح والسنة (2). ثانياا: تفسير القرآن وإخضاعه لتلك الدراسات (3) دون رجوع لفهم الصحابة والسلف لكتاح الله k وسنة نبيهn، قال ابن مسعودz لما سمع رجل يقص على أصحابه : ﮋﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮊ (4)،قال: " من علم فليقل، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم، فإن الله قال لنبيه n :ﮋﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﮊ (0)"(9) . ثالثاا: التنطع والتكلف في السؤال عن الأمور الغيبية(7)، وإشغال النفس بها مع أن العلم بها لا يترتب عليه عمل شرعي . رابعاا : تحكيم العقل في فهم النصوص الواردة في الكتاح والسنة عن الآيات الكونية (1) انظر: ص: 136. (2) انظر: التفسير والمفسرون: 2/098، وتفسير جلء عم يمد عبده، والموسوعة العربية العاية: 23/310. (3) انظر: تفسير القرآن يمود شلتوت : 13. (4) الدخان: 13. (0 )ص: 89. (9 )صحيح البخاري ، كتاح التفسير، سورة الروم : 631 برقم (4774). (7) انظر: تفسير القرآن يمود شلتوت : 383.

عدد الصفحات ١٥٦

157 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 المستقبلية بحجة عدم موافقتها لتلك الدراسات العلمية (1). خامسا: إنكار المغيبات المستقبلية بحجة أنوه لا يمكون الوصوول إلى يقوين علموي بشوأنها إلا عووون طريوووق التجربوووة والمشووواهدة، وأن إنكووواره م يقووووم علوووى دعوووامتين مووون العلوووم التجوووريبي، والعقووول المووووووووادي(2)، قوووووووووال تعوووووووووا: ﮋ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮊ(3). سادساا: الإيمان بما أخبر الله به ورسوله مع الشك والتردد في ذلك، والتصديق بما في بعض تلك الدراسات مما لم يؤيده كتاح ولا سنة، فهو يؤمن ببعضها، ويكذح ببعضها الأخر، فاتبع في إيمانه غير سبيل المؤمنين. سابعاا : التحريف لبعض الآيات الواردة في الكتاح والسنة عن الآيات الكونية المستقبلية؛ لأن الغيبيات والمعجلات لا تقع غالبا تحت الحس، ولا تخضع لمألوف العقل البشري، ولا تجري على السنن المعتادة، ولذا أقدم بعضهم على إنكارها ؛ وحاول آخرون تحريفها (4). ثامناا: إنكار قدرة الله تعالى، واستبعاد وقوع ما أخبر الله به، وأخبر به رسوله n. قال تعا: ﮋ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﮊ (0). فمن آمن أن الله على كل شي قدير، فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره (9). (1) انظر: اتجاهات التفسير في العصر الراهن : 137. (2) انظوور: تقووديم محموود سووعيد البوووطي لكتوواح الموسوووعة الكونيووة الكووبر : 23، والمعجوولات والغيبيووات بووين بصووائر التنليوول ودياجير الإنكار والتأويل لعبد الفتاح إبراهيم سلامه، مطبوع بالحاسب: 1. (3 )النمل90-99. (4) انظووووور: المعجووووولات والغيبيوووووات بوووووين بصوووووائر التنليووووول وديووووواجير الإنكوووووار والتأويووووول: 2،9، والوووووواهر في تفسوووووير القووووورآن : 13/201-202. (0) اللمر: 97. (9) انظر: تفسير الطبري: 24/31، وتفسير ابن كث : 4/97.

عدد الصفحات ١٥٧

158 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 الفصل الرابع الأسباب، وصلتها بالآيات الكونية وفيه تمهيد وأربعة مباحث: المبحث الأول: أنواع الأسباب. المبحث الثاني: منزلة الأسباب في الشريعة. المبحث الثالث: صلة الأسباب بالآيات الكونية. المبحث الرابـع : العلـم بوقـت حـدوذ هـذه الآيـات الكونيـة وأسـباةا الحسـية لا ينافي كونها آية من آيات الله.

عدد الصفحات ١٥٨

159 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 تمهيد الأسباح جمع سبب، والسبب في اللغة يطلق على عدة معان(1) : فقد يقصد به ما يتوصل به إلى غيره، ومن ذلك قوله تعالى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﮊ (2.) وقد يأتي بمعنى الحبل ، كما في قوله تعالى : ﮋ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﮊ (3) أي بحبل(4). وهو من الحبال القوي الطويل وقد يأتي بمعنى الباح، كما في قوله تعالى: ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮊ (0) أي أبواح السماوات(9). وقد يأتي بمعنى الشفيع، كما في قولهم: "وجعلت فلانًا ي سبباً إلى فلان في حاجتي"، أي وصلة وذريعة. وقد يأتي بمعنى الحياة، كما في قولهم: " قطع الله به السبب"، أي الحياة؛ لأنه يتوصل به إلى المقصود. وقد يأتي بمعنى المودة، يقال: تقطعت بهم الأسباح أي الوصل والمودات، قال تعالى: ﮋ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮊ(7). (1) انظوور: تهووذيب اللغووة: 12/313-314، ولسووان العوورح : 3/1613-1611، والقوواموس ايوويط: 86، مووادة سووبب، ونلهووة الأعوووين النوووواظر في علوووم الأشوووباه والنظوووائر لأبي الفووور عبووود الوورحم ن بووون الووووزي، تحقيوووق : محمووود بووون عبووود الكوووريم الراضي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 3 :130. (2) الكهف: 84. (3) الحا: 10. (4) انظر: تفسير الطبري: 17/146، وتفسير ابن كث : 3/139-137، وتفسير السعدي: 3/681. (0 )غافر39-37. (9) انظر: تفسير الطبري: 24/79، وتفسير ابن كث : 4/89. (7) البقرة : 199.

عدد الصفحات ١٥٩

161 00 المبحث الرابع: البحار والأنهار00 وقد يأتي بمعنى الطريق؛ لأنه بسلوكه يوصل إلى الموضع الذي تريد (1)،قال تعالى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﮊ (2) الآية والخلاصة أن السبب في اللغة معناه: كل ما يتوصل به إلى المقصود. والسببية تع العلاقة بين السبب والمس ب ب(3). وفي اصطلاح عند الأصوليين: ما يللم من وجوده الوجود ، ومن عدمه العدم لذاته. فهو أمر ظاهر منضبط ، جعله الشارع علامة على مسب به ، ويللم من وجوده وجود المسب ب، ومن عدمه عدمه لذاته(4) . (1) انظر: تفسير الطبري: 17/146، وتفسير ابن كث : 3/139-137. (2) الكهف84-80. (3) المعجم الوسيط، طبعة مكتبة الشروق، ط4 :412. (4) انظووور: الإحكوووام في أصوووول الأحكوووام لعلوووي بووون محمووود الآمووودي، تعليوووق: الشووويخ عبووود الووورزاق عفيفوووي، دار الصوووميعي، الريوووواع، ط 1: 1/173، وشوووورح تنقوووويح الفصووووول في اختصووووار ايصووووول لأحموووود بوووون إدريووووس القوووورافي، تحقيووووق : محموووود الشوواغول، المكتبووة الأزهريووة، القوواهرة، 2330م: 79، وشوورح الكوكووب المنووير يموود بوون أحموود الفتوووحي المعووروف بووابن النجار، تحقيق: محمد اللحيلي، ونليه حماد، مركل البحث العلمي جامعة الملك عبد العليل، مكة، 1433 :1/440، وإتحاف ذوي البصائر بشرح روضوة النواظر في أصوول الفقوه علوى موذهب الإموام أحمود بون حنبول لعبود الكوريم بون علوي النملة، دار العاصمة، الرياع، ط 1 :2/218.

عدد الصفحات ١٦٠