المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

إما الإيمان أو الفوضى

هيثم طلعت

صفحة ٩ من ٢٧

129 فجاء الإسلام وحر ر البشر وأصيب المسلمون بعمى ألوان –على حد تعبير مالكوم إكس Malcom X رحمه ا- فلا يُفرقون بين أبيض ولا أسود، وصارت وصية الإسلام الخالدة هي اتباع تعاليم الأنبياء بعيد ا عن الكهنة والمحرفين. فالذي يُشبِّه الإسلام بغيره هو كاذبٌ في تشبيهه، والذي يُ شبِّ ه علماء المسلمين بك هنة إكليريوس الغرب ورجال دين الكنيسة فهو حتما خبيثٌ مخادع. فكلمة رجل دين لا وجود لها في قواميس الإسلام قاطبة . فلا رجال دين عندنا ولا إكليريوس في مساجدنا، ولا يوجد لدينا طبقة مُفرزة مِن قِبل الرب –كما في الديانات الأخر - بل الكل سواسية أمام الشريعة الغراء. وخلافتنا لم تكن كهانة. وكل مسلمٍ هو رجل دين، ولا فر! بين شيخ الأزهر أو المفتي أو أي مسلمٍ عامي، فالكل أمام الشرع سواء. فليس عندنا كهنة ممسوحين! بل كل مسلمٍ مك لف بدينه ولا واسطة بينه وبين خالقه سبحانه. فمساواة الإسلام بغيره خطأ كبير، صادر عن جهلٍ بحقيقته، وصلته بالفطرة الصحيحة، والقضاء الكوني الذي أخذه الله على نفسه بثبوته إلى قيام الساعة، ولكنه يتحول من حياضٍ إلى حياض، ومن ساحةٍ إلى ساحة، ومن حملةٍ إلى حملة، بحسب تغير بواطن حامليه، وتغير مقاصدهم، وتنكرهم لهم وانصرافهم عنه.

عدد الصفحات ١٢٩

130  قل انظروا [ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ] {101}

عدد الصفحات ١٣٠

131 [ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ] {53} حوار حقيقي قالت لي إحد الملحدات ذات يوم: أنا لن أضر أحدًا ولن أظلم، فهل سيعذبني الإله لو لم أُؤمن به؟ فجاء ردي عليها في نقاط... أولًا : امتناعِك عن الظلم ليس تفضلا منكِ، فهذه فطرة فطركِ الله عليها، واعترافك بوجود الظلم والعدل ورفضك للظلم وبحثك عن العدل يعني الغائية الأخلاقية والقيمية في هذا العالم. ولو كان العالم مادي ا مجرد ا والروح أرضية لما كان هناك عدلا ولا ظلما ، فالعالم المادي لا يعرف إلا الحتميات المادية الصارمة منزوعة القيمة. فإيمانك بالعدل يعني إيمانك بوجود سند آخر للإنسان يستمد منه معنى العدل؛ هذا السند هو المقدمة السماوية التي جئنا منها! ثانيًا : بحثكِ عن الخير على الرغم من إلحادك فيه دليل مباشر على أن الإنسان لا يستطيع رفض التكليف الإلهي داخله، وأننا جميع ا نعيش داخل دائرة التكليف الإلهي؛ دائرة افعل ولا تفعل! ثالثًا : رغبتك في فعل الخير مع عدم الإيمان بالخالق هو أشد أنواع الإجرام واللصوصية والخيانة على الإطلا!. ولتوضيح هذه الصورة دعيني أعطيكي هذا المثال: دخل رجلان بستان ا فيه كل ما تشتهيه الأعين وتل ذ الأنفس وفيه موائد طعام ممدودة وأدوية وأكسية وما لا يحُصى من وسائل المعيشة والراحة والنِعم. فأما الرجل الأول فبحث عن صاحب البستان واستأذنه وبدأ يأكل ويشرب وهو في ذلك شاكرٌ حامد لصاحب البستان، أما الثاني فظل

عدد الصفحات ١٣١

132 ينهش من المطعومات ويشرب أقداح المشروبات ويكتسي بما يرغب دون إذنٍ ولا أدبٍ ولا شكرٍ وهو في كل ذلك يحتج بمنتهى الكِبر أنه لم يلحظ وجود صاحب البستان لحظة دخوله فظنه بلا صاحب! فأما الرجل الأول فهو مثل المؤمن الشاكر لنعم الله عليه، وأما الثاني فمثل الملحد الذي ينهش في خيرات الله ويريد من خالقه أن يطعمه ويرزقه ولا يحاسبه! وأما البستان فهو الخير في هذا العالم والنِعم التي لا تحُصى ولا تُقدر داخلنا وخارجنا، فنحن نعيش في بستانٍ أعظم من كل بساتين الدنيا! وأنتِ أيتها الملحدة تسرقين من خيرات الله ولم تفكري للحظة في أداء شكر النعمة. واقتضت حكمة الله أن يكون الامتحان التكليفي في معرفة الله سبحانه وشكر نعمته وطاعته فيما أمر، وكَفل لنا إن فعلنا ذلك بستان ا أبدي ا ليس فيه شيءٌ من المنغصات الموجودة في بستان الدنيا، فالامتحان يسير والدعوة له جرت على لسان جميع الرسل فهل ثَم أيسر من ذلك؟ رابعًا: إن القضية ليست فعل الخير والقيام بالعدل وعدم الظلم، وإنما القضية الآكد هي لمن تفعلين هذا الخير وهل تفعلينه اتفاق ا بمقتضى الفطرة لمزيد سعادة وارتياح نفسي حتى يهدأ وخز الضمير الأخلاقي، أم تفعلينه انكسار ا لله ورض ا بعبوديته؟ هذه هي القضية، قضية النية لحظة العمل وليس مجرد العمل. ولذا أخبر الله سبحانه أن أعمال الخير من الكفار مردودةٌ عليهم لأنهم لا يريدون بها وجه الله، ولا يبتغون رضاه، فهم بهذا لا يستحقون الثواب على العمل وإن كان صالح ا. [ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ] {23}. فالكافر تجاهَل بكفره أعظم مطلوبٍ في الوجود وهو عبوديته لله، وأي كفرٍ أعظم من تجاهل الخالق وتكذيب وحيه وإنكار رسالته واتخاذ آياته هزو ا والسخرية من حكمته في خلقه، ثم بعد كل هذا ينغمس الكافر في نِعم الله ويتبجح بكفره بخالقه ويرد على الله وحيه فهل مثل هذا يُقبل منه صرفٌ أو عدلٌ يوم القيامة؟

عدد الصفحات ١٣٢

133 [ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ] {39} . فمقتضى النجاة ليس مجرد العمل الذي أنتِ ترينه صالح ا؛ وإنما الإيمان بالله واليوم الآخ ر والملائكة والكتب والنبيين، فالعمل الصالح ليس مركز ا في ذاته وإنما المركز هو الإيمان ومنه يستمد العمل الصالح قيمته. [ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ] {النساء: 150-151}. فالذي يظن أن نجاة تكون بمجرد العمل يكون قد سلب العمل أهم ما يميزه ويعطيه معناه. فالإيمان بالله هو الذي يعطي العمل الصالح معناه. وأستعير كلمة نجيب محفوظ في كتابه وطني مصر حين قال: "الله هو الذي يُعطي القيم معناها، الله هو الذي يعطي الوجود معناه، بدونه لا معنى للوجود، لا معنى للقيم، وبديله هو العبث، اللا معنى!" فليس أكفر من الذي يكفر بخالق فطرة العمل الصالح وخالق معنى الوجود ومعنى الصلاح وإرادة الصلاح وفعل الصلاح [ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ] {136}. وكم هي عجيبةٌ الدنيا أن تجعل حتى في العمل الصالح مع الكفر إغراء ا ف تبقى على صنف كافرٍ إلا وأدخلته في جعبتها، وجعلت من إطارها تنظير ا يراه صالح ا لحياته، ويظنه غاية سامية يحيا لها، فصار يحسب أنه يحسن صنع ا بعمله الصالح وهو في الأصل وفي حقيقة الأمر من الأخسرين

عدد الصفحات ١٣٣

134 أعمالا لكفره بآيات الله واليوم الآخر [ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ] {103-105}0 فكم تُزين الدنيا على مرتاديها وكم يتقمصون في دهاليزها دور المصلحين وهم المفسدون [ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ] [البقرة: 11-13]. فليست سفاهة أعظم من الإيمان بالفرع –العمل الصالح - وكفر الأصل –خالق فطرة العمل الصالح-، والتسليم للأثر والكفر بالذات، والظن بالنجاة في الحافرة –الدنيا- بناء على قياسات تخمينية من وضع الملحد، فصاروا كالطالب الذي يُغير خارطة امتحانه داخل لجنة الاختبار حتى ينجح واشترط لتغيير الخارطة إلغاء كل الأسئلة والاكتفاء بدخول اللجنة مُهندم ا! لكن هنا وفجأةً قاطعتني الملحدة وقالت: أنا أدفع ثمن ما آكله وما ألبسه! سبحانك ربي وبحمدك! هل تدفعين ثمن ضبط الهرمونات داخل جسدك في كل لحظة والتي لو اختل هرمون منها بمقدار ميكرو جرام واحد لتحولت حياتك إلى جحيم؟ هل تدفعين ثمن ضخ كرات الدم كل ثانية في خلاياكِ لتحمل الأوكسجين وترفع المخلفات بمنتهى الضبط والاتقان؟ هل تدفعين ثمن الوصلات العصبية التي تنقل كل ما ترغبين فيه إلى العضلات فتحققه بلا تردد؟ هل تدفعين ثمن أنقى عدسة في العالم ألا وهي عدسة العين؟ هل تدفعين ثمن أفضل نظام تخزين في الكون وهو منظومة التشفير الرباعي داخل الجينوم الخاص بك؟

عدد الصفحات ١٣٤

135 هل تدفعين ثمن أد! آلة في الكون وهو المخ البشري بوصلاته المليارية؟ هل تدفعين ثمن آلاف الإنزيمات المتخصصة التي لو اختل إنزيم منها لانهارت منظومات وظيفية كاملة داخلك؟ هل تدفعين ثمن صماماتك الموجودة في أجهزة جسدك المختلفة فصمام المعدة لئلا يعود الطعام إلى فمك فتتأذين، وصمامات أوردتك لئلا يعود الدم فينتفخ الجسد ويفشل القلب، وصمامات كثيرة لا أحصيها في حوار. هل تدفعين ثمن الجلطة التي تنطلق لحظة ولادتك لتغلق ما بين الأذينين في القلب، والجلطة التي تنطلق لتغلق الحبل السري؟ هل تدفعين ثمن الغرائز التي ولدتِ بها لحظة نزولك من بطن أمك تبحثين عن الطعام وتهضمينه بهدوء ويسر؟ هل تدفعين ثمن الطبقة العازلة التي تغطي جميع أعصابك لئلا تشرد الإشارة الكهربية أو تضيع أو تسبب لكِ إزعاج ا؟ هل تدفعين ثمن مفاصلك الملساء التي توفر لكِ حركة كل لحظة بلا احتكاك ولا تآكل؟ هل تدفعين ثمن ضبط حواسك وضبط خلاياكِ وتناسقها فيما بينها وتفاعلها وضبط وظيفيتها داخل كل عضو بما هي أهلٌ له؛ فخلايا الكبد تعرف أنها في الكبد وتعرف أن مهمتها إنتاج البروتينات وتخ زين الجلوكوز، وخلايا النخاع تعرف أنها في النخاع فتنتج كرات الدم وصفائحه، وخلايا الشبكية تعرف أنها في الشبكية فتحول إشعاع الضوء إلى منتج بيوكيميائي، يحفز عصب العين لينقل التغير البيوكيميائي إلى تغير كهربي، ينتقل عبر أسلاك العصب على شكل ومضات كهربية يفسرها المخ بحسب نوع الومضة وشدتها طبق ا لقاموس لا نعرف عنه شيئ ا يترجم به الومضة الكهربية إلى صور وأشكال نعيها في لحظة؟

عدد الصفحات ١٣٥

136 هل تدفعين وهل تدفعين وهل تدفعين وماذا لو تعلمين أن مِداد أحبار العالم لا يكفي النِعم! ثم إن ما تدفعينه لشراء غذائك وكسائك: مَن الذي أعطى الكساء قانونية التدفئة ومَن الذي أعطى الغذاء قانونية الإطعام؟ ومَن الذي أعطاكِ قدرة العمل للدفع؟ لو كان لأحدٍ عليك من فضلٍ لاستحييتِ أن تبارزيه بالإساءة وقلة الأدب، بل تتأدبين في حضوره وتتهذبين في الحديث إليه، فكيف بالخالق الذي أنعم عليكِ كل نعمة .. وكل ن عمةٍ منه لا نحصى؟ [ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ] {53}. سبحانك ربنا على حلمك

عدد الصفحات ١٣٦

137 الحساء الكوان مركزية الإنسان في الكون لعل من أشهر سمات العلم الحديث هو انهيار قيمة الفيزياء التجريبية الرصدية الحسية، فمثلا في الفيزيا ء الكمية لم يعد يلزم المحسوس لإثبات الوجود، وإنما تكفي آثار الصفات! فالالكترون ليس له حجم ولا وجود مادي وإنما فقط صفات. والكل يؤمن بوجوده لأثر صفاته لا أكثر! وهذا يسقط دعو المذهب التجريبية في شرط المادية. بل الأعجب من ذلك أنه لم يعد يوجد ما يسمى وحدات أساسية للمادة، فعندما تذهب بعيد ا في عمق المادة ينهار المذهب المادي، فهناك في نهاية الأمر إلكترون بلا حجم ونواة تنحل إلى كوارك غير مُدرك. فهنا في عمق المادة تموت المادة، وعلى المادي أن يعيد تعريف فلسفته ورصفها بعد أن انهارت أسسها، فما تبقى يختلف تمام ا عن الم ادة، فقد انهار مسمى المادة وذاتها وجوهرها في الفيزياء الحديثة. فإذا انتفت الصفة المادية لجوهر المادة فهذا شبيه بنفي أصل المعتقد من داخل المعتقد ذاته. فقد أصبحت معرفتنا للواقع تقوم على بعد غير مدرك –الكوارك-، وغير موجود – الالكترون-، وهذا على العكس تمامًا مم ا بشريت به الفلسفة المادية. إن المادة في أصلها كيان بلا نمط ولا شكل وإنما غيمة أرقام تخيلية. فالكوارك خيال رياضي والالكترون بلا حجم. فالواقع المادي ليس سو تفاعلات تجريها كيانات وسيطة تدعى بوزونات تنقل القو

عدد الصفحات ١٣٧

138 وتؤمن العلاقة بين الفرميونات وداخل حيز البوزونات والفرميونات ليس هناك حتمية فالكون لم يعد يسير وفق حتمية علمية كما كان يُظن، وإنما وفق احتمالية إحصائية في كل لحظة –مشيئة وقيومية إلهية-. وإذا أردت أن تختصر منجز العلم الحديث في كلمتين فعليك أن تقول أن منتهى ما وصل إليه العلم المادي هو نزع مركزية المادة عن الوجود والانتقال بفهم الكون من الرصد المادي إلى التخيل الرياضي. أضِف إلى ذلك حقيقة في غاية الخطورة وهي أن الحقيقة المادية في العالم الخارجي لا تكتسب معناها إلا بتدخل الراصد لها -الراصد الإنسان-. https://en.wikipedia.org/wiki/Wave_function_collapse وهذا يعني أن الشجرة التي أمامك لا تصبح شجرة إلا إذا نظرت إليها، وبمجرد أن يختفي رصدها تتحول إلى غيمة من الأرقام التخيلية! هذه النتيجة أخطر من أي كتاب فلسفي عبر كل التاريخ. وأخطر من أية سردية معرفية يمكن أن يُلقنها متأمل لنُساك! إنها نتيجة من قعر المجتمع العلمي ومن قلب البحوث التي طالت أغوار الذرة لتكتشف في النهاية أن الوجود في حقيقته مجرد وهم وهراء وغرور، ولا قيمة له إلا بنا نحن! نعم! فالراصد يصنع برصده العالم الخارجي المادي ولا معنى للعالم المادي بدون الراصد (1) . وبدون الراصد لا معنى للعالم المادي، ولا قيمة له في ذاته. لو قلنا أن الإنسان مركز هذا الكون لقالت لنا مدرسة كوبنهاجن بقيادة نيلز بور: "نعم صحيح لا يوجد في هذا الكون سو الإنسان وما الكون إلا غرورٌ باطل، فما الحياة الدنيا إلا متاع (1) https://en.wikipedia.org/wiki/Observer_effect_ %28 physics %29

عدد الصفحات ١٣٨

139 الغرور". هذه النظرة تهدم الإلحاد والفلسفات المادية والمدارس العلمانية م ن قلب الرؤية العلمية الفيزيائية للوجود. وصلًا بما سبق أؤكد على حقيقة أن : أحد أسس ميكانيك الكم أن لجسيمات المادة طبيعتان في نفس الوقت طبيعة جسيمية وطبيعة موجية، فالإلكترون يتصرف كجسيم ويتصرف كموجة. والمضحك في الأمر أن الفيزيائيين أيام نيلز بور كانوا مجُبري ن على معاملة الإلكترون كجسيم أيام الإثنين والأربعاء والجمعة ، وكموجة في الأيام الأخر للأسبوع وبهذه الفكاهة الفريدة كتب نيلز بور سنة 1924 قائ" حتى لو أرسل لي أينشتاين تلغرافا يخبرني بأن حقيقة المادة كجسيم فقط قد تم إثباتها نهائي ا وللأبد، حتى في ذلك الحين ستصل الرسالة فقط بفضل وجود الطبيعة الموجية للمادة -موجات الراديو -". أي إن الرسالة لن تنتقل عبر الهواء إلا بفضل الطبيعة الموجية للالكترون" (1) . المدهش الآن والعجيب أن هذه الجسيمات تظل جسيمات حين ننظر إليها، ثم تصبح موجة حين نتوقف عن النظر إليها! تخيل! إن هذا يفو! كل السحر الذي أنتجه البشر ! وهذا الفيديو المبسط يشرح هذه القضية المدهشة (2) : (1) احتمالات المثيرة للنظرية الكمية تأليف :- ليونيد بونوماريف، ترجمة :- إيمان أبو شادي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الأولى 2007 ص200 وما قبلها. (2) https://www.youtube.com/watch?v=m8in9hxDTc8

عدد الصفحات ١٣٩

140 يقول الفيزيائي الشهير نك هربرت Nick Herbert :"هذا الأمر يجعل الإنسان بعض الأحيان يتخيل أن خلفه وهو يسير، يتحول العالم إلى موجه من الذوبان الكلي ويتحول العالم من خلفه إلى حسـاء الكوانتم، لكن وما إن يلتفت خلفه لير الحساء إذا بالأشياء تتجمد والأشجار والأحجار وتعود لطبيعتها العادية والمألوفة. إننا بهذا المنطق نعيش داخل أسطورة مثل أسطورة ذلك الملك الذي لم يعرف في حياته ملمس الحرير، لأنه ما إن يلمسه يتحول إلى ذهب وهذا بطريقة مماثلة يشبه أن الانسان لن يستطيع أنْ يختبر حقيقة جسيم الضوء لأن كل شيء نلمسه يتحول إلى مادة " (1) . إن تحول العالم إلى حساء كوانتي بلا قيمة له في ذاته، يثبت مركزية الراصد -الذي هو الإنسان - في هذا الكون، وأن الكون مجرد وجود ظاهري [ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ] {20}. وهذه الرؤية التي نقشتها فيزياء الكم تُسقط المادية والإلحاد وتثبت الغاية الوجودية للإنسان في هذا العالم. يقول العالم بول إبشتاين : " إن القوانين الكمية بالشكل الحالي هي إلى حد ما نظرية لاهوتية فيما يختص بالطبيعة " (2) . فميكانيك الكم أوقعت المادية وحبائلهاالإلحادية في شرََك لا مخرج منه، وقد أزعجت بذلك كبار علماء المادية عبر العالم، وفي تعليق مدهش للعالم النمساوي النابغة باولي قال: " مرة أخر فإن الفيزياء حليفٌ أعمى، وعلى أية حال فقد أصبحت صعبة جد ا بالنسبة لي، إنني أفضل أن أكون ممثلا للروايات الهزلية في ال سينما أو شيئ ا من هذا القبيل ولا أسمع المزيد عن الفيزياء". ويتذكر أوتو شترن بعد مضي عدة سنوات أنه أقسم في تلك الأيام هو وماكس لوي على أنهما (1) Nick Herbert (Summer 1987) "How Large is Starlight? A Brief Look at Quantum Reality", pp. 31-35 (2) الاحتمالات المثيرة للنظرية الكمية تأليف- ليونيد بونوماريف ص128.

عدد الصفحات ١٤٠

141 سوف يتركان الفيزياء، وكان باولي يؤمن بشدة أن العلم الجديد البازغ هوknabenphysik أي فيزياء الصبية بالألمانية. فسبحان الله! إن خلاصة ما توصلت إليه ميكانيك الكم أن العالم غرور لا أكثر! وأن الإنسان مركز هذا الوجود.

عدد الصفحات ١٤١

142 لكن هل يعني ما سبق ذكره أنميكانيك الكم ينفي وجود العالم المادي؟ ربما يتوهم البعض أن أبحاث ميكانيكا الكم تُفيد إنكـار المادة بالكُليـة وهذا خطـأ شديد فلايجوز إنكار وجود المادة، فهذا بداهةَ لم يقل به علم ولا دين ، وليس من إنجازات العلم المادي وليس من مأثورات الأديان . والمقصود مما سبق أن الرصد المادي ليس كما تقرر الفلسفة المادية. فما انهار هو التصور الفلسفي الذي كانت تفرضه علينا الفلسفة المادية، والذي كان مؤسس ا على هامشية الإنسان في الكون ومركزية العالم المادي. لكن في المقابل نقول أن: المادة موجودة والله خالق العالم المادي، وعلم آدم الأسماء كلها ولم يُعلمه سبحانه أسماء خيالات، والله خلق العالم ورأ أنه حسن كما في بدايات سفر التكوين في مرويات بني اسرائيل، فالعالم المادي موجود بداهة . لكن إنجازات ال فلسفة المادية هي التي باعتراف العلم المادي تتحول في لحظة وبمعادلة رياضية رصينة إلى خيالات ويعود الإنسان ليكتشف أنه في مركز الكون ، وأن الطبيعة ك لها سُخرت له وأنه خُلق لقيمه لا يمكنه أن يهرب منها . فكل النقد الذي تعرضت له الأبحاث هو لجسيمات الضوء quanta of light والتي من خلالها قرر العلماء هامشية الإنسان وضخامة الكون! لكن كل هذا يتعرض الآن لضربات موجعة! وهذا ما تنبأ به ستيفن هاوكنج في كتابه الأخير التصميم العظيم The Grand Design ص72. حيث ذكر أن احتمالية اكتشافنا خطأ كل أرصادنا الفلكية أمرٌ قائم، خاصة بعد أبحاث المبد أ الهولوغرامي. كان هذا الكلام في عام 2010.

عدد الصفحات ١٤٢

143 وفي أواخر عام2013 نشرت الساينتيفك أمريكان بحث ا يثبت بالفعل إشكالية جسيمات الضوء، وأن العالم المادي ليس بالصورة التي كان يخبرنا بها فلاسفة المادية. فطبق ا للبحث الأخير يتضح أن النجوم هي مصابيح هولوغرامية عملاقة في جو السماء كما أخبر القرآن الكريم منذ 1400 سنة (1) . فسبحان ا وللمزيد من البحث في هذا الأمر فقد خص صت في كتابي: "موسوعة الرد على الملحدين العرب" فصل كامل بعنوان: "خرافة عمر الكون وحجمه"، لبحث هذه المسألة بالتفصيل! (1)http://www.scientificamerican.com/article/universe-really-is-a-holo/.

عدد الصفحات ١٤٣

144 التزامنية والسببية يزعم الملحد أن بعض الأحاسيس هي إفراز هرمونات، فعواطف الكائن الحي مبرمجة في الجينوم الخاص به. وردًا على ذلك نقول: أولا : هذه القضية معروفة. لكن المشكلة التي لا يفهمها الملحد حتى الآن هي في السببية لا التزامنية. فما معنى هذا الكلام؟ أنا عندما أري ملحد ا فإن الكورتيزول –هرمون الغضب- يرتفع عندي= فهذه علاقة تزامنية! أي في زمن الرؤية يرتفع الكورتيزول. لكن هل الرؤية ذاتها تسبب رفع الكورتيزول؟ لا إطلاق ا! العلم المادي لا يجيب إلا عبر التزامنية. عند رؤيتي للملحد ارتفع هرمون الغضب عندي في نفس زمن الرؤية، لكن الرؤية في ذاتها لا ترفع الكورتيزول. بل الذي رفع الكورتيزول هو غضبي! وفي المقابل أنا لو رأيت رجلا صالح ا فإن الإندورفين –هرمون السعادة- يرتفع عندي وهو على العكس تمام ا من الكورتيزول. مع أن نفس آلية الرؤية ونفس المواد والأجهزة التي تر ، لكن شتان بين النتائج. لماذا اختلف الكورتيزول عن الإندورفين؟ سبب الاختلاف هو في السببية، لكن العلم المادي لا يرصد إلا التزامنية. المشكلة أن الملحد لن يفهم العلاقة بين التزامنية والسببية.

عدد الصفحات ١٤٤