المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

إما الإيمان أو الفوضى

هيثم طلعت

صفحة ٨ من ٢٧

113 ومرض اعتلال الذاكرة المتكرر هو خلل عصابي يطابق الحالة اللاأدرية في كونه مرتبط بخلل معرفة الواقع –نسبية المقدمات العقلية - كأحد عوارضه الأساسية. فسبحان مَن جعل من الكفر داء ا ومن الإيمان شفاء ا ورِي ا. إذن اللاأدرية خلل عصابي وهلاوس عقلية وليست وظيفة مخي ة سليمة، فهي عقيدة مرضية تستوجب العلاج.

عدد الصفحات ١١٣

114 نسبية المعرفة عند اللاأدرية يقول بعض دعاة اللاأدرية: طبق ا لتجاربنا العلمية المتكررة قد نخرج بحقيقة أن العالم المادي حقيقي، لكن ما المانع أن تكون معرفتنا نسبية -لا يمكننا التأكد من صح تها -؟ بداية : الذي يتخذ النسبية منهج ا له هو يعتبرها حقيقة مطلقة، فوقع في التناقض الذاتي، وهدَ م نسبيته ولا أدريته بنفسه قبل التعرض لها! فعندما تفترض أنه يمكنك أن تعلم أُمور ا كافية عن الواقع بحيث تؤكد أنه لاشيء يمكن معرفته عن الواقع، فهذه قمة التناقض. إذ ليس من الممكن أن نعرف الفر! بين النسبي والمطلق دون أن نعرف قدر ا كاف ي ا عنهما لكي نُميز الفر! بينهما، فعندما نُصنِّ ف معرفتنا أنها نسبية، ثم إن هذه النسبية تقرر أن الخارجي –العالم المادي- حقيقي بناء على صحة تجاربنا العلمية ، والداخلي الذهني نسبي. فهذا التقرير لا يصدر عن عاقل، لأنه حين يصدر منه فهو كاذب، وإلا فكيف يعرف أن الخارجي مُطلق في حين أن معرفته تلك نسبية ؟ وبعبارةٍ أُخر يُ مكننا أن نقول : بدون أن تكون المعرفة البشرية لها قيمة موضوعية لما تطابقت معها أي عبارة ! أليس كذلك؟ فعندما يقرر اللاأدري أن المعرفة البشرية نسبية فهذا معناه أنه يحدد خط ا لا يمكن عبوره لهذه الحدود، لكن لا يستطيع الإنسان أن يرسم مثل تلك الحدود بدون أن يتجاو زها ويعرف ما ورائها. إنه من المستحيل أن نُجاهد في تقرير أن هناك حد ا أو خط ا بين النسبي والموضوعي، بدون أن يتلامس الفرد ببعض المسافة مع الجانب الآخر، وإلا لأصبحت عبارته خاطئة وبلا معنى وغير جد ية. فكيف يُمكن للإنسان أن يُفر! ما بين النسبي والموضوعي إلا إذا عرف مقدم ا كليهما لكي

عدد الصفحات ١١٤

115 يجُري هذه المقارنة وكما يقول أوغسطينوس : "كُل من يشك يعلم أنه يشك، وهو على وع يٍ كاملٍ بهذه الحقيقة على الأقل، وتحديد ا أنه يشك، لذلك فإن كُل مَن يشك فإن قُدرته على الشك سوف تُقنعه بأن هناك شيئ ا ما يُسمى حقيقة " (1) . وخُلاصة ما في ا لأمر: أننا عندما نَقول أن الحقيقة المعرفية هي أنه لا توجد حقيقة معرفية، فهذا أمر افتراضي ترفيهي يصلح للعبث العقلي فحسب، لأنه إذا كانت هذه الجُملة صحيحة فإنها غير حقيقية! وبذا تصبح النسبية شيء ذاتي الهدم، سفسطي، خرافي، وهمي، لا وجود له. لكن قد يقول اللاأدري: حسن ا؛ لكن ألسنا نرصد الواقع بصورة مختلفة عنه في حقيقته؟ أليس الصوت مثلا في حقيقته ليس أكثر من موجات لها ترددات مختلفة تتحول في آذاننا إلى أصواتٍ مميزة؟ بدايةً : رصدنا العقلي للوجود المادي هو رصد موضوعي سليم، ولا أقصد برصد موضوعي أنه مطابق للخارج من حيث هو خارج، وإلا لصار العقل مجرد مرآةٍ عاكسةٍ ، فالأصوات كونها مجرد موجات لا يعني أنها نسبية، ولا يعني أنها ليس لها معنى. ثم إن كون العقل يرصد هذه الموجات كأصواتٍ مميزةٍ لها قيمةٍ ومعنى بحسب التردد والشدة، فإن هذا له دلالةٍ خطيرةٍ؛ وهي أن العالم حولنا يتحول إلى حقيقة مرصودة لها معنى حين يحضر في أذهاننا ووعيْ نا، ويتخلى عن معناه إذا غِبنا عنه، وبالتالي فهذا يحُ رِّر بديهة أن يكون هناك خالق–سبحانه- أحضر الكون بهذه الصورة إلى أذهاننا، وجعل الكون مجرد شيء ظاهري لا قيمة حقيقية له في ذاته- إذ لا قيمة لموجة الضوء ولا لموجة الصوت في ذاتهما ، ولا قيمة للطعم ولا (1)Evidence That Demands a Verdict, Josh McDowell.

عدد الصفحات ١١٥

116 للشكل ولا لأي شيءٍ في ذاته-. وكأن بالفعل كل ما حولنا مُسخرٌ كُلي ا لوجودنا ووعينا بوجوده، ونصير نحن مركز هذا الوجود فعلي ا، ومركز تسخيره وقيمته، ولا تصبح له قيمة في ذاته أو معنى في ذاته، وهذا يؤكد السبق القرآني المعجز أن الحياة الدنيا مجردُ وجود غروري ظاهري لا أكثر [ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ] {35} فكل ما حولنا مُسخرٌ لنا ولا معنى له بدون وجودنا [ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ]{ النحل12-13}. فالحياة الدنيا مجردُ وجودٍ ظاهري قِشري لا قيمة له في حقيقته [ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ] {7} . بالله عليك أيها اللاأدري لو كنت منصف ا في تح ري الحق بسؤالك هذا؛أليس يقودك الآن إلى الإيمان؟ بالله عليك لو كنت منصف ا وكنت بالفعل تر كل ما حولك لا معنى له بدون الإنسان، ألا يقودك هذا فور ا إلا تحرير حقيقة وجودنا؟ إذن معرفة حقيقة العالم المادي من حولنا تقود إلى الإيمان، وتقود إلى حقيقة معنى وجودنا المستقل والغائي والذي يحمل القيمة والمعنى للإنسان! إن النسبية المعرفية اللاأدرية وهم فارغ؛ فللأشياء حقيقتها الموضوعية الخارجية المستقلة، وللأشياء رصدها الحقيقي الم وضوعي الداخلي المستقل أيض ا، فنحن نعرف أن اللون مجرد موجات، نعرف أنه في الخارج الموضوعي مجرد موجات، ونعرف أن رصدنا له هو لونٌ مميزٌ له معنى ، إذن الحقيقة موجودة وليست نسبية، لكن تباينها في حقيقتها عن رصدها لا علاقة لهذا التباين بالنسبية، ولذا كان مدخل الشيطان على اللاأدرية من هذه الجهة فاللاأدري يظن أن التباين بين الرصد والشيء في حقيقته هو نسبية وهذا خطأ شديد وخطل شيطاني غريب!

عدد الصفحات ١١٦

117 إذ لو كان الأمر كذلك ما عرفنا الأشياء في حقيقتها، وما عرفنا أن اللون موجة والصوت موجة. إذن نكرر مرة أُخر لمزيد بيان: الأشياء الخار جة لها وجود موضوعي مستقل، والرصد الذهني العقلي البدني هو رصد موضوعي مستقل قد يخالف الهيئة التي تبدو عليها الأشياء في حقيقتها لأن العقل ليس مرآة عاكسة ، وإنما العقل يعطي للأشياء معناها ولذا فهو هبة الله للإنسان وهو مناط التكليف، ولا معنى للبدن بدون العقل، فبه ندرك الأشياء بمعناها لا بحقيقتها الغرورية الظاهرية التي بلا معنى ، والتي هي في لامعناها لها وجود موضوعي نحترمه ونرصده لو أردنا أن نرصده فنحن نعرف طول الموجة الضوئية بالضبط ومعامل الانكسار وزاوية الانكسار! حين سأل المذيع جون فريمان John Freeman كارل يونج Carl Jung عملا! علم النفس التحليلي هل تصد! وجود الإله، قال يونج: " أنا لا اُصد!، بل أعرف" (1) . فمن ذا! روعة ذاته وروعة الخلق؛ عرِ ف. والعالم المادي الخارجي لو كان بغير الهيئة التي هو عليها ما كنا هنا لنتأمله أو لنعرفه فضلا عن أن نتذو! معناه، فهو مصنوعٌ بمعايرةٍ دقيقةٍ للغاية )tuned-Fine( (2) . فالعالم حولك هو عالمٌ إنسانيٌ Anthropic بامتياز، لأنه يعني العقل الإنساني ويشد انتباهه، وما تشهده في هذا العالم يقذف في روعك معاني العظمة والجلال والجمال والإشراقات المهيبة، (1)https://www.youtube.com/watch?v=FPGMWF7kU_8 (2) الكون مُعد بعناية فائقة كما يقول الفيزيائيون فقد ظهر الكون إلى الوجود بمعايرة دقيقة لآلاف الثوابت الفيزيائية والطبيعية، والتي لو اختل ثابت منها بمقدار جزء من مليار مليار مليار جزء لاختل الكون قبل أن يبدأ أو لتوقف عند مرحلة البيضة الكونية cosmic egg.

عدد الصفحات ١١٧

118 ولذا يقول جيروم كارلJerome Karle الحائز على نوبل في الكيمياء" مفهوم الإله هو خلاصة أسمى خبرة يمكن أن يتصورها الإنسان في وجوده" (1) . إن العالم هو عالمك أنت، وكل ما حولك مُسخرٌ لك أنت، وهو في ذاته ينتظرك أنت لتفهمه ولتعلمه ولتتدبره! هل تحتاج إلى دليلٍ آخر على غائية وجودك؟ هل تحتاج دليلا آخر على كونك أنت المقصود؟ أنك أنت المعني بالقضية كلها؟ إن تحرير ما نحن بصدده هو رؤية رومانسية للعالم، يتجه نحوها العلم الآن بشدة (2) . هذه الرؤية الرومانسية للعالم يستوعبها أصحاب الوضعية المنطقية logical positivism ، الذين حرروا رؤيتهم للعالم طبق ا لمركزية كل شيءٍ في العالم، فوجدوا أنه لا شيء له معنى في ذاته، فانهار منهجهم كما حر رنا من قبل (3) . وظهرت على أعتاب الانهيار رومانسية العلم التي تقضي على كل آمال الماديين الذين يريدون أن يكون الإنسان شيئ ا بين الأشياء! (1) jerome karle quotes. (2) تُراجع أبحاث عالم الفيزياءليونارد سسكيند Leonard Susskind أبو نظرية الأوتار الفائقة وأستاذ الفيزياء النظرية بجامعة ستافورد، في أعماله بشأن المبدأ الهولوغرامي للكون Holographic principle. (3) يُراجع مقال: الإلحاد يُسمم العلوم.

عدد الصفحات ١١٨

119 داخل اللاأدريةمَن الذي عليه عبء الإثبات؟ مَن الذي عليه عبء الإثبات؟ Burden of Proof في البداية علينا أن نقول أن: القضية الوجودية الكبر لا تحتمل الركون في منتصف الطريق ولا تحتمل عدم الوصول، فالأمر جد وليس بالهزل: مِن أين جئنا وإلى أين نحن ذاهبون ؟ هذا هو السؤال الأكبر في المسألة الوجودية. والذي لا خلاف عليه بين المؤمن والملحد واللاأدري: أن كل متع الدنيا وكل شهوات العالم لا تكفي إنسان يعلم أنه وُلد ليمو ت! فالقضية الوجودية الكبر هي أعظم القضايا تر ا ، ولذا هي لا تحتمل أنصاف الحلول-كما تقتضي اللاأدرية-، أو التأجيل للمستقبل لعل العلم يخُبرنا شيئ ا - كما يقتضي الإلحاد فيما يُعرف بفجوات المستقبل المعرفي ة، حيث المستقبل العلمي قد يسد فجوات ما نجهله، مع أن الدين جواب لسؤال آخر لا علاقة له بالعلم -. فالقضية الوجودية لا تحمل إلا الجواب الشافي الوافي والآن وحالا ! فهذه طبيعة إلحاح الأسئلة الوجودية على العقل البشري، وكأن هذا العقل مُصم م للبحث عن إجابة هذه الأسئلة وتكون هذه غاية ما يريده من العالم (1) . لكن يا تُر ! مَن المُطالَب بتقديم أجوبة للأسئلة الوجودية الكبر ، الملحد أم المؤمن أم اللاأدري؟ الذي يؤمن بوجود الله والذي يُنكر وجوده والذي لا يدري؛ كل واحدٍ من هؤلاء مُطالَ بٌ (1) بحْث العقل عن أسئلة الوجود الكبر ، هذا يُسمى ب "الدوار الميتافيزيقي" وهو دوار لأنه لا يترك صاحبه دون إجابة للأسئلة الماورائية الميتافيزيقية الكبر . يقول هنري سيمل Henry Semel :- " إن رجل الكهف الذي عانى من الدوار الميتافيزيقي قبل آلاف السنين لا يزال هذا الدوار هو مرض الإنسان الحديث".

عدد الصفحات ١١٩

120 بمنتهى البساطة بطرح منطقي متكامل! فلن يقبل العقل بأنصاف الأجوبة ، ولا بإرجاء الحلول! وبما أن ادعاء وجود الله له من الوجاهة والأدلة والقرائن الشيء الكثير مثل: السببية والعناية والقصد والغاية والإيجاد من اللازمان واللامكان، ودليل الحدوث، ومعج زة خلق الحياة، والنبوات والدين والفطرة والأخلا!، والمعايرة الدقيقة لحظة الخلق الأولى لكل الموجودات، والمعايرة الدقيقة لحظة خلق الكون، والمعايرة الدقيقة في كل شيء حولك وداخلك، واستيعاب الخير والشعور بالإمتنان وما لا يمكن حصره من الأدلة. وآحاد آحاد هذه الأدلة قد يويلد يقينًا لا يبق معه إلا التسليم لله ، فضلاً عن آحادها فضلاً عن الأدلة في مجموعها! (1) ولم ا كان كل ذلك من الأدلة التي يمتلكها المؤمن بالخالق صار من البديهي أن ينتقل عبء الدليل إلى المنكر-منكر وجود الله- وإلى اللاأدري! وهذا ما يفعله القاضي المنصف حين يطلب دليل نفي من المتهم، خاصة لو كانت تحت يد ه عدة إثباتات أو حتى قرائن. فمثلا في قصة سيدنا يوسف -عليه السلام- مع امرأة العزيز التي راودته عن نفسه، شهد شاهدٌ من أهلها وجاء بقرينةٍ تدل على أنها هي التي راودته عن نفسه، وبالتالي انتقل عبء الدليل ليكون على المنكِ ر (2) . وبالمثل نقول إن قرائن كبر عقلية كالتي ذكرناها تجعل عبء الدليل في الحقيقة على المُنكِر لكن صراحة والذي يصدم القاريء المحايد فإن جميع أدلة مفكري اللاأدرية والإلحاد كانت من السذاجة والسماجة بمكان! (1) قد نتعرض لتفصيل بعض هذه الأدلة في مقالاتٍ قادمةٍ إن شاء الله تعا . (2) من وحيأحد مقالات: لست ملحد ا. لماذا؟ للأستاذ: كريم فرحات .

عدد الصفحات ١٢٠

121 فمثلا يقول برتراند راسل Bertrand Russell أحد مفكري اللاأدرية أنه لا يستطيع إثبات وجود الله كما لا يستطيع نفي وجود إبريق شاي يدور حول كوكب زحل (1) . أوكما يقول الملحد المعاصر ريتشارد داوكنز Richard Dawkins أنه لا يستطيع إثبات وجود وحش سباجيتي طائر Flying Spaghetti Monster أو نفي وجوده! (2) أو كما يقول آخر لا نستطيع إثبات وجود تنين قابع في جراج، وما لا حصر له من الأمثلة الساذجة! وكالعادة يرتجع الملحد العربي نفس هذه الأمثلة سابقة الذكر بنفس الصياغات والأسلوب الذي حيكت به دون أدنى إعمال للآلية العقلية في تد بر هذه الأمثلة وهل هى تستحق أن يعيد الملحد العربي استخدامها أم أنها فاشلة عقلي ا! فنحن لا ندري ما وجاهة هذه الأمثلة الساذجة التي لا تمت بأي صلة للعلل والمعلولات والأسباب والنتائج؟ فهل مثلا إبريق الشاي له صلة بالسببية أو الغائية أو الضبط؟ هل إبريق الشاي معلول – مخلو! -، أم عِلة – خالق- ؟ هل إبريق الشاي سبب أم نتيجة ؟ فهذا خلطٌ ساذج بين مستوياتٍ مختلفة –خالقٍ ومخلو!، فإبريق الشاي مخلو! بينما نحن نتحدث عن موجِدٍ أول - فها هنا اللاأدري يخلط بين مستوياتٍ لا علاقة لأحدها بالآخر، وليس بين بدائل يجُيز النظر الخلط بينها ولو افتراض ا، وهذا يُعرف بالخطأ الطبقي category error. فهو مغالطة منطقية ساذجة يقع فيها كبار مفكري اللاأدرية ويبتلعها الملحد العربي بلا وعي (1)http://www.tandfonline.com/doi/pdf/ 10.1080/15665399.2010.10820011 (2) http://archive.wired.com/wired/archive/14.11/atheism.html.

عدد الصفحات ١٢١

122 وهذا يوضح أنكبار فلاسفة اللاأدرية والإلحاد على قدرٍ مدهشٍ من السذاجة، فما وقعوا فيه بطرح هذه الأمثلة هو تناقضٌ جوهري لا يُ فر! بين المعلول والعلة أو السبب والنتيجة، فنحن نتحدث عن علة أولى- خالق-، ولا نتحدث عن معلول- مخلو!-. نحن نتحدث عن سبب لا نتيجة. هذا التناقض المُركب Paradox في الطرح يؤكد عدم استطاعة كبار مفكري اللاأدرية والإلحاد مجاراة المتدينين في وجاهة الأدلة وكثرة القرائن وحضور المنطق في الطرح! فلم يبق لهم إلا الإفلاس المعرفي والطرح المتناقض الذي يعبر عن عدم استيعاب المسألة أو استيعابها لكن مع الفشل والخيبة في مجاراة أدلة المؤمن. وبذلك يصبح عبء الإثبات Burden of Proof إشكالية حصرية بالإلحاد واللاأدرية لم تتم الإجابة عنها ولو بصورة ساذجة أو بسيطة منذ آلاف السنين وحتى الساعة، ويظل موقف المتدين هو الأكثر عقلانية ومنطقية خاص ة مع تكامل فلسفته ورؤيته للحياة والوجود من حوله! فالشيء المقبول الممتليء بكل هذه الأدلة والقرائن، لو أردت أن تنفيه فيجب عليك أن تخرج علينا بأدلة أقو حتى نؤمن بما تقول، وحتى تفعل ذلك- ولن تفعل- يبقى التفسير الديني هو التفسير الوحيد المنطقي المقبول.

عدد الصفحات ١٢٢

123 اللاأدرية؛ وسؤال الخالق اللاأدرية كما قر رنا وفص لنا تقوم على الريب والشك الشمولي الترددي الذي لا يستقر على حال! فأصل طوائف اللاأدرية أنهم [ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ] {45}. وأصل هذا النوع من الشك الذي لا يرحم مجرد لعِبٍ [ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ] {9}. فهو ليس شك ا منهجي ا يضع فيه الإنسان خطوط ا وغاياتٍ متى وصلها انتقل إلى ما بعدها، بل اللاأدري يستقر على الشك ويجعله هدف ا ومستوطن ا في ذاته، ولا يرغب عنه إلى غيره ولو كان باطلا مثله، بل هو يُسفسِط كل طريقٍ يُوصل إلى علمٍ أو معرفة! ولذا فلا تصح اللاأدرية إلا بسفسطة بديهيات العقل، وإيقاف العمل بمقدمات الفهم! ولو تد بر الإنسان هذا الحال لأدرك هوة التناقض داخل المذهب اللاأدري مع الواقع في حقيقته، فقوام العلم التجريبي مثلا على مُ سل مة صحة انضباط الكون وخطأ عبثية اللاأدرية، وهو مبدأٌ مُسل مٌ به علمي ا وديني ا [ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ] {88}. فسبحان[ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ] {7}. ولزيادة تأكيد العلم التجريبي على سخافة الرؤية ال لاأدرية العبثية للوجود، وضع العلم التجريبي مبدأ التماثلية uniformitarianism والذي يؤكد العلم التجريبي من خلاله أن قوان الطبيعة ثابتة عبر الزمان وعبر المكان، و أن أنسا! الطبيعة لا تتخلف ويمكن قياسها والثقة بالقياس. يقول التطوري الشهير ستيفن جاي جولد Stephen Jay Gould :" إن التماثلية التي تعني

عدد الصفحات ١٢٣

124 ثبات قوانين الطبيعة عبر الزمان والمكان شيء جوهري لصلاحية الاستدلال الاستقرائي الذي هو أصل العلم التجريبي، فليس هناك طريقة غير ذلك للوصول لاستنتاجات عامة من خلال عدد محدود من الملاحظات" (1) . فالعلم والواقع وتجارب الإنسان وخبراته لا تعترف بالرؤية اللاأدرية للوجود وإلا لتشظ ى كل علمٍ ذاتي ا وما انضبطت له مقدمة ، فالعكس هو الحاصل دوم ا إذ العلم -بل والتجارب الانسانية التي هي أثر من العلم- يسير في وثوقيةٍ وتأكدٍ تام من انضباط العالم وإمكان العقل أن يستوعب ويدرك هذا الانضباط. كل هذه الأصول تؤكد أن اللاأدرية في جانب والعقل الإنساني في جانبٍ آخر تمام ا. لكن قد يقول اللاأدري عند هذه المرحلة: حسن ا لا بأس بما تقدم؛ لكن لماذا تقولون أن خالق هذا الكون هو الخالق الذي تؤمنون به تحديدًا –الله سبحانه وتعالى-؟ وهنا يقُف الشعر من سفاهة القول ووقاحة المنطق وبجاحة الفروض العقلية، فهل أنت تُنكر وجود طار! للباب لمجرد أنك لا تعرف مَن الذي يطر! الباب الآن ؟ هل تنكر وجود أستاذك لمجرد أنك لا تعرف اسمه؟ هل تنكر وجود ركاب بالطائرة أو قائد لها لمجرد أنك لا تعرف مَن هم؟ ولله المثل الأعلى! لماذا تصادر على المطلوب وتقفز على الإلزام وتتجاوز التكليف العقلي المباشر، الذي لا يحتمل تردد ا بفرضٍ آخر وسؤالٍ آخر لا علاقة له بما يُكلفك به البرهان؟ تقافزك لا يخُرجك عن الإلزام، وتجاوزك لا يُسقط عنك التكليف بما عر فت عبر الأدلة الماثلة في الأنفس والآفا!! والخالق هو الله سبحانه وتعالى، ولا يوجد سو الخالق سبحانه "الله". ولم نستمد ه ذه (1) http://courses.washington.edu/ess408/Gould1965.pdf.

عدد الصفحات ١٢٤

125 المعرفة الخاصة إلا ببرهان"النبوات"، ولا يختلف أهل الأرض جميع ا في أن الخالق الواحد الأحد هو "الله"! وخلافنـا مع بقية الأديـان ليس لأنه م لا يعبدون الله ، ولكن لأنهم جعلوا لله شركاء في الدعـاء والطلب والتصرف في الكون. فجميع أديـان الأرض تعبد الله وهو عندهـا الخالق العظيم، حتى أكثر الديانات إغراق ا في الوثنيـة؛ لكنهم جعلوا له شركـاء متشاكسون نسبوهم للخالق واعتبروهم أدنى منه منزلة - آلهة صغيرة )Subordinationism(. (1) . لكنهم مع عبادتهم لهذه الآلهة الصغيرة يعترفون ويُقرون بوجود الله سبحانه بل إن الأصنام ما عبدها البشر إلا وساطة لله عز وجل [ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ] {3}. [ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ] {61}. وليست آلهة الهند الكثيرة حالي ا –كمثال- إلا كأوثان العرب الأقدمين، فهي وسائط لله الخالق ولا يعبدونها لذاتها! وهذا ما ذكره التقرير المرفوع إلى الحكومة البريطانية في الهند وفيه أن: "النتيجة العامة التي انتهت إليها اللجنة من البحث هي أن: كثرة الهنود الغالبة تعتقد عقيدة راسخة في كائن واحد أعلى" (2) . وير ول ديورانت Will Durant –صاحب موسوعة قصة الحضارة- أن هذه الألوف من (1) https://en.wikipedia.org/wiki/Subordinationism (2) موسوعةقصة الحضارة، ول ديورانت، مجلد 3 ص209.

عدد الصفحات ١٢٥

126 الآلهةفقط يتم تقديسها كما تفعل الكنائس المسيحية من تقديس لآلاف القديسين، فلا يتطر! إلى ذهن الهندي ولو للحظةٍ واحدةٍ أن هذه الآلهة التي لا حصر لعددها لها السيادة العليا (1) . ولذا فقد كان النزاع بين الرسل وأقوامهم في توحيد الألوهية" إفراد الله بالعبادة "، لا في توحيد الربوبية "إفراد الله بالخلق ". ومن أجل ذلك لم يَرد التكليف بمعرفة وجود الصانع وإنما ورد بمعرفة التوحيد ونفي الشريك. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ومن ظن في عُ باد الأصنام أنهم كانوا يعتقدون أنها تخلق العالم أو أنها تُ نزل المطر أو أنها تنبت النبات أو تخلق الحيوان أو غير ذلك، فهو جاهلٌ بهم. بل كان قصد عباد الأوثان لأوثانهم من جنس قصد المشركين بالقبور للقبور المعظمة عندهم" (2) . فالله سبحانه هو المعبود في جميع ديانات الأرض وخلافنا مع بقية الديانات نابع من إشراكهم في الألوهية -إفراد الله بالعبادة-، لا في الربوبية -إفراد الله بالخلق-. لكن الذي يزعج كل عاقل أن يُنكر ملحد لاأدري الخالق وينكر الإلزام بالأدلة لمجرد زعمه عدم معرفته بمَن خلق، فيكون كالذي يُنكر وجود بشر بنوا المدينة لأنه لا يعرف أسمائهم! (1) المصدر السابق. (2) مجموع الفتاو 1-359.

عدد الصفحات ١٢٦

127 اللاأدرية وسؤال الإسلام سؤال الإسلام داخل اللاأدرية هو سؤالٌ محوري؛ إن لم يكن أهم سؤالٍ يُطرح داخل ملف اللاأدرية والإلحاد عموم ا! فيقول اللاأدري: لماذا الإسلام بالتحديد؟ لماذا ليست بقية الديانات أو المذاهب والفلسفات؟ في البداية على اللاأدري أن يعي أن الإسلام ليس فِرقة من الفِر! ولا عقيدة من بين عقائد الأرض، حتى يوضع في مجال مُقارنة مع باقي الديانات، بل هو أصل الأديان والعقائد والعبادات، وهو أنقى أديان التوحيد. فالإسلام هو تصحيح لمسار الديانات التي انحرفت، وإعادة لنهج أنبياء العهد القديم من لدن آدم إلى نوحٍ وصالح وأيوب وهود وإبراهيم وموسى وداوود ويونس وهارون وعيسى. فعقيدة الأنبياء جميع ا هي عقيدة الرب إلهنا رب واحد بلفظ التوارة والإنجيل. وما جاء الأنبياء إلا لتقرير تلك العقيدة [ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ] {45}. إنها العقيدة التي لا تعرف تثليث ولا أقانيم ولا موت آلهة منتحرة، ولا انتزاع آلهة من آلهة أخر - انتزاع الروح القدس من الآب كما عند النصرانية – ولا آلهة قومية –كما عند اليهودية. قال تعالى: [ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ] {13} وقال تعا [ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ

عدد الصفحات ١٢٧

128 ﭬ] {163} إذن فالإسلام ليس ديانة كالديانات وإنما هو أصل الديانات، وتصحيح للخل ل الذي أصاب الديانات وبالأخص اليهودية والمسيحية في نسختيهما العهد القديم والجديد . وبينما في الكنيسة لا يحل للرجل أن يتزوج إلا بإذن رجال الأكليريوس-رجال الدين-، ولا يدخل المسيحية إلا بتعميد الإكليريوس له، بل الرضيع لا يحسب مسيحي ا إلا بعد التعميد، ولابد من اعتراف المرء أمام الكاهن بكل مصيبةٍ ارتكبها؛ تجد في الإسلام لا واسطة بين العبد وربه، وينعقد الزواج بشهادة أي رجلين، والتوبة إلى الله لا يتدخل فيها أحد، والصلاة تكون في أي مكانٍ طاهر. بل لقد حارب الاسلام منذ أول لحظةٍ كل صور التدخل والوساطة وحَ جب العقل. فالإسلام يحرر العقل من نير وسخافات الكهان. ويحارب الإسلام كل صور الولاية على العقل سواء عبر رجال دين أو أضرحة تُقدم لها الذبائح. أيض ا الإسلام يحارب كل صور حجب العقل بالأشياء المعنوية كالسحر والطلاسم. أو بالعلوم الزائفة كالطالع وقراءة الأبراج. وكذلك يحارب الإسلام حجب العقل بالأشياء المادية كالمسكرات والمخدرات! فالإسلام هو حرية العقل وانفتاقه من غلول الحجب التي يفرضها الكهنة والسحرة وبائعو الأوهام! فهو دين الأنبياء والصالحين. بينما وصلت العبودية في ظل الكنيسة في الغرب إلى صورٍ فجة فكان العبيد يؤج رون في الاراضي بلا مقابل على ملء بطونهم، ولم يكن لدمائهم قيمة. فقتلهم أو تعذيبهم كان حق للأسياد ولم يكن العبد يتزوج إلا بعد أن يفض السيد بكارة العروس.

عدد الصفحات ١٢٨