المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

إما الإيمان أو الفوضى

هيثم طلعت

صفحة ١٠ من ٢٧

145 فيتقنع بجواب التزامنية وينسى أن الاندورفين أو الكورتيزول معطى وناتجوليس سبب ومقدمة. لو شرحنا ألف عام فلن يفهم الملحد لأنه لا يريد أن يفهم لئلا ينهار إلحاده ! ربما نحن نتحاور الآن في أد! التفاصيل التي تفر! بين العمى الإلحادي والنور الإيماني. وكيف ان الإلحاد يؤدي إلى العمى فلا يعرف إلا التزامنية بينما يبقى سر السببية حكر ا على ميدان القيم الما ورائية.

عدد الصفحات ١٤٥

146 إذا كانت القضية سببية وليست تزامنية، إذن لماذا نفقد الوعي بصدمة في الدماغ؟ الدماغ هو مجموعة من الأسلاك العصبية متجمعة، وكل ما يجري في الدماغ هو تبادل لأيونات الصوديوم والبوتاسيوم على جدران الخلايا العصبية لنقل النبضات لا أكثر. فما علاقة هذا بالوعي أو بالذاكرة أو بالفكر؟ قام عالم النفس الشهير وأخصائي السلوك والذاكرة كارل لاشلي Karl Lashley بتدريب الفئران والقرود على العديد من الخدع، وعندما يتعلمون الخدعة يقوم بقطع جزء من الدماغ لمعرفة في أي جُزء تخُزن الذاكرة، وقد تفاجأ عندما رأ أنه باستطاعته قطع أجزاء كبيرة من الدماغ، لا يهم أي جزء أعلى أسفل داخل خارج سطحي عميق أمامي خلفي علوي سفلي، النتيجة واحدة دائما وهي عدم تلف الذاكرة أو ضياعها، فالذاكرة ليست في النهايات العصبية المُعدلة، ولا في فسفرة البروتين ولا الطر! الجزيئية الأخر ، ببساطة الذاكرة ربما لا ت كون في الدماغ أصلا (1) . وير عالمِ الأعصاب الدماغية الشهير كارل بريبرام Karl Pribram أن الوعي والإدراك الإنساني لا علاقة لهما بالدماغ أو الوصلات العصبية والذي يرهق نفسه في هذا النفق الضيق فلن يخرج بشيء (2) . لكن يظل السؤال قائماً: طالما أن العقل ليس في الدماغ، لماذا إذن نفقد الوعي بتلف الدماغ؟ دماغنا يمثل جهاز تنفيذي لا تشريعي –إذا جاز التعبير- فهو لا يُشرعن القيمة ولا يحدد المعنى ولا يصدر القرارات، وإنما المسئول عن كل ذلك هو العقل. وليس للدماغ إلا التنفيذ، فهو جهة تنفيذية وليس جهة ت شريعية، ويمكن تشبيه ال دماغ بجهاز التلفاز، فهو مجرد مستقبِل للمعلومة ومُعالِج لها، وحين يتم قطع الأسلاك يتوقف ويُفقد (1) http://en.wikipedia.org/wiki/Karl_Lashley (2) http://en.wikipedia.org/wiki/Karl_H._Pribram

عدد الصفحات ١٤٦

147 الإرسال، فالأصوات الصادرة من التلفاز ليست صادرة عنه أو مخُزنة فيه، بل هو مجرد مستقبل ومعالج للمعلومة، وإذا تلفت الدائرة الكهربية فيه أو تلفت الأسلاك يتوقف عن الإرسال والإستقبال وبالضبط هذا ما يحدث في حال تلف أسلاك الدماع نتيجة صدمة أو تلف الدائرة الكهربية نتيجة زهايمر ، أو كليهما نتيجة تعاطي بعض العقاقير كالمخدرات، فساعتها يتوقف الدماغ عن الإرسال والإستقبال. وقد أثبت د. روجر سبيري Roger Sperry الحائز على نوبل في وظائف المخ أن الوظائف العقلية لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالمخ المادي وهي فقط قد تستعمله كآلة . ويقول السير جون إكلز John C. Eccles الحائز على نوبل في الطب" أجدني مضطر ا إلى القول بطبيعة غير مادية لذاتي وعقلي، طبيعة تتفق مع ما يسمونه الروح". The Self and its Brain

عدد الصفحات ١٤٧

148 الحياة والموت مصطلحات ميتافيزيقية غيبية ماورائية دعاة المادية لا يملكون جواب ا عن أخطر ظاهرتين في هذا الوجود وهما ظاهرتي الموت والحياة. فينحصر التعريف المادي للموت والحياة في التزامنية لا السببية. فما معنى الموت؟ وكيف يحدث الموت؟ وما هو الموت؟ مادي ا وفيزيائي ا لا تتوقف ذرة واحدة عن الحركة بالموت. ولا يتوقف الكترون في كل الجسد بالموت ولا بالحياة. والتوصيف الطبي للموت هو توصيف تزامني فقط فنقول مثلا : حين يتوقف القلب عن النبض لمدة عشر دقائق كاملة تكون هناك وفاة، أو حين يتوقف جذع المخ عن العمل أو حين تتسع حدقة العين ولا تتأثر بالشعاع الضوئي ساعتها نقول بالموت. لكن كلها تعريفات تزامنية: حين يحدث كذا في هذه اللحظة نقول أن هناك موت. هذا ليس تعريف ا ولا علاقة له بمعنى الموت. فيظل السؤال: ما هو الموت؟ وليس السؤال: كيف نعرف أن هناك موت حصل! والأمر ذاته ينطبق على الحياة فدعاة المادية لا يعرفون معنى الحياة! قيل أن نواة الخلية هي مصدر الحياة. لكن كم من خلية حية لا توجد بها أنوية ككرات الدم الحمراء، وهي خلايا حية! ثم قالوا بأن غشاء الخلية هو مصدر الحياة. لكن الأحماض الدهنية بها أغشية مكتملة ومع ذلك هي ليست حية!

عدد الصفحات ١٤٨

149 فهذه أيض ا تعريفات لا علاقة لها بمعنى كلمة الحياة. وإنما هي جواب لسؤال آخر مثل: كيف نعرف أن هناك حياة! أما سؤال ما هي الحياة: فلا يملك له دعاة المادية جواب ا. إن التزامنية والسببية هي محور الفر! بين الروح والمادة. الإنسان والإلحاد. المعرفة والمعلومة. التزامنية هي إدارك إلحادي مادي قاصر جد ا للمعنى الوجودي بأكمله. والتزامنية هي حل مريح وسريع للملحد ليهرب من عبء التد بر. بل إن التزامنية يستخدمها الملحد أيض ا لتبرير البلاء، فحين يُبتلى الكافر فإنه ينظر للبلاء باعتباره تزامنية لا سببية متعلقة بكفره، فيظن أن البلاء مرتبط بتقلب الأزمنة لا بسبب معاصيه [ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ] {95}. وفي النهاية ستظل أجوبة الأسئلة الوجودية الكبر حصرية داخل ميدان الإيمان، وسيظل الإنسان مهما أوتى من علم وانفتحت له من معارف أعمى في جواب معنى وجوده وغاية وجوده!

عدد الصفحات ١٤٩

150 معجزة الع نحن نقول أن ظهور العين معجزة والملحد يقول إنه التطور مع الوقت! لكن ما لا يفهمه الملحد أيض ا أن القضية منقوصة من البدء! فكل الفروض التطورية لا تجيب إجابة عقلية ومنطقية لنشوء جهاز أولي حساس للضوء يخُصص خلايا تستشعر الضوء، وتحوله إلى ن بضه كهربية يفسرها المخ، وكأنه مرآه لما يوجد أمامه مع أن المخ مظلم -يوجد داخل صندو! عظمي-، ولا يعرف ما يوجد أمامه أصلا ولا تصله إلا نبضات كهربية . فالقضية ليست بالسذاجة التي تحللها الرؤية التطورية لأن القضية منقوصة من البدء. ولذلك كان تشارلز داورين أكثر ذكاء من كهنة الإلحاد الجدد حين اعترف في كتابه أصل الأنواع وقال: " أنا أعترف أن افتراض أن العين نشأت عن طريق انتخاب طبيعي هو افتراض على أعلى درجة من العبثية". To suppose that the eye could have been formed by natural selection seems, I freely confess, absurd in the highest possible degree. فليست العين هي المعجزة وإنما الخلية الحساسة للضوء التي يفترض الدراونة تطور الع منها! ثم كيف لعصب أن يصبح حساس ا للضوء ويتخصص في هذا؟ لماذا فوتون الضوء يحفز هذه الخلايا الحساسة للضوء دون غيرها؟ وما معنى يحفز؟ وكيف يتحول التحفيز إلى رؤية لما هو خارجك؟ دعني أشرح لك معنى الرؤية بشيء من التفصيل: عندما يعبر فوتون الضوء عدسة عينك وهي أنقى عدسة في العالم، ليسقط على الشبكية فإنه

عدد الصفحات ١٥٠

151 في هذه اللحظة يحفز جزئيات شبكية، هذه الجزيئات تجبر بروتين يسمى الرودوبسrhodopsin على أن يُغير شكله ويلتصق ببروتين آخر فيُطلق الإثنان جزيئة GDP ويكتسبان بدلا منها جزيئة GTP وبعد اكتساب هذه الجزيئة يكون بإمكانهما الآن وأخير ا فصل جزيئة Cgmp فتدخل جزيئات الصوديوم ذات الشحنة الموجبة إلى داخل الخلية ونتيجة لذلك يحدث خلل في توازن الشحنات عبر غشاء الخلية، وهذا الخلل يُولد تيار ا يُنقل عبر العصب البصري إلى الدماغ. الآن التغيرات البيوكيميائية المعقدة التي حدثت داخل شبكية عينك تحولت إلى تيار كهربي ينتقل عبر العصب البصري إلى دماغك! يقوم الدماغ بتفسير تردد هذا التيار وكأنه يملك قاموس ا متكاملا فكل مستو تردد يمثل درجة لونية معينة، ويقوم الوعي باستيعاب كل هذا وتحويله إلى إدراك وفهم. كل هذا يحدث في أقل من جزء من الثانية! فالذي يفترض أن تطور ا قاد هذه المنظومات بلا وعي وبعشوائية فمثل هذا لا سبيل لنا عليه! نسيت أن أخبرك أن بروتين الرودوبسين لابد أن يعود سريع ا ليشارك بعد أقل من لحظة في دورة إبصار جديدة، والذي يقوم بتفكيك الرودوبسين هو إنزيمات متخصصة تقوم بدورها ليعود الصوديوم خارج الخلية وليتفكك الرودوبسين ولتعود جزيئة Cgmp للالتصا! مجدد ا بالبروت الخاص بها! إن كل ذرات الكون لا تكفي لتشكيل بروتين رودوبسين واحد بالصدفة؛ فضلا عن تكوين شبكية عين، فضلا عن إدراك لمعنى الرؤية داخل صندو! المخ المظلم، فضلا عن ظهور تشفير لهذا البروتين داخل نواة الخلية التي تنتج هذه الشفرة فضلا عن ظهورك أنت أيها الإنسان! سبحانك ربي!

عدد الصفحات ١٥١

152 هل أدركت معنى المعجزة؟ [ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ] {23}. وأنت تنظر الآن إلى هذه الكلمات فإن الأطوال الموجية لألوان الحروف والخلفية تنتقل إ شبكية عينك على شكل موجات هذه الموجات تحُولها الشبكية عبر تغيرات بيوكيميائية إلى نبضات كهرومغناطيسية، هذه النبضات الكهرومغناطيسية تنتقل عبر العصب البصري من الشبكية إلى مركز الإبصار في مخك، وهناك يوجد قاموس فك شفرة هذه النبضات وبعد فك التشفير تستطيع أن تدرك وتعي ما تراه وتميز بين الألوان. هذه المنظومة المدهشة من التشفير وفك التشفير ومعرفة الطول الموجي وإعداد الشبكية لتناسب ذلك، هذه المنظومة لو لم تدرك أن ورائها خالق عليم حكيم أتقن كل شيءٍ صنعه؛ فهذه قضيتك! كيف ظهرت الشفرة في البدء وكيف امتلك المخ قاموس فك هذه الشفرة genotype. المدهش أكثر من كل ما سبق أننا على المستو التشريحي لا نجد قواميس لفك الشيفرات وإنما تبادلات لأيونات الصوديوم والبوتاسيوم على جدران الخلايا العصبية في الدماغ لا أكثر. فكيف تحولت تبادلات لأيونات صوديوم وبوتاسيوم إلى وعي وجودي! بالمناسبة: يمكنك أن تقوم بإجراء عملية تبادل أيونات الصوديوم والبوتاسيوم على أي ورقة ترشيح داخل المعمل، لكن الورقة لن تعي ولن تنظر ولن تدب فيها الحياة بمجرد هذه التبادلات المادية! فسبحان الخالق!

عدد الصفحات ١٥٢

153 شرنقة الفراشة تُسقط الإلحاد ونظرية التطور هل حاولت يومًا ما أن تتدبر أمر الشرنقة؟ تلك الشرنقة التي تصنعها الدودة –اليرقة- وتلف بها نفسها، ثم تختبيء داخلها أيام ا لتتحول إلى فراشة تطير لحظة خروجها من الشرنقة. فما يحدث يشبه هذا تمام ا: سيارة عتيقة من نوع فورد تحبس نفسها داخل أحد الاقفاص ثم تتفتت مكوناتها- المطاط والزجاج والحديد والتروس- لتتحول خلال أيامٍ إلى طائرةٍ عملاقة تطير في السماء. حيث تتحلل أنسجة اليرقة وتتم إعادة تدويرها لتساهم في بناء أجنحة الفراشة وأعينها المركبة ومعدتها الخاصة وجهازها التناسلي ومنظومة الطيران والملاحة الخاصة بها بمنتهى الإتقان وجمال الشكل. لكن السؤال هنا: كيف تسمح اليرقة لنفسها بأن تدخل داخل شرنقة تعلم أن خلاياها ستموت داخلها؟ أليس هذا تحدٍ مباشر لأصل نظرية الانتخاب الطبيعي؟ أليس هذا تحدٍ لكل أطروحات التطور؟ وإذا قال تطوري: تحول اليرقة إلى فراشة داخل الشرنقة هذا مكسب! لكن : هل الانتخاب الطبيعي يعلم ما في غدٍ؟ هل الانتخاب الطبيعي يخطط أو لديه أجندة عمل؟ تحول معظم جسدك إلى حساء من الجزيئات ثم إعادة البناء هذه عملية انتحارية لا يعرف التطور لها تفسير ا، فاليرقة تدخل قبر ها بنفسها، والقبر هنا هو الشرنقة! إذا أردت الانصاف وتحليل الأمر ببساطة فخلاصته أنه داخل شرنقة الفراشة تختنق نظرية

عدد الصفحات ١٥٣

154 التطور وتصبح جثة هامدة سبحان الله [ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ] {81}. وهذا مقطع مرئي يصور الأحداث بتد بر (1) . وأنا كنت أقول في نفسي سبحان الله، لو كانت الفراشة ملحدة ولا تؤمن بما بعد الموت لما دخلت الشرنقة ولما صد قت أن حياتها الدودية ستتحول إلى حياة جديدة لا تعرف عنها شيئ ا! إن هذه مخاطرة لا يقوم بها إلا كائن يملك غريزة تسبح بحمد الله وتُسلِّم له في كل أمرها. ولو أنعمت النظر في آليات الانتخاب الطبيعي ل عملت أنه ل يس هكذا يعمل الانتخاب الطبيعي فهو لا ينظر للمستقبل أصلا . كيف احتفظ الانتخاب الطبيعي بعملية مدمرة كالموت الخلوي الذي يحدث داخل الشرنقة. فما يحدث داخل الشرنقة هو أن تنتج طائرة من خردة حديد. ما علاقة هذا الأصل بالتطور التدريجي الأعمى؟ ثم إنه داخل الشرنقة لا مجال للعودة! لا رجعة! لقد تفكك كل شيء إما فراشة وإما الموت! يجب داخل الشرنقة بعد التحلل أن يبدأ إنتاج سيقان بالغة وقرون استشعار بالغة وعيون بالغة وأجهزة ملاحة وأجنحة زاهية مبهرة وأجهزة تناسل -لأن اليرقة لا تملك أجهزة تناسل وظيفية-. يجب أن يتغير شكل المخ والوصلات بين قرون الاستشعار والأعين. يجب أن تتم إعادة تشكيل المعدة تمام ا بحيث تتحول من مضغ النباتات في المرحلة اليرقية إلى (1) https://www.youtube.com/watch?v=Uq2RIqdOqNA.

عدد الصفحات ١٥٤

155 التغذي على الرحيق في مرحلة الفراشة فأنت لديك هدف ولديك موارد معينة ولديك خط إنتاج واحد. أعطني أعظم الجامعات وأعظم العقول وأ عظم الموارد وأعط كل هؤلاء ما يريدون من الزمن وصدقني لن يستطيعوا أن يحولوا يرقة واحدة إلى فراشة. مع أن هذا يحدث داخل الشرنقة كل لحظة. فسبحان المعجز بآياته في الخلق! القادر على ذلك هو الخالق. والخالق أعطاكم كل ما تريدون. ومع ذلك أيض ا تعجزون! لإنتاج فراشة واحدة لابد أن يكون التطور هراء! لإنتاج فراشة واحدة من البديهي أن يكون هناك خالق عليم حكيم يعلم الهدف بعيد المد من دخول اليرقة إلى الشرنقة لإنتاج فراشة ثم يوجه كل خطوة في اتجاهها الصحيح. ويضع الخطة كاملة من البداية! خبرتنا البشرية تقول أن القادر على ذلك لابد أن يكون صانع ا متقن ا. لا نحتاج من الملحد سو التسليم بهذه المقدمة التي تقررها خبرتنا البشرية. أضِف إلى ما سبق أن الفراشة الملكية –مثل التي تعيش في أمريكا الشمالية خاصة كندا والغرب الأوسط- متوسط عمرها حوالي أسبوعين. لكن الفراشة التي تأتي في شهر أغسطس فإن عمرها يكون حوالي تسعة أشهر وهذا إعداد لابد منه للنجاة. فالجيل الذي يولد في شهر أغسطس سيواجه الشتاء وبالتالي لابد أن يهاجر نحو الجنوب – جنوب المكسيك- في رحلة تبعد حوالي 2500 ميل عن موطنه الأصلي ثم يعود بعد انتهاء فصل الشتاء وهذا يتطلب تسعة أشهر كاملة. أما طوال فصلي الربيع والصيف فمتوسط عمر الفراشة

عدد الصفحات ١٥٥

156 فقط أسبوع المدهش الآن أن هذه الرحلة التي تقطعها تلك الفراشة نحو أماكن محددة وخط سير محدد هي رحلة لم يقم بها أحد من آبائها أو أجدادها الأقربين وإنما قام بها جد في الدرجة السابعة أو الثامنة- الجد الذي ظهر في أغسط س السابق - والأكثر داهشية أن هذه الرحلة لا يوجد فيها مرشدين ولا كبار سن بل الكل نفس الجيل. فسبحان الله [ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ] {50}. فكم من معجزةٍ تقدمها فراشةٍ واحدة صغيرةٍ وكم من دليل قدرةٍ إلهيةٍ تحملها تلك الفراشة، وكم من دليلٍ يقيني تحرره وتؤمن به فراشة صغيرة ويكفر به ملحد ضخم الجثة. فحين تدخل الفراشة إلى مرحلة البرزخ الخاصة بها –الشرنقة- تكون على يقينٍ تامٍ بالبعث والعودة إلى الحياة مرة أخر . فهي تدخل الشرنقة وهي تؤمن بالبعث وتؤمن بأنها ستعود مجدد ا ولا تشك في ذلك ولا تتردد تردد المذبذبين من البشر! إن تحول اليرقة إلى فراشة داخل شرنقةٍ، هي معجزة خلق حياة. حيث تحولت اليرقة الحية إلى حِساء من الخلايا داخل اليرقة وتمزقت كل ممز!، ثم عادت مرة أخر تطير في السماء وتُسبح لخالق الأرض والسماء. إن هذه المعجزة أعظم من كل معجزات العلم المادي عبر كل تاريخه. [ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ] {73}. فآيات البعث بعد الموت أمام كل ملحد، هي لمحات وآيات متكررة ليستقيم قلبه ويَسكن جنانه ويعود لربه [ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ] {81} . والبشر ملحدهم ومؤمنهم يملكون هبة عقلية فريدة تمكنهم من تقييم الدليل، والوصول

عدد الصفحات ١٥٦

157 إلى نتيجةٍ منطقية، هذا هو جوهر العلم وجوهر الاستدلال الديني! الوحيد الذي يتجاهل كل ذلك هو الملحد! فعندما تجد آثار ا في الطبيعة تدل على مؤثرٍ، فليس من التكلف أن تقر بأن وجود المؤثر حقٌ وليس بباطل! ومع تراكم الشواهد وتزاحم الأدلة يتحول الحق إلى يقينٍ وتسليم. فأنت مسئوليتك كمتعقل أن تجد السبب المفسر للأثر! إنه الصنع المتقن الذي يتجاوز العالم الطبيعي. إنه الروعة الهندسية والجمالية في جناح الفراشة. إنه آيات إعادة الحياة بعد الموت. إنه آيات الهندسة الملاحية وغريزة السفر التي تقفز بين عشرات الأجيال لتستقر في جيلٍ معين فيطول عمره ليقضى مهمته. فسبحان الله!

عدد الصفحات ١٥٧

158 مرةً أخرى مع الكائنات الدقيقة والبعوضة تقوم الفلسفة المادية الإلحادية على التبسيط والإختزال ثم التعقيد، لكن هذه الرؤية شيء والرصد شيء آخر تمام ا، فالفيروس أد! الكائنات الحية ما زال حي ا بيننا إلى الآن ويهُدد بانتظام أعقد الكائنات الحية، وعندما ينجح الفيروس في خداع الأجسام المناعية antibodies ويصل إ نواة الخلية فإنه يقوم بعملية سطو hijack لا تستطيع أعقد الأنظمة البيولوجية أن تواجهه، حيث يقوم الفيروس بتقطيع نفسه على بوابات نواة الخلية الحديدية حتى يتمكن من اخترا! ثقوب البوابات ثم ينطلق الحم ض النووي الخاص به إلى داخل النواة، وبعد هذه العملية التي تبدو انتحارية، يقوم الحمض النووي الخاص به والذي دخل ممزق ا بالالتئام مرة أخر ثم ينسخ نفسه داخل شريط الحمض النووي الخاص بالنواة آلاف المرات، ثم بعدها ينتقل إلى الريبوسوم خارج النواة ليُكمل عملية التصنيع، ثم يعود إلى النواة مجدد ا ليصبح فيروس متكامل في مهمة من أعجب وأذكى وأمكر وأخبث المهام على الإطلا!، وبعد 48 ساعة من نجاح فيروس واحد في الوصول إلى نواة خلية فإن النواة تصبح محملة ب10 آلاف فيروس مستنسخ حيث يُوقف جميع العمليات الحيوية التي تقوم بها النواة ويكرس كل جهدها في نسخ نفسه فقط .. وفي هذه اللحظة العجيبة والفريدة والتي تحدث داخل كل إنسان ربما كل بضعة أيام، تصل إنذارات من الجسم بوجود محُتل قام بعملية سطو كاملة على إحد الخلايا فتقرر جميع الخلايا المجاورة للخلية المنكوبة أن تنتحر سريع ا حتى لا تتحول إلى مصانع لإنتاج جحافل فير وسية جديدة، وبهذه الطريقة تبدأ مقاومة الجسم للمحتل، وما زكام الأنف وانسداد الجيوب الأنفية إلا مخلفات المعركة -هذا في حال كان الفيروس تنفسي ا-، إن أبسط الكائنات الحية يحمل بصمة الخلق وعظيم الصنع فسبحان الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هد ، سبحان الله [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ] {7}. ومن الفيروس إلى البعوضة أبسط الكائنات المرئية، نجد أن للبعوضة مائة عين في رأسها، و 48 سن في فمها،وثلاثة قلوب في جوفها بكل أقسامها، ولها ستة سكاكين في خرطومها ولكل

عدد الصفحات ١٥٨

159 واحدة وظيفتها،ولها ثلاث أجنحة في كل طرف، ومـُزو دة ب جهاز حراري يعمل مثل نظام الأشعة تحت الحمراء وظيفته: يعكس لون الجلد البشري في الظلمة إلى لون بنفسجي حتى تراه البعوضة، والبعوضة أيض ا مـُزو دة بجهاز تخدير موضعي يساعدها على غرز إبرتها دون أن يحس الإنسان، وما يحس به كالقرصة هو نتيجة مص الدم، والبعوضة مـُزو دة بجهاز تحليل دم فهي لا تستسيغ كل الدماء، ومـُزو دة بجهاز لتمييع الدم حتى يسري في خرطومها الدقيق جد ا، ومـُزو دة بجهاز للشم تستطيع من خلاله شم رائحة عر! الإنسان من مسافة تصل إلى كيلومتر. إن الرؤية المادية الإلحادية والتصور الإختزالي لظهور الكائنات الحية هي فلسفة كهنوتية لا علاقة لها بالعلم ولا ببديهيات المنطق، إن الإيمان بالإلحاد يتطلب بانتظام إنكار بديهيات عقلية ومنطقية أقسى من أشد الديانات إغراق ا في الوثنية.

عدد الصفحات ١٥٩

160 الزوجية في الكائنات الحية يقول بعض الملحدة: الكائنات التي لها جنس واحد هل تتعارض مع قوله تع الي [ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ] {49}. الرد الزوجية أيض ا موجودة في هذه الكائنات الحية لكن داخل الجنس الواحد. ولم يقل الله عز وجل "ومن كل شيء خلقنا زوجين منفصلين". فلم يقل القرآن الكريم أن الزوجية يلزم أن تكون ذكر وأنثى بل ولم ترد حتى هذه اللفظة ! فزوجية شريطي الدنا DNA اللذان يتباعدان لحظة الانقسام أحادي الجنس هي زوجية والحيوان المنوي الذي يُلقح البويضة زوجية. وطلع الزهرة يقابله ميسمها. وكل شيءٍ في هذا العالم له زوجية في طريقة مدهشة تدل على الصنع والخلق وانتفاء العشوائية والعماء والصدفة. فالظلام له مقابل النور والكفر له مقابل الإيمان والجنة لها مقابل النار ومادة هذا الكون المنظورة لها مقابل مضاد المادة Antimatter والإلكترون له مقابل البوزيترونPosirton -إلكترون ذو شحنة موجبة-. والبروتون له مقابل البروتون المضاد -بروتون ذو شحنة موجبة-. وتاريخ أحدث الكشوف الفيزيائية هو تاريخ اكتشافات الزوجية في جسيمات ما تحت الذرة the sub atomic particles فالكوارك العلويup quark له كوارك سفdawn quark. بل تخضع جميع الجسيمات في هذا الكون المنظور إلى مبدأ التناظر الفائقsupersymmetry وهو المبدأ الذي أس س له الفيزيائي الشهير بو ل ديراك Paul Dirac والذي يقرر وجود الزوجية

عدد الصفحات ١٦٠