97 ولم يكن الحال جديد ا بالنسبة لنبينا محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- فقد كان الجاحدون لنبوته والوحي الذي معه يتعلقون في الإعراض عنه بضعفه المادي، وأنه لا يتمتع بمظاهر القوة والرفاة كما يتمتع بها بعض اللامعين في منطقة الحجاز، ورأوا أنه لا يليق الخضوع لنبي إلا إن كان من أشراف الطبقة الارستقراطية في عاصمتي الحجاز وهما مكة والطائف كما قال تعالى عنهم في سورة الزخرف: [ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ] {31} وبكل صراحةٍ ووضوح واجهوه بأنه لا يملك "ثروة مادية" يستحق بها أن يتبعوه كما سا! تعالى احتجاجهم في سورة الفرقان بقولهم: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ] {8}. وبعد هذه الآية مباشرة يعقب سبحانه وتعالى على هذا الاحتجاج المادي الرخيص بكونه لايعجزه سبحانه ذلك ولكنه أراد اختبارهم وامتحانهم فقال سبحانه وتعالى: [ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ] {10}. ولذا كاد أن يكون جوهر الصراع القرآني بين "المظاهر المادية" و "المبدأ الديني" أو ما يسميه القرآن الدنيا/الآخرة، ومن أشد ما يفتن الناس عن حقائق الوحي أنه يغلب على الرسل وأتباعهم من العاملين للدين المشغوفين بتبليغ هذا الوحي أنهم لا يملكون مظاهر القوة المادية الباذخة التي يتمتع بالاستحواذ على مفاصلها غير المسلمين" (1) . وللمرء أن يتسائل: ولماذا يستحوذ الكافرون على مفاصل القو المادية؟ إن اتباع الحق لا المظهر المادي هو أصل من أصول التكليف الدينية. فأي معنى لاختبارٍ وامتحانٍ وابتلاءٍ في اتباع القوي المسيطر؟ فالمفترض أن الاختبار يكون في اتباع الحق، لا المظهر المادي. (1) من وحي كتاب"مآلات الخطاب المدني"، إبراهيم السكران، بتصرف.
عدد الصفحات ٩٧98 فمن يتبع المظهر المادي مفتونٌ تائهٌ عما وراء المادة، خاضعٌ لسحر القوالب الفكرية التي يصبها الماديون وينحتونها وفق ما تمليه أهوائهم. وفي هذا فصلٌ بين أتباع الدنيا وأتباع الآخرة. يقول ابن خلدون رحمه الله في مقدمته مؤرخ ا لهذه القضية الخطيرة: " الفصل الثالث والعشرون في أن المغلوب مولع أبد ا بالاقتداء بالغالب في شعا ره وزيه و نحلته و سائر أحواله وعوائده، و السبب في ذلك أن النفس أبد ا تعتقد الكمال في من غلبها و انقادت إليه إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه أولما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب فإذا غالطت بذلك و اتصل لها اعتقاد ا فانتحلت جميع مذاهب الغالب و تشبهت به و ذلك هو الاقتداء أو لما تراه و الله أعلم من أن غلب الغالب لها ليس بعصبية و لا قوة بأس لم إنما هو بما انتحلته من العوائد و المذاهب تغالط أيض ا بذلك عن الغلب و هذا راجع للأول و لذلك تر المغلوب يتشبه أبد ا بالغالب في ملبسه و مركبه و سلاحه في اتخاذها و أشكالها بل و في سائر أحواله و انظر ذلك في الأبناء مع آبائهم كيف تجدهم متشبهين بهم دائما و ما ذلك إلا لاعتقادهم الكمال فيهم" (1) . فحقيقة الأمر أن الملحد وقع ضحية الاستبداد الثقافي للسطوة الغربية على عقله. بل وصراحة كل العلمانيين داخل هذا السجن. ويميل الملحد إلى التفهم قدر الإمكان إلى كل إشكالات الماديين وكل ثغرات أفكارهم. ويُقدم في ذلك المعالجات تلو المعالجات، والاعتذارات تلو الاعتذارات. لكن يا تر ما هي مشكلة المظهر المادي بخلاف أنه مصكوكٌ على الهو ؟ مشكلة دعاة المظهر المادي أنهم لا يقدمون أجوبة عن أسئلة الغاية، فقد كانوا وما زالوا عمي ا في الغايات ولكنهم متمكنون جد ا من الوسائل فجعلوا من الوسائل عصائب على أعينهم تمنعهم (1) مقدمة ابن خلدون، الفصل الثالث والعشرون.
عدد الصفحات ٩٨99 تبصرُّ الغايات ولو أنهم لحظة انتصارهم المادي انصاغوا إلى الأجوبة الدينية. فصاروا مقلدين في الدين مبتدعين في الحضارة –كما كان حال المسلمين في تاريخ مجدهم الأزهر- لما صارت مشكلة. لكن ما نعيبه على دعاة المادية أن اغترارهم بالمادة أعمى بصائرهم عما ورائها. [ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ] {ر83}. فأصل معرفة الغايات هبة إلهية تقترن بالإيمان، وقد عجزت كل حضارات العالم أن تتقدم خطوة واحدة إلى الأمام في أجوبة الغاية. بل ظلت هذه الأجوبة حصرية داخل ميدان الإيمان [ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ] { النور40}.. فالعودة إلى الإيمان تملك الإجابة الشمولية على كل أسئلة لماذا، وكل أسئلة المعنى، وداخلها يجد الإنسان ذاته، أما خارجها فلا يجد إلا مجموعة من الذرات المتلاحمة بلا معنى، والتي تتحرك بلا غاية وترتطم بلا هدف. فما فائدة أن تعرف تفاصيل جزء معين من العلوم –الوسائل- وأنت جاهلٌ بأعظم مطلوبٍ للإنسان –الغايات-؟ لذا كان الافتتان بالمظهر المادي وتجاهل أعظم مطلوب هو منتهى الجهل الذي سقط فيه الملحدة! وكان هذا أصلاً كبيرًا من أصول إلحادهم.
عدد الصفحات ٩٩100 اللاأردية أزمة عقل [ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ] {143}
عدد الصفحات ١٠٠101 اللاأدرية؛ أزمة عقل اللاأدرية Agnosticism؛ هي مرحلة منتصف الطريق، فاللاأدرية أحد الفر! الإلحادية الثلاث الكبر "إلحاد – ربوبية- لاأدرية"، وتتميز اللاأدرية عن غيرها من الفر! الإلحادية أنها لم تجزم بوجود خالق ولم تنفِ وجوده، بل تجعل كل الاحتمالا ت قائمة. وهي بذلك أشبه ما تكون بمرحلة عارضة طارئة –موقف وقتي-، ولذا فهي أقل الفر! الإلحادية الثلاث أتباع ا (1) . إذ أن البديهة المُركبة في البشر هي الوصول إلى الحقائق والاستقرار عليها، وإلا ما حدث تقدم في حياة البشر –فشرط التقدم أن تستقر على موقف ثم تنتقل منه لغيره-، أما اللاأدرية فهي تفترض حالة من حالات التوقف –عدم الجزم بشيء-، أو كما يسميها الملحد ريتشارد داوكينز Richard Dawkins :"اللاأدرية؛ حالة من حالات الجُبن الفكري، فهي كالجالسين على السور –الراقصين على السلم باللهجة المصرية- ual cowardicesitting, intellect-fence " (2) . ولذا فهي غير مستساغة ولا توجد لها ركائز داخل النفس، ولا يقبل الإنسان السوي أن يحيا ويموت تحت هذا المُسمى " لا أدري"، فالإنسان يعرف أنه توجد حقائق واضحة جلية، ولولا هذه المعرفة ما ص ح علم ولا فكر. وعلى قِلة أتباع اللاأدرية فقد انقسمت إلى طوائف شتى؛ الفرق والمذاهب اللاأدرية المعاصرة: 1- اللاأدرية القوية المغلقةStrong Agnosticism 2- اللاأدرية الضعيفةWeak Agnosticism (1)http://www.nature.com/nature/journal/v386/n6624/abs/386435a0.html. (2) The god Delusion, p.70.
عدد الصفحات ١٠١102 3- اللاأدرية البرجماتيةApathetic Agnosticism 4- اللاأدرية الملحدةAgnostic atheism 5- اللاأدرية المؤمنةAgnostic Theism وتجتمع هذه الفِر! على عدم الجزم بصحة المعتقد الديني وأيض ا عدم الجزم بتخطئته، وتختلف فيما بينها في قوة التوجه نحو هذا أو ذاك! وقوام حجة اللاأدرية أن خبرتنا البشرية لا موضوعية –من العسير التحقق من صحة معطياتنا-، وبالتالي يستحيل الإجابة عن مسألة كبر مثل وجود الله-سبحانه وتعالى-. وهنا تناقض ظاهر لا يخفى، حين يتحدثون عن مسألة وجود الله سبحانه وتعالى وكأنهم يُعرفونها مسبق ا بأنها موضوعية، فما أدراهم أنها كذلك إلا لو كان العقل البشري يُميز المسائل الموضوعية من المسائل الذاتية! ثم مَن قال أنها موضوعية أو غير موضوعية ومَن أدراهم أنها مسألة مستقلة وليس كمثلها شيء؟ ثم إن أدلتنا العقلية على الإيمان بوجود الله سبحانه وتعالى تقوم على براهين أولية قبلية A- Periori وليس قياسات عقلية والبرهان العقلي الأولي لا علاقة له بالخبرة البشرية بل هو سابق في الوجدان والوجود عليها. فالإنسان يولد ببراهين عقلية أولية مسبقة، اتفق على وجودها الملحد والمؤمن، فيُسميها المؤمن ب "الفطرة" أو "الصبغة الإلهية " [ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ] {138}. ويُسميها الملحد بالغرائز الأوليةinstincts . ومن اللافت للنظر أن علم اللغويات الحديثة التي أسس لها نعوم تشومسكي Noam Chomsky تقوم على أن العقل يولد كصفحة بيضاء بل يحتوي على الكثير من المقدمات الأولية
عدد الصفحات ١٠٢103 knowledge is innate . وأصل علم اللسانيات الحديث لا يمكن دراسته دون التسليم مسبق ا بوجود فطرة منسوجة مسبق ا داخل العقل البشري وأنه ليس صفحة بيضاء (1) . فالعقل يمتلك براهين أولية أو قبلية، لا تعتمد على الخبرة ولا يتم اكتسابها أو توريثها ع الأجيال، ومن هذه البراهين العقلية القبلية الأولية برهان السببية! فهو برهان قبلي أولي لا ينفك ولا ينخرم، فأنت موجود ووجودك لا يُفسر نفسه بنفسه إذن لك موجِد [ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ] {35}. إنه دليل عقلي أولي كوني، يتجاوز أُطر الزمان والمكان، ولا يتقيد بخبرتنا البشرية بل هو أعم وأعمق. وقوام كل العلوم النظرية والتجريبية على برهان السببية، فلولا اضطراد هذا البرهان ولولا استقراره في الأذهان ما صحت معادلة ولا انضبطت تجربة ولا سل منا بنتيجة ولصارت كل العلوم لغوٌ فارغ! فبرهان السببية هو برهان كوني أعلى من القانون وعليه تقوم كل العلوم! أيض ا من أدلة الإيمان بالخالق أن هذا العالم موجود ووجوده يفيد عرضيته وتغيره، والعالم لا يفسر نفسه بنفسه، إذن لابد لهذا العالم من موجِد [ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ] {36}. إذن نحن نقوم بالإيمان بالخالق استناد ا إلى برهان عقلي أولي يسبق الخبرة البشرية ويسبق كل ملكاتنا المكتسبة. ثم قبل هذا وذاك بأي دليلٍ من خارجنا نحن مُطالبون بالتمرد على خبرتنا البشرية؟ (1) http://en.wikipedia.org/wiki/Universal_grammar
عدد الصفحات ١٠٣104 بأي دليلٍ من خارجنا نحن مضطرون لعدم الانصياع لمكتسباتن ا البشرية؟ بأي دليلٍ نرفض كل ما تمدنا به حواسنا؟ الآن الموقف انقلب! نحن الذين نُلزم اللاأدري بالتسليم بما ترصده الحواس وهو يرفض ويعاند، مع أنه داعيه المذهب الطبيعي والمبشر الأول به، أليس كذلك؟ زِد على ذلك أن براهيننا القبلية الأولية أعلى وثوقية من خبرتنا ا لعلمية التجريبية بكثير وأكثر منها ضبط ا وإتقان ا. ومع ذلك اللأدري يُس لِّم بصحة العلم الطبيعي التجريبي، ويقطع به! أضف إلى ما سبق أن أدلتنا لا تنحصر في البراهين القبلية الأولية، بل هذه أحد البراهين لا أكثر، وإلا فبرهان النبوة هو برهان آخر قائم بذاته ومنفصل عن البراهين الأولية. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رائعته ثبوت النبوات: " ليست المعجزة هي الشرط الأوحد للنبوة، فمُدعي النبوة إما أن يكون أصد! الصادقين أو أكذب الكاذبين ولا يُلبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين، وقد أسلم السابقون الأولون أمثال أبي بكر الصديق وخديجة والمُبشر ون قبل انشقا! القمر والإخبار بالغيب والتحدي بالقرآن، .... و كثيرٌ من الناس يعلم صد! المُخبر بلا آية البتة، وموسى ابن عمران لما جاء إلى مصر وقال لهم إن الله أرسلني علموا صدقه قبل أن يُظهر لهم الآيات، وكذلك النبي لما ذكر حاله لخديجة وذهبت به إلى ورقة ابن نوفل قال هذا هو الناموس الذي أتي موسى، وكذلك النجاشي، وأبو بكر علموا صدقه علما ضروري ا لما أخبرهم بما جاء به وما يعرفون من صدقه وأمانته مع غير ذلك من القرائن يوجب علما ضروري ا بأنه صاد!، وخبر الواحد المجهول من آحاد الناس قد تقترن به قرائن يُعرف بها صدقه بالضرورة، فكيف بمن عُرف بصدقه وأمانته وأخبر بمثل هذا الأمر الذي لا يقوله إلا مَن هو أصد! الناس أو أكذبهم، وهم يعلمون أنه من الصنف الأول دون الثاني" (1) . (1) ثبوت النبوات، شيخ الإسلام ابن تيمية، ص 573.
عدد الصفحات ١٠٤105 فبرهان النبوة هو برهان مستقل آمن بمثله ما لا حصر له من البشر ومنهم ما لا يحُ من المفكرين والعقلاء عبر التاريخ. أيض ا من البراهين التي تقطع بصحة القضية الدينية تلك البراهين التي تتجاوز إطار القيد المادي في هذا العالم مثل برهان الأخلا!، فالأخلا! لا مصلحية ولا مادية وتستمد بانتظام معناها وقيمتها من عالمٍ آخر لا علاقة له بهذا العالم المادي المجرد، ومع ذلك يُسلِّم بصحة معنى الأخلا! في ذاتها المؤمن والملحد واللاأدري. مع أن الجميع يعلمون أنه ليس للأخلا! مستند مادي يدعمها، بل الأخلا! في أجلى تعريفاتها أنها: "تأتي دائما ضد المادة وضد المصلحة الشخصية ". (2) ولا تخضع لرغبات البشر أو نزواتهم فالخير خير عن الصالح والطالح، والشر شر عند الصالح والطالح، فهي تستمد معناها باستمرار من عالمٍ آخر ولا يوجد داخل هذا العالم لها مستند يدعمها! فهذه كلها براهين مستقلة تؤكد سخافة دعو اللاأدرية، وخطأ حصرها للأدلة في نطا! الخبرة البشرية، مع الجزم بأن كل العلوم التجريبية تقوم على الخبرة البشرية، ولا مجال لنقد الخبرة البشرية بدليل من داخلها، ولا يوجد خارجها ما ينقدها!
عدد الصفحات ١٠٥106 كما ذكرنا أدلة الإيمان لا تنحصر في نطا! الخبرة البشرية كما يزعم اللاأدري، بل هي تتجاوز ذلك بكثير، مع التوكيد مرار ا وتكرار ا على عدم جواز تخط ئة الخبرة البشرية في ذاتها، وإلا فكل علوم الدنيا تقوم على الخبرة البشرية فهل يكفر اللاأدري بهذه العلوم؟ مشكلة اللاأدري أنه يحبس نفسه داخل حالة من التوقف الغير مُبرر والغير ممُنهج، فلا ينضبط لدليل ولا ينسا! لحجة. وإذا كان التأزم النفسي الشديد قد يؤدي إلى الإلحاد تخلص ا من الدين [ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ] {11}. أو يؤدي إلى الدين تخلص ا من الإلحاد، فإن اللاأدرية تحبس صاحبها في قلب حالة التأزم - ولم يحرم هذا الموقف الشخص اللاأدري أيض ا من خسارة الدنيا والآخرة -! وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا التخبُّط والتوقف الغير ممُنهج هو أصل كفر الكافر وأن الذي يزعم أنه لا يدري هو كاذب في زعمه؛ ففي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داوود وصححه الألباني أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: " إن العبد الكافر ... يأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول هاه هاه لا أدري، فيقولان له ما دينك فيقول هاه هاه لا أدري، فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هاه هاه لا أدري، فينادي منادٍ من السماء أن كذب فافرشوا له من النار وافتحوا له باب ا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها" (1) . والشاهد من الحديث أن هذا حال اللاأدري قبره، فهو كاذب كما أخبر الصاد! المصدو! صلى الله عليه وسلم، فأدلة اليقين التي على مثلها آمن البشر لا حصر لها، ولذا فحجة اللاأدري داحضة عند الله يوم القيامة خاصة وأن أدلة الإيمان استجاب لها البشر وأورثتهم اليقين التام [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ] {16}. (1) أحكام الجنائز، للألباني، ص156.
عدد الصفحات ١٠٦107 واللاأدري لا يضع احتمال وصول معرفة الله إلى وجداننا بطريقة نعلمها أو لا نعلمها، فأغلق الطريق وسد د مسالك قلبه قبل أن يأتيه الدليل، وهذه هي مرحلة "الر ان " التي حذ ر منها القرآن الكريم، والتي لا تصلح معها موعظة ولا تستجب لمؤثر [ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ] {14}. مع أن اللاأدري لو تد بر أبسط بديهيات عقله لسقطت لاأدريته في جلسة، ف برهان انتقال اللاحياة إلى حياة مثلا وهو برهان استخدمه القرآن الكريم كثير ا في إثبات التدخل الإلهي [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ] {73}. هذا البرهان ما زال حتى اللحظة حجة في وجه كل البشر. ذلك أن كل علوم العالم وكل جامعات العالم وكل ما توصل إليه العالم من ذكاءٍ وتقانةٍ وضبطٍ وماكيناتٍ عملاقة لا يستطيع أن يُنتج أبسط صور الحياة! ومع ذلك ما زال الكافر يفترض أن العشوائية أنتجت كل صور الحياة وأنتجت الفيروس والباكتريا والإنسان، في حين أننا بمكائننا العملاقة وعقولنا الجبارة لم نستطع أن ننتج أبسط صور الحياة، ثم نفترض أن العماء والصدفة قاموا بذلك. إذا لم تكن هذه قمة السذاجة فأين تقبع قمة السذاجة؟ إن أد! الكائنات الحية على الإطلا! يقودها الغرض والهدف والغاية، وتتمتع بالوعي و تحليل المعلومات ثم إعطاء رد فعل بِناء ا على تلك المعلومات، مثلا الأميبا Amoeba وحيدة الخلية لو جاء بجوارها غِذاء متحرك فإنها تلف أذرعها حوله بحذر حتى لا يهرب، في حين لو كان الغذاء ثابت ا لا يتحرك – حُبيبة نشا – فإنها تلتصق به دون احتراس.
عدد الصفحات ١٠٧108 والأميباكائن وحيد الخلية بلا مخ ولا عين ولا أعصاب ولا حواس (1) . و البويضة بعد تخصيبها تُعبرِّ عن استقلالها البيولوجي ويكون لها وعي وإحساس بحقيقة أنه يمكنها التفاعل مع بيئتها، وتبدأ في الإنقسام الذاتي لخلايا يفو! في عددها نجوم مجرة درب التبانة، و لديها القدرة على تلقي المعلومة ومعالجتها والتفاعل باستقلال مع المعلومة (2) . في المقابللا يمكن أن يبلغ الكمبيوتر مهما اشتد تعقيده أبسط درجات الوعي في كائن وحيد الخلية كالأميبا، ومع ذلك عملية تصنيع الكمبيوتر عملية واعية وذكية للغاية وفي حدود زمان ومكان. ولو كن ا أكثر إنصاف ا فالحق أنه لا وجه للمقارنة أصلا لأن نسبة وعي أذكي الكمبيوترات على الإطلا! تساوي صفر I.Q.=ZERO ،في مقابل أبسط عضية من عضيات الأميبا التي تتمتع بالوعي -وإصدار رد فعل بناء على المعطيات والمعلومات- فضلا عن الأميبا ذاتها (3) . ومع ذلك المطلوب أن نُصد! أن اللاحياة أنشأت الأميبا والإنسان، والذكاء الإنساني لم يستطع أن يُنشيء أبسط صور الوعي. إنه السؤال المفصلي والجوهري، بين الدين المنطقي واللاأدرية الكاذبة . وهنا بعض معتنقي اللاأدرية قد يقولون: حسن ا ما سبق جيد؛ لكن كيف تطالبوننا بالإيمان بخالق لا نعرف عن جوهره شيئ ا ثم تقولون لنا: ليس كمثله شيء؟ وهذا من انطماس بصائر اللاأدرية فعدم معرفة جوهر الشيء لا تعني انتفاء وجوده، فنحن لم نعرف جوهر المادة ذاتها حتى الآن، فهل نُنكر وجود المادة؟ (1)https://en.wikipedia.org/wiki/Amoeba (2) http://www.innerbody.com/image/repo04.html (3) Russell, Stuart J.; Norvig, Peter (2003) pp. 958–960 Artificial Intelligence: A Modern Approach
عدد الصفحات ١٠٨109 والإنسان يستطيع الإيمان بالأشياء المجردة والمطلقة دون القدرة على الإحاطة التامة ا، فالعقل الإنساني يستطيع أن يصل إلى حتمية وجود قوة إلهية خارجة عن أبعاد الكون التي يعهدها. بل إن تشارلز داروين نفسه يقرر أن الدين قضية عقلية محترمة يتبعها عقلاء ومفكرون عبر كل العصور فيقول: " أما وجود حاكم للكون فهذا مما دانت به جموع من أعظم العقول التي وُ جدت على الإطلا!" (1) . فأغلب البشر يؤمنون بالله تبع ا للفطرة الداخلية دون إعمال كثير عقل ويتبعون الدين السائد والله يفصل بينهم يوم القيامة، ومن الناس مَن يُعمل عقله فيهتدي أو ينحرف حسب درجة البحث ومصداقيته. وخارج كل هذا تربض اللاأدرية بلا مستندٍ ولا ركي زةٍ ولا معنى! (3) تحدثنا فيما سبق عن سخافة المقدمة اللاأدرية، وخطأ إسقاط الخبرة البشرية، أيض ا فص لنا الحديث عن مد قوة واستقلالية أدلة وبراهين الإيمان. ومد اعتماد هذه البراهين على أدلة عقلية صحيحة وسليمة تركن في أغلبها لصِبغةٍ فطرية ومقدماتٍ استدلالية . لكن هنا قد يتقافز لاأدري ويقول: كيف سلَّمنيا من الأساس بصحة مقدماتِنا العقلية الاستدلالية؟ لماذا لا تكون هذه المقدمات بنتائجها مجرد وهمٍ كبير؟ لماذا لا تكون سراب ا خادع ا؟ (1) Darwin, Charles (1902) The Descent of Man, p.131
عدد الصفحات ١٠٩110 ألسنا إلى اليوم نعجز عن حل معضلاتٍ فيزيائيةٍ كثيرة؟ ألسنا عاجزين عن الجمع بين فيزياء النسبية وفيزياء الكم؟ وللرد على ذلك نقول: في واقع الأمر هنا اللاأدري لابد أن يعي أن عملياتنا العقلية تعكس شيئ ا ما عن العالم المادي الذي نسكنه فهي صحيحة. ولذلك أحكامنا ناجحة جد ا وتنبؤاتها صحيحة، وأعطت نتائج جيدة ! والبحوث العلمية تحتوي على قدرٍ كبيرٍ من الدقة لأنها ترتبط بواقعٍ مادي، يثبت أننا نسير في الاتجاه الصحيح، لكن الأهم من ذلك أن عقولنا ترصد كل ذلك وتحلله وتتوقع النتائج. من أجل هذا فلنا الحق كاملا أن نثق في أحكام عقولنا. فالعقل استنتج قوانين سقوط الأجسام –قوانين نيوتن الثلاثة Newton's Laws - وح قمنا بتطبيقها جائت النتائج صحيحة تمام ا (1) . وأيض ا صدقت تنبؤاتنا واستطاع أينشتاين أن يُ دخل بعض التعديلات على قوانين نيوتن في السرعات الأعلى وجائت نتائجه مبهرة وعلى قدرٍ مدهشٍ من الدقة والضبط، بما يعطينا ثقة أعلى في أن أحكام عقولنا ليست وهم فارغ أو سراب خادع! (2) والعلم نفسه مؤسَس على أمل أن العالم عقلاني –مستوعَ ب عقلي ا the rationality of the universe–في جميع مناحيه المشهودة ولم تنخرم هذه القاعدة حتى الساعة، وفي الفيزياء النووية وفيزياء الأفلاك ظلت قدراتنا العقلية غير خادعة بالمرة، بل هي ثابتة ومتزنة وتعطي أحكام ا لها طابع الوثوقية العالية. وليس معنى عدم استيعاب عقولنا لأشياء مثل توحيد فيزياء النسبية مع ميكانيك الكم – يأمل العلماء أن تتوحد النسبية لأينشتاين مع ميكانيك الكم في نظرية شاملة تأتي على القو الأربع (1)http://www.physicsclassroom.com/Physics-Tutorial/Newton-s-Laws. (2)http://csep10.phys.utk.edu/astr161/lect/history/einstein.html.
عدد الصفحات ١١٠111 الكTOA – ليس معنى ذلكأي تشكيكٍ في قيمة عقولنا فلا يعني ما لم نصل إليه افتقاده للمعقولية! وإنما يعني طبيعتنا البشرية القاصرة لا أكثر. وهذا لا يخُرج العقل عن مصداقية أحكامه ! فلا يعني عدم مقدرة الآلة الحاسبة جمع أرقام تزيد على عشرة أرقام خطأ ما تتوصل إليه وإنما طبيعة تصميمها لا يتيح لها إلا هذا القدر من المعلومة وما فو! ذلك يتجاوز مقدرتها، ولا يُ شكك هذا التجاوز في معطياتها، لأن كل معطياتها –العمليات الحسابية - بالتطبيق المادي سليمة وتنبؤاتها صحيحة. أضف إلى ذلك أن قانون المربع المقلوب للقوة الكهربية تم إثباته دائما –وفر! الجهد الكهربي بين نقطتين يظل ثابت ا: فعندما تنتقل شحنة كهربية بين نقطتين مقدارها واحد كولوم Coulomb فإن الشغل المبذول يكون واحد جولJoule- (1) . وهذه محاكمة استقرائية ناجحة تمام ا وهي أساس نجاح العلم ذاته! فالعلم يقوم على إمكانية الاعتماد على الطبيعة من خلال محاكمة استقرائية عقلية مسبقة، توفر قناعة أن المربع المقلوب للقوة الكهربية سيظل ثابت ا في التجربة التالية، وبالتالي فالحكم العقلي سليم! فالزعم بأن الكون عقلاني مرتبط بحقيقة أنه منظم، ومرتبط أكثر بحقيقة صحة مقدماتنا العقلية! والتشابك المنضبط للأحداث –مثل ظهور الملح والماء عند الخلط بين الحامض والقاعدي- يمدنا بانتظام بتأكيد صحة مقدمتنا العقلية عن السببية! فالسببية هي أحد مظاهر النظام العقلاني للعالم، وجميع الأحداث التي نرصدها تدور في (1) http://www.rapidtables.com/convert/electric/Joule_to_Volt.htm.
عدد الصفحات ١١١112 إطار سبب ونتيجة فأصل العلم التجريبي يقوم على أن: القوانين التي تحكم العالم ليست عديمة المعنى بل تسير وفق أنسا!ٍ مبهرة يمكن التنبؤ بها واستنباطها واستيعابها. وبالتالي فأحكامنا لها وثوقية عالية! ويؤكد الدين أيض ا على هذه الحقيقة، فأصل الدين على أن كل ظواهر الكون وقوانينه منضبطة ولها هدف وغاية، وليست عبث ا [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ] {27}. وألف باء علم تجريبي أن قوانين الكون مُفص لة تفصيلا [ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ] {12}. فالزعم بأن مقدماتنا العقلية قد تكون وهم خادع، هو زعم خيالي يناقض ألف باء علم وعقل ومنطق! فهو زعم ناتج عن خيال. والخيال مجاني، ولا حِكر على الأوه ام، وهنا فقط تركض اللاأدرية وترتع حيث الأوهام والخيالات التي لا حصر لها. فالعقل ينفتح على ما لا حصر له من الإيرادات والتوهمات والخيالات والحقائق والهلاوس. ويبقى معيار التمييز بين الحقائق والهلاوس محايث ا –مرتبط ا ب- لأول احتكاك بالعالم المادي وبسننه التي تُ سقط كل هلاوس اللاأدرية! ومن عجيب ما يُذكر هنا: أن التشكيك في صحة معطيات العقل هو مرض عصابي يُسمى: مرض اعتلال الذاكرة المتكرر Reduplicative Paramnesia (1) . (1) https://en.wikipedia.org/wiki/Reduplicative_paramnesia
عدد الصفحات ١١٢