81 السليم ضد الإلحاد! ولو حاورت ملحد ا فأول ما يبدأ به هو التشكيك في مقدمات العقل! فإذا حد ثته عن السببية - لكل شيءٍ سبب- كمقدمة عقلية وبديهة مُر كبة في الأذهان، فإن الملحد سيحاول أن يُسفسط هذا الدليل كما سيأتي بيانه. على الرغم من أن السببية برهانٌ عقلي أعلى من القوانين بل عليه تقوم قوانين العلوم. والسببية ليست فرض ا عقلي ا ولا جدلا تص وري ا، وإنما هي أصل عقلي A-Periori ، ف يستقيم علم دون التسليم مسبق ا بصحة السببية. بل إن أصل العلم الحديث يقوم على العلاقة بين السبب والمؤثِ ر، فرصد الذرات يتم عبر إثبات أثرها ودلائل وجودها، ورصد القوانين يتم عبر الاستدلال بأثرها، ورصد الجاذبية هو رصد لأثرها وليس رصد ا للجاذبية ذاتها. فنحن إلى اليوم لم نرصد جسيم جاذبية واحد graviton ومع ذلك نُسلم يقين ا بوجود الجاذبية، بل كل علوم المايكرو micro-physics –ما دون الذرة- تقوم على رصد الأثر، فلا يوجد شيءٌ في العلم الميكروي يسمى مثلا مشاهدة الإلكترون، وإن ما رصد أثره! (1) وهنا شاهدان؛ الشاهد الأول: أن السببية أصل العلم وأقو من البرهان والقانون، فالذي ينكر السببية لمجرد مخالفتها لعقيدته الإلحادية، هو معاندٌ لبديهةٍ عقليةٍ مستقرةٍ في عقول جميع البشر منذ اللحظة الجنينية -إذ ثبت أن الجنين يؤمن بالسببية وهو ما زال في بطن أمه ولو ضغط الطبيب على رحم الا م أثناء الفحص يعطي الجنين رد فعل حسب مكان الضغط والتأثير فهو يؤمن بوجود سبب ومُسبِ ب-. (1) From Microphysics to Macrophysics: Methods and Applications, Roger Balian.
عدد الصفحات ٨١82 الشاهد الثا: أن الاستدلال بالأثر هو استدلال علمي ومنطقي يقبله العقل ويقوم بمنزلة البرهان على وجود المؤثر. والآن: لدينا كونٌ ظهر من اللازمان واللامكان؛ إلى المكان والزمان بمعايرةٍ دقيقةٍ للغاية Fine-tuning وبضبطٍ مدهشٍ وحدود حرجة، بمئات الثوابت الفيزيائية التي لو اختل ثابت واحد منها بمقدار واحد على مائة بليون لما ظهر الكون (1) . وعلى الرغم من أن قانون العلم يقول ب ـ"حفظ الطاقة وأن الطا قة لا تُستحدث من العدم" (2) . لكن نحن أمام طاقة هائلة أستُحدثت من العدم في لحظةٍ واحدة، فكل طاقة الكون وكل مادة الكون ظهرت في جزء أقل من مليار مليار مليار جزء من الثانية، ففي اللحظة 10 أس-43 من الثانية وهي لحظة لا يمكن استيعابها لقصرها الشديد ظهر كل شيء فج أة وظهر الكون ، وتضخ م الكون من أصغر من حجم الذرة بمليارات المرات إلى أكبر من مجرة (3) . (1) قوانين الفيزياء التي ظهرت في أول ثانية من نشأة الكون هي نفسها التي تحكم عالمنا اليوم، هذه القوانين تم ضبطها بعناية Fine Tuned ،وإلا فإن أي خلل أو أي تغيير في أي من الثوابت الكونية سيفرز كونـ ا مجُهض ا وسيظل بيضة كونية Cosmic egg . during this cosmological inflation, the universe expanded by a factor of 1,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000 in . 00000000000000000000000000000000001 second. It was as if a coin 1 centimeter in diameter suddenly blew up to ten million times the width of the Milky Way. . source: The Grand Design, Stephen Hawking (2) http://hyperphysics.phy-astr.gsu.edu/hbase/conser.html (3) اليكس فلبينكوAlex Filippenko عالم الفيزياء الفلكيةبجامعة كاليفورنيا في الوثائقي: “History of the World in Two Hours”.
عدد الصفحات ٨٢83 ألا يعد هذا دليلاً على المُ حدِ ث والخالق والصانع، أليست هذه بديهة لا يجد العقل لها ردًا؟ وأمام هذا الدليل الكبير فإن الملحد يحاول أن يُسفسط لك هذا البرهان بمجموعة من السفسطات، مثل: الظن بغياب السببية في عالم الكم. لكن الحقيقة في هذا الأمر أنه: في عالم الكم لا تتبع الجسيمات ردود أفعال واحدة أو حتمية متوقعة دوم ا، وإنما يكون لها "احتمالات" وهذا ما بي نه لنا عالم الفيزياء والرياضيات الألماني الأشهر "ماكس بورن Max Born" حيث أوضح في أثناء تفريقه بين "السببية والحتمية Causality and Determinism"، كيف أنه في عالم فيزياء الكم لا تنتفي السببية ولكن التي تنتفي هي الحتمية لتحل محلها الاحتمالات! (1) ثم إن ظواهر الكم تحدث داخل إطار الزمان والمكان space-time والكون جاء من اللازمان واللامكان! فكيف يستقيم أن نزعم حدوث ظاهرة من ظواهر الكم قبل ظهور الزمان والمكان وبالتالي قبل ظهور إمكانات الكم ذاته. أيض ا ما علاقة ظاهرة أحادية تحدث في عالم الكم بكون عملا! انضبطت لحظة ظهوره عوامل غاية في التعقيد؟ أضِف إلى ماسبق أن: أية محاولة للسفسطة في بر هان السببية يعد لعنة anathema على العلم الطبيعي، لأن الشك في السببية يقضي على أي أملٍ في تفسير العالم، وبهذا تتحول دوغما Dogma الإلحاد إلى لعنةٍ على كل علمٍ وفكر فهذه السفسطات التي يطرحها الملحد لا ترقى أن تكون ظن ا ضعيف ا فضلا عن أن تكون ظن ا قوي ا؛ فما بالك ونحن نتحدث عن برهان عقلي وليس ظن قوي أو ظن ضعيف فضلا عن أن يكون (1) انظرالفصل الثاني مِن كتابه الشهير: Natural Philosophy of Cause and Chance.
عدد الصفحات ٨٣84 سفسطة تُقاَبل بسفسطة فالقضية الدينية الإيمانية مُسل مة عقلية ومعرفية ووجدانية وفطرية ونقلية بدرجة يقينية! وإذا انتقلت بالملحد لأدلةٍ عقليةٍ أخر كالأدلة على التصميم الدقيق لحظة الخلق الأولى للكائنات الحية، وظهور الخريطة الجينية المشفر داخلها المنظومات البيولوجية الدقيقة في هذه الكائنات –انظر الهامش للفائدة- (1) . فإن الملحد سيحيلك إلى المتشابه كالابتلاءات والأمراض وهكذا يتعامل الملحد معك ومع أدلتك! يقول ابن الوزير اليماني: "فسبب الشك والكفر: هو النظر في المتشابهات، التي لم يحط البشر (1) الخريطة الجينيةGenome التي هي منظومة التشفير داخل كل خلية. هذه الخريطة معقدة ومركبة وقانونية ولغوية ومنتجة! ونقول معقدة مركبة لغوية منتجة لأن الحياة ليست إلا تنفيذ للخريطة الجينية المقننة الهادفة وهذا يجعلها دالة على خالق هادف، فصفة الأثر دالة على صفة المؤثر. فالحياة تسير بنظام دقيق منتج هادف واعي، تحت إشراف خريطة جينية ظهرت بمنتهى الضبط منذ البدء! وهذه الخريطة الجينية قانونية فهي تُنشيء قوانين غاية في الضبط والتعقيد فسونار الطبيب أو رادار المرور قد صممها مصمم وفق قانون دقيق ومحكم ليؤدي الغرض الذي صُنع من أجله، وبنفس القياس العقلي نقول أن سونار الخفاش قد صممه مصمم ليؤدي قانون وظيفي دقيق ومحكم ومحدد فالخفاش يستخدم تقانة عالية لتحديد المواقع بالصد echo location . وأبسطبديهيات العقل والمنطق تقول أن خالق هذه الخريطة الجينية هو خالق حكيم عليم قدير مريد فلغة الخريطة الجينية تدل على أن وراءها متكلم مريد، خاصة وأن الخريطة الجينية تصل إلى أهداف مشفرة مسبق ا وهي أهداف لها قانونية كاملة. فالخريطة الجينية مقننة وتعمل بقانون وهي لاعشوائية فهي تعمل في كل جزئية من جزئياتها لغاية وهدف معين ويحكمها نظام يعرف عاقبة كل عمل. وإذا لم يكن هذا هو الخلق المتقن فما هو الخلق المتقن؟ [ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ { ]88}.
عدد الصفحات ٨٤85 بها عل، ولا عرفوا تأويلها" (1) . فأصل استشكالات الملحد مُريكبة من افتراضات وخيالات، فهو يُُيل في العادة الأدلة اليقينية إلى ما لم نُحط بعلمه، فصار إلحاده قائماً على ثغراتٍ وفجواتٍ معرفية. فأجوبة الملحد على الأدلة الإيمانية هي في أصلها أجوبة في غير محل الشاهد. فحارب الملاحدة الأدلة العقلية والبراهين الأولية والمقدمات الفطرية، وحاربوا أدلة النظام والغائية والقصد والعناية، وتجاهلوا القضايا العقلية الكبر مثل دليل الحدوث، ومعجزة خلق الحياة، والنبوات والدين وال فطرة والأخلا!، والمعايرة الدقيقة في كل شيءٍ حولنا وداخلن ا ومعضلة استيعاب الخير والشعور بالامتنان، وما لا يمكن حصره من الأدلة (2) . وصار الإلحاد يتطلب من أتباعه باستمرار إنكار بديهياتٍ عقليةٍ ومنطقيةٍ أقسى من أشد الديانات إغراق ا في الوثنية. فما قام الإلحاد إلا على الانتحار المتواصل للعقل البشري في كل لحظة وفي مواجهة كل دليلٍ سمعيٍ أو عقليٍ [ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ] {10}. وصارت القضية الإلحادية اليوم حُبلى بالإشكاليات المعرفية والنظرية والمادية ومليئة بالتناقضات العقلية وصارت تُبرر المستحيل العقلي –إيجاد الزمان والمكان والعالم بمنتهى المعايرة الدقيقة من اللازمان واللامكان، وإيجاد الحياة من اللاحياة- كل هذا من أجل تسويغ وجودها. وأصبح الإلحاد يرتكن ويُشرعن وجوده على أدلةٍ ميتافزيقيةٍ غير مدعومةٍ بمنطقٍ ولا عقلٍ ولا حُجةٍ ولا سندٍ علمي. (1) العواصم1/214). (2) قد يتسع المقام إن شاء الله في سلاسل قادمة لتفصيل شيءٍ من آحاد هذه الأدلة.
عدد الصفحات ٨٥86 فمنتهى ما آل إليه الحاد كالتالي: 1- اللاشيء انضاف إلى اللاشيء فصار شيئ ا عظيما من أروع ما يكون وبمنتهى المعايرة الدقيقة. 2- الصدفة أنتجت الحدود الحرجة والثوابت الفيزيائية التي جاء بها الكون؛ في حين أن شرطي الصدفة هما المكان والزمان. والكون جاء من اللامكان واللازمان! 3- العشوائية أنتجت حياة، في حين أن العقل البشري في قمة جبروته الآن لا يستطيع أن يُنتج أبسط صور الحياة. 4- كل القيم الأخلاقية والتأصيلات القيمية التي نُسلم بصحتها والتي يسير أغلبها في اتجاه مضاد للمادة تمام ا هي من معطيات المادة ومنتوجاتها. كل هذه الإشكالات والتناقضات المعرفية جعلت من الإلحاد ظاهرة طفيلية وقتية، والسبب الرئيس في طفيليته ليس خطأ الأدلة، فما أكثر الوثنيات الخاطئة. وإنما لعدم الأدلة أصلا. فقوام ما يملكه الإلحاد هو سفسطة أدلة الآخر ومحاولة تسخيفها –سفسطة العقليات وقرمطة السمعيات-. ولو كان الإلحاد ينفع الناس أو يملك أجوبة ذاتية مستقلة لمكث في الأرض. ويحاول الملاحدة في سفسطتهم هذه أن يقوموا بإحلال الطبيعة المادية محل الخالق. فجعلوا الإيمان بالطبيعة بديلا عن الإيمان بالخالق. مع أن هذه أدنى صور الوثنية الت ي وصذذل لها العقل البشري على الإطلا!! وهنا استعير عبارة د. حسام حامد في كتابه "الإلحاد؛ وثوقية التوهم وخواء العدم" حيث يقول: "فحال الملحد أنه ارتقى جبل السفسطة، وبينما هو على وشك أن يقهر أعلى قمة من قمم السفسطة وإذ تعترضه آخر صخرة فيشد آخر نفسه ليصعدها، إذ به يجد جماعة من الوثنيين كانوا
عدد الصفحات ٨٦87 يجلسون قبلهنفس المكان هناك منذ قرون" (1) . فما أن يصعد الملحد أعلى جبل الإلحاد وفي لحظة ارتقائه أعلى قمةٍ من قممه، إذا به يكتشف وثنية إلحاده. فما هذه السفسطات التي يقدمها الملحد إلا وثنياتٍ عتيقة. وهذا كان أصل الإلحاد الأول! (1) الإلحاد وثوقية التوهم وخواء العدم، د.حسام الدين حامد، مركز نماء للبحوث والدراسات، الطبعة الأولى، ص110. بتصرف.
عدد الصفحات ٨٧88 الأصل الثاني تقعيد الاستثناءات أحد الأصول الكبر التي ينبني عليها الإلحاد هو: "تقعيد الاستثناءات". وتقعيد الاستثناءات تعني: جعل الاستثناء قاعدة. وهذا أصل إلحادي كبير! قال الله تعالى: [ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ] {:7}. فإذا شهد الملحد شخص ا مريض ا حكم بأن الشر أصلٌ في العا [ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ] {7}. وإذا شهد جواز التعدد في النكاح حكم باستلاب كافة حقو! المرأة، وإذا شهد جواز الخُلع حكم باستلاب كافة حقو! الرجل. وهكذا صار أصل الإلحاد تقعيد للاستثناءات! وهذا التقعيد الذي يمارسه الملحدة الجدد يسري على أحكام الشريعة والجهاد والنكاح والبيوع والمعاملات، والفتن والبلايا والأوجاع والشرور والتكليف وكل شيء! فهذا أصل جوهري من أصول إلحادهم. مع أن الإلحاد لو كان صحيح ا لما استوعبنا وجود الشر ولا الخير، ولا استوعبنا الحكم على أمثال هذه القضايا بأحكامٍ كليةٍ، وكأن معنا تركيب ا عقلي ا متجاوز ا نعطي خلاله أحكام ا وتصير هذه الأحكام صحيحة. فمِن أين لنا بهذا السلطان authority التي نحكم من خلاله ونعطي تقييما ؟ هل العالم المادي الذي يفتقد للمعيارية أصلا يعطي هذا السلطان وهذه الو ثوقية في
عدد الصفحات ٨٨89 الأحكام؟ إن حُكم الملحد وقراره بخطأ هذا وصحة ذاك، وخيرية هذا الحكم وشر الحكم الآخر. هذه القرارات التي يصدرها الملحد تعني خطأ الإلحاد ذاته. فلو كن ا أبناء هذا العالم فلن يبدو فيه شر ولا خير، ولن تعرف معنى الخطأ ولا الخلل وهذا ما يقرره بالحرف ريتشارد داوكينز Richard Dawkins–عر اب الملحدين في العالم- حين قال: "الكون في حقيقته بلا تصميم، بلا غاية، بلا شر ولا خير" (1) . فإذا كانت قسوة عمياء غير مبالية كما تقولون وكما تصفون الكون. فكيف أنت تبالي بالخير أو بالشر؟ إن مبالاتك بالخير والشر وتساؤلك عن وجود أطف ال مشوهين ، أو وجود ظلم في هذا الحكم الشرعي او ذاك. لهو أكبر دليل على سخافة التصور الإلحادي للوجود! فالمرء لا يصف خط ا بأنه غير مستقيم إلا إذا كانت لديه فكرة ما عن ماهية الخط المستقيم . وإذا كان العرض كله سيئ ا وتافه ا من الألف إلى الياء كما تزعمون، فلماذا وجدت نفسك أيها الملحد! في ردة فعل عنيفة هكذا تجُاهه ، مع أنك من المفترض جزءٌ من العرض؟ فلو كان الكون كله عديم المعنى لما كان قد تبين لنا إطلاق ا أنه عديم المعنى . فالوضع شبيه بهذا تمام ا: لو لم يكن في العالم نور، ولم تكن في العالم مخلوقات لها أعين لما كُنا نعرف قطع ا أن الظُلمة مسيطرة ولكانت الظُلمة كلمة عديمة المعنى (2) . (1) The universe we observe has precisely the properties we should expect if there is, at bottom no design, no purpose, no evil and no good. River out of Eden, p.131-132. (2) C.S. Lewis response (بتصرف.)
عدد الصفحات ٨٩90 فاستيعاب التشوه واستيعاب الخطأ يدلان ع استقرار الكمال في الفِطر ، ول ولا ذلك لما أدركنا معنى الخلل، وكل هذه مفاهيم لا تنتمي إلى هذا العالم المادي اللامعياري في شيء! إذن الشر هو أكبر دليل على أننا لسنـا أبناء هذا العالم؛ واستيعابك للشر دليلٌ على أ ن المقدمة الدينية موجودة وصحيحة. لأنه لا بديل ثالث! إما مقدمتك الإلحادية: وهذه تفتقد للمعيارية، وبالتالي لا تستطيع عبرها أن تستوعب الخطأ ولا الشر. وإما المقدمة الدينية: وهذه المقدمة تؤكد وجود الكمال ووجود الفِطرة التي تستوعب ذلك الكمال، وتؤكد هذه المقدمة أن الشر لحِكمة والخير لاختبار. فهي مقدمة متسقة مع ذاتها وتملك تعليلا ومعنى وقيمة للأحكام! أضِف إلى ما سبق: أن وجود التشوه يُسقط الإلحاد رياضي ا لو كنت تعي! فلو كانت قضية وجود الإنسان في هذا العالم محض صدفة وتطور، فلن ينشأ إنسان واحد معافى بالصدفة، ولا كائن أقل تطور ا ولا ميكروب ولا حتى عضية خلية بل ولا إنزيم واحد ! فلو افترضنا أن الكون كله تحو ل إلى برميلٍ من الأحماض الأمينية –البنى التحتية للبروتين - ومضى على هذا البرميل مليارات أضعاف عمر الكون فلن يُنتج إنزيم واحد متخصص فضلا عن آلاف الإنزيمات والبروتينات المتخصصة التي توجد في أدنى الكائنات الحية وأبسطها. وهذا ما يعترف به الملحد العنيد فريد هويل Fred Hoyle حين يقرر أن فرصة الحصول ع فقط مجموعة الإنزيمات لأبسط خلية حية تصل إلى 10 أس40,000 مع أن عدد الذرات في الكون كله لا تتجاوز 10 أس80 (1) . (1) the chance of obtaining the required set of enzymes for even the simplest living cell without panspermia was one in 1040,000. Since the number of atoms in the known universe is infinitesimally tiny by comparison (1080).
عدد الصفحات ٩٠91 بل مجرد افتراض أن البرنامج المنظم للخلية الحية، يمكن أن يظهر بالمصادفة في الحساء البدئي لبيئة الأرض الأولى، هو هراء على أعلى مستو ممكن؛ كما يقول بالحرف فريد هويل. Is evidently nonsense of a high order (1) . وهذا نفس ما توصل إليه اللاديني فرانسيس كريك Crick Francis مكتشف جزيء الDNA حيث يقرر أن نشأة بروتين واحد وظيفي بسيط بالصدفة هو ضرب من الاستحالة يكاد يفو! 10 أس260 مع أن عدد ذرات الكون ككل كما قلنا لا تتجاوز10 أس80، هذا في بروت وظيفي بسيط. مع أن أدنى الكائنات به آلاف البروتينات، وفي النهاية يعترف فرانسيس كريك قائلا : "كرجل منصف، ومُسلح بالعلم المتاح لنا الآن، أستطيع أن أُقرر بشيءٍ من المنطق، أن نشأة الحياة معجزة" (2) . (1) The notion that not only the biopolymer but the operating program of a living cell could be arrived at by chance in a primordial organic soup here on the Earth is evidently nonsense of a high order. Sir Fre drick Hoyle and Chandra Wickramasinghe, Evolution from Space (New York: Simon & Schuster, 1984), p. 148. (2) "If a particular amino acid sequence was selected by chance, how rare an event would this be? "This is an easy exercise in combinatorials. Suppose the chain is about two hundred amino acids long; this is, if anything rather less than the average length of proteins of all types. Since we have just twenty possibilities at each place, the number of possibilities is twenty multiplied by itself some two hundred times. This is conveniently written 20200 and is approximately equal to 10260, that is, a one followed by 260 zeros.
عدد الصفحات ٩١92 فإذا كنت أيها الملحد صادق ا مع نفسك في طرحك للشبهة فودِّع إلحادك قبل أن تطرحها! فوجودك ذاته دليلٌ على خطأ إلحادك. واستيعابك الشبهة دليلٌ إضافي على وجود الفطرة والمقدمة الدينية. لذلك أقول أن الملحد لحظة إلحاده يشبه قول القائل: "أعطني معجزة واحدة مجان ا –خلق الحياة، خلق الكون، خلق الجينوم، خلق الفطرة، خلق القيم الأخلاقية، خلق منظومات الحدود الحرجة فيزيائي ا وكيميائي ا،....- وسأشرح أنا البقية". أما عن جواب "معضلة الشر" -كما يُسمونها- من منظورٍ ديني فنزيده تفصيلا كما يلي: الشر موجود لأنك في عالم اختباري تكليفي توجد فيه بعض الغوامض التي لا تستوعبها لكن تكِ ل علمها إلى الله وهذا هو التصرف الحكيم المُ طالب به [ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ] {7}. فأنت تجد المحكم –الأطفال الأصحاء- وهو الأشمل والأعم، وتجد المتشابه –المشوهين- في صورةٍ لها حِكمتها التي قد تخفى عليك ، والمطلوب منك أن تكِل علم هذا المتشابه إلى الله، لأن حكمتك ليست كُلية وربما يَ فتح الله لك بالجهد العلمي المادي، والجهد الإيماني الروحي وتطلع Moreover, we have only considered a polypeptide chain of rather modest length. Had we considered longer ones as well, the figur e would have been even more immense. The great majority of sequences can never have been synthesized at all, at any time". pp. 51-52 "An honest man, armed with all the knowledge available to us now, could only state that in some sense, the origin of life appears at the moment to be almost a miracle, so many are the conditions which would have had to have been satisfied to get it going". Life Itself: Its Origin and Nature, P.88.
عدد الصفحات ٩٢93 على شيءٍ من الحكمة [ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ] {269}. يقول ديكارت في كتابه التأملات: "ليس لدي أدنى سبب يجعلني أتذمر من أن الله لم يمنحني قدرة أعظم على الفهم، أو أنه لم يهبني نور ا طبيعي ا أ كثر مما وهب، فمن الطبيعي أن تظل هناك أشياء غير مفهومة بالنسبة لفهمٍ محدود، ومن الطبيعي أن يظل الفهم المخلو! محدود ا" (1) . فقوام التكليف على الحكمة وقوام الحكمة على الخفاء فلو كان الله موجود ا فما المـانع أن تكون له حكمـة في تدبير الامور؟ فما أبعد أحكامه سبحانه وتعالى عن الفحص، وطُرقه عن الاستقصاء (2) . وقد جلى الله الحِكمة من أفعال الخضر لسيدنا موسى –عليه السلام-، مع أنها أفعالٌ تُ عد ظاهري ا مُنكرة وغير مستساغة، لكنها تكتنف على خيرٍ عظيم، وقصة موسى والخضر لم تأت في القرآن من باب السرد والحكايا ت، لكن من باب التدبر والإخبات والإقرار بقصور النفس البشرية وحكمها المُتعجل. ثم إنك لو تد برت أحوال العباد؛ فقد تجد عجب ا. وقد تحزن على حال الذي يموت في سن المائة بضيق الشرايين التاجية، وتفرح لمآل الذي وُلِد مشوه ا. فالعبرة لا تقاس بمُ عاملٍ واحدٍ في مسألةٍ متشابكةٍ كالإنسان، فربما المشوه يجد الوقت ليتدبر ويرتقي، وابن المائة سنة يرتع في الملذات ويسقط في الدركات. لذا التبسيط واختزال المُ عاملات في مُ عاملٍ واحد أسلوبٌ غير مقبولٍ منطقي ا وغير صحيح (1) Descartes, R., Meditations and Other Metaphysical Writings, p.49. (نقلا عن كتاب ثلاث رسائل؛ د.عبد الله الشهري، مركز نماء) (2) قول كتا–منقول عن الكتب المقدسة القديمة، الرسالة إلى رومية إصحاح 11 عدد33.
عدد الصفحات ٩٣94 دينيا، لكنه الحجة الباقية للملحد، وبدون هذا الأُسلوب لن تستقيم له شبهة. فلا يجوز لملحدٍ أن يحتج في باب الحِكمة الإلهية بشيءٍ ، لأن الملحد بداهة ليس كُلي ال علم، ولا يعرف ما في غدٍ حتى يُقرر ويعطي نظرة شمولية على مسألةٍ لم يستوعبها. فحُكم الملحد على الأمور التي تخفى فيها الحِكمة قـاصرٌ بقصور الطبيعة البشرية نفسهـا، وبقصور نظرتهـا الإدراكية. فالاستيعـاب الشمولي، والحُكم الكُلي، ليس مجال النفس البشرية ولا يقع في نطا! قدر اتهـا القاصرة، وبالتالي فلا يحق للملحد أن يتحدث في باب الحِكمة الإلهية بشيءٍ أو يعطي فيها رأي ا! فالبقعة السوداء قد تكون فى الصورة كلها لون ا من ألوانها التى لا غنى عنها –كما يقول محمود عباس العقاد رحمه الله-، ونحن فى حياتنا القريبة قد نبكى لحادثٍ يعجبنا ثم نعود فنضحك أو نغتبط بما كسبناه منه بعد فواته. فسبحان الخالق المدّبِّر! وإلى هنا قد نكون أطنبنا في الحديث عن "معضلة الشر" وقد نكون خرجنا عن المقصود شيئ ا. لكن حال المعالجة اقتضى من ا ذلك. المهم خلاصة ما نريد أن يرصده القلم، ويثبت عليه البصر، ويستجليه القلب، أن إطبا! الملحدين على تقعيد الاستثناءات صار أصلا لا ينفك رصده عمن قرأ خطابهم! والحمد لله رب العالمين. وكان هذا هو الأصل الثاني من أصول إلحادهم الكبر .
عدد الصفحات ٩٤95 الأصل الثالث الافتتان بالمظهر المادي لخصوم الرسل "أصل الإلحاد وأصل كفر الأقدمين والمعاصرين افتتانهم بالمظاهر المادية لخصوم الرسل". هذا هو الأصل الثالث من أصول الإلحاد الكبر ! قال الله تعالى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ] {73}. فإذا أتيت للملحد بالآيات البينات على صحة الرسالة، انتقل بك إلى ضعف المظهر المادي للمؤمنين، وقوة المظهر المادي لخصوم الرسل من الكافرين. وهذا حال الكفار عبر العصور، فهم يتخذون من السخرية بحال المؤمنين وفقرهم المادي والمعرفي والتقني سبيلا للتشكيك في عق يدتهم. مع أن الجهة منفكة! لكن هذا واقع حال الملحد: "الانكسار للثقافة الغالبة". فالمظهر المادي للكافر والتقدم التقاني والسفر للفضاء وحل المعادلات، كل هذا له مفعول السحر في الأنفس. فقد يؤدي الهوس بالمظهر المادي إلى التكذيب بلقاء الله. وهذا واقع يشهد له كفر الأقدمين والمعاصرين. فأصل كفرهم يقوم على الافتتان بالغلبة المادية. قال الله تعالى: [ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ] {33}. قال الحسن: والله لقد مالت الدنيا بأكثر أهلها، وما فعل الله ذلك، فكيف لو فعله؟
عدد الصفحات ٩٥96 يقول الباحث إبراهيم السكران–حفظه الله-: "وهذا قانون تاريخي وسنة كونية متكررة لا ينتهي العجب من تأمل أرشيفها الطاعن في العمر، فجمهور المبلغين عن الله منذ فجر النبوات وحتى لحظة العمل الإسلامي المعاصر يواجهون دوم ا "قو مادية" تفوقهم وتفتن الناس عن اتباع الوحي الذي معهم. وانظر في تجارب الأنبياء وما انطوت عليه من الخبرات الدعوية، ستجدها تكاد أن تكون جميع ا تمثالا ناطق ا للصراع بين داعي "الوحي الإلهي" وفتنة "القوة المادية"، وستجد افتتان الناس بالقوة المادية يخلب ألبابهم ويعشي أبصارهم ويصرفهم عن الانصياع والاستسلام للوحي، وستجد العاملين للدين يعانون الأمر ين من افتتان الناس بالم ظاهر المادية. فالرسول الأول نوح عليه السلام قال له قومه بكل صراحة مادية: [ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ] {27}. ويتحدث القرآن عن قوة الكافرين المادية ويصف قصورهم ومنشآتهم الضخمة وبطشهم العسكري في سورة الشعراء فيقول سبحانه: [ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ] [الشعراء: 128-130]. وما أن يظهر نبي الله موسى في أثناء"الحضارة الفرعونية" بكامل وزنها التاريخي وإمكانياتها الإمبراطورية، ليتكرر من جديد مسلسل طغيان القوة المدنية وغرورها أمام الوحي. ولا ينقضي العجب من عمق فهم نبي الله موسى وملاحظته كيف فتنت الحضارة الفرعونية وقوتها المدنية الناس، وكيف صرفتهم عن الاستسلام للوحي، فيُعبر كليم الله موسى عن هذا القانون التاريخي لأعظم تحد يواجه الدعوات كما في قوله تعالى: [ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ] {88}.
عدد الصفحات ٩٦