49 فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إلى النار». قال أبو هريرة: فكاد بعض الناس أن يرتاب. فبينما هم على ذلك إذ قيل: إنه لم يمت، ولكن به جراح ا شديد ا. فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح، فقتل نفسه، فأُخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك، فقال: «الله أكبر، أشهد أ عبدُ الله ورسولُه »،ثم أمر بلالا فناد بالناس: «إنه يدخلُ الجنة إلا نفسٌ مسلمة، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجلِ الفاجر » (1) . وأخ-صلى الله عليه وسلم- بمقتل أحد المتنبئين الكذبة على يد رجلٍ صالح! وأصل القصة في البخاري. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «قتَل الأسود العنسي الليلة رجلٌ صالحٌ من قومٍ صالحين » . وبالفعل ففي تلك الليلة هلك الأسود العنسي على يد فيروز الديلمي باليمن وأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأمر بقاء أمة الروم فقال: «تقوم الساعة والروم أكثر الناس» (2) . والروم–الشعب المعروف وما يلحق به من نصار - هم اليوم أكثر الناس (3) . وأنت لو تد برت الأحاديث الصحاح التي جائت فيها أخبار آياته ومعجزاته –صلى الله عليه (1) رواه البخاري(3602). (2) رواه مسلم2898). (3) أمة الروم هي أكثر أمم الأرض، بعدد تقريبي2.2 مليار نسمة، ثم المسلمون بعدد تقريبي1.6 مليار نسمة. http://en.wikipedia.org/wiki/List_of_religious_populations
عدد الصفحات ٤٩50 وسلم- لوجدت أن منها متواتر ا لا ير! إليه شك رجلٍ باحثٍ عالمٍ في معنى نقل الحديث! (1) . فمثلا حديث حنين جذع النخلة شوق ا إلى محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- وسماع الصحابة بكاؤه وأنينه حتى ضم ه النبي -صلى الله عليه وسلم- فسكت. فهو حديثٌ متواتر شهده الص حابة الكثر، وأخبر به كما في الصحاح عشرة صحابة مختلفين إلى مئات التابعين فهو في أعلى درجات الصحة (2) . وحديث لجوء الجمل إلى النبي-صلى الله عليه وسلم- يشكو إليه تعذيب صاحبه له وعيناه تدمعان حديثٌ متواتر نقله جماعة من الصحابة إلى مئات التابعين (3) . أما معجزة انشقا! القمر فهي أيض ا من المتواتر، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرأ سورة القمر في المجامع الكبار كالجُمع والأعياد ليُسمع الناس ما فيها من معجزاته -صلى الله عليه وسلم- وكان يستدل بها على صد! نبوته. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: "وقد أجمع المسلمون على وقوع ذلك في زمنه -عليه الصلاة والسلام- ، وجاءت بذلك الأحاديث المتواترة من طر! متعددة تفيد القطع عند من أحاط بها (1) شروط التواتر التي تتفق العقول على أنها توجب علما ضروري ا هي: أ- عددٌ كثير أحالت العادة تواطؤَهم، أو توافُقَهم، على الكذب . ب- رووا ذلك عن مثلهم من الابتداءِ إلى الانتهاءِ . ج- وكان مُسْتَنَدُ انْتِهائِهم الحِس . ومتى تحققت الشروط الثلاثة تحقق التواتر ولزم منه علم ضروري لا مجال لإنكاره أو لتكذيبه. وهذه شروط عقلية يقتضيها التقصي العقلي للخبر!. (2) الشفا بتعريف حقو! المصطفى، القاضي عياض، ص306. (3) رواه مسلم342)، وأبو داوود2549)، وأحمد1745)، والحاكم2-109).
عدد الصفحات ٥٠51 ونظر فيها" (1) . وحديث نبع الماء بين أصابعه الشريفة -صلى الله عليه وسلم- هو أيض ا من المتوات ر الذي شهده جمعٌ كبيرٌ من الصحابة ونقلوه إلى مئات وآلاف التابعين، فقد توضأ ألف وخمسمائة صحابي وشربوا من الماء الذي نبع بين أصابعه الشريفة -صلى الله عليه وسلم-، وقالوا لو كنا مائة ألفٍ لكفانا (2) . وقد رو الحديث جمعٌ غفيرٌ ممن يحُرمون الكذب ويرونه فاحشة فكيف يجتمعون ع الكذب في خبرٍ كهذا؟ قال رحمت الله الهندي رحمه الله: " نبع الماء من بين أصابع النبي -صلى الله عليه وسلم- في مواطن متعددة، وهذه المعجزة أعظم من تفجر الماء من الحجر كما وقع لموسى -عليه السلام-، فإن ذلك من عادة الحجر في الجملة، وأما من لحمٍ ودم فلم يعهد من غيره -صلى الله عليه وسلم-" (3) .-19- أما تكثير الطعام اليسير ليطعم منه الجيش العظيم فقد جائت به الأخبار المتواترة عن الصحابة فمَن بعدهم. وقد ذكر البخاري وحده هذه الأخبار في خمسة مواضع من صحيحه (4) . وتسليم الحجر عليه-صلى الله عليه وسلم- وتسبيح الطعام بين يديه وارتجاف الجبل مهابة (1) انظر البداية والنهاية 3/118. (2) فتح الباري1/540). (3) إظهار الحق، رحمت الله الهندي، ص31. (4) البخاري (1217)، البخاري (2618)، البخاري (3578)، البخاري (4101)، البخاري (6452). وكلها أحداث ووقائع مختلفة متباينة وهذا في البخاري وحده!.
عدد الصفحات ٥١52 له، هي أخبارٌ رواها الشيخان واتفقوا على صحتها (1) . فكل هذه الأحاديث من المتواتر الذي يُشَك في عقل مكذبه، ويتهم منكره. فما أعلى وثوقية النقل وما أعظم المعجزات التي تقطع بأن نبوته -صلى الله عليه وسلم- على أعلى درجات النبوة. فالذي يجزم أن عيسى جاء من عند الله أو أن موسى كان نبي ا ثم يكفر بنبوة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- لهو أكذب الخلق! فأدلة نبوته -صلى الله عليه وسلم- مما تعجز عن جمعه القراطيس وفي كل زمانٍ تنفتح للعلماء أدلة جديدة تُنير دروب المتب صرين! (1) يقول عبد الله بنمسعود –رضي الله عنه-: "لقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل". أي بين يدي النبي –صلى الله عليه وسلم-. البخاري (3579).
عدد الصفحات ٥٢53 الظاهرة القرآنية تتحدى الملحدين "أوجدت الظاهرة القرآنية من الهباء أُمةً ضخمةً واستبقت على القرون جيلًا من الناس ما كانوا ليدخلوا التاريخ أبدًًًا لولا نهوض هذ ه الظاهرة بهم"
عدد الصفحات ٥٣54 الظاهرةالقرآنية تتحدى الملحدين لا يوجد كتاب نز ه الخالق وقد سه وأمر بالتوحيد والتصديق بالرسل وتنزيههم عن كل نقيصةٍ، والحث على الصالحات الباقيات مثل القرآن؛ منذ كانت الدنيا. فالقرآن منسوجٌ بالتوحيد والنبوات والغيبيات والحِكم والفقه والتشريع والآداب، كل هذا بحبكةٍ لغويةٍ ونسجٍ لم تعهده العرب (1) . وكم من ملايين القناطير المقنطرة من الذهب والفضة دُفعت لمحو القرآن، وإذهاب أثره عن القلوب، وتشتيت أتباعه وتشويه مراده عبر الأزمان، طمع ا أن يُفعل به ما فُعل بالكُتب من قبله. فبقي رغم كل المحاولات رافع ا أعلامه حافظ ا أحكامه. [ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ] {36}. وإذا أنعمت النظر في دين النصار وجدت أن كل شرائعهم مبدلة محرفة محدثة، فلم يكن المسيح عليه السلام يعرف كنيسة فضلا عن أن يبنيها فضلا عن أن يضع قوانينها، ولم يكن يعرف ناقوس ا ولا صليب ا ولا أ سرار ا ولا مطانيات –السجود للقساوسة -، ولا أيقونات –صور قديسين-، ولا مراتب كنسية ولا طقوس كهنوتية. وليس في الإنجيل الذي بين أيدي النصار اليوم شيءٌ من ذلك! فهي تشريعات ما أنزل الله بها من سلطان. ولو انتقلت إلى التوراة لوجدت أن العمل بها صار من الصعوبة بمكان. حيث شد د اليه ود على أنفسهم فما أطاقوا؛ وطقوس التط هر والنجاسة عندهم تحتاج إلى قرابين وانعزالية تامة عن (1) الفقرة من وحي كتاب"رسالة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، د. ثامر بن ناصر، مكتبة الرشد".
عدد الصفحات ٥٤55 الحياة وقد تعلقت أحكام التوراة بالهيكل السليماني والمذبح وقد خرِب الهيكل ولا أحد يعرف له مكان ا، وهُدم المذبح وزال أثرهما من الوجود وهذا برهانٌ واضح على نسخ الشريعة. أما الهندوس الذين يتردون من الجبال ويحرقون الأجساد ويغرقون في الماء من أجل التطهر فلم يبتعدوا كثير ا عن طقوس اليهود، ولو أراد الله بعباده الهلكة للتطهر ما أذِن لهم في صنعة لبوسٍ لتحصنهم من بأسهم. ولما أوجد لهم سرابيل تقيهم الحر! (1) . ولذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فليس في التوراة ولا الإنجيل مماثلا لمعا ني القرآن: لا في الحقيقة. ولا في الكيفية. ولا الكمية. بل يظهر التفاوت لكل مَن تدبر القرآن وتدبر الكتب" (2) . فالقرآن رسالة"اليسر " للأمم؛ يقول الإمام جلال الدين المحلي رحمه الله في تفسيره لقوله تعالى [ﯤ ﯥ] {8}. لليسر أيللشريعة السهلة وهي الإسلام. ولو انتقلت إلى معاني القرآن لوجدتها غير محدودةٍ. وعلومه غير محصورةٍ ولا معدودةٍ. (1) الإعلام بمناقب الإسلام، أبو الحسن العامري، ص137. (2) الجواب الصحيح5- 435.
عدد الصفحات ٥٥56 فقد اتسع مجاله لكل فن يقول الألوسي رحمه الله: "فأنت تجد في كتاب الله أخبار ا وأحكام ومواعظ وأم ثال وأخلا! وآداب، وترغيب وترهيب ومدح الأخيار وذم الفجار، وتدبير السياسات ومجادلة الأخصام وإقامة الدلائل على أصول الاعتقاد وإزالة الريب، ووصف الغيب ووصف عوالم الأرض والسماوات، خارج ا بكل ذلك في حسن نظمه عن كل أسلوب فلا هو من الأراجيز البدوية ولا القصائد العربية فكلما تكرر حلا، وسمعته من أي الأفواه غلا مع اقتران معانيه المتغايرة فينقلك من الوعد إلى الوعيد ومن ماضٍ إلى حاضرٍ ومستقبل، ومن حكم إلى جدل، فلا ينبو ولا يتنافر بل تتجانس معانيه في بنيةٍ نظميةٍ بديعة" (1) . وإعجاز القرآن ليس في بلاغته فقط كما يظن الملحدة. ولا في لفظه فقط. ولا في معانه فقط. بل إعجاز القرآن يشمل اللفظ والمعنى والبلاغة، وينتقل إلى العلوم والأحكام والتشريعات وتحليل النفس وسبر أغوارها وإشباع مراداتها. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فالإعجاز في معناه –القرآن الكريم- أعظم وأكثر من الإع جاز في لفظه، وجميع عقلاء الأمم عاجزون عن الإتيان بمثل معانيه أعظم من عجز العرب عن الإتيان بمثل لفظه" (2) . وانظر إلى عبارته الأخيرة - رحمه الله - والتي تُسبك بماء الذهب: " وجميع عقلاء الأمم عاجزون عن الإتيان بمثل معانيه أعظم من عجز العرب عن الإتيان بمثل لفظه". فالقرآن معجزٌ وإعجازه لا يتوقف؛ فهو معجزٌ بلفظه ومعناه ومعارفه وفنونه وعلومه. (1) الدلائل العقلية/ الألوسي، مخطوط. (2) الجواب الصحيح5- 434.
عدد الصفحات ٥٦57 ولم يقدر أحد من العرب أن يأتى بمثله في لفظه ولا غير العرب في معانيه وعدم الفعل مع كمال الداعي يستلزم عدم القدرة. أما إعجاز القرآن البلاغي فلأنه: جاء بأفصح الألفاظ. في أحسن نظوم التأليف. مضمن ا أصح المعاني. فاللفظة الواحدة من القرآن لو أخذتها وأدرت لغة العرب كله لتحصل على لفظةٍ أحسن منها ما استطعت (1) . ولو أردت أن تؤلف بكلماتٍ أخر غير كلمات القرآن لتوازي حسن تأليفه وحبكته ورونقه لشهدت له بالنصر وعلى نفسك بالعجز. انظر إيجاز اللفظ مع دقة المعاني وكثرتها وتلاؤم الكلام في قوله تعالى: [ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ] {44}. وانظر إلى الإيجاز القرآني المعجز في قوله تعالى [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ] {103}. وتفسير الآية( فلما أسلما ) خضعا وانقادا لأمر الله تعالى ( وتله للجبين ) صرعه عليه ولكل إنسان جبينان بينهما الجبهة وكان ذلك بمعنى وأمر السكين على حلقه فلم تعمل شيئا بمانع من القدرة الإلهية (2) . (1) الفقرة من وحي"رسالة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم"؛ م. س. (2) تفسير الجلالين للآية.
عدد الصفحات ٥٧58 هل تستطيع أن تأتي بهذا المعنى المطلوب بنفس هذا العدد من الكلمات في إطار حبكةٍ بلاغية لا تنبو عن سير الآيات قبلها وبعدها؟ ولو انتقلت عن لغة الع رب وأردت أن تترجم كلمة مثل " أنلزمكموها" في قوله تعالى [ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ] {28}. فأنت تترجمها بعد أن تتفكك ويخفت رونقها إلى سبع كلماتٍ بالإنجليزية Shall we compel you to accept it. وحبكة اللفظ القرآني واستيعابه للمعنى التام مما سارت بأمثاله الركبان. أنظر إلى كلمة " فأسقيناكموه" في قوله تعالى [ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ] {22} . لفظة واحدة بها حرف عطف، وفعل وفاعل، ومفعول أول ومفعول ثانٍ ولذا عندما سمع العرب الأقحاح كتاب الله عز وجل خطف أسماعهم بقوة تأثيره ورقرا! بلاغته؛ فعن جبير بن مطعم عن أبيه حين سمع قوله تعالى: [ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ] {الطور: 35-37}. قال: كاد قلبي أن يط (1) . إن كل هذا ليقطع بأن الظاهرة القرآنية ما جائت إلا لتتحد وتهدي وتُصلح (1) صحيح البخاري،4501.
عدد الصفحات ٥٨59 لم يزل القرآن يقرع المشركين البلغاء أشد التقريع، ويُ سفه أحلامهم، ويذم آلهتهم، ويتحداهم أن يأتوا بمثله أو بسورةٍ من مثله، وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته، محجمون عن مماثلته. بل لقد قال الله عز وجل للمشركين: [ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ] {24}. فما فعلوا، ولا قدروا ومن تعاطى ذلك من سخفائهم كمسيلمة كُ شف عواره لجميعهم، فقد ولوا عنه مدبرين (1) . وللإنسان أن يتسائل: كيف يجرؤ رجلٌ أن يتحد أناس في جنس ما يحسنون ويبدعون، ثم يتركهم على مضي السنين وقد علاهم الوجيب والخزي والسكون؟ يقول د. عبد الله دراز رحمه الله: "ألم يكن يخشى الرسول -صلى الله عليه وسلم - بهذا التحدي أن يثير حميتهم الأدبية؟ فيهبوا لمنافسته وهم جميعٌ حذرون؛ وماذا عساه يصنع لو أن جماعة من بلغائهم تعاقدوا على أن يضع أحدهم صيغة المعارضة، ثم يتناولها سائرهم بالإصلاح والتهذيب كما كانوا يصنعون في نقد الشعر، فيكمل ثانيهم ما نقصه أولهم، وهكذا. حتى يخُ رجوا كلام ا إن لم يبزه فلا أقل من أن يساميَه ولو في بعض نواحيه! ثم لو طوعت له نفسه أن يصدر هذا الحكم على أهل عصره فكيف يصدره على الأجيال القادمة إلى يوم القيامة، بل على الإنس والجن؟ إن هذه مغامرة لا يتقدم إليها رجلٌ يعرف قدر نفسه إلا وهو مالئٌ يديه من تصاريف القضاء، وخبر السماء، وهكذا رماها بين أظهر العالم، فكانت هي القضاء المبرم، فلم يهم (1) الفقرة من وحي كتاب" الشفا للقاضي عياض 1-365 " بكثير من التصرف.
عدد الصفحات ٥٩60 بمعارضته إلا باء بالعجز الواضح، والفشل الفاضح، على مر العصور والدهور" (1) . فتحد القرآن أهل البيان في عباراتٍ محرجة، أن يأتوا بمثله أو بسورةٍ منه، فما فعلوا فلم يأت العرب جميع ا ولا الأمم التي نُقل لها التحدي بشيءٍ يستريح له الملحدة ويريحون به غيرهم! يقول الألوسي رحمه الله: "فلم ينطق أحد منهم إلى يومنا هذا ببنت شفه ولا أعرب عن موصوفٍ أو صفة، وأظهر الكل العجز عن المعارضة في كل وقتٍ وحين، بل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين! فكأن محمد ا صلى الله عليه وسلم موجودٌ كل عصرٍ بين أظهرنا والوحي غير منقطعٍ منا، لأن دليل نبوته وحجته يُذكِّر الناس بصحة نبوته في سائر الأقطار آناء الليل وأطراف النهار " (2) . فقد رأ هؤلاء الذين يتحداهم القرآن أن تجميع الجيوش وتحزيب الأحزاب لمحاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهون وأيسر من معارضة القرآن وقبول التحدي. فهذا بالغ جهدهم [ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ] {26}. وعندما قدِم طفيل بن عمرو الدوسي وكان شاعر ا مفوه ا -ورئيس قبيلة دوس في اليمن-، عندما قدم مكة استقبله أهل مكة وكعادتهم حذ روه من سماع قرآن محمد -صلى الله عليه وسلم- لئلا ينجذب لسحره، حتى حشا أذنه الكرسف- القطن- حين جاء إلى المسجد الحرام. لكن يبدو أنه وقع في نفسه شيء من هذه الطريقة السخيفة، فقال في نفسه: إني لبيبٌ وشاعر ولا يخفى علي الحسن من القبيح، فأزال الكرسف عن أذنه وسمع شيء من القرآن فتملك عليه قلبه وأسلم وشهد لله شهادة الحق. (1) النبأ العظيم، د. عبد الله دراز رحمه الله، ص44-45. (2) الدلائل العقلية، الألوسي. مخطوط.
عدد الصفحات ٦٠61 وعاد إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام وفي طريق عودته خرج نورٌ من سوطه فدخل به بلده وأسلم أهله، وأسلم قريب ا من ثمانين بيتٍ من قومه، وهم الذين لحقوا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما بعد في المدينة (1) . فأثر القرآن في الفِطر والأنفس عجيب، فالقرآن يُذيب جبال الغِلظة ويشرح الصدور في توِهِ ويخطف الألباب في نحوهِ ولفظهِ. وقد كان نساء المشركين وأطفالهم يتقصفون –يزدحمون- حول بيت أبي بكرٍ في بدا ية الدعوة حين يقرأ القرآن من فرط انجذابهم وتأثرهم. رو البخاري في صحيحه: "ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجد ا بفناء داره وبرز فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيتقص ف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريشٍ من المشركين" (2) . فسطوة القرآن على القلوب عجيبة فهو يزرع اليق ين في القلب الصدِأ ويغرس الإيمان في الكافر الحنِق. وقد نبهنا الله تعالى إلى هذه الحقيقة وأمرنا أن نستغل سطوة القرآن على القلوب. فأخبرنا أن الكافر في قلب معمعة القتال واشتداد رحى السيوف قد يرجى منه خيرٌ حين يستمع القرآن [ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ] {6}. سبحان ا كف ينكسر كافر في لحظة احتدام قتالٍ لصوت كتاب عدوه؟ (1) دلائل النبوة للأصبها1/312 سيرة ابن هشام1/382. (2) البخاري2297.
عدد الصفحات ٦١62 إنها أسرار القرآن وكم من عدوٍ لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أراد اغتياله فما أن سمع آيات القرآن حتى انفطر قلبه وتشد! الإيمان من عينيه! فللقرآن سلطانٌ قاهرٌ على النفوس ولا يزال غض ا طري ا على كثرة الترداد مع ما فيه من قوانين وتشريعات، وهو الأنيس في الخلوات وتهفو إليه النفوس في الأزمات ويزيل الوحشة عن أي مكانٍ وُجد فيه. [ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ] {23}. فتستبشر لكتاب الله النفوس وتنشرح له الصدور حتى إذا أخذت حظها منه عادت مرتاعة قد عراها الوجيب والقلق (1) . ولما سمع الوليد بن المغيرة من النبي –صلى الله عليه وسلم- قوله تعالى [ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ] {90}. قال: " والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أسفله لمغد! وإن أعلاه لمثمر وما هو بقول بشر". فقد ر! قلبه وقال والله ما يشبه الذي نقول شيئ ا من هذا. ولذا اجتمعت كلمة وفود العرب على ألا يسمعوا للقرآن ولا يُسمِ عوه أهليهم، فهذا هو السبيل الوحيد لمقاومة التحدي بمثل هذا القرآن، فأنى للعرب أن يتحدوا كتاب ا جاء بأفصح ما تسمو إليه لغة العرب في جزالتها ودقة أوضاعها وإحكام نظمها واجتماعها. كل هذا والنبي محمد-صلى الله عليه وسلم- كان أمي ا لا يعرف القراءة والكتابة. (1) الفقرة من وحي كتاب"رسالة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، د. ثامر بن ناصر، مكتبة الرشد".
عدد الصفحات ٦٢63 [ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ] {48}. وللمتدبر أن يسأل: أنى لمحمدٍ-صلى الله عليه وسلم- أن يضع مثل هذا الكتاب الذي حو أخبار الأولين وتاريخ الأقدمين؟ وأنى له أن يسبك عبارات القرآن ويلقيها لكتبة الوحي بلا إعادة ضبطٍ وتقنين؟ وأنى له أن يُصلح بها مسالك وضروب ما نزلت بسببه؟ وأنى له بعد أن تنزل آيات الله لتضبط نازلة أو تصحح الحُكم في واقعة، إذا به –صلى الله عليه وسلم - يأمر كتبة الوحي أن يضعوا هذه الآيات في سورة كذا بين كذا وكذا. فتأتي في موضعها بين سابقها وتاليها من الآيات دون أن تنبو معهم أو تتنافر عنهم، بل وكأنها نزلت في جملتهم ولحمتهم؟ (1) . (1) أشار د.عبد الله دراز رحمه الله إلى هذه القضية المذهلة في كتابه مدخل إلى القرآن الكريم؛ فقال" في وقت نزول القرآن كانت بعض المواضيع تتزايد بمعزل عن مواضيع أُخر ، وتُكوِّن تدريجي ا وحدات مُستقلة بعد أن تنضم إليها آيات أُخر نزلت بعدها، وأن بعضها كانت تُضاف هنا، والأُخر تتداخل مع غيرها هناك، بحسب أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم- الذي كان يتلقاه بدوره من الروح القدس. فإذا أخذنا في اعتبارنا التواريخ التي لا حصر لها - تواريخ نزول آيات القرآن الكريم - والتفتيت المتناهي في نزول الآيات، ولاحظنا أن هذا الوحي كان بوجهٍ عام مرتبط ا بظروف ومناسبات خاصة، فإن ذلك يدعونا إلى التساؤل عن الوقت الذي تمت فيه عملية تنظيم كل سورة على شكل وحدة مستقلة. وكأن القرآن كان قطع ا متفرقة ومرقمة من بناء قديم، كان يُراد إعادة بناؤه في مكان آخر على نفس هيئته السابقة، وإلا فكيف يمكن تفسير هذا الترتيب الفوري والمنهجي في آنٍ واحد، فيما يتعلق بكثير من السور؟ ولكن أي ضمان تاريخي يستطيع أن يتحصل عليه الإنسان عند وضع مثل هذه الخطة إزاء الأحداث المستقبلة، ومتطلباتها التشريعية، والحلول المنشودة لها، فضلا ع ن الشكل اللغوي الذي يجب أن تُقدم به هذه الحلول، وتوافقها الأُسلوبي مع هذه السورة بدلا من تلك؟
عدد الصفحات ٦٣64 فسبحان ا لم تكن الظاهرة القرآنية مرغمة ببلاغتها فحسب، ولا مرغمة ببيانها لأصول الدين ومعتقد الأنبياء الأسبقين فقط، ولا توقفت على إصلاح تحريف المفترين. وإنما الظاهرة القرآنية تتخطى كل ذلك. وتتجاوز ما كُتب عنها وانفتحت له عقول الأولياء من مهج الإعجازات المتضمَنة في الكتاب. فأنت تقرأ في كتاب الله مغيباتٍ تحدث دون أن تتخلف. وأخبار أقوامٍ لا يزيد بحث الزمان وتحريه إلا تصديق ا لوقوعها. وتقرأ تحليلا بديع ا لطبائع الأنفس وأهوائها وميولها وما يصدها ويردعها ويعيدها. فتجد عبر سبك الأيام وخبراته وتراكم مشاهدة أحوال الناس تحقيق ا لكل ذلك! ولو أردنا الشروع في بسط كل عجيبةٍ أتى بها القرآن لما كفانا الزمان. نسأل الله أن يصفح عن العجز والتقصير. لكن عذرنا أن لمحة تُرشد لتقصٍ. ونفحة تهُيئ لتد بر. ومقدمة تشد الهمم لمن يُكمل. فاللهم اغفر وارحم! وحسبنا هنا أن نرصد شيئ ا آخر عرضته الظاهرة القرآنية بسلاسةٍ. وجاء هذا الشيء تضمين ا لا قصد ا لتحدٍ ولا إظها ر ا لمعجز. فقد عرضت الظاهرة القرآنية موت أناسٍ بأعيانهم على الكفر: فحدث ذلك دون أن يُسلم منهم أحد. ولو أن واحد ا منهم أسلم لانتهت الرسالة من فورها! ألا نستنتج ان اكتمال هذه الخطة وتحققها بالصورة المرجوة، يتطلب تدخلا من قوة عظمى ، تتوفر فيها القدرة على إقامة هذا التنسيق المنشود؟" انتهى –بتصرف-.
عدد الصفحات ٦٤