المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

إما الإيمان أو الفوضى

هيثم طلعت

صفحة ٣ من ٢٧

33 لا يستقيم إيمان عبدٍ يؤمن بأحد الأنبياء ويكفر بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم لقد قام الأنبياء بدورٍ رئيس في تاريخ ا لإنسـانية، ومن خلال الأنبياء فحسب أصبح الإنسـان محور ا للتاريخ، ومعنى للوجود، وغاية كبر في هذا الكون! وعن طريق الإيمان بالأنبياء تـأك د سمو الإنسان ومعنى قيمته وأصل مركزيته. فكما قر رنا من قبل: العالم بدون النبوات ظلامٌ دامس وغثاءٌ قاحل وصحراء مجدبة. ولولا النبوات لما اطمئنت النفس ولا اهتدت البصيرة ولا رُزقت القلوب حياتها! فبالنبوات تحيا القلوب وتطمئن النفوس وتهتدي البصائر. فالحمد لله رب العالمين. وكل جاهلٍ بالعلم الإلهي الذي بث ه الأنبياء جاهلٌ بأعظم مطلوبٍ في الوجود. فحاجة العبد إلى الرسالة أعظم من حاجته لكل شيءٍ، فالرسالة ضرورية للعباد، لا بد لهم منها. ونبوة النبي محمد –صلى الله عليه وسلم- لم تكن بدع ا من النبوات قبله [ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ] {9}. فنبوة محمد -صلى الله عليه وسلم - جائت بترسيخ التوحيد واستمرار الشريعة وحفظ المصادر، واستقرار موازين الفضيلة وظهور الدين. بل كان لنبينا محمد –صلى الله عليه وسلم - من كل هذا الحظ الأوفر والجناب الأسمى والمقام الأرفع! فلن يجد الملحدة لأحدٍ مثل الذي لمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- في الأعجوبة والرفعة. وشريعته -صلى الله عليه وسلم- لم يعترها ما اعتر سائر الشرائع بل هي في كل عصرٍ غضة طرية، ومنذ موته -صلى الله عليه وسلم- وحتى الآن لم تلزم الحاجة لمبعث رسولٍ آخر فالأحكام

عدد الصفحات ٣٣

34 تُقرأ ليل نهار كأنها للتو خرجت من فم رسول ا-صلى الله عليه وسلم-. فمَن يُقر بجنس الأنبياء لا يبقى عنده أدنى شك في نبوة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-. والذي يُكذب بنبوة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- هو بالأحر يكذب بنبوة كل نبيٍ أخر. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الذي يُكذب بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم يُكذب بالطريق الذي عرفنا من خلاله صد! الأنبياء وصحة نبوتهم. فإن الطريق الذي يعلم به نبوة موسى وعيسى يُ علم به نبوة محمد بطريق الأولى، فإذا قالوا علمت نبوة موسى والمسيح بالمعجزات وعرفت المعجزات بالنقل المتواتر إلينا، قيل لهم معجزات محمد صلى الله عليه وسلم أعظم وتواترها أبلغ والكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أكمل، وأمته أفضل وشرائع دينه أحسن. وموسى جاء بالعدل وعيسى جاء بتكميلها بالفضل وهو صلى الله عليه وسلم قد جمع في شريعته بين العدل والفضل. فإن ساغ لقائل أن يقول هو مع هذا كاذب مفتر كان على هذا التقدير الباطل غيره أولى أن يقال فيه ذلك فيبطل بتكذيبهم محمد ا جميع ما معهم من النبوات، إذ حكم أحد الشيئين حكم مثله فكيف بما هو أولى منه. فلو قال قائل إن هارون ويوشع وداوود وسليمان كانوا أنبياء وموسى لم يكن نبي ا أو أن داوود وسليمان ويوشع كانوا أنبياء والمسيح لم يكن نبي ا، أو قال ما تقوله السامرة أن يوشع كان نبي ا ومن بعده كداوود وسليمان والمسيح لم يكونوا أنبياء، أو قال ما يقوله اليهود إن داوود وسليمان وأشعيا وحبقو! وميخا وعاموص ودانيال كانوا أنبياء والمسيح بن مريم لم يكن نبي ا، كان هذا قو لا متناقض ا معلوم البطلان. فإن الذين نفى هؤلاء عنهم النبوة أحق بالنبوة وأكمل نبوة ممن أثبتوها له، ودلائل نبوة الأكمل أفضل فكيف يجوز إثبات النبوة للنبي المفضول دون الفاضل، وصار هذا كما لو قال قائل أن زفر وابن القاسم والمزني والأثرم كانوا فقهاء وأبا حنيفة ومالك ا والشافعي وأحمد لم يكونوا فقهاء، أو قال إن الأخفش وابن الأنباري والمبرد كانوا نحاة والخليل وسيبويه والفراء لم يكونوا نحاة، أو قال إن صاحب الملكي والمسيحي ونحوهما من كتب الطب كانوا أطباء

عدد الصفحات ٣٤

35 وبقراط وجالينوس ونحوهما لم يكونوا أطباء، أو قال إن كوشيار والخرقي ونحوهما كانوا يعرفون علم الهيئة وبطليموس ونحوه لم يكن لهم علمٌ بالهيئة. ومن قال إن داوود وسليمان وميخا وعاموص ودانيال كانوا أنبياء، ومحمد بن عبدالله لم يكن نبي ا فتناقضه أظهر وفساد قوله أبين من هذا جميعه، بل وكذلك من قال إن موسى وعيسى رسولان والتوراة والإنجيل كتابان منزلان من عند الله ومحمد ليس برسول والقرآن لم ينزل من الله فبطلان قوله في غاية الظهور والبيان لمن تد بر ما جاء به محمد وما جاء به من قبله، وتد بر كتابه والكتب التي قبله وآيات نبوته وآيات نبوة هؤلاء، وشرائع دينه وشرائع دين هؤلاء، وهذه الجملة مفص لة مشروحة في غير هذا الموضع لكن المقصود هنا التنبيه على مجامع جوابهم، وهؤلاء القوم لم يأتوا بدليلٍ واحدٍ يدل على صد! من احتجوا به من الأنبياء، فلو ناظرهم من يكذب بهؤلاء الأنبياء كلهم من المشركين والملاحدة لم يكن فيما ذكروه حجة لهم، ولا حجة لهم أيض ا على المسلمين الذين يقرون بنبوة هؤلاء، فإن جمهور المسلمين إنما عرفوا صدق هؤلاء الأنبياء بإخبار محمد أنهم أنبياء فيمتنع أن يصدقوا بالفرع مع القدح في الأصل الذي به علموا صدقهم. وأيض ا فالطريق الذي به علمت نبوة هؤلاء بما ثبت من معجزاتهم وأخبارهم فكذلك تعلم نبوة محمد بما ثبت من معجزاته وأخباره بطريق الأولى، فيمتنع أن يصد! أحد من المسلمين بنبوة واحدٍ من هؤلاء مع تكذيبه لمحمد في كلمةٍ مما جاء به" (1) . ويقول في موضعٍ آخر "فما من جنسٍ من الأدلة يدل على نبوة موسى والمسيح إلا ودلالته على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أقو وأكثر، فيلزم من ثبوت نبوة موسى والمسيح ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن الطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم الطعن في نبوة موسى (1) الجواب الصحيح2-29.

عدد الصفحات ٣٥

36 والمسيح" (1) . ف يمكن التصديق بنبوة نبيٍ من الأنبياء مع التكذيب بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم. والطريق الذي بها تثبت نبوة الأنبياء بمثلها وبأعظم منها بكثير تثبت نبوة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-. بل إن التصديق بنبوته أولى من التصديق بنبوة غيره، وكل دليلٍ يُ ستدل به على نبوة نبيٍ ، فمحمد -صلى الله عليه وسلم- حاز منتهى جنس ذلك الدليل. وما ترتب على بعثته -صلى الله عليه وسلم - من تحقيق التوحيد ووضع شرائع العدل وغيرها من مقاصد الرسل أعظم من غيره وأجل وأكثر. وبذلك يجب القطع بأن رسالته أتم وأعظم. فلم يأت -صلى الله عليه وسلم- بنسقٍ خارجٍ على نسق الأنبياء قبله [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ] {37}. وإلا فمَن عل مه –صلى الله عليه وسلم- بطلان عبادة الأوثان؟ مَن عل مه بطلان عبادة الآلهة البشرية؟ -مع أن العرب ما عرفوا التقرب إلى الله إلا بوثنٍ أو ببشر! - ومَن عل مه عصمة الأنبياء حتى يطهر مقامهم الشريف مما ألصقه به أتباعهم؟ من عل مه فضيلة ترك الزنا والخمر والربا وفواحش الأعمال –مع أن مدار أشعار العرب ومعلقاتهم التي بها يتباهون على الخمر والنساء والغزل -؟ من عل مه -صلى الله عليه وسلم- التقرب إلى الله بالطاعات؟ أليس كل هذا كان طريق الأنبياء قبله؟ (1) الجواب الصحيح2-45.

عدد الصفحات ٣٦

37 [ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ] {43}. فلم يكن-صلى الله عليه وسلم- بدع ا من الرسل. ولذلك مَن آمن بأحد الأنبياء وقر ر في نفس الوقت أن يكفر بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم فهو ضالٌ مفترٍ [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ] {90}. يقول الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله في تفسير الآية( إن الذين كفروا ) بعيسى (بعد إيمانهم ) بموسى ( ثم ازدادوا كفر ا ) بمحمد ( لن تقبل توبتهم ) إذا غرغروا أو ماتوا كفار ا (وأولئك هم الضالون ). فالذين وصلتهم البينات الظاهرات على صد! النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهم يعرفون حال الأنبياء من قبله ثم شهدوا حاله، وبعد ذلك أنكروا رسالته فأولئك هم الظالمون [ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ] {86} . وقد جاء وفدٌ من النصار إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- وهم وفد نجران، وأرادوا مباهلته. لكن لما شهدوا حاله وحال رسالته ومشابهتها لرسالات الأنبياء من قبله نكصوا عن المباهلة وخافوا. وفيهم نزل قول الله تعالى: [ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ] { عمران61}. والمباهلة أن يقولوااللهم العن الكاذب في شأن عيسى وقد وافقهم -صلى الله عليه وسلم، وبالفعل خرج ومعه الحسن والحسين وفاطمة وعلي، وقال لهم: إذا دعوت فأمِّنوا، فقالوا: حتى

عدد الصفحات ٣٧

38 ننظر في أمرنا ثم نأتيك فقال ذو رأيهم: والله لقد عرفتم يا معشر النصار أن محمد ا نبيٌ مرسل، وأنه ما باهل قومٌ نبي ا إلا هلكوا، فأبوا أن يلاعنوا وصالحوه على الجزية! (1) . تخيل تخيل صالحوه على الجزية، في مقابل ألا يدعو عليهم؟ أي حجمٍ من المكابرة والعناد وصل إليه هؤلاء! وعن ابن عباسٍ قال: لو خرج الذين يباهلون لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا ! فهؤلاء الذين شهدوا صد! الرسالة لا حجة لهم في كفرهم [ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ] {:70}. فلا يستقيم إيمان عبدٍ يرفض رسالة ربه ويمتنع عن قبول بعض الرسل، بينما يرض بآخرين قال الله تعالى [ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ] {28}. (يا أيها الذين آمنوا) بعيسى (اتقوا الله وآمنوا برسوله) محمد صلى الله عليه وسلم وعيسى (2) . فدعوة الإسلام دعوة لا يمكن لعاقلٍأن يردها! (1) نقلا عن تفس ير البغوي. (2) نقلا عن تفسير الإمام جلال الدين المحلي للآية .

عدد الصفحات ٣٨

39 صفته ونعته-صلى الله عليه وسلم- الذي يظن أن إقناع ا لعقول الناس تم بالسيف، أو أن ترك هؤلاء الناس لدينهم كان رغبة فقط أو رهبة من أمرٍ دنيوي، هو واهمٌ جاهل. فأي أمةٍ هذه التي تركت ما ينعقد عليه قلبها –دينها- من أجل خوفٍ طاريء؟ وأي جيلٍ ه ذا الذي يستسلم عن بكرة أبيه ويتحول إلى عاملٍ مخلصٍ في خدمة دينٍ جديد لمجرد تلويحٍ بسيفٍ؟ إن هذه الفروض التي يطرحها الملحدة الجدد لتبرير تحو ل حضارات الأرض في ظرف جيلٍ واحد –جيل الصحابة- إلى الإسلام، وذوبان عقائد الكفر من القلوب بشواهد الحق لهي فروضٌ تسيء لأصحابها أكثر مما تحفظ لهم كفرهم! وقد آمن بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- أهل مكة وأهل المدينة وأهل البحرين وأهل اليمن ولم يعط واحد ا منهم درهم ا، ولا كان معه ما يخيفهم. وقد أسلم الجلندي ملك عمان زمن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لا خوف ا من سيفٍ ولا حب ا في رياسة. بل كان إسلامه لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمر بالخير ويفعله، وينهى عن الباطل ويجتنبه؛ قال الجلندي: "لقد دلني على هذا النبي الأمي أنه لا يأمر بخيرٍ إلا كان أول آخذٍ به، ولا ينه عن شر إلا كان أول تاركٍ له... وأنه يفي بالعهد وينجز الوعد وأشهد أن ه نبي" (1) . وأسلم النجاشي ملك الحبشة حين سمع جعفر بن أبي طالب-رضي الله عنه- يتلو شيئ ا من سورة مريم. فقال: "إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاةٍ واحدة "؛ ثم بكى حتى (1) كما ورد بتفصيله في الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، والشفا للقاضي عياض بابفيما أظهره الله تعالى على يديه من المعجزات و شرفه به من الخصائص و الكرامات.

عدد الصفحات ٣٩

40 اخضلت لحيته (1) . أما باذان عامِل كسر على اليمن فقد أسلم بعد أن شهد معجزة حية لرسول الله –صلى الله عليه وسلم- وذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر رُسل باذان بهلاك كسر بعد أن مز ! رسالة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. ولم يصدقا فعادا إلى باذان، وانتظر باذان الخبر من بلاد الفرس، فجاء الخبر بعد شهورٍ بمقتل كسر في تلك الليلة التي حددها النبي –صلى الله عليه وسلم -، فأسلم باذان، وأسلمت حكومته، وأسلم أهل اليمن بإسلامهم، وجاء وفدٌ من أهل اليمن يتعلمون الإسلام وهم الذين أرسل فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل (2) . فالذي يظن أن سيف ا رُفع لإسلام تلك الأمم فقد أبعد النُّجعة، بل ما رُ فِع السيف أولا إلا في وجه الإسلام. ولم يكن ينشغل المكذبون برسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشيءٍ إلا للتخطيط لهدم الدعوة وقتل قائدها صلى الله عليه وسلم بأي ثمنٍ. فقد حوربت الدعوة منذ اللحظة الأولى بالسيف تارة وبالمكر تارات، والنبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعلم من شأن الأنبياء قبله أن كثير ا منهم قد قُتل. فلم يرده ذلك ولم يجعله يجزع بل صبر وصابر ودعا وأصلح وهادن ورفق بهم ودعا لهم. وقد أقام بقلةٍ قليلةٍ من أصحابه طيلة ثلاثة عشر عام ا بين قومٍ يريدون استئصال شأفته هو أتباعه. فقد جائهم بدينٍ يخالف فيه عهدهم وي سفه أحلامهم. وكان يقرأ في مجامعهم القرآن وفيه عيبهم وعيب آلهتهم. وكان يخرج إلى المواسم ويقوم في المحافل ويبرز إلى القبائل يدعو لتوحيد النبيين من قبله ويحذر من الشرك وأهله، كل هذا وقريش ترصده وتتبعه برجالاتها ودهاتها. ويصدون الناس عن (1) أخرجه الإمام أحمد1 /202 ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد : رجاله رجال الصحيح. (2) البداية والنهاية، الجزء الثاني،ما آل إليه أمر الفرس باليمن.

عدد الصفحات ٤٠

41 دعوته بل ويأمرون الحجيج أن يضعوا الكرسف –القطن- في آذانهم حتى لا يسمعوا للقرآن وهو يتلوه لئلا يتأثر العرب به! (1) . وظلوا يمكرون به ويحاولون اغتياله المرة تلو المرة ويمكرون بصاحبته ويقتلونهم ويعذبون من آمن معه، وحبسوه في شعب أبي طالبٍ أربع سنواتٍ، وحاصروا داره وألقوا على كتفه القذر ومكروا به كل مكرٍ [ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ] {46} . وقد تضرع أهله إليه أن يلين لقومه من قريش، وأن يتوقف عن عيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم فلا يزداد إلا إبطالا للباطل وإحقاق ا للحق (2) . وقد تلونت الأحوال عليه -صلى الله عليه وسلم - من غنى وفقرٍ وسل مٍ وخوفٍ وأمنٍ وإقامةٍ وقتل أحبائه وأوليائه بين يديه، وأذ الكفار له بالحبس والتجويع والقهر والإغراء ومحاولة القتل، فهو في مجموع التعذيب والأذ لم يُعذب نبي ولم يؤذ نبيٌ مثل ما أوذي -صلى الله عليه وسلم- (3) . وللمرء أن يتسائل : لماذا مع الترهيب الذي تعرض له في بداية دعوته لا يتوقف عن الدعوة؟ فضرَ به الصبيان في الطائف حتى أُ دمي رأسه ورجله الشريفة، ودخل مكة في جوار مطعم بن عدي ثم رد جواره ، ورُ مي أمعاء الجزور عليه ، وعانى وأتباعه الجوع والحصار لمدة ثلاث سنواتٍ في شعاب مكة حتى أنه كان يربط الحجرين على بطنه من شدة الجوع. (1) كما ورد في قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه، يُنظرالبيهقي في دلائل النبوة (2108). (2) الفقرة من وحي كتاب"رسالة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، د. ثامر بن ناصر، مكتبة الرشد". (3) م.س.

عدد الصفحات ٤١

42 وقال صلى الله عليه وسلم -بأبي وأمي ونفسي- : " لقد أُ خفت في الله وما يخاف أحد ، ولقد أوذيت في الله وما يؤذ أحد ، ولقد أتت علي ثلاثون من بين ليلة ويوم ، وما لي ولبَ لال طعام يأكله ذو كبد ، إلا شيء يواريه إبط بلال" (1) . كل هذا يجري في الوقت الذي يعرضعليه الكفار الرياسة والمال، لا مقابل أن يتنازل عن دعوته، بل مقابل أن يتركهم وآلهتهم وألا يُسفه عقيدتهم! لكن دعوته كانت وحيٌ يوحى ليست مِن قِبل نفسه حتى يتركها لأفضل العروض المتاحة! فكان -صلى الله عليه وسلم- أمام كل هذه الفتن قوي ا في الحق لا يخش لومة لائمٍ . وظل طيلة حياته ثبت ا حين الكرب الشديد، لا يفر ولا يجزع. يقول علي بن أبي طالبٍ -رضي الله عنه- : "كنا إذا حمي الوطيس واحمرت الحُد! اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يكون أحد أقرب من العدو منه، ولقد رأيتنا يوم بدرٍ ونحن نلوذ بالنبي صلى الله عليه وسل م وهو أقربنا للعدو" (2) . أما عبادته وذكره لربه على كل أحواله، وقيامه حتى تتفطر قدماه، ووصاله الصوم وتصدقه بكل ماله وإحسانه إلى أهل بيته وإلى جيرانه، وتفقد أحوال أصحابه؛ فهذا مما سارت بأحاديثه ومروياته الركبان. فكيف يستقيم في عقلٍ زهده –صلى الله عليه وسلم- في الدنيا ؛ وتصور الملحدة أنه طلب الدنيا بالسيف! وكان زهد النبي -صلى الله عليه وسلم- في الدنيا زهد من ملكها وهي راغمة لا زهد من عجز عنها. (1) رواه الترمذي في سننه (2472). (2) رواه أحمد.

عدد الصفحات ٤٢

43 فلم يشبع-صلى الله عليه وسلم- من خبز الشعير ثلاثة أيامٍ تباع ا حتى فار! الدنيا (1) . وكان يمر الهلال والهلالان ولا يطعم سو التمر والماء (2) . ولم ينم-صلى الله عليه وسلم- على الفرش الناعمة؛ وقد دخل ابن مسعودٍ يوم ا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأثر الحصير بأحد جنبيه فبكى على حال محمدٍ -صلى الله عليه وسلم. فقال: ما يبكيك يا عبد الله؟ قال: يا رسول الله كسر وقيصر في الحرير والديباج. فقال -صلى الله عليه وسلم- : لا تبكِ يا عبد الله فإن لهم الدنيا ولنا الآخرة، وما أنا والدنيا ومثلي ومثل الدنيا إلا كراكبٍ نزل تحت شجرةٍ وتركها (3) . فقد كان صلى الله عليه وسلم ينام على جلدٍ حشوه الليف ومات ودرعه مرهونةٌ عند يهودي (4) . فعندمايتهمه الملحدة بطلب الدنيا فاعلم أنهم لا يعرفون شيئ ا عن سيرته. فكيف يرضى بالعيش الكدر وكانت الدنيا تحت يده ولم يمت إلا وجزيرة العرب تدين بالإسلام. أما عن رحمته -صلى الله عليه وسلم- بأمته؛ فانظر إلى رواية معاوية بن الحكم السُّلمي ، حين يقول: بينا أنا أُصليِّ مع رسول الله - صلى الله عليه وسل م - إذ عَطَس رجلٌ من القوم، فقلتُ: يرحمك الله، فرماني القومُ بأبصارهم، فقلت: واثُكل أُمِّياه! ما شأنكم تنظرون إلي ؟! فجعلوا (1) رواه البخاري4955). (2) متفق عليه. (3) متفق عليه: أخرجه البخاري (4913)، ومسلم (1479). واللفظ منالزهد لابن أبي عاصم (1/200). (4) متفق عليهأخرجه البخاري (2916)، ومسلم1603).

عدد الصفحات ٤٣

44 يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يُصمِّتونني، لكنِّي سكت . فلما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسل م - فبأبي هو وأمي، ما رأيتُ معلِّما قبلَه ولا بع دَه أحسنَ تعليما منه، فوالله ما كَهَرني ولا ضرََبني ولا شتمني، قال: «إنَّ هذه الصَّلاةَ لا يصلح ف يها شيءٌ من كلام الناس، إنَّما هو التسبيحُ والتكبير، وقراءة القرآن » (1) . وقد جذبه أعرابي من ثيابه جذبة أثرت في صفحة عنقه -صلى الله عليه وسلم- وقال له: يا محمد مر لي من مال الله الذي عنده فإنه ليس مالك ولا مال أبيك. فالتفت إليه -صلى الله عليه وسلم- وضحك وأمر له بالعطاء (2) . فقد كان صلى الله عليه وسلم حكيما في معالجة الأمور دائم البِشر سهل الخلق سمح الوجه، يخزن لسانه لإحقا! الحق وإبطال الباطل، عظيم الكرم سخي الروح، فيجيب دعوة العبد ويأكل مع المجذوم ويحلب شاته ويخدم نفسه صلى الله عليه وسلم. وقد أوتي -صلى الله عليه وسلم - من الحِكم البالغة والعلوم الكثيرة وعل م التشريعات الشاملة الجامعة في كل صغيرةٍ وكبيرة في أمور الدنيا والدين وهو أمي من بيئةٍ أمية. فبُعث -صلى الله عليه وسلم- بأفضل الكتب إلى أفضل الأمم بأفضل الشرائع (3) . وجاء القرآن لا على مقاسه هو ولا على مقاس بيئته ولا نزولا على رغبات أصفيائه وصحابته، وإنما كان يأتي معاتب ا ومصحح ا ومفسر ا وم علما وهادي ا. فالمد عون من البشر والراغبون في العلو في الأرض يحاولون قدر الإمكان إخفاء عيوبهم لستر حقيقة أمرهم على الناس، أما النبي -صلى الله عليه وسلم- فما أكثر الآيات التي تصحح (1) رواه مسلم841). (2) أخرجه النسائي ( 4776 ) وأبو داود(4775). (3) الفقرة من وحي كتاب"رسالة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، د. ثامر بن ناصر، مكتبة الرشد".

عدد الصفحات ٤٤

45 وتعاتب على مواقفه-صلى الله عليه وسلم- مثل أول سورة عبس والتحريم والآيات في أسار بدر. أيض ا لو تبصر ت إلى حاجته الماسة -صلى الله عليه وسلم- لنزول الوحي في لحظاتٍ عصيبة ليقطع ألسنة المشركين والمشككين وإذا بالآيات تتأخر جد ا ولو كانت من عند نفسه لما تأخرت. صلى الله عليه وسلم! وفي الأخير: أخبر الله عز وجل بنصر نبيه، وأخبر بسيادة دينه وانتشاره، وديانات العرب قائمة وملوكهم على جزيرة العرب مستولية، وكانت ممالك الهند وكسر والقسطنطينية مما لا يحلم العرب أن يروه فضلا عن أن تنتشر كلمتهم فيه. فركب جيله -صلى الله عليه وسلم - البحار وأخرجوا الروم من مصر والشام وأرض المغرب. وكانت العرب قبلها بقليل تسخر حين تسمع أن هذا الرجل سينتصر ويبطل الباطل في شر! الأرض وغربها، وكانوا يعتبرون انتصاره من قبيل هدم الجبال الشم الرواسي بريشةٍ تطير (1) . بل أخبر الله في كتابه أن نصر نبيه وانتشار دينه حقٌ قادم، وأن مَن ظن خلاف ذلك فليشنق نفسه ليهدأ غيظه [ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ] {15}. فقد أخبرت الآيات أن نصره-صلى الله عليه وسلم- قادمٌ لا محالة، وهو ما وقع بتمامه! (1) م.س.

عدد الصفحات ٤٥

46 شيءٌ من آيات نبوته -صلى الله عليه وسلم- أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بعجائب الأمور ومغيبات الأحداث والأحوال فوقعت كما أخبر. وكانت هذه الشواهد دليلا على صد! صاحب الرسالة والتأييد الإلهي! فقد أخبر صلى الله عليه وسلم أم حرام بنت ملحان أن أُناس ا من أمته سيركبون البحر غزاة في سبيل الله ، وستكون هي أول الشهداء في غزاة البحر وقد كان كما أخبر –صلى الله عليه وسلم (1) . حيثركبت البحر في خلافة عثمان بن عفان وماتت شهيدة ودفنت هناك، وجامع أم حرام في قبرص معروفٌ إلى اليوم! (2) . وأخبر -صلى الله عليه وسلم- أننا سنقاتل الترك صغار الأعين حمر الوجوه ذلف الأنوف كأن وجوههم المجال المطرقة؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : "وهؤلاء الطوائف كلها قاتلهم المسلمون وهؤلاء هم التتار وهذه هي صفتهم" (3) . وأخ -صلى الله عليه وسلم- بحدوث الردة، مع أن هذا كان مستبعد ا تمام ا في عصره، وكان الناس يأتون للدين أفواج ا وتُسلخ ظهورهم لتركه فما يزيدهم هذا إلا تمسك ا وقد كان (4) . وأخبر النبي-صلى الله عليه وسلم- بشهادة عمرَ وعثمانَ وعلي وطلحة والزبير -رضي الله عنهم أجمعين-، وأنهم لن يموتوا على فُرُشِهم أو سواه مما يموت به الناس. فقد صعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على حراء ذات يوم هو وأبو بكرٍ وعمرُ وعثما نُ (1) متفق عليه. البخاري2636) ومسلم1912). (2) أعلام النساء،عمر رضا كحالة، أم حَرَام بنت مُلحان .. (3) الجواب الصحيح 2-81. (4) رواه مسلم114).

عدد الصفحات ٤٦

47 وعليُ وطلحةُ والزبيرُ، فتحركت الصخرة، فقال رسول ا -صلى الله عليه وسلم-: «اهدأ، ف عليك إلا نبيٌ أو صديقٌ أو شهيد » (1) . فشهد-صلى الله عليه وسلم- لنفسه بالنبوة، ولأبي بكرٍ بالصديقية، ولعثمانَ وعليَ وطلحةَ بالشهادة وقد كان. وذات يومٍ مرِض علي -رضي الله عنه- مرض ا شديد ا، فزاره أبو سنان الدؤلي، فقال له: لقد تخوفنا عليك يا أمير المؤمنين في شكواك هذه. فقال له علي: لكني والله ما تخوفتُ على نفسي منه، لأني سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- الصاد!َ المصدو!َ يقول: «إنك ستُضرب ضربةً ها هنا، وضربةً ها هنا - وأشار إلى صُدغَيه - فيسيل دمها حتى تختضب لحيتُك، ويكونَ صاحبها أشقاها، كما كان عاقر الناقة أشقى ثمود». وهذا الذي كان مع ع–رضي الله عنه- (2) . وتقبل فاطمة بنت النبي -صلى الله عليه وسلم- تمشي، فيقول لها أبوها: «مرحبًا بابنتي»، تقول أم المؤمنين عائشة: ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم أسر إليه ا حديث ا، فبكت، ثم أسر إليها حديث ا فضحكتْ. فقلت لها: ما رأيتُ كاليوم فرح ا أقرب من حزن، فسألتُها عما قال؟ فقالت: ما كنت لأُفشي سرِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فلما قُبِض النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- سألتُها، فقالت: "أسر إلي : إن جبريل كان يعارضني القرآن كلَ سنةٍ مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي، وإنك أولُ أهلِ بيتي لحاق ا بي، فبكيتُ، فقال صلى الله عليه وسلم: أ ما ترضَينَ أن تكوني سيدةَ نساء أهل الجنة أو نساءِ (1) رواه مسلم ح2417. (2) رواه الحاكم3/122)، والطبراني في الكبير ح173). قال الهيثمي: إسناده حسن.

عدد الصفحات ٤٧

48 المؤمنين، فضحكتُ لذلك " (1) . ومن هؤلاء الذين تحدث النبي -صلى الله عليه وسلم- عن وفاتهم، سِبطُه الحسين بن علي ريحانة أهل الجنة، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لإحد أزواجه: «لقد دخل علي البيت ملَك لم يدخل علَّ قبلًها فقال لي: إن ابنك هذا حسين مقتول، وإن شئت أريتُك من تربة الأرض التي يقتل بها. قال: فأخرج تربةً حمراء» (2) . وأخ-صلى الله عليه وسلم- بموت النجاشي في أرض الحبشة في يوم وفاته، وهذا خبرٌ تحمله الركبان يومذاك في شهرٍ ، يقول أبو هريرة -رضي الله عنه-: «نعى رسول ا-صلى الله عليه وسلم- النجاشي في اليوم الذي مات فيه، خرج إلى المصلى، فصفي بهم، وكبر أربعًا» (3) . وفي اليوم السابق ليوم بدرٍ، تفقد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أرض المعركة المرتقبة، وجعل يشير إلى مواضع مقتل المشركين فيها، ويقول: «هذا مصرع فلان». قال أنس: ويضع يده على الأرض هاهنا هاهنا. فما ماطَ أحدهم عن موضع يد رسول ا -صلى الله عليه وسلم- (4) . ومن عجيب ما جر أن النبي-صلى الله عليه وسلم- أخبر عن سوء خاتمة رجلٍ قاتل مع المسلمين فأحسن البلاء والجلاد، يقول أبو هريرة -رضي الله عنه- : شهدنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال لرجلٍ ممن يدعي الإسلام: «هذا من أهل النار». يقول أبو هريرة: فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالا شديد ا، فأصابته جراحة، فقيل: يا رسول الله، الذي قلتَ له: إنه من أهل النار؛ فإنه قد قاتل اليوم قتالا شديد ا، وقد مات! (1) متفق عليه البخاري (3624)، ومسلم2450). (2) السلسلة الصحيحة882. (3) رواه البخاري(1254). (4) رواه مسلم (1779).

عدد الصفحات ٤٨