17 ويظهر زميل داوكينز ورفيق كهنوته الملحد سام هاريسSam Harris الذي يتطور أكثر وأكثر في ابتلاع الإلحاد فيقرر أنه : "لا مانع من قتل الأصدقاء والأعداء طالما يحلمون أفكار ا مخالفة" (1) . ولا مانع من إبادة المسلم بقنبلةٍ نووية تستأصل شافتهم إلى الأب د –كما يقو ل المجرم بالحرف- (2) . هذا هو الإفراز الإلحادي المتوقع هؤلاء هم أعمدة الإلحاد في العالم. الحمد لله على نعمة الإسلام! كفانا الله شر هم! وهكذا داخل الإلحاد يصبح الإنسان ممزق ا في عالمٍ لن يصبو فيه إلى الحقيقة يوم ا ما! ولن يدرك الإنسان حقيقة وجوده إلا داخل رحابة الإيمان. ففي داخل الإيمان يستطيع أن يستوعب الحس الأخلاقي والحس الجمالي والحس الفطري والحس الوجداني والحس القيمي والحس الديني، ويقبل بالتسليم لمعطيات المعنى والقيمة وهكذا فحسب يعود الإنسان إنسان ا مرة أخر كما بدأ رحلة صراعه الأولى مع طموحه البروميثيوسي Prometheus -التمرد ع الخالق- وتطلعه لتحديد قدَره بيده هو لا بيد خالقه. (1) - Some propositions are so dangerous that it may even be ethical to kill people for believing them. The End of Faith, p.52 (2) - Harris, S. (2006) the End of Faith, the Free Press, P.129.
عدد الصفحات ١٧18 إن هذه الملحمة الك–ملحمة البحث الإلحادي عن الغاية في إطار المادة- تُذكرنا بالقصة القديمة لذلك الرحالة الذي رأ رؤيا أنه سيجد كنز ا عظيما يوم ا ما تحت الأرض! وظل الرجل يجوب البلاد ويقطع الوديان ويخر! الفجاج باحث ا عن كنزه، وبعد أن مضت السنوات عابث ا في سعيه وبعد أن أرهقته الأيام عاد إلى بيته منكسر ا مهموم ا حزين ا يصارع العبثية والشؤم والحسرة، والضياع واللامعنى واللاغاية! وبينما هو كذلك إذ سقط القدح من يده على الأرض فأحدث رن ة عظيمة! فحفر بيده ليجد كنوز ا لا أول لها في قعر بيته. لقد كان الكنز الذي يبحث عنه! إن الكنز الذي يبحث عنه الإنسان لا يوجد في الخارج المادي، ففي العالم المادي لن يجد إلا ما هو مادي، لن يجد إلا غذاء جسده، أما غذاء روحه فليس من هذا العالم! ولن يصبح الإنسان إنسان ا ولن يؤسس لقيمته ومب ادئه وأخلاقياته إلا في ظلال القيمة والمعنى والتي لا تمت إلى هذا العالم بصلةٍ! إن المعنى يوجد داخلك أنت. في فطرتك، وصبغتك التي صبغك الله عليها! [ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ] {138}. إننا لو كن ا أبناء هذا العالم الخُلص، لما شعرنا بالمعاناة ولا الاغتراب ولا بحثنا عن القيمة ولا كان لهذه الكلمات معنى . في رواية البؤساء لفيكتور هوجو Victor Hugo يتوقف الزمان عند تلك اللحظة التي يلقي فيها الضابط جافير Javert بنفسه في نهر السين حين أطلقه الجاني جان فالجانJean Valjean بعد أن قَدر عليه إن قرار الضابط هو نتيجة صراع نفسي لا يحُتمل، فلم يكن يصد! أن هذا المجرم أكثر عاطفة وحنان ا منه، وأنه يقدر على العفو ويحب العفو ويعفو!
عدد الصفحات ١٨19 هذا الصراع النفسي الذي دار داخل نفس الضابط لا معنى له إذا لم يكن لنا روح إننا لو كن ا أبناء هذا العالم لما بدا فيه شيء نجس أو طاهر، إن وجودنا يستمد معناه من عالمٍ آخر. إننا نوقن وندرك أننا دخلنا هذا العالم برأس مال قيمي معرفي أخلاقي مبدئي هائل. وليس في هذا العالم ما يحلل شيئ ا من ذلك، ولا يبرر شيئ ا من ذلك! إننا أبناء عالمٍ آخر نقتبس منه المعنى والقيمة والهدف والغاية، ونرد إليه مطلقاتنا التي نؤمن بها ولا نجد لها صد في عالمنا الخارجي! إن الصراع الأزلي بين الضمير والمصلحة، هذا الصراع لا يوجد في هذا العالم المادي ما يبرره، فلا يعرف العالم المادي الخارجي سو المصلحة، أما الضمير فهو خاصية محايثة –مرتبطة- للإنسان، كما أن القيمة خاصية حصرية للروح، إن معنى الإنسان الحقيقي لا معنى له إلا بمقدمةٍ سماوية؛ هذا هو التنظير الأخير لظاهرة وجودنا، إن الإحالة إلى الإيمان هي مصدر اقتباس وتحليل وتعريف وتفسير الوجود الإنساني كله. فإما الإيمان أو الفوضى... ولا يوجد بديل ثالث!
عدد الصفحات ١٩20 ظاهرة النبوة "لولا النبوات لتحولت كل الأحلام والقيم والمُطلقات الأخلاقية إلى كابوسٍ مرعب" ظاهرة النبوة النبوة والعقل!
عدد الصفحات ٢٠21 النبوة هي وسيلة المعرفة الصحيحة بالله ومعرفة مراده من خلقه، ولولا النبوة لما حصلت الهداية ولا حصلت معرفة غاية الوجود ولا المصائر بعد الموت ولا معنى الدنيا ككل! لكن بعض الملحدة يزعمون أن العقل قد يُعو ل عليه في الوصول إلى بعض المعاني الكلية للوجود. وهذا خللٌ ظاهر فالعقل لا يستقل بالوصول إلى الهداية، وإلا ما اختلف المُعوِّلون على العقل وحده فهم مختلفون فيما بينهم أشد اختلاف. فعندما تُرك الناس للعقل آمنوا بالله وآمنوا بالأصنام والأوثان وعبدوا الملوك وألحدوا وصاروا لاأدرية في آنٍ واحد! فمعطيات العقل متفاوتة للغاية وتخريجاته مزعجة ومُربكة لأبعد ما نتصور! فالعقل البشري لا يملك أي عتادٍ حقيقي يمنعه من التورط في صناعة الخرافة والأسطورة والوهم والهلاوس وقبول كل ذلك واعتباره حقائق! يقول د. ثامر غشي ان: "بدون العودة بالعقل إلى وظيفته الأصلية ضمن أُطر ومسل مات يُؤمِّنها الوحي ويحُدد أبعادها الكتاب ، بدون هذه العودة فإننا نظلم العقل وندخله ميادين ليست ميادينه وحروب ا ليست حروبه ثم بعد ذلك نلومه ونغضب عليه إذا عاد خائب ا منكسر ا حزين ا " (1) . ثم تب صر تاريخ الأمم وفلسفاتهم وثقافات المتقدمين والمتأخرين، وانظر هل وصلوا بالعقل وحده إلى نتائج مُرضية في مسألةٍ واحدة من المسائل الوجودية الكبر –المسائل الوجودية الكبر مثل: لماذا نح ن هنا، وأين نحن إذا متنا، وماذا بعد الموت؟ - أم عاد الجميع حائرين تائهين يتر صدون باب ا آخر يلِجوا منه لبحث الأجوبة؟ (1) الفقرة من وحي كتاب"رسالة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، د. ثامر بن ناصر، مكتبة الرشد".
عدد الصفحات ٢١22 ألم يعترف ستيفن هاوكنج Stephen Hawking الفيزيائي الأشهر وفي أول صفحة من كتابه الأخير "التصميم العظيم the Grand Design" أنالفلسفة قد ماتت؟ لكن صراحة الذي مات لم تكن الفلسفة، وإنما الاعتماد على العقل وحده في المسائل الوجودية الكبر ! فالعقل بدون النبوات، كالعين بدون آلية الإبصار، وكالأذن بدون آلية السمع. [ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ] {179}. وقد حاول ديكارت Descartes (1637 )أن يصل بالعقل وحده إلى مفردات معا الوجود فاستخدم وسيلة الشك المنهجي الجذري، واستطاع بهذه الوسيلة أن يهدم معتقداته في كل شيء حتى الأفكار المُجردة ، ثم بعد ها أسس لفلسفة الكوجيتو cogito-أنا أُفكر إذن أنا موجود – أيض ا باستخدام العقل. ثم بعدها انهار هذا الكوجيتو على يد ديفيد هيوم David Hume أيض ا باستخدام العقل وظهرت فيما بعد الحداثة التي أس س لها كانط Immanuel Kant والتي بدورها ذابت ع أعتاب ما بعد الحداثة post-modernism. فالعقل يبني ويهدم .. يرفع ويخفض .. يُؤله ويُوثن . ولم يعد ثمة إمكان لتأسيس الوعي والقيمة والمعنى للوجود باستخدام العقل المفرد. ولذا يقول الدكتور عبد الحليم محمود -رحمه الله- شيخ الازهر السابق : "فالدين سفينة والعقل لوح خشب وقل من نجا بلوح خشب " (1) . (1) انظر"يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية".
عدد الصفحات ٢٢23 وقد كان أندريه جيدAndré Gide المفكر الفرنسي الشهذكي ا، فعندما طلب منه طه حسين يوم ا أن يسمح له بترجمة أعماله إلى العربية ؛ رد عليه أندريه جيد مندهشـ ا وقال : "يدهشني اقتراحك .. الإنسان المسلم يحمل من الأجوبة أكثر مما يثير من أسئلة " (1) . فالعقل الذي يعرف صفات الإله ويعرف الرسالة الإلهية يجد الأجوبة عن الأسئلة الكلية. بينما الذي ينكر الن بوات يطرح نسخ ا لا نهائية للتصورات الوجودية -أي يستحيل أن ينجو ضمني ا-. ومن أجل ذلك يعترف الرازي في آخر مصنفاته بعد أن خاض في علوم الأوائل حتى الحلقوم، وتشر ب من الفلسفات حتى تض لع ثم قال في النهاية: "لقد تأملت الطر! الك لامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا ، ورأيت أقرب الطر! طريقة القرآن ومِن جر ب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي . فنهاية إقدام العقول عقال" (2) . نعم نهاية إقدام العقول بلا بصيرةٍ من وحيٍ عقال فللعقول أقيسة لا نهائية لكل مسألة، وضروب متباينة متفاوتة. فكيف ينجو بعقله من رأ نسبية طرحه؟ يقول ابن قتيبة رحمه الله: "وقد كان يجب مع ما يد عونه – في تقديسهم للعقل-من معرفة القياس وإعداد آلات النظر أن لا يختلفوا كما لا يختلف الحُس اب والمُس اح والمُهندسون، لأن آلاتهم لا تدل إلى على عددٍ واحد، وإلا على شكلٍ واحد، فما بالهم أكثر الناس اختلاف ا؟ لا يجتمع اثنان من رؤسائهم على أمرٍ واحدٍ " (3) . (1) المراسلات مع أندريه جيدرسالة من أندريه جيد إلى مترجم كتابه "الباب الضيق"، باريس في 5 يوليو 1945. (2) ثبوت النبوات ص318. (3) تأويل مختلف الحديث ص14.
عدد الصفحات ٢٣24 فما أشد تشرذم الذين اعتمدوا العقل وحده في النظر وقد قال فيهم الغزالي -رحمه الله-: "فإن خبطهم طويل، ونزاعهم كثير، وآراؤهم منتشرة، وطرقهم متباعدة متدابرة" (1) . وير الغزالي رحمه الله أن ردود أرسطو على أفلاطون دليل أنهم يحكمون بظنٍ وتخمين، ولو كانت علومهم العقلية متقنة البراهين كعلومهم الحسابية لما اختلفوا كما لم يختلفوا في علومهم الحسابية (2) . فالعقول متفاوتة. ولا إجابة إلا ببعثة الرسل فهي التي تحسم الخلاف بين العقول قال الماوردي: "إن قضايا العقول قد تختلف فيما تتكافأ فيه أدلتها فانحسم ببعثة الرسل" (3) . وتفاوت العقول ليس لتفاوت الأفهام فحسب، ولا لتفاوت القدرات والملكات فقط. بل إن العقل ذاته يتغير في كل لحظةٍ. فانظر إلى نفسك في يومك وأمسك وغدك. وانظر إلى ما كنت لا تعقله ثم عقلته ثم ربما غد ا لفظته أو عقِلت غير ه. فهذا حالك وأنت بعقلك لا بعقل غيرك تتقلب! ف: "رحمة الله الكبرى هي النبوة والرسالة، وكل ما فيها خيرٌ مما يجمعون بعقولهم المختالة" (4) . فالمبالغة في تقدير العقل كذب. وحجْب العقل عن التفكير والنظر قد يؤدي إلى الكفر [ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ] {10}. فللعقل ميدانه؛ وآليات العقل لها مسالكها التي تجيدها، لكن هذه المسالك في بحرها هي لا في بحر غيرها. فإذا خرجت بها عن بحرها إلى بحر غيرها غرقت وأغرقت. (1) تهافت الفلاسفة76. (2) المصدر السابق ص76. (3) أعلام النبوة للماوردي2-68. (4) الملل والنحل2-252.
عدد الصفحات ٢٤25 ومثال ذلك أن: العقل قد يدل على الامتنان والشكر للرز ا! الوهاب فهذه دلالة عقلية من النظر في الموجودات وتب صر النعم التي لا تحصى، لكن العقل وحده لا يدل على كيفية شكر الخالق سبحانه، ولا طريقة ذلك، ولاشروط وأوقات العبودية الحقة! فبالنص الشرعي وحده تقوم الحجة وتُعرف الطريقة ويرتقي العُب اد ويذل المتكبرون. قال الشهرستاني -رحمه الله-: "المعارف قد تحصل بالعقل، ولكنها لا تجب إلا بالسمع – الأدلة الدينية-" (1) . فأنت لا تفهم ما يلزمك بعقلك. لكنك في الوقت ذاته تشعر بحاجتك إلى باريك وخالقك فهنا يكون العقل سابق والوحي سائق! أضِف إلى ما سبق أن: العقل لا يدل على شيءٍ من الغيب ولا يعرف تفصيل الماوراء وجزئياته فضلا عن مجمله فضلا عن ث بوته أو نفيه! قال ابن خلدون -رحمه الله - في مقدمته: "العقل ... لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمعٌ في محال، ومثال ذلك مثال رجلٍ رأ الميزان الذي يُوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال وهذا لا يُدرك" (2) . فالعقل لا يرصد إلا في نطا! آليات محيطه؛ ولا يُرتجى منه غير ذلك (1) نهاية الإقدام للشهرستاني ص371. (2) المقدمة ص459. ملحوظة: بعض الاقتباسات الواردة في هوامش هذا المقال من كتاب""رسالة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، د. ثامر بن ناصر، مكتبة الرشد"
عدد الصفحات ٢٥26 لكن دعونا نتسائل: ما فائدة أن تعرف تفاصيل جزءٍ معينٍ من العلوم في نطا! محيطك وأنت جاهلٌ بأعظم مطلوبٍ ؟ ما فائدة أن تعرف شعورك بالامتنان لرازقك ولا تقوم بواجبك؟ ما فائدة أن تشهد آيات الخلق وشواهد الحق وحِكَم النِعم بعقلك، ثم لا تعرف ردة فعلك الأصلح تجاه ذلك وغاية وجودك؟ فأي تخلفٍ وانحطاطٍ معرفيٍ يريد أن يعيشه هؤلاء منكرو الرسالات؟
عدد الصفحات ٢٦27 كل خيرٍ في الوجود فمنشؤه من جهة الرسل بدون الرسل والرسالات والإيمان بالنبوات، تتحول كل القيم في هذا العالم إلى غثاء. بدون الإيمان بالنبوات يتحول الإنسان إلى مجرد نفاية نجمية star-stuff بلا قيمة كما يقول اللاأدري كارل ساغان (1) . بدون التسليم بصحة الرسالة تتحول كل الأشياء الجميلة إلى رعب ويصير الكون بلا هدف، وتصبح كل الغايات السامية هراء لا يُطا! (2) . هذه مسلمات يتفق عليها الملحد والمؤمن فالعالم لا يستمد قيمته من ذاته. ولذلك لا يرغب عن الإيمان بالله وبرسالاته إلا مَن أراد أن يدمر معنى وجوده، ويُسفه غايته في الحياة[ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ] {130}. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه ا"كل خيرٍ في الوجود فمنشؤه من جهة الرسول، وكل شر في العالم مختص بالعبد فسببه مخالفة الرسول أو الجهل بما جاء به، وأن سعادة العباد في معاشهم ومعادهم باتباع الرسالة، والرسالة ضرورية للعباد لابد لهم منها، وحاجتهم إليها فو! (1) Video Source: The Shores of the Cosmic Ocean [Episode 1]. Some part of our being knows this is where we came from. We long to return. And we can. Because the cosmos is also within us. We're made of star -stuff. We are a way for the cosmos to know itself. 06 min 04 sec. (2) cosmically inconsequential bundles of stardust, adrift in an infinite and purposeless universe.
عدد الصفحات ٢٧28 حاجتهم إلى كل شيء، والرسالة روح العالم ونوره وح ياته، فأي صلاحٍ للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور، والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة. وكذلك العبد ما لم تشر! فى قلبه شمس الرسالة، ويناله من حياتها وروحها، فهو في ظلمة وهو من الأموات قال الله تعالى: [ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ] {122}. فهذا وصف المؤمن، كان ميتا فى ظلمة الجهل فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان، وجعل له نور ا يمشى به فى الناس. وأما الكافر فميت القلب "في الظلمات"، وسمى الله تعالى رسالته روح ا، والروح إذا عُدم فقد فقدت الحياة قال الله تعالى: ( [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ] {52} . فذكر هنا الأصلين وهما الروح والنور" (1) . فأي ضلالةٍ يحياها ارء بإنكاره للرسل والرسالات! وكل البشر بفطرتهم وصبغتهم التي صبغهم الله عليها لديهم قناعة بالواجب الأخلاقي، حتى الملحدين منهم. لكن لا شيء مادي يعطي تبرير ا لهذا الواجب الأخلاقي. فما مصدر هذا الواجب الأخلاقي؟ أيضًا : لا شيء مادي نستمد منه وخز الضمير الأخلاقي وشعورنا بالحرج حين نُخطيء! وإذا لم تكن الرسالات موجودة فلا يمكنك أن تصف عمل ما بأنه "أخلاقي" أو عمل آخر بأنه "لا أخلاقي"، فقط يمكنك أن تقول هذا "يعجبني" وذاك "لا يعجبني". فبمعزل عن الله والرسالات لا يمكنك أن تبرر الواجب والحق والعدل والقيمة! فنحن في عالمٍ مادي غير معنيٍ بالأخلا! أصلا ! (1) مجموع الفتاو19-93،94.
عدد الصفحات ٢٨29 فإما أن هذه الأخلا! سخف على أعلى درجة، وإما أنها تستمد معناها من عالمٍ آخر لذا فالرسالة هي روح هذا العالم، وهي نبضه الأوحد، وبغيرها يتحول العالم بكل صخبه إلى جثةٍ هامدة. فالدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فالرسالة روح العالم ونوره وحياته. وظاهرة الرسالات والنبوات هي من الظواهر التي يتوقف ع ندها التاريخ بالرصد والتعجب واليقين. فالرسالة ليست حدث ا فردي ا لا يتكرر. ولا هي تطلع ا نفسي ا عند دعاتها بل هي على العكس من ذلك تمام ا، فكثير من الأنبياء كيونس وأرميا ومحمد -عليهم الصلاة والسلام - توقفوا في بداية رسالتهم ورهبوا الموقف وا بتعدوا، ولكن دعوتهم استولت عليهم أخير ا ، بعد أن تبين أنها دعوة من خارج أنفسهم. فمقاومتهم في البداية تدل على التعارض بين اختيارهم والإرادة الإلهية العليا التي تطو! رغبتهم. وفي هذا دلالة قوية على استقلالية حجة الرسالة عن الرغبة الشخصية والنزعة النفسية. أيض ا الرسالة ليست حدث ا فردي ا بل هي تتكرر في أصقاعٍ شتى وأزمانٍ متباينة؛ يقول مالك بن نبي –رحمه الله: "ثم إن مبعث نبي ما ليس حدث ا فرد ا ليكون غريب ا ن ادر ا بل هو على العكس من ذلك ظاهرة مستمرة تتكرر بانتظام واستمرار، ظاهرة تتكرر بالكيفية نفسها، وهذا يُعد شاهد ا علمي ا يمكن استخدامه لتقرير مبدأ وجودها بشرط التثبت من صحة هذا الوجود بالوقائع المتفقة مع العقل ومع طبيعة المبدأ " (1) . فهنا لك أن تسأل دعاة التجريب: ألا يعد تكرار ظاهرة الرسالة شاهد ا على موضوعيتها؟ [ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ] {44}. (1) مالك بن نبي، الظاهرة القرآنية ص87.
عدد الصفحات ٢٩30 أما التثبت من صحة وجود الرسالة فيس وتر صده جد بسيط. وآياته متكاثرة لا تتوقف ولا يحصيها المتبصر! ومدار التسليم بصحة الرسالة يتوقف على صد! مدعيها لا أكثر! يقول الفيلسوف زكي نجيب محمود: " ليس مدار التسليم برسالة النبي على ما يقدمه من برهان عقلي، بقدر ما يكون مدار التسليم مبنيـ ا على صد! صاحب الرسالة وأمانته" (1) . فمدعي الرسالة إما أن يكون من أفضل الخلق وأكملهم –لأنه رسول من عند الله-، وإما أن يكون من أنقص الخلق وأذلهم -لأنه ادعى بهتان ا عظيما -، فكيف يشتهب أفضل الخلق وأكملهم بأنقص الخلق وأذلهم؟ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "كل شخصين ادعيا أمر ا من الأمور أحدهما صاد! في دعواه والآخر كاذب، فلابد أن يبين صد! هذا وكذب هذا من وجوه كثيرة، إذ الصد! مستلزم للبر والكذب مستلزم للفجور" (2) . ويقول رحمه الله في موضعٍ آخر من كتبه"ليست المعجزة هي الشرط الأوحد للنبوة فمُدعي النبوة إما أن يكون أصد! الصاد قين أو أكذب الكاذبين ، ولا يُلبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين. وقد أسلم السابقون الأولون أمثال أبي بكر الصديق وخديجة والمُبشر ين قبل انشقا! القمر والإخبار بالغيب والتحدي بالقرآن ... وكثيرٌ من الناس يعلم صد!َ المُخبر بلا آية البت ة ...وموسى بن عمران لما جاء إلى مصر وقال لهم إن الله أرسلني علموا صدقه قبل أن يُظهر لهم الآيات، وكذلك النبي لما ذكر حاله لخديجة وذهبت به إلى ورقة بن نوفل، قال هذا هو الناموس (1) من وحي كتابموقف من الميتافيزيقيا، زكي نجيب محمود. (2) الاصفهانية ص474.
عدد الصفحات ٣٠31 الذي يأتي موسى، وكذلك النجاشي وأبو بكر علموا صدقه علما ضروري ا لما أخبرهم بما جاء به وما يعرفون من صدقه وأمانته. مع غير ذلك من القرائن يوجب علما ضروري ا بأنه صاد!، وخبر الواحد المجهول من آحاد الناس قد تقترن به قرائن يُعرف بها صدقه بالضرورة فكيف بمن عُرف بصدقه وأمانته وأخبر بمثل هذا الأمر الذي لا يقوله إلا مَن هو أصد!ُ الناس أو أكذبهم وهم يعلمون أنه من الصنف الأول دون الثاني" (1) . فالاستدلال على صحة دعو الرسالة أمرٌ يس والنبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يدعِ أحد أنه كذِب ولو لمرةٍ واحدة! فقد عجز البشر عن إظهار كذبةٍ واحدة في جميع عمره صلى الله عليه وسلم على تعدد مواقفه وكثرة أخباره. "ما عهدنا عليك كذب ا قط" "ما جربنا عليك كذب ا " ألم تكن هذه الجملة هي أول رد من المشركين في أول حوارٍ بينه وبينهم بشأن رسالته؟ (2) . بل ما اشتهر-صلى الله عليه وسلم- إلا بالصاد! الأمين، ولذا فقد أخبر القرآن العرب أنهم ماكرين حين ينتكرون لرسالته صلى الله عليه وسلم وهم يعلمون حاله قبل بعثته وأنه صاد! وأمين [ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ] {69}. ولو تبصر ت الكتب السابقة لما ازددت إلى يقين ا (1) ثبوت النبوات عقلا ونقلا ، شيخ الإسلام بن تيمية، دار ابن الجوزي، ص 573، وبمعناه في نفس المصدر ص318. (2) انظر تفسير الطبري في قوله تعا[ﭿ ﮀ ﮁ{ ]214}.
عدد الصفحات ٣١32 فقد عُرِّف النبي –صلى الله عليه وسلم- أيض ا بالصاد! الأمين في كتب الأسبقين. ينقل سفر الرؤيا –آخر أسفار الكتاب المقدس- وهو السفر الخاص بنبوءات آخر الزمان، ينقل لنا صورة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- ونعته فيقول: " ثم رأيت السماء مفتوحة، وإذا فرس أبيض والجالس عليه يدعى أمين ا وصادق ا، وبالعدل يحكم ويحارب" (1) . مَن هو الذي ركب الفرس وبالعدل كان يحكم ويحارب، وكان لقبه "الصاد! الأمين "، وكان مبتعث ا من السماء –السماء مفتوحة- غيره -صلى الله عليه وسلم-؟ إن حجة الرسالة وحجة صد! الرسول هي من الحجج العقلية التي لا تتطلب من المرء أكثر من التسليم والإسلام! (1) سفر الرؤيا إصحاح19 عدد11.
عدد الصفحات ٣٢