المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

إما الإيمان أو الفوضى

هيثم طلعت

صفحة ٢٤ من ٢٧

369 فالصراع هو أصل رؤية التطور للوجود ولظهور الكائنات، وهو شرط لكل حركة، والذي ينظر للبشر بهذه النظرة ستكون عنده بحور الدم أمر بديهي يجب زيادة روافده.

عدد الصفحات ٣٦٩

370 وهل جرت بحور الدم على يد رجل أكثر مما جرت على يدأدولف هتلر Adolf Hitler ؟ الانتهازية المادية التطورية كان هتلر تطوري ا فج ا؛ فقد كتب آلان بولوك Bullock – وهو أشهر مؤرخي الحقبة النازية -كتب يقول: " كان هتلر مادي ا قاسي ا وكان ير أن المسيحية تقف في وجه قوانين الا نتخاب الطبيعي والبقاء للأصلح". Bullock wrote that Hitler was a rationalist and materialist, who saw Christianity as a religion "fit for slaves", and against the natural law of selection and survival of the fittest (1) . حارب هتلر من أجل الا نتخاب الطبيعي، وحـاول أن يجعل منه أيديولوجيـة ألمـانيا في القرون العشرة الق ادمة - الرايخ الثالث -، ومن أجل هذا المبدأ قام هتلر بتأسيس فرقة إبادة الأقليات Einsatzgruppen،حيث تتم إبادة الأقليات عديمة الجدو في ألمانيا، وكان يتم تجريد الضحايا من أية أدوات نافعة مثل حشوات الأس نان الذهبية ، ثم يقوم الضحايا بحفر القبور بأيديهم ثم يُقتلون وهم واقفون في وسط القبر بمنتهى الترشيـد والعقلانيـة المادية العلمانية . وفي 14 يوليو1933 أصدر هتلر قرار ا بتعقيم 400 ألف شاب عن طريق تمريرهم ع ترددات عالية من أشعة إكس، حتى يفقدوا القُدرة على الإنجـاب، فهؤلاء الشباب كانوا مصابين بأمراض نفسية، وعُصاب ية كثيرة ربمـا تضر الأجنة . وهنا يظن كثيرٌ من العرب أن مشكلة هتلر كانت مع اليهود، وهذا خطـأ جوهري في استيعاب رؤيته للإنسـان والإنسانية .. كان هتلر ير أن الألمان هم أرقى الأجناس، وأن اليهود أحد الأقليات التي تؤثِر على نقاء العِر! الألماني النقي –رؤية داروينية-، لكنهم ليسوا الوحيدين في الصورة فهناك الكثير من الأعرا! التي اختلطت بالألمان، ولذا لم يقم هتلر بإبادة اليهود فقط، (1)Alan Bullock; Hitler, a Study in Tyranny; HarperPerennial Edition 1991; p219.

عدد الصفحات ٣٧٠

371 وإنما أباد السلافيين والغجر والأقزام والمعاقين وأصحاب الأمراض النفسية وأصحاب الأمراض المزمنة، وعدم شهرة هذه الأقليات بسبب عدم وجود لوبي غربي يطالب بحقوقهم بعكس الحال مع اليهود! وبذلك أصبح هتلر من أوائل الذين يقومون بتطبيق الانتخاب الطبيعي عمليـ ا، ومن أوائل الشخصيـات التي استوعبت الداروينية بصورتهـا الحقيقية (1) . ولذا يمكناعتبار معسكرات الاعتقال النازية، حيث يتم إحرا! كل الأقليات والأثنيات، هي أول مراكز الا نتخاب الطبيعي التي يؤسِس لها الإنسان المعاصر الهوموسابين homo- sapiens، حيث يحُر! في هذه المراكز عديمي النفع على حد تعبير هتلر حين قام ب احتلال بولندا، وبالفعل تم رسمي ا قتل 5.3 مليون بولندي لهذا السبب كان هتلر بنموذجه النازي الصورة المثالية للمادية العلمانية التي دعت لها نظرية الانتخاب الطبيعي . وقام هتلر بتقرير مشروع T4، وهو المختص بعمليات القتل الرحيمEuthenesia، أو القتل العقلاني حيث يتم التخلص من المعاقين، وأصحاب الأمراض النفسية، وأصحاب الأمراض المزمنة، عن طريق القتل المباشر. وبذلك يُع د مشروع action T4 أول ورشة عمل حقيقية للتسريع بالانتخاب الطبيعي وتحقيق أهدافه! وقام الدكتور [بوخنوالد] bboukhnouald، بعمل تجارب طبية على المعتقلين، مثل تعريضهم لغُرف تفريغ الهواء، لمعرفة كم يستطيع الانسان أن يمكث حتى يموت، وتعريضهم لغازات سامة لمعرفة مد فاعليتها والتركيزات المطلوبة، والقيام بعمليات جراحية بدون تخدير (1)http://en.wikipedia.org/wiki/Untermensch.

عدد الصفحات ٣٧١

372 لمعرفة درجات الألم ومسارات الأعصاب، وقد وفر ت الفترة النازية كمية عملاقة من المعلومات الطبية في كافة المجالات . وكان الدكتور [را] يُعرض مرضاه للتجميد لمعرفة الفترة التي بعدها يموت الانسان، ودرجة التجمد الكافية للموت، وكان أُسلوب العمل هو تجميد السجناء تدريجي ا مع متابع ة النبض والتنفس والحرارة وضغط الدم، بانتظام وقد مات أغلب من تمت التجارب عليهم، والباقون أُصيبوا بلوثات عقلية وتمت إبادتهم بعد ذلك . وكما قال [بريمو ليفي] Primo Levi، فإن ألمانيا النازية هي المكان الوحيد، الذي كان بوسع العلماء أن يدرسوا فيه جُثت ي توأمين قُتلا في نفس اللحظة (1) . كما ُأجريت في ألمانيا النازية تجارب زرع الغرغرينة في الجروح، والحقن بالميكروبات، لمعرفة الأسرع فتكا (2) . لقد كان أدولف هتلر ماديـ ا، يؤمن بمقررات الداروين ية، والا نتخـاب الطبيعي، والبقاء للأصلح، وقامت الحرب العالمية الثانية التي راح ضحيتها 50 مليون نسمة، من أجل تطبيق هذه الفكرة . ومن هتلر إلى ماو تسي تونج Mao Zedong قائد الصين خلال الفترة من عام1949 حتى وفاته عام 1976 لم تختلف الصورة كثير ا إلا في عدد المذابح ومبرراتها ا ادية! وقد قتل ماو تسي تونج ما بين عامي 1949- 1975 حوا26 مليون مسلم صيني- الأتراك الأيغور-، وفي عام 1964 نشر ماو تهديداته قائ: " جميع الحيوانات السُفلية سوف تُعدم ". وبهذا كان ماو يخُرج معارضيه مِن الإنسانية وكان يعتبر كُل من وقف ضد الثورة خط أ (1) http://en.wikipedia.org/wiki/Primo_Levi (2)http://en.wikipedia.org/wiki/Nazi_crimes_against_the_Polish_nation.

عدد الصفحات ٣٧٢

373 تطوري ا . يقول James Revee Rusey :" بالنسبة لمـاو فإن أعداء الشعب ليسوا با وليس لهم أدنى حق بالمعاملة الإنسانية" (1) . وماو تسي تونج يصنفه النقاد على أنه أكبر مجرم في تاريخ الجنس البشري على الإطلا!، فقد قتل من 40-70 مليون نسمة بسبب سياسات التجويع والعمل القسري والإعدامات والإبادة الشمولية وقتل الأثنيات والعرقيات المختلفة، وما كان ماو تسي تونج ليتيح لنفسه فعل ذلك دون رؤية تطورية مادية للوجود من حوله! (2) . وقد أعلن ماو تسي تونج16 مايو من عام1966 مشروع الثورة الثقافية الكGreat Proletarian Cultural Revolution . وفكرة الثورة الثقافية الكبر ليست نشر الثقافة كما يوحي العنوان وإنما العكس من ذلك تمام ا فالفكرة هي قتل المثقفين فعلي ا ، فالمفترض أن تبقى البلاد في ثورة دائمة وصراع مستمر – وهذه هي النظرة الداروينية لوجود الكائنات الحية على الأرض- فأراد ماو تسي تونج تطبيق ذلك عملي ا (3) . وقد رأ كبار أعمدة الحكومة الصينية في ذلك الوقت ليو شاي تLiu Shaoqi ودينج زياو بينج Deng Xiaoping أن ما يفعله ماو بالشعب يوجب عزله فور ا وإعطاؤه أي منصب (1) China and Charles Darwin, James Revee Rusey, p.456. (2)http://www.hawaii.edu/powerkills/NOTE2.HTM. Modern China: The Fall and Rise of a Great Power, 1850 to the Present. Ecco Press. p. 351. (3) Feigon, Lee (2002). Mao: A Reinterpretation. Chicago: Ivan R. Dee.

عدد الصفحات ٣٧٣

374 صوري لأنه سيُدخل البلاد على حافة الهلاك، بسبب قراراته (1) . لكن قرارات ماوكانت أسرع من تدابير ليو ودينج، فقد أطلق ماوتسي تونج أوامره لتلاميذ المدارس وطلبة الجامعات أن يقيموا محاكم خاصة لأساتذة الجامعات والمدرسين، فسادت الفوضى في البلاد، وعم الخراب وأُقيمت المحاكم في الشوارع واضطهد الملايين بما فيهم الفيلسوف العظيم وتشن يون Chen Yuen وأُغلقت المدارس وطُلب من المثقفين أن يذهبوا إ الريف حتى يقوم الفلاحين بتعليمهم! أدت الثورة الثقافية إلى فوضى اجتماعية واقتصادية عارمة ودُمرت حياة الملايين، ودخلت الثورة الثقافية في كل شيء في المجتمع الصيني وأصبح الصراع على أشده داخل الأسرة الواحدة، وتصارع الابن مع أبيه والتلميذ قتل أستاذه والمثقفين أُحيلوا إلى الريف لإعادة تأهيلهم على يد الفلاحين الأميين وقدرت الإحصاءات أن قتلى هذه المرحلة كانوا بالملايين (2) . وقد كان ماو تسي تونج يفخر دوم ا أنه قاتل العلماء، وقد قال يوم ا ما في اجتماع لكوادر الحزب عام 1958 :"لقد تفوقنا على تشين شي هوانغQin Shi Huang –امبراطوار صيني قديم اشتهر بدفن العلماء أحياء- في محاربته للعلماء والمثقفين، لقد دفن تشين شي هوانغ 460 عالم وهم أحياء، أما انا فقد دفنت 4600 عالم وهم أحياء، إنكم أيها المثقفون تنسبوني باستمرار إلى تش شي هوانغ، إنكم مخطئون! لقد تفوقت على تشين شي هوانغ بمائة ضعف". During a speech to party cadre in 1958, Mao said he had far outdone Qin Shi Huang in his policy against intellectuals: "He buried 460 scholars alive; we have buried forty-six thousand scholars alive ... You [intellectuals] revile us for being Qin Shi Huangs. You are wrong. We have surpassed Qin Shi (1)Gao, Mobo (2008). The Battle for China's Past: Mao and the Cultural Revolution. London: Pluto Press. (2)http://necrometrics.com/20c5m.htm#Mao.

عدد الصفحات ٣٧٤

375 Huang a hundredfold (1) . إن هذا النمط من الصراع التطوري الذي لا يرحم يستحيل تطبيقه على الإنسان فالإنسان له شخصيته المستقلة، وهو لا يسير في هذا العالم كابن للطبيعة بل كمغترب عنها، فالإنسان ضد القولبـة والتشكيل والتسوية العـامة التي يفرضها نمط الرؤية الإلحادية للإنسان. فالإنسان سيظل يبحث عن الحُريـة والشخصية المستقلة والفرديـة ولو على حسـاب المُ تع واللذات؛ لأنه وساعتها فقط سيشعر أنه إنسان، فالحريـة الشخصيـة والمسئولية الفردية هما أهم سمات الإنسان، وهما مناط تكليف الإنسان على الأرض .. ، فإما أن يكون الإنسان إنسان ا حُ ـر ا مؤاخذ ا أو لا إنسان مُ سير تحكمه حتميات مادية فجة بلا معيارية ولا معنى! وربما لولا إصلاحات ليو شاي تشي Liu Shaoqi ودينج زياو بينجDeng Xiaoping لما وصلت الصين إلى ما وصلت إليه الآن، ولأصبحت حقبة ماو تسي تونج نهاية فعلية للصين، ومن عجيب ما يُذكر أن هذا الأخير دينج زياو بينج Deng Xiaoping كان يحاول إصلاح ما يفسده ماو أولا باول قدر الإمكان، وكان يرفض الرؤية الحتمية التطورية الدوغمائية التي يتبنا ها ماو، وقال كلمته الشهيرة عام 1961 :"لا يهم أن تكون القطة بيضاء أو سوداء المهم أن تصطاد الفأر". it doesn't matter whether a cat is black or white, if it catches mice it is a good cat" فليس مُهما دوغما تطورية صارمة المهم تحقيق التقدم وكانت هذه العبارة صادمة لماو تسي تونج فقد جُن جنونه وطرد دينج زياو بينج ونفاه (1) Mao Zedong sixiang wan sui! ( 1969), p. 195. Referenced in Governing China: From Revolution to Reform (Second Edition) by Kenneth Lieberthal. W.W. Norton & Co., 2003. p. 71.

عدد الصفحات ٣٧٥

376 وتعقبه في كل مكان إلا أن دينج زياو بينج عاد للصين بعد وفاة ماو تسي تونج وقاد البلاد من عام 1978 إ عام 1992 وأحدث نهضة الصين الكبر وتجاوز جنون ماو التطوري الإقصائي وتعاطى مع الجميع وأصلح ما أفسده ماو! هذه كانت نبذة يسيرة ولمحات قصيرة عن أيام مع الملحدين التطوريين حين أصبحت في أيديهم القوة والسلطة فأفسدوا في الأرض وأهلكوا الحرث والنسل، لأنهم لم يكونوا يرون للإنسان قيمة ولا لحياته غاية، وهكذا كل بعيد عن الله وعن معنى الوجود يَفقد الإتجاه ويريد لو دم ر كل شيء لمصلحته هو فقط [ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ] {205}. فالذين نسوا الله أنساهم أنفسهم[ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ] {19}. وأود أن أختم هذا الفصل بقصة مؤلمة لنا نحن العرب بسبب نظرية التطور، وخاصةً المصريين والسودانيين!

عدد الصفحات ٣٧٦

377 مأساة رواندا مَن منكم يتذكر مخاوفنا في تسعينيات القرن الماضي من تسمم مياه نهر النيل بسبب مئات الآلاف من الجثث البشرية التي كانت تلقيها رواندا في النهر أثناء مجازر الإبادة الجماعية؟ اليوم نحن نعلم أن سبب هذه المجازر المجنونة هو الإلحاد! والرؤية التطورية للبشر! فقد قامت المجازر بين أبناء الدولة الواحدة الهوتو والتوتسي بسبب حجم الأنف، ومقدار بياض الوجه ولون العين. ففي أعقاب الاستعمار البلجيكي –الذي احتل رواندا في نهاية الحرب العالمية الأولى خلف ا لألمانيا- تم إدخال الفكرة الداروينية الإلحادية المجنونة إلى تلك البلدة الأفريقية الفقيرة. وتَ قرر طبق ا لقياسات حجم الجمجمة الذي أجراه الاستعمار البلجيكي أن التوتسي Tutsi أرقى دارويني ا من الهوتوHutu. وبناء على هذا القرار تم رسمي ا حرمان الهوتو من تلقي التعليم العا وكذلك تم حرمان الهوتو من أي توظيف حكومي أو امتلاك أرض. مع أن الهوتو يُشكلون حوالي 85% من تعداد سكان رواندا كل هذا لأن حجم أنف الرجل التوتسي أطول ببعض الملليمترات من حجم أنف الرجل الهوتو (1) . تخيل The size of the nose and the color of the eyes were factors that determined (1)https://www.wcl.american.edu/humright/center/rwanda/documents/Jigsaw 1 _History.pdf

عدد الصفحات ٣٧٧

378 whether a person was classified as Hutu, Tutsi or Twa. ونظر ا لهذا الجنون الإلحادي فقد زاد السخط من الجانبين حدة عبر السن ين. فالكل يتحامل على الآخر والتوتسي يعتبرون أنفسهم الأرقى دارويني ا والأحق بالسيادة. والهوتو يعتبرون أن هذا هضم لحقوقهم كبشر فهم الأغلبية! وتمضى المناوشات بين الطرفين عبر العقود. إلى أن يأتي عام 1994 لتفجر الأوضاع وتحدث أكبر مجزرة في تاريخ القارة الأفريقية"مجرزة رواندا الكبر ". تلك المجزرة التي راح ضحيتها مليون نسمة من الطرفين طبق ا للوثائق الرسمية. وتمت إبادة 70% من التوتسي و20% من الهوتو بسبب حجم الأنف! وكان القتل للتشفي لا لمجرد القتل. ولذا كان يتم اغتصاب النساء أيض ا لنفس السبب وقُدرت أعداد السيدات اللاتي تم اغتصابهن بربع مليون امرأة (1) . إن التولي عن الإيمان بالله عز وجل مصدر لكل مصيبة، فالإنسان بدون إيمان لا ير فرق ا بين الإفساد والإعمار! [ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ] {22} . (1)Tina Rosenberg, Editorial Observer; New Punishment for an Ancient War Crime , N.N. Times, 5 Apr. 1998, at § 4, 14.

عدد الصفحات ٣٧٨

379 لكن هنا قد يقول ملحد: التطور أفرز هذه البلايا لكن الدين كان له دور في الشر أيض ا! هل الدين مصدر للشر؟ عاشت البشرية مع شرائع التوحيد آلاف السنين، ومع الشرائع الإبراهيمية الثلاث الكبر أربعة آلاف سنة، ولم يمثل الدين خطر ا مباشر ا على الجنس البشري بل قد م للبشرية قيما أخلاقية عليا يتفق عليها المؤمن والملحد وأسس لحضاراتٍ أصيلة، بل يمكن أن نزعم أن كل خير في الأرض هو من آثار تلك النبوات! فقد أراح الدين المحاكم من آلاف القضايا، وفو! كل هذا وذاك وضع الدين الأساس المعرفي والسلوكي والقيمي لغاية الوجود الإنساني على الأرض! والدول التي احتضنت الشرائع التوحيدية ما زالت إلى اليوم تملك تنوع ا ثقافي ا أبقى على المخالفين لهم ووف ر لهم سقف حماية بموجب الشرائع التوحيدية ذاتها.

عدد الصفحات ٣٧٩

380 في حين أن قرن واحد اقتربت فيه بعض الدول من الإلحاد كانت البشرية كلها على شف هلاك! ثم يأتي الآن هؤلاء الملاحدة ويحدثونا عن خطر الدين على البشرية! أيها الملاحدة! لم يعرف التاريخ البشري دين ا أشد بؤس ا وأحقر منهج ا وأخطر إفزاع ا للبشرية كلها من الإلحاد، فلم تكن مذابح الكولاج في الإتحاد السوفيتي السابق على يد الملحد لينين، وإبادة الأقليات الأثنية في ألمانيا النازية –كما فص لنا فقبل قليل -، وتفريغ ربع سكان كمبوديا من البشر على يد الملحد Pol Pot، وقتل52 مليون صيني في الثورة الثقافية الكبر على يد الملحد ماو ت تونج Mao Zedong ، وظهور رابطة الملحدين العسكريةLeague of Militant Atheists في أوربا والتي أغلقت رسمي ا 42 ألف مؤسسة دينية–كنائس ومساجد-، وقتلت عشرات الآلاف من المتدينين، إلا إفرازات إلحادية صرفة (1) . بل إن الحربان العالميتان الأولى والثانية كانتا حروب علمانية–علمانية، تحكمهما تصورات إلحادية للأجناس البشرية وخرافات السعي نحو النقاء العرقي فكانت النتيجة إبادة قرابة 5% من سكان العالم. وخلفت المعارك الإلحادية ترسانات من الأسلحة النووية تكفي لإزالة الجنس البشري كله مرات عديدة. إن قراءة بسيطة لحروب القرن العشرين تُظهر مد بؤس الإلحاد. ولذا لم ينتهي القرن العشرين إلا بتراجع الإلحاد وأضحى رسمي ا لا يتجاوز معتنقوه أكثر من 2% من سكان العاatheists 2.01% (2) . ولم تبق دولة تعلن أنها ملحدة إلا المجنونة كوريا الشماليةNorth Korea is officially (1)https://en.wikipedia.org/wiki/League_of_Militant_Atheists. (2)http://en.wikipedia.org/wiki/List_of_religious_populations.

عدد الصفحات ٣٨٠

381 only atheist state التي يتم الإعدام الفوري فيها لكل صاحب ديانة وكل حامل كتاب مقدس وكل مستمع لبرامج كوريا الجنوبية (1) . فالكهنوت الإلحادي يرفض أية دوغما مضادة، وقد اعتبر لينين الدعاية المعادية للإلحاد واحدة من أصل ست جرائم جنائية، تعاقَب بالإعدام ، طبق ا للقانون الجنائي الذي قدمه لينين RSFSR . لقد خلف الإلحاد ورائه فكرة أن زوال الجنس البشري في أية معركة قادمة هي فكرة قائ مة، هذا هو الإفراز الذي يمكن أن نجعله حكر ا على الإلحاد والملحدين. الإلحاد في صورته النهائية دوغما حمقاء يجري خلفها المخابيل ويتصدر لها مفاليس القيم، فالإلحاد طوفان فاجر في أزمان الكفر وأرضه، ونهايته الحتمية تقويض أركان النظام الأخلاقي وانهيار الأمم. وفي النهاية دعونا نقرر أنه : لم يُفرز الإلحاد حتى الساعة سوى ثالوث العِرق والجنس والطبقة. العِرق عند داروين والجنس عن فرويد والطبقة عند ماركس. هل أفرز الإلحاد شيئًا سوى ذلك؟ (1)http://arabic.rt.com/news/633358/.

عدد الصفحات ٣٨١

382  [ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ] { النساء: 170- 171}

عدد الصفحات ٣٨٢

383 أديان الأرض يوجد على وجه الأرض ثلاث شرائع - يهودية ومسيحية وإسلام - يُشكل أتباعها أكثر من 65% من سكان ارض، باقي الديانات في صيغتها الحالية أصبحت وضعية لا حاجة حتى للرد عليها -تعترف ببشريتها وهي في طريقها للإنقراض -، وأتباعها يُصنفون في مراكز الأبح اث العلمية أنهم مُلحدون أو روحيون - بلا دين-. إذن محك الجدال بين الديانات الثلاث الكبر لا أكثر. اليهودية: أصبحت ديانة قومية لا يدخلها إلا يهودي الأبوين، والتحريف يملأ أكنافها كما سيأتي بيانه. النصرانية: أدخلت التثليث والأقانيم والآلهة البشرية في قلب عقيدتها، مع أن المسيح عليه السلام لم يقل ولو لمرةٍ واحدة في الإنجيل كله الذي بين أيدي النصار اليوم أنا الله أو اعبدوني أو أنا لاهوت وناسوت، لكن أتباع النصرانية أصروا على صورتها الوثنية المعاصرة . وكلمة " أُقنوم" التي هي أصل من أصول النصرانية لم ترِد في الإنجيل. وفكرة الأقنوم تدور في إطار تعدد الآلهة، مع محاولة الحفاظ على نسق التوحيد الفطري - صيغة الثلاثة في واحد-، فهم يقولون : أقنوم الابن الإله الكامل، وأقنوم الآب الإله الكامل، وأقنوم الروح القدس الإله الكامل. ولا يجوز أن يكون الإبن هو الآب، بل كل إله مستقل تمام ا عن الآخر، ومع ذلك هؤلاء الآلهة الثلاثة إله واحد. وبداهة هذه منتهى الوثنية ، والتحدي لبديهيات العقل. أما التحريف في كتاب النصار واليهود فلا ينكره إلا جاهل. فالكتاب المقدس نفسه يعترف بالتحريف والوضع.

عدد الصفحات ٣٨٣

384 يقول مثلا كاتب سفر المكابيين الثاني إصحاح 15 :"39 فإن كنت قد أحسنت التأليف وأصبت الغرض فذلك ما كنت أتمنى، وإن كان قد لحقني الوهن والتقصير فإني قد بذلت وسعي". هل هذا كلام إلهي موحى به من الله، أم جهد بشري يصيب ويخطيء، يجتهد ويُقصر؟ هذا النص وحده يقطع بأن الكتاب وقع فيه تحريف واجتهاد شخصي. بل انظر إلى النص المباشر في الإنجيل والذي يقطع بتحريف الكتاب المقدس، وأنه من وضع بشر. في رسالة كورنثوس الأولى إصحاح 7: "25وأما العذار فليس عندي أمرٌ من الرب فيهن و لكنني أعطي رأيا". هل هذا كلام الرب أم كلام كاتب الإنجيل؟ أما الإسلام: فالإسلام ليس فِرقة من الفِر! ولا عقيدة من بين عقائد الأرض، حتى يوضع في مجال مُقارنة مع باقي الديانات، بل هو أصل الأديان والعقائد. فالإسلام هو تصحيح لمسار الديانات التي انحرفت، وإعادة لنهج أنبياء العهد القديم من لدن آدم إلى نوح وصالح وأيوب وهود وإبراهيم وموسى وعيسى، فعقيدة هؤلاء جميع ا هي عقيدة الرب إلهنا رب واحد بلفظ التوراة والإنجيل، هذه العقيدة التي لا تعرف تثليث ولا أقانيم ولا موت آلهة منتحرة –موت يسوع على الصليب في معتقدهم-، ولا انتزاع آلهة من آلهة أخر - انتزاع الروح القدس من الآب - ولا آلهة قومية . قال تعالى : [ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ] {163}. إذن فالإسلام ليس ديانة كالديانات وإنما هو أصل الديانات، وتصحيح للخلل ال ذي أصاب الشرائع وبالأخص اليهودية والمسيحية في نسختيهما العهد القديم والجديد.

عدد الصفحات ٣٨٤