353 الحقو، وسيتعرض ساعتها المفهوم المساواتي للبشر للهجوم من أعلى ومن أسفل، ولا يسمح لنا هذا المأز! الفكري الذي أوقعتنا فيه النسبية الحديثة بأن نرد على هذا الهجوم أو ذاك، وبالتالي لا يسمح لنا بالدفاع عن الحقو! المساواتية – فإما طبقية متفحشة أو مساواتية مستحيلة -" (1) . إنهليل مدهش وحقيقي للمأز! الإنساني، ففرانسيس فوكوياما ير أن المساواة مستحيلة داخل المجتمع المادي، حيث يتحول الإنسان داخل هذا النموذج إلى كائن قانع بسعادته غير قادر على الإحساس بالخجل عاجز عن الإرتقاء فو! مستو احتياجاته، وبالتالي فإن الإنسان لم يعد إنسان ا (2) . أليس الإنسان الكامل في هذه الصيغة هو كائن فج جدير باحتقار- والكلام لفرانسيس فوكوياما-، كائن عاطل عن الإجتهاد والطموح، وهنا تضيع ملحمة الوجود الانساني و دراما الحياة الانسانية .. لقد مات الانسان في النموذج المادي (3) . بل إن فرانسيس فوكوياما يصف المؤمن بالتطور في هذه المرحلة بالكلب، يقول فوكوياما أنه: "داخل ذلك العالم سيصبح الناس حيوانات من جديد كما كانوا قبل المعركة الدامية التي بدأ بها التاريخ، إن الكلب يقنع بالنوم في ضوء الشمس طوال اليوم شرط أن يُ طعموه وذلك لأنه راضٍ بما هو عليه ولن يقلقه أن غيره من الكلاب حالها أفضل من حاله، أو أن مستقبله ككلب قد جمُد أو أن كلاب ا في بقعة نائية من العالم تصادف المذلة والهوان " (4) . (1) فرانسيس فوكوياما . نهـاية التاريخ وخاتم البشر .ترجمة : حسين أحمد أمين . الطبعة الأو1993 مركز الأهرام للترجمة والنشرص 259 والكلام له بالحرف إلا ما ب- -. (2) المصدر السابق ص17. (3) المصدر السابق ص18 إلا ما ب- -. (4) المصدر السابق ص271.
عدد الصفحات ٣٥٣354 ويتنبأ فوكوياما في صفحة 274 من كتابه أنحياة مجتمع مادي تطوري كامل هي حياة بلا فنون ولا أدب ولا دراما ولا كفاءة، وقليلون سيتصدرون للخدمة العامة وستكون الحِ رف مبتذلة وغير متطورة، وفي مرحلة ما سيكون هذا المجتمع عاجز ا عن الدفاع عن نفسه في وجه الحضارات الأُ خر حيث الحضارات الأخر أصحابها على استعداد لهجر الراحة والأمن ويخاطرون بحياتهم من أجل القيمة . لقد صنعت الفلسفة التطورية قبر ا يكفي لدفن كل قيم البشر وكل الفضائل التي يؤسسون لها عبر التاريخ. وهنا لنا أن نسأل كل تطوري ونقول: ماذا لو أثبت ا لتطور أن ال عِر! الأبيض أفضل بيولوجي ا من الأسود؟ وأنهم في مرتبة أعلى في سلم التطور، ألسنا ساعتها مجبرون على الفصل العنصري بين البيض والسود داخل المجتمع التطوري؟ أم ستتم معاندة الانتخاب الطبيعي وإقرار المساواة بين البيض والسود، وساعتها ستكون أكبر خيانة للتطور وأكبر ضربة للماديين؟ بالمناسبة : هناك آلاف الأبحاث التي أثبتت تفو! الجنس الأبيض على الجنس الأسود مادي ا وبيولوجي ا، منها قديما أبحاث عالمِ الإنسـانيـ ات الشهير صموئيل مورتن Samuel Morton وأبحاث لويس أجاlouis agassiz الذي كان يقول بأن البيض ليسوا سفاح حين أبادوا الهنود الحمر ، ولكنهم يتبعون قضية حتمية في تشكل الأعرا! ، فهذه هي حت مية التطور، وحديثا ظهر كتاب قوس الجرس Bell Curve أكثر الكتب مبيعا في السبعينـات، وهو الكتاب الذي يتحدث عن أنه لا فائدة من تعليم السود أو تحصينهم من الأمراض، لأنهم أضعف عقلا وأفقر ذهنـ ا من البيض ولابد من إنفا! المـال في أُمـور أكثر فائدة . ماذا لو أثبت التطور تفو! الرجل على المرأة مادي ا؟ وأن الرجل في مرتبة أعلى بيولوجي ا من المرأة، هل ستتم المساواة بين الجنسين داخل المجتمع الإلحادي، أم سيكون هذا مطلب غير علمي غير عقلاني عبثي يقف في وجه التطور وحتميات
عدد الصفحات ٣٥٤355 الطبيعة ؟ بالمناسبة: المرأة طبق ا لأدبيات التطور لها تصنيف في السلسلة الحيوانية مستقل تمام ا عن تصنيف الرجل ، فالمرأة تندرج تحت تصنيف Homo parietalis بينما الرجل تحت تصنيف Homo frontalis ،فدراسة حجم الجمجمة في القرن التاسع عشر أثبتت وجود فر! جوهري في حجم المخ لصالح الرجل بمقدار 12- 19 % ،وكتب كارل بروكا Brucca يقول أن مخ المرأة أضعف بكثير من مخ الرجل. فحجم المخ الخاص بالمرأة يكاد يطابق ذلك الخاص بالغوريلا! large number of women whose brains are closer in size to those of gorillas than to the most developed male brains. This inferiority is so obvious that no one can contest it for a moment; only its degree is worth discussion (1) . فالمرأة طبق ا للإلحاد تمثل أدنى مراحل التطور البشري . represent the most inferior forms of human evolution وهي في ذلكتطابق الأطفال والهمج أكثر من مطابقتها للرجال البالغين والمتحضرين. are closer to children and savages than to an adult، ،civilized man. وير داروين أن المرأة لا تصلح إلا لمهام المنزل، وإضفاء البهجة على البيت،- فالمرأة في البيت أفضل من الكلب- (2) . (1)Gould،The Mismeasure of Man،p.104,105. (2)Charles Darwin،The Autobiography of Charles Darwin 1809-1882،New York pp. 232-233
عدد الصفحات ٣٥٥356 هذه هي الرؤية التطورية للإنسان بصورتها الحقيقية، فالتطور حر ر أتباعه من أية أع باء أخلاقية، وإذا حاول التطوريون استمداد قيم غير مادية لإصلاح النسق المعرفي للإنسان ساعتها سيكون هذا اعتراف ا بعدم صلاحية التطور كمنظومة مستقلة لتفسير المغز الوجودي! إن الأمر الذي لا يجب أن نغفله هنا؛ هو أن التطور زو د الإمبريالية الغربية بإطار نظري لإبادة الملايين باسم العرقية المادية، والبيولوجية الداروينية، ولن يتجاوز التطوريون هذه الرؤية وإلا لسقط الإطار التطوري ككل، وعليهم أن يتبنوا بمنتهى الهدوء فلسفة اليد الخفية عن آدم سميث، والمنفعة عن بنتام، ووسائل الإنتاج عند ماركس، والجنس عند فرويد، وإرادة القوة عند نيتشه، وقانون البقاء للأصلح، والطفرة الحيوية عند برجسون، والروح المطلقة عند هيجل. هذا هو التطور عند التطبيق، وهذا هو أصل معركته وشعارها ودثارها، وفي هذا السبيل العنصري الفج قامت حربان عالميتان أُبيد فيهما قرابة 120 مليون نسمة، وكانت حروب من الدموية بحيث أرجعت كلا من المنتصر والمهزوم ثلث قرن إلى الوراء، فالحربان ا لعالميتان اللتان أبادتا حوالي 5% من سكان العالم كانتا نزاع إلحادي- إلحادي بنكهة تطورية حيث العر! الأرقى وتنقية الأجناس، وقام الفلاسفة بوضع مبولة في وسط باريس كناية عن نهاية الحضارة. بل إن جميع الأيديولوجيات الإجرامية التي ظهرت في القرن العشرين من نازية إلى فاشية إلى ستالينية إلى ماوية كلها كانت مستندة على الرؤية التطورية، والتنقية العرقية، وأن هناك أجناس ا أفضل من أجناس! وحتى يومنا هذا وحتى تاريخ كتابة هذه السطور، ما زال هاجس الجنس الأفضل والجنس الأرقى Favored Race يسيطران على العقلية الغربية بسبب التصور ا لتطوري للبشر ، وأنهم ليسوا إلا كائنات حية منفصلة جائت نتيجة الصراع الغابي، وأن جنس ا له حق السيادة وتطهير بقية الأجناس. وقبل شهور قليلة من كتابة هذا الكتاب اشتعلت مدينة فيرغسون بولاية ميزوري الأمريكية بسبب قتل جورج زيمرمان الأبيض للشاب تريفون مارتن الأسود، مما أثار جدلا في أم يركا بسبب
عدد الصفحات ٣٥٦357 بُعد القضية العرقي، وامتدت الم ظاهرات لتشمل أنحاء في الولايات المتحدة ، ففكرة تم ايز الأجناس والتفاضل العرقي موجودة تحت رماد العقل الغربي، وتعود للاشتعال في أية لحظة، أقول ذلك ويحضرني كيف عانت أمريكا الأمرين من أجل وصول رئيس أسود للحكم فيها- باراك أوباما-، وكأنهم قاموا بمعجزة كبر حين وصل للبيت الأبيض، في حين أن مصر كان يحكمها رئيس أسود منذ قرابة نصف قرن من الزمان دون أن يُلفت ذلك نظر أحد، لأننا نحن المسلمون وكما قال مالكوم إكس نعاني من "عمى ألوان" بفضل تعاليم ديننا، فلا نُميز بين الأبيض والأسود، ولا فضل لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر في ديننا، في حين اعتبر الليبرالي الشهير - رئيس الولايات المتحدة السابق - جون كوينسي آدمز John Quincy Adams أن حرب البيض ضد الهنود الحمر هو قانون الطبيعة، ولهذا القانون تطبيقاته الواسعة جد ا " (1) . فاستئصال طبقة كاملة من الناس، وتفريغ قارتين كاملتين من البشر- تفريغ الأمريكتين من الهنود الحمر- ما كان ليحدث لولا الرؤية المادية للوجود الإنساني، وقد اعتبر الليبراليون الأوائل أن إبادة الهنود الحمر نوع من الدفاع الشرعي، ونتيجة لذلك: تقل ص عدد الهنود الحمر من 10 مليون ا200 الف نسمة خلال سنوات قليلة ولذا يقول سيمون بوليفارSimón Bolívar محرر أمريكا اللاتينية"يبدو ان الولايات المتحدة تسعى لتعذيب وتقييد القارة باسم الحرية" (2) . وليست إبادة الملايين في أرخبيل الكولاج The Gulag Archipelago على يدالملحد لينين والملحد ستالين، إلا من خلال مبر ر تطوري مادي صراعي ، وليست إبادة 25% من سكان كمبوديا إلا بمبرر إلحادي على يد بول بوت Pol Pot ،وليست إقامة الحرب العالمية الثانية كلها إلا بمبرر قومي مادي عِرقي ألماني على يد أدولف هتلر، وليست الثورة الثقافية في الصين التي راح (1)Robert Remini،John Quincy Adams (2002). (2) ناعوم تشومسكي الايديولوجية والاقتصاد ص6.
عدد الصفحات ٣٥٧358 ضحيتهاعشرات الملايين إلا بمبرر تطوري قاده ماو تسي تونج Mao Zedong . فالحربالتطور غاية في ذاتها، والمكاسب المادية وتفريغ القارات من البشر، وتطهير الأعرا! ليست كلها إلا إفرازات داروينية مادية، ورؤ عِرقية طبيعية. يقول ريتشارد فيكارت Richard Weikart: "لقد نجحت الداروينية أو تأويلاتها الطبيعية، في قلب ميزان الأخلا! رأس ا على عقب، ووفرت الأساس العلمي لهتلر وأتباعه، لإقناع أنفسهم ومن تعاون معهم، بأن أبشع الجرائم العالمية، كانت بالحقيقة فضيلة أخلاقية مشكورة" (1) . وهنا نود أن نُلقي نظرية عملية على العنصريا ت التي أتاحتها الداروينية وتطبيقاتها عبر العالم: (1) Richard Weikart،from Darwin to Hitler،p.215.
عدد الصفحات ٣٥٨359 حدائق حيوان البشرHuman Zoo من غريب ما يصدم القاريء هنا؛ أنه بناء ا على الرؤية التطورية للإنسان، فقد دخل كثير من البشر أقفاص الحيوانات باعتبارهم حلقات مفقودة أو كائنات أدنى، وقد أوضح داروين في كتابه نشأة الإنسان: أن الأعرا! البشرية مجرد أنواع مختلفة من الكائنات الحية، لا يربط بينهم رابط، وبالعودة إلى الوراء فإنه يبدو من المستحيل الإشارة إلى أية نقطة محددة يتحتم عندها استخدام مصطلح الإنسان، ولكنه أمر ذو أهمية قليلة جد ا (1) . ومن العجيب أن داروين كان ير أن الأجناس البشرية المُختلفة التي تعيش بيننـا الآن هي كائنات حية مخُتلفة، وقد أقام داروين التدليل على ذلك باستخدام "حجة القمل"، فاختلاف نوع القمل في السكان الأصليين لبعض القارات عن القمل الذي يوجد في أوربا يؤكد اختلاف النوع بين البشر الحاملين لذلك القمل، فالأمر ليس مجرد اختلاف أعرا! وإنما اختلاف أنواع. يقول داروين : "بالفحص الدقيق للقمل الذي تم جمعه من أقطار مختلفة من الأعرا! المختلفة للإنسان، وُجد أنهم لا يختلفون في اللون فحسب ولكن في التركيب الخاص بالمخالب والأطراف وفي كل مرة يتم فيها الحصول على العينات فإن الاختلافات تكون ثابتة، وعندما شرد القمل الذي كان يعيش على سكان إحد الجزر البدائيين وانتقل إلى أجساد البحارة الإنجليز، فقد مات في خلال ثلاثة أو أربعة أيام، وكان هذا القمل داكن ا وأكبر في الحجم وأكثر ليونة من القمل الأوربي، وهذه الحقيقة الخاصة بأن الأعرا! الإنسانية يتم ابتلاؤها بالطفيليات التي يبدو أنها متباينة بشكل خاص من الممكن تقديمها كبرهان على أن الأعرا! البشرية في حد ذاتها من (1) نشأة الإنسانThe descent of man . تشارلس داروين . ترجمة مجدي محمود المليجي . المجلس الأعلى للثقافة 2005 . ص52.
عدد الصفحات ٣٥٩360 الواجب تصنيفها على أساس أنها أنواع مختلفة ومتباينة من الكائنات الحية" (1) . وكان العبء المُلقى على عاتق الداروينيين فيما بعد واضح ا، ولا يحتاج التأخير فنحن بصدد البحث عن كائنات حية مخُتلفة تُسمى مجاز ا بشر. وكانت بدايات القرن العشرين ملحمة المعاناة للسود والأعرا! الأفريقية والأجناس المغولية، فظهرت حدائق حيوان الإنسان، والمعارض الأثنيةethnological expositions ، و صورة مُهينة للغاية، وعنصرية قبيحة، وداروينية فجة، كان يوصف هؤلاء البشر بأنهم حلقات في سلسلة الإنسان القرد (2) . وكانت الفترة الذهبية لحدائق حيوان البشر هي الفترة من1870 إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، وكانت تُعرض في حدائق حيوان البشر مجموعة واسعة من الحيوانات، وبينها توجد أقفاص تحتوي على بشر من مختلف الأجناس، وكان يوضع في الأقفاص بجانب السود الأقزام والمصابين بالبها! ومحُدبي الظهور dwarves،albinos and hunchbacks (3) . وكانت توجد حدائق حيوان الإنسان في باريس وهامبورج وبرشلونة وأنتيورب ولندن وميلانو ونيويورك، وفي عام 1874 قرر الألماني Carl Hagenbeck أن يحُضر مجموعة من النوبيين من مصر باعتبارهم أحد الحيوانات التي يتم البحث عنها لملء بقية الأقفاص (4) . -ربما لا يصد! الملحدين المصريين أن أجدادهم رسمي ا كانوا داخل أقفاص منذ أقل من قرن وربع بإسم الداروينية الملحدة العنصرية الفجة القبيحة.- وأدرت أقفاص النوبيين الدخل الوفير ل Carl Hagenbeck حيث قام بعمل جولة بهم (1) المصدر السابق ص402. (2)Mullan،Bob and Marvin Garry،Zoo culture: The book about watching people watch،Second edition،9819،p.32 (3)www.discoverparis.net/newsletter.html?insight=3162983825694464. (4) http://mondediplo.com/07/08/2000humanzoo
عدد الصفحات ٣٦٠361 باريس ولندن وبرل وفي عام 1877 قرر مدير حديقة كوتGeoffroy de Saint-Hilaire وتسمىJardin d'acclimatation تنظيم حديقتي حيوان مستقلتين للنوبيين وأهل الإسكيمو ووصل عدد الزوار إلى ما يقارب المليون مما أتاح مضاعفة الحديقتين إلى 30 حديقة بين عامي1877 إلى عام 1912 . وفي عام 1889 عرضت حديقة الحيوان العالمية في باريس 400 شخص من السكان الأصليين، وكانت زيارات تلك الحدائق تحقق دخولا رهيبة مما ساعد في انتشارها في أنحاء أوربا. ومن المدهش أن حديقة حيوان كولومبيا عام 1893 كانت تضم مصريين رسمي ا (1) . وفي عام1904 أُنشئت في مدينة سانت لويس بأمريكا حديقة حيوان تعرض الكثير من الفلبينيين فيما كان يُسمى بموكب التقدم الدارويني التطوري parade of evolutionary progress ، وكانت رسالة حديقة الحيوان واضحة للزوار وهي تبرير عبء الرجل الأبيض، في استعمار العالم وأخذ ثروات هؤلاء البدائيين الذين لا يعرفون قيمتها . وكانت الأقزام من غينيا الجديدة تُعرض في قسم الثدييات الرئيسية في حديقة حيوان برونكس. The Primate section of the Bronx Zoo (2) . وفي أحيان كثة كانت تقوم بعض حدائق الحيوان بنقل قر بأكملها مع تراكيب البيوت التي كان يعيش بها هؤلاء البشر مع كافة أمتعتهم، حتى تُضفي مزيد ا من البهجة للزوار . (1) Anne Maxell،Montrer l'Autre: Franz Boas et les soeurs Gerhard"،in Zoos humains. pp. 331-339 . (2)http://www.modelminority.com/article750.html
عدد الصفحات ٣٦١362 تم عرض القرية الكونغولية في معرض بروكسل 1958 في العا (1) . لكن كيف كان هؤلاء البشر المساكين يُمضون أوقاتهم أقفاص الحيوانات، تذكر لنا الروايات أن متوسط الفترة التي يمضونها كانت لا تتجاوز ثلاثة أشهر حيث يُصابون بأمراض عُصابية ونفسية خطيرة، وأقدم الكثيرون منهم على الانتحار، وكان أشهر هؤلاء المنتحرين على الإطلا! هون متزوج ا ولديه طفلان، وقد اقتيد من قريته وعُرض داخل أحد الأقفاص بجانب قرد الشامبانزي في نفس القفص، ثم مع إنسان الغاب وكان يُصنف كأحد الحلقات المفقودة، وظل معروض ا في حديقة حيوان برونكس في نيويورك شهور ا طويلة، ونظر ا لوضعه المأساوي فقد قرر الانتحار، والتخ لص من حياته (2) . بقي أن نقول أن حدائق حيوان البشر كانت في العقل الأوربي منذ القرن السادس ع الميلادي، منذ أن بدأ الأوربيون يجوبون العالم ويُنشئون مستعمراتهم، وكان العقل الأوربي ير في هؤلاء الزنوج والأقزام والهنود والسكان الأصليين درجة أدنى بكثير من الجنس القوقازي الأبيض، ولذا ما فعله داروين صراحة هو تقديم المبرر البيولوجي، والمسوغ العلمي الذي يتيح لهؤلاء مزيد ا من التنكيل والإهانة وتدمير قر بأكملها باسم الداروينية، ولذا كانت حدائق حيوان البشر توجد على استحياء قبل داروين، لكن عصرها الذهبي هو من عام 1870- العام الذي أصدر فيه داروين كتابه نشأة الإنسان - إلى عام 1945، فقد حررت الداروينية هؤلاء من أية أعباء أخلاقية في تعاطيهم مع بقية البشر. لكن ما لم يعرفه هؤلاء أن الإنسان له روح خاصة مستقلة عن جميع المخلوقات؛ فهو ليس مُفص لا على طراز داروين، ولم يوجد من أجل الصراع، إنما وُجد لعبادة الله من إقامة الحق أيـا كان (1)http://query.nytimes.com/gst/abstract.html?res=9C04E7D81F3EE733A25753C 1A96F9C946797D6CF. (2)Philips Verner Bradford،Harvey Blume،Ota Benga: The Pygmy in The Zoo،New York: Delta Books،9921
عدد الصفحات ٣٦٢363 مَن اتبع الحق سواء كان أبيض أو أسود ، أما العقل الإلحادي اادي الهيوماني فقد قام بتفكيك البـشر بصـرامة بالغة ليس فيها موطنٌ للمشاعر الإنساني ة، والقِيَم الروحي ة. إن البحث عن السعادة على الأرض من منظور تطوري هو شكل من أشكال الغرور الإنساني، وهو يعني القول بمركزية الإنسان ، وأن له مكان ا خاص ا في الكون وبداهة لا يمكن القول بوجود غائية إنسانية مستقلة عن الغائية الطبيعية أو المادية . ولا يأتي الإيمان بمركزية الإنسان وقيمته وسموه إلا بالإيمان بمُطلق أعلى يتج اوز المادة، والإيمان بأن الإنسان مخلو! لله، فالمساواة بين البشر هي مسألة دينية بحتة، فإذا كن ا أبناء التطور البيولوجي، فالناس بجلاء وبلا أمل غير متساوين، وتأسيس ا على الدين فقط يستطيع الضعفاء المطالبة بالمساواة. ولذا يقول الدكتور المسيري رحمه الله أن الإله هو التركيب اللانهائي المفار! لحدود المُعطى النهائي، هو النقطة التي يتطلع إليها الانسان ويحقق التجاوز من خلالها، ومن ث م بعدم الإيمان بالله يتحول العالم إلى مادة طبيعية صماء، خاضعة لقوانين الحركة والصيرورة التي يمكن حصرها وإحاطتها والتحكم فيها، وينضوي الإنسان تحت نفس النمط، إذ بغياب الإله يتحول الإنسان إلى كم مادي يمكن أدلجته وقولبته في إطار مجموعة من المعادلات الرياضية الميته، وفي هذه اللحظة تموت الروح ويتبعها موت الإنسان ، فالإيمـان بالإنسان وقيمته ومركزيته وسموه هو إيمـان يتجـاوز حركة المادة وديناميكيتهـا ... فعندما يُقرر الإنسان أن ينسى الإله في هذه اللحظة بالذات يكون قد نسي نفسه[ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ] {19}. فالإنسان كائن أقدامه مغروسة في الوحل وعيونه شاخصة للنجوم . كائن ميتافيزيقي يسأل أسئلة نهائية عن معنى الكون . أقصى مُتعة لا تكفي إنسان يعلم أن وُلد ليموت .
عدد الصفحات ٣٦٣364 بالإيمان بالتطور تفقد كل الكائنات حدودها وحيزها وتنشأ إشكاليات في النظام المعرفي والأخلاقي، وتفقد الأشياء حدودها وهويتها ويَصعُ ب التمييز بينهما، كما تخَتفي التفرقة بين الخير والشر، وتختفي الإرادة والمقدرة على التجاوز وتسود الواحدية والحتمية ، وقد اختصر ر ئيس التشيك فاكيلاف هافل هذه الإشكالية الكبر فقال عبارته الرائعة " حينما أعلنت الإنسانية أنها حاكم العالم الأعلى، في هذه اللحظة نفسها، بدأ العالم يفقد بُعده الإنساني " فالتطور ضحى أول ما ضحى بالإنسان. ومنذ اللحظة التي هبط فيها الإنسان من السماء منذ المقدمة السماوية لا يستطيع الإنسان أن يختار أن يكون حيوان بريء أو يكون إنسان مخُير ، لم يكن بإمكانه أن يختار بين أن يكون حيوان أو إنسان إنما اختياره الوحيد أن يكون إنسان أو لا إنسان [ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ] {72} . فالإنسان هو المركز والطبيعة هي الهامش . هذا هو الإنسان وهذه هي طبيعته الحقيقية!
عدد الصفحات ٣٦٤365 العنصرية القومية إذا أردنا أن نسأل التاريخ كيف كان شكل البلدان التي حكمها تطوريون؛ فإن أنهار الدماء ستكون أسبق من الإجابة... فمن الملحد التطوري فلاديمير لينين إلى الملحد التطوري جوزيف ستالين إلى ا لمادي التطوري أدولف هتلر إلى الملحد التطوري بول بوت إلى الملحد التطوري ماو تسي تونج إلى الملحد التطوري سلوبودان ميلوسوفيتش تاريخ طويل عنوانه الأشهر الإبادة الشمولية باسم الأعرا! القومية بمنظورها التطوري المادي الفج! فحين وصل الملحد التطوري سلوبودان ميلوسوفيتش Slobodan Milošević إلى رئاسة صربيا أذا! المسلمين الويلات وأباد قر مسلمة بأكلمها، وأحر! أكباد المسلمين بطول العالم وعرضه في التسعينيات من القرن الماضي، وأر ! كل المصلحين وأذاب عقول أهل البوسنة، وجعل من هتك الأعراض وإهلاك الحرث والنسل غاية في حياته. وسلوبودان ميلوسوفيتش ملحد تطوري رسمي ا باعترافه، ولم يحضر أي رجل دين مراسم دفنه بسبب إلحاده!. There were no clergy at the ceremony because Milosevic was an avowed atheist. (1) (1)http://www.cbc.ca/news/world/milosevic-buried-in-quiet-ceremony-in-his- hometown-1.571728 CBC. 18 March 2006
عدد الصفحات ٣٦٥366 وهو متهم رسمي ا بجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية للمسلمين (1) . وكانتئحة اتهام ميلوسوفيتش تنص على أنه كان يريد التأسيس لدولة قومية وهي: صربيا الكبر 'Greater Serbia' وبالتالي إبادة كل الأقليات والأثنيات والأعرا! في منطقة البلقان والفكرة القومية هي فكرة تطورية في محتواها فهي تقوم على الجنس الأفضل والنقاء العرقي، بينما قوام الديانات على التعاون بين الأمم والقبائل المتنوعة [ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ] {13}. ثم إن الأمور الذاتية في الإنسان –الخلقة الإلهية- مثل اللون والصحة والجنس والعِر! وغيره، هذه الأمور التي يقوم الإلحاد بتصنيف البشر خلالها وإعطاء هؤلاء البشر صك الحياة أو صك الحلقة المفقودة أو صك القضاء عليهم بحجة الانتخاب الطبيعي والبقاء للأصلح، هذه الأمور الذاتية يؤكد الإسلام -أو الدين عموم ا- منذ البدء بعدم جواز حتى السخرية من أحدهم كائن ا مَن كان فضلا عن إبادته وتدميره للسماح بتنقية جنسٍ ما عرقي ا، وتطهير منطقة ما برؤية إلحادية، قال تعالى [ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ] {11}. وقال رس ول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى» . وقال-صلى الله عليه وسلم-: «ابغوني الضُّعَفاءَ ، فإن تُرزقون و تُنصرَون بضُعفائِك م» (2) . وهنا يكمن الفر! بين الكهنوت الإلحادي الإجرامي، والدين الذي يؤسس لفضيلة الرحمة (1)http://news.bbc.co.uk/2/hi/europe/1672414.stm (2) صحيح الجامع.
عدد الصفحات ٣٦٦367 بين الب وفي 19 نوفم1988 وفي كلمته في بلغراد أعلن سلوبودان أن صربيا تواجه أعداء من الداخل والخارج –ويقصد بهم طبع ا الأقليات والأعرا! التي سيقرر إزالتها في مرحلة لاحقة (1) . إذن المطلوب بناء ا على التصريح السابق: اختفاء المسلمين والقوميات الأخر للأبد، وإ فالإبادة في الطريق! ولم يُفر! المجرم بين الرجال والأطفال والنساء، فالإبادة الإلحادية بمنظورها التطوري لا تر للبشر قيمة ولا لوجودهم غاية، ففي 12 أبريل1993 احتل المجرمون الصرب مدرسة ابتدائية في سربنيتشا وقتلوا فيها 62 طفل مسلم (2) . وفي فترة حكم سلوبودان ميلوسوفيت ش قام الملحد التطوري راتكو ميلاديتش Ratko Mladić بتنفيذ مجزرة سربنيتشا Srebrenica massacre . وراتكو ميلاديتش أيض ا كان ملحد ا تطوري ا (3) . حيث قامراتكو ميلاديتش بقتل 8000 مسلم بوسني في محيط مدينة سربنيتشا في يوليو من عام 1995 بهدف التصفية العرقية والإبادة الجماعية، بحجة البقاء للأصلح والقومية الصربية (4) . (1)Ramet, Sabrina P. ( 2006). The Three Yugoslavias: State -Building and Legitimation, 1918–2005. p.119. (2) http://en.wikipedia.org/wiki/Srebrenica_Children_Massacre http://www.icty.org/x/cases/oric/trans/en/050713ED.htm (3)http://biography.yourdictionary.com/ratko-mladic. (4) http://www.potocarimc.ba/_ba/liste/nestali_a.php.
عدد الصفحات ٣٦٧368 وقد ظل المجرم الملحد راتكو ميلاديتش يُ عمل في المسلمين القتل والذبح لأيام تحت بصر العالم وسمعه. وبعد أن قتل ميلاديتش الرجال والأطفال والنساء وأحر! الشوارع، بغية تطهير عرقي شمولي عاقبته المحكمة الجنائية الدولية بتهمة الإبادة الجماعية والتحريض على التصفية العرقية وجرائم ضد الإنسانية وتم اعتقاله في 26 مايو2011 (1) . في واقع الأمر فإن ما قام به سلوبودان ميلوسوفيتش وراتكو ميلاديتش يمكن استيعابه إطار الرؤية التطورية الداروينية للوجود الإنساني، حيث يصبح البقاء للأصلح منظومة بيولوجية حتمية، وتصير الإبادة الشمولية تسهيل لعملية الانتخاب الطبيعي والتسريع بها، وتتحول كل القوميات إلى حقائق بيولوجية لا سبيل لرفضها والواجب الصراع بينها. ومن أجل ذلك نقرر أن بذرة نشأة إنسان يعتنق التطور ووصوله للحكم هي بذرة نشأة ميلوسوفيتش جديد ورادكو ميلادتيش جديد! وسينادي التطوري المصري بالقومية الفرعونية حتى يتاح له في مرحلة لاحقة إفناء المسلمين واستئصال شأفتهم. وسينادي التطوري الجزائري بالقومية الأمازيغية حتى يثير الأحقاد ويخرج الضغائن ويهلك البلاد! وستظهر قوميات في كل مكان، وعندنا أعداد من الأغرار والمغيبين والسذج والعاطلين ما تكفي تمام ا لملء أي حشد ولتضخيم أية فكرة ولمتابعة أية دعو مهما كانت هذه الدعو حقيرة أو إرهابية أو شاذة، والشباب الصغار يغريهم الشاذ ويتلقفون الغريب ويهتمون بالخارج عن النسق. ودعو ال تطور ستفكك المجتمع إلى قوم يات وتغذي الصراعات بين هذه القوميات، (1)http://www.newsweek.com/crimes-against-humanity-151215.
عدد الصفحات ٣٦٨