المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

إما الإيمان أو الفوضى

هيثم طلعت

صفحة ١٥ من ٢٧

225 لنا معها منشور قادم إن شاء ا وقبلها كانت مبرهنة جودل Gödel Incompleteness Theorem التي تؤكد أنه لا يوجد نظام رياضي متكامل. فالعلم لا يُغطي إلا جانب ضيق جد ا من حقل المعرفة، وهو ليس موضوعي وإنما ذاتي يخضع للرؤية البشرية وتحلله القدرة البشرية، والعلم لن يقترب من أسئلة الوجود الكبر مثل: لماذا نحن هنا، وإلى أين نحن ذاهبون؟ ولذا لما سألت دير شبيغل هايدغر عما إذا كان في مقدرة الانسان الوصول للأفضل والأكمل عبر مساعيه وأبحاثه قال :" الله فقط يمكن أن ينقذنا". Only God Can Save Us, Heidegger, The Man and The Thinker, p.45 نُقطة انتهى

عدد الصفحات ٢٢٥

226 العلم قرين بما هو مادي لن يُلل العلم سبب ترفعك عن المعصية! لن يجيب العلم عن مصدر القيمة أو معنى الأخلاق أو غائية التحشم! يقول أينشتاين: "لا توجد أُسس علمية للأخلا!، لقد فشلت وستفشل كل محاولات إخضاع الأخلا! لقوانين العلم ومعادلاته، فلن يكون العلم مصدر ا للأخلا! " (1) . والماضي التطوري الذي تفترضه نظرية التطور مثلا ، لا علاقة لهذا ا لماضي بما يحمله من صراعٍ وانتخابٍ للأصلح بحاضرنا الأخلاقي الذي نتطلع أن يسود. فالتطور الدارويني لا يُنتج إلا أمثال هتلر، والمجتمع الدارويني لا يكون إلا مجتمع فاشستي ينتشر فيه التعصب العنصري والتصفية العرقية، كما يعترف ريتشارد داوكينز (2) . فالقيم الأخلاقيةالمطلقة لا يمكن التاسيس لها إلا في إطار الدين (3) . والإجابة الوحيدة التي تتيحها المواقع العلمية عن كيفية تنظيف السوط الجلدي، إذا علقت به دماء أثناء ممارسة السادية المازوكية –أحد أنواع الشذوذ الجنسي-، هي: هيدروجين بيروكسيد! في هذا الإطار يمكن استيعاب أن يظل العلم داخل معمله، وأن يمارس الناس قيمهم وأخلاقياتهم وفق نسق آخر بعيد عن الطرح العلمي، فالعلم للمادة ولجواب أسئلة كيف. مثل: كيف نأكل وكيف نلبس وكيف نشرب. أما أسئلة لماذا. مثل لماذا نعيش ولماذا نعتنق الأخلاق ولماذا نبحث عن غائية وجودنا و… (1) Max Jammer, Einstein and religion, p.69. (2) Selfish Gene, p.2, 3. (3) ريتشارد داوكينز A Devil`s Chaplain, p.93

عدد الصفحات ٢٢٦

227 فهذه أسئلة أجوبتها حصرية داخل ميدان الإيمان فقط. وهكذا يعيش الإنسان متكامل البنيان النفسي والبدني والروحي. ولا توجد ثمة مشكلة! لكن أن يظهر لك كهنة العلمانية العرب فجأة ويقومون بالتبشير بكهنوتهم العلماني، ويعتبرون الرؤية العلمانية هي التفسير الأصلح للإنسان فهذا ما يثير حفيظة كل حُر. إذ كيف تطلب مني أن أتبنى رؤيتك العلمانية للوجود، وهي رؤية تفتت القيم الأخلاقية وتصمها بالنسبية، وهي رؤية تُضعف قيمة الإيمان في القلوب وتقلص تطبيقات الإيمان والتزكية الروحية في الحياة العملية. فتظهر التعاقدية في التعاملات بدلا من التراحمية. وتظهر المصلحية المادية عوض ا عن الإيثار والتو اد. ويُطلب منك بانتظام ألا يتمعر وجهك إذا رأيت منكر ا وإلا فأنت لست متفتح ا! ويُطلب منك بانتظام أن تغض الطرف عن القيم المبتذلة والأفكار الوضيعة والأغاني الهابطة. ويُطلب منك أن تقوم بإحلال الولاء لحدود الوطن بدلا من الولاء لإخوانك المسلمين. ويُطلب منك أن تنسى تاريخ أمتك الإسلامية وتُركز فقط على القومية التي أنت تابعٌ لها! والراصد لحال العلمانيين العرب في بلادنا يلحظ قفزاتهم المتتالية نحو الكهنوتية والتبشير بالعلمانية، وصار التنفير من الآخر والإقصاء المُتعمد لكل ما هو إسلامي سمة كل علماني عربي، وصار حظ العلماني العربي من العلمانية هو بمقدار انخداش علاقته بالإسلام والمسلمين. وقد قامت العلمانية العربية عبر البرامج التلفازية والقنوات الإعلامية التي تبث أفكارها من خلالها قامت باستبدال المرجعية التأويلية بمرجعية الشرع. ويقول الباحث إبراهيم السكران متحدث ا عن تطورات العلمانية في بلادنا أنها: " تحولت من

عدد الصفحات ٢٢٧

228 كونها مهمومة بتنمية الخطاب الإسلامي إلى الوشاية السياسية ضده، والتعليق خلف كل حدث أمني بلغة تحريضية ضد كل ماهو "إسلامي"، وغدت مولعة بالربط الجائر بين أحداث العنف والمؤسسات الدعوية، وبالغت في الاستخفاف بكل منجز تراثي". وصار نقد الأمة وبيان كل مثالبها وإخفاء كل خيرٍ فيها هدف ا في ذاته لد العلمانيين العرب! ولا تخطيء عينك حال العلماني العربي حال ظهوره على التلفاز فهو الذي اعتاد اللمز في مرويات السنة النبوية. والعلماني هو الذي يطير فرح ا بخبرٍ مدفونٍ في أحد كتب التاريخ - أجمع أفاضل الأم ة ومحدثيها على نكارته ووضعه - ويتجاهل في الوقت ذاته صحيح الأحاديث والأخبار التي تعارض ذاك النقل. كل هذا أملا من العلماني في تشكيك الأمة في ثوابتها وفضل سلفها! وفي مقابل كل هذا الإجحاف في التعامل مع كتب التراث والكذب على التاريخ وتسخيف خير القرون وغمزهم ولمزهم، تجد اللغةَ الناعمةَ البشوشة في التعامل مع خصوم الحل الإسلامي، وحقهم في الحرية والتعبير، والتفهمَ الودودَ للدراسات التجديفية والروايات العبثية الكفرية، والتصفيقَ المستمر لكل ماهو "غربي" بطريقة لايفعلها الغربي ذاته –والكلام هنا للباحث إبراهيم السكران- وعَرْضَ الأعلام الغربية بلغةٍ تفخيمية وقورةٍ، وإسقاطَ التجارب العلمانية في التاريخ الأوروبي على مجتمعنا بشكل لايليق بشاب مسلم -كصراع الكنيسة مع العلم والثورة الفرنسية وعصر الأنوار ونحوها-. وأكثر ما يؤكد خبث العلماني في هذه المرحلة من التبشير الكهنوتي بعلمانيته أنه يقوم بالتركيز على أخطاء المقاومة أكثر من أخطاء المحتل، والمطالبة المستمرة بمواجهة المشروع العسكري الغربي بورود السلام الغاندية.. إلى آخر سلسلة التطورات الموجعة من التبعية التامة للآخر كائن ا مَ ن كان طالما أنه ليس مسلم ولا يحمل هَم المسلمين! وحتى لو كانت عبادة بقر فهي مقبولة من العلماني ويمكنه التعايش معها، أما القيم الإسلامية والسنن الظاهرة كاللحية والنقاب فهي تُسبب له حكة واشمئزاز ا.

عدد الصفحات ٢٢٨

229 ولا مانع لد العلماني من إسلام الدروشة، والإسلام الذي لا يتجاوز حيز المسجد. أما الإسلام الذي جاء به محمد ابن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - إسلام التحرر والاستقلال، إسلام القيم والشمولية فإن هذا الإسلام لد العلماني مرفوضٌ مرفوضٌ مرفوض .

عدد الصفحات ٢٢٩

230 مشكلتنا مع العلمانية ما لا يفهمه كهنة العلمانية في بلادنا العربية أن أحكام الشريعة كما هي قيدٌ عليهم، فكذلك أحكام العلمانية قيدٌ علينا، فإذا تلا شخصٌ مسلم المصحف فقرأ: [ﭦ ﭧ ﭨ ] {183}، يعلم أنه مُكلف أن يصوم. أما [ﮌ ﮍ ﮎ ] {178} فلا ؟؟ وإذا كان الله ورسوله قد حرم الزنا وحظر الربا ومنع الخمور وحارب الميسر، وجاءت العلمانية لتحمي الزاني وتتبيح الخمور وتنظم القمار، فكيف يكون موقف المسلم بينهما أيطيع الله ورسوله أم يطيع العلمانية ؟ فالذي يريد فصل الدين عن الدولة يريد إلغاء 600 آية من القرآن الكريم وهي: آيات الأحكام [ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ] {275} هل هذه آيات للدنيا أم للمحراب ؟؟ [ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ] {178} وهذا قانون جنائي [ﭑ ﭒ ﭓ] {216} هذا قانون دو [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ] {282} هذا قانون إثبات لحكم الدنيا والمحاكم أم آيات تعبد ومحراب ؟ في الإسلام الأمرُ كله لله، وقيصر وما ملك عبدٌ لله وإن أبَى، وكما يقول العلماء: إنما الدنيا موضوع الدين (1) . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- : "والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه أو حر م الحلال المجمع عليه ، أو بد لَ الشرع المجمع عليه كان كافر ا مرتد ا باتفا! الفقهاء " (2) . ويقول"هؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم وره بانهم أرباب ا من دون الله حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، فهم فقط تابعوهم على التبديل ، واعتقدوا تحليل ما حرم (1) التيار الإسلامي والليبرالية. مناظرة بين دكتور عمرو حمزاوي وأستاذ صبحي صالح. (2) مجموع الفتاو3-267.

عدد الصفحات ٢٣٠

231 الله وتحريم ما أحل الله اتباع ا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شرك ا مع أنهم لم يكونو ا يُصلون لهم أو يسجدون لهم، فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله مشرك ا مثل هؤلاء " (1) . أليس كهنة العلمانية من جملة الذين يطلبون من ا أن نطيعهم في تحليل ما حر م الله وتحريم ما أحل؟ يقول الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله-: " إن من الكفر الأكبر المستبين تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحكم به بين العالمين، والرد إليه عند تنازع المتنازعين، مناقضة ومعاندة لقول الله عز وجل: [ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ] {59}. فإنه يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع الإيمان في قلب عبدٍ أصلا ، بل أحدهما ينافي الآخر". فالثقافة الإسلامية لا تقبل المفاهيم الليبرالية العلمانية مهما غيرت من شكلها ، وهي في تعارضٍ تامٍ معها. فمثلا مقولة "الدين لله والوطن للجميع"! قال العلامة بكر أبو زيد -رحمه الله -: "وهذه المقالة –أي الدين لله والوطن للجميع- توجب الردة". المصدر: مناقشة كتاب الإسلام واصول الحكم. بل يعترف العلماني العربي الشهير أركون أن مقولة الدين لله والوطن للجميع مقولةٌ غبية إلى حدٍ كبير، فالدين للشعوب تمارسه في الشارع كما في البيت في معاملاتها في كل شيء. (1) مجموع الفتاو7-70.

عدد الصفحات ٢٣١

232 ففي الإسلام الأمرُ كله لله، وقيصر وما ملك عبدٌ لله وإن أبَى، وكما يقول العلماء: إنما الدنيا موضوع الدين. يقول صامويل هنتنجتون -الذي فهِم الإسلام أكثر مما فهمه كهنة العلما نية العرب - : "والدولة الإسلامية ليست رفضا للحداثة وإنما رفضٌ للغرب ورفضٌ للثقافة العلمانية النسبية المرتبطة به ،إنها رفضٌ لما يُطلق عليه التسمم بالغرب الذي يصيب المجتمعات غير الغربية، إنه إعلان كله كبرياء يقول سنكون حداثيين- سنتقدم - لكن لن نكون أنتم " (1) . (1) صدام الحضارات،صامويل هنتنجتون، ترجمة :طلعت الشايب الطبعة الثانية 1999 ص168.

عدد الصفحات ٢٣٢

233 الولاء والبراء العلماني أصل العلمانية الغربية التمييز بين الناس على أساس الأرض وحدود جغرافيا الوطن سواء في الخدمات الحكومية أو الولاء القلبي! فلا غضاضة عندهم من تضييق الخنا! على المهاجرين وتلقيبهم ب "مهاجرين غير شرعيين". ولا غضاضة من حرمانهم من الخدمات الحكومية بل وعدم مساواتهم بأبناء الوطن. لكن أن تقول لنفس هؤلاء العلمانيين نحن لن نُسوي بين الناس على أساس الدين، فيكون للمسلم حقو! داخل الدولة غير حقو! الكافر؛ فهنا سينتفض العلماني ويرتعد ويحْم ر وجهه ويبِح صوته من هول الصدمة، مع أنه نفس الشخص الذي قبل لحظات قر ر أن يسلب أكثر من هذه الحقو! من "غير أبناء الوطن". فقد انتقل معقد الولاء والبراء في قلب كهنة العلمانية من الدين إلى الوطن ومن حب الله إلى حب حبة الرمل. فالعلماني وبسبب علمانيته [ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ] {176}. فقوام العلمانية ربطك بالأرض لا بالس ء واكتفاء بالعاجلة وصرف نظرك عن الآخرة [ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ] {38}. فحين انهارت العقيدة في النفوس وتشبعت القلوب بالإخلاد إلى الأرض لم تحتمل أن يكون الكافر عدو ا لله، ولم تحتمل الحب في الله والبغض في الله. مع أن : "أوثق عر الإيمان أن تحُب في الله وتُ بغض في الله". أخرجه أحمد في مسنده! ولذا فأنت لو جعلت الدين أصلا في تعاملك لصرت أمام كهنة العلمانية رمز ا للإقصاء والتخلف والرجعية!

عدد الصفحات ٢٣٣

234 في حين لو جعلت الوطن أصلا في تعاملك لصرت أمامهم وطني مخلص شريف ابن الأرض الطيبة! وهنا يصبح التمييز على أساس الوطن صلاح ا وإ خلاص ا وعلى أساس الشريعة تخلف ا ورجعية! إن هؤلاء لو أُشربوا حب الله لسما عندهم حب الله على حب الرمل! إن أصل علمانية هؤلاء هي صيانه أنفسهم ومنافعهم المادية أكثر من صيانة دينهم، فصاروا يلبسون لامة الحرب لمن يتعرض لوطنهم بكلمة تبخيس أو تحقير بينما يبتسمون في وجه من يسب شرع الله ويسخر منه! إن أمثال هؤلاء لو لم يراجعوا منزلة الله في قلوبهم قبل الموت لهلكوا! فما أعسر على العقل العلماني من العداوة القلبية لأعداء الله من الكفار والمنافقين، ولو كمل حب الله في القلب لاستحال أن يحب الله وعدو الله في آن! ومن صور الولاء والبراء بصيغته العلمانية ما جر حين اشتد صراخ كاهنة العلمانية "فاطمة ناعوت"، في مناظرتها مع الشيخ محمد الفزازي لمجرد المساس في ظنها بموقف حدث بأحد ميادين مصر. فالدولة في النموذج العلماني موضع تقديس والشعب مصدر تشريع، ومحاولة محاكمة الشعب حتى طبق ا للمنظو مة القيمية أمر غير مقبول. فتصبح الدولة حِجر محجور، ويمتنع المساس بسمعتها، ويتعلم الأطفال منذ نعومة أظفارهم كيف يتقنون الانحناء لقطعة قماش -العَلَم- وكيف يق بِّلون تلك القطعة ويرفعونها ويُعظمونها لأنها تشير إلى دولتهم هم فقط وليس دولة أخر من دول الأغيار، ولو كان هؤلاء الأغيار أطهر منهم وأنقى! ويُعقد لواء الولاء والبراء حصري ا للدولة في الإطار العلماني. وكان اختفاء المرجعية المطلقة والقيمة المتجاوزة داخل النسق العلماني سبب ا اضطر العلمانيين

عدد الصفحات ٢٣٤

235 إلى البحث عن مرجعية أخر يُعقد لها الولاء والبراء فأصبحت الدولة هي تلك المرجعية المطلقة والقيمة الأسمى. في المقابل يصبح الخوض في بقية الدول والشعوب أمر ا مُستباح ا، وقد خاضت بالفعل الكاهنة فاطمة ناعوت في أفغانستان وكيف أن أفغانستان تستحوذ أعلى نسبة تحرش في العالم، مع أن هذه أحد أشهر أكاذيب العلمانيين العرب. لكن الشاهد من الكلام ليس كذب الادعاء من عدمه وإنما الشاهد أن تجُعل الدولة حرم ا مُصان ا ويصبح غيرها كلا مُستباح ا. إنه النظام العلماني الكهنوتي القومجي الجديد، الذي لا تعنيه القيمة ولا مع مَن الحق بقدر ما تعنيه حدود سايكس بيكو. ولا يدري كهنة العلمانية العرب أنه بدعوتهم لهذه الأفكار القومية يروجون لأفكارٍ كانت سبب ا مباشر ا في نشوب الحربين العالميتين الأولى والثانية، فقد قامت الحربان العالميتان بسبب دعاو القومية والشعب العضوي. فالقومية العلمانية المجنونة كانت سبب ا مباشر ا في مقتل 5% من سكان العالم على يد هتلر، فقد كان نموذج هتلر هو نموذج القومية الإلمانية بحث ا عن الرايخ الثالث الذي يسوده الشعب الألماني فحسب. ومؤسسة الإبادة في الدولة النازية كانت تُسمى مؤسسة تدعيم القومية الألمانية. بل إن كل الأيديولوجيات التي تحاربت طوال القرن العشرين من فاشية إلى ماوية إلى ستالينية كانت من نتاج العلمانية القومية، والحرب العالمية الأولى سببها رصاصة أحد القوميين الصرب عندما اغتال ولي عهد الإمبراطوية النمساوية، فالقومية هي شكل غير عقلاني من الأشكال التي تطالب الغير بالاعتراف بقيمة متجاوزة لأُمة من الأمم ومن أجل هذه القومية أُبيدت دول بأكملها.

عدد الصفحات ٢٣٥

236 يقول أرنست جلنر " القومية ليست لها جذورٌ عميقة في النفس البشرية ، وقومية عبد الناصر انتهت بنهايته، وأقو القوميات في العالم هي مصدر أشنع الحروب كالقومية النازية في ألمانيا والقومية الفاشية في إيطاليا، وانهارت الإمبراطورية العثمانية تحت وطأة القومية التي دعا لها أتاتورك، والقومية تعمل على تصفية الداخل من الأغيار والتلذذ بالحياة في مجتمع قومي صافي كما فعلت ألمانيا مع اليهود والغجر –والسلاف والأقزام والمرضى والمعاقين-" (1) . والقوميـة هي محاولة خبيثة لتغيير التاريخ وإبعـاد النـاس عن الدين ؛ ولذا يقول استشـار طار! البشـري : "فمن يريد أن يؤكد على مصرية مصر وينفي عروبتها وإسلاميتها ما عليه إلا أن يجمع وقائع التاريخ التي حدثت في مصر ويُلم بكل ما قيل عن مصر ويقيم منه بناء ا منفصلا عن غيره من الأحداث المحيطة، ولا يهم إذا كان أهل مصر راضين بانتمائهم لأمة الإسلام ". فالمهم هو تمرير القوميـة على السُذج من النـاس! (2) . فالقوميـة نبات شيطـاني تهدف لتقويض المشـروع الديني ولن تمحو الأيام مجازر القوميين الصرب بحق المسلمين، حين كانت صربيا تدعو لصربيا الكبر والكروات يريدون كرواتيا الكبر ، ولن ينسى العالم كيف أن علماني صربي قومي مجرم مثل راتكو ميلاديتش Ratko Mladić قتل في عملية واحدة 8 آلاف مسلم في محيط مدينة شربنيتشا يوم13 يوليو1995 Srebrenica massacre وكيف أن عبارات قومية مثل الموت للألبان وعاشت صربيا " Albanians Long live Serbia—death to " التي رو ج لها العل القومي المجرم سلوبودان ميلوسوفيتش Slobodan Milošević كانت سبب ا في أكبر مجازر يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية. ومن أجل ذلك نحن نحذر وبشدة من كهنة العلمانية العرب الذين يُروجون للقومية (1) نهـاية التاريخ وخاتم البشر، فرانسيس فوكوياما، ترجمة : حسين أحمد أمين الطبعة الأو1993 ، مركز الأهرام للترجمة والنشر، ص236. (2) الحوار الإسلامي العل، المستشار طار! البشري، الطبعة الأولى 1996،دار الشرو! ص47.

عدد الصفحات ٢٣٦

237 والنعرات الجاهلية في بلادنا فبذرة نشأة علماني قومي هي بذرة نشأة هتلر جديد وموسوليني جديد وميلوسوفيتش جديد وراتكو ميلادتيش جديد! وسينادي العلماني القومي المصري بالقومية الفرعونية حتى يتاح له في مرحلة لاحقة إفناء المسلمين واستئصال شأفتهم. وسينادي العلماني القومي الجزائري بالقومية الأمازيغية حتى يثير الأحقاد ويخرج الضغائن ويهلك البلاد! وستظهر قوميات في كل مكان، وعندنا أعداد من الأغرار والمغيبين والسذج ما تكفي تمام ا لملء أي حشد ولتضخيم أية فكرة ولمتابعة أية دعو مهما كانت هذه الدعو حقيرة أو إرهابية أو شاذة، والشباب الصغار يغريهم الشاذ ويتلقفون الغريب ويهتمون بالخارج عن النسق. ودعو القومية ستقوض أركان المجتمع بدعو التنقية العرقية، والذي يستنكر ذلك سيصبح عبء على الأمة القومية والشعب العضوي. وعندمـا يظهر قوميون علمـانيـون في أية دولة عربية فإنهم بداهـة يريدون تصفيـة الديـن لحسـاب أفكـار ونعرات تفتيتيـة منحـازة. في الصين هناك قول شهير لكل من يريد أن يتغرب ويترك القيم الصينية، يُقال له: "اذهب وانظر إلى المرآه"، والاتجاه الذي ساد في الهند وقادها نحو الصدارة في العقد الماضي هو رفض كل ما هو غربي وتهنيد السياسة والاقتصاد، وأقرت اليابان مشروع سياسة الابتعاد عن أمريكا وهكذا يحدث التقدم. وقد صرح صحافي ياباني بارز : "لقد ول ت تلك الأيام عندما كانت أمريكا تعطس فتصاب آسيا بالزكام" (1) . (1) صدام الحضارات، صامويل هنتنجتون، ترجمة :طلعت الشايب الطبعة الثانية1999 ص177.

عدد الصفحات ٢٣٧

238 فما يقوم به كهنة العلمانية العرب في بلادنا من محاولات تغريب هي خيانة بمقياس الدول العلمانية ذاتها! يقول شيمون بيريز :"عندما أشتري سلعة يابانية فأنا انتخب اليابان "مقال على الجيروزاليم بوست. ولذلك يقرر صامويل هانتنجتون أنه : "إذا كانت المجتمعات غير الغربية تريد التحديث فلابد أن يكون على طريقتها وأن تحاكي اليابان في ذلك وليس على الطريقة الأوروبية، فعندما يحاول القادة السياسيون تغريب مجتمعاتهم لابد أن يفشلوا، إن الفيروس الغربي - الليبرالية - بمجرد أن يسكن مجتمع ا آخر يصبح من المستحيل استئصاله، فالفيروس يبقى ولكنه غير قاتل؛ يظل المريض على قيد الحياة ولكنه يبقى مريض ا، فبمحاولة التغريب يصنعون دولا ممزقة ولا يصنعون مجتمعات غربية وستُصاب بلادهم بفصام ثقافي مزمن" (1) . فكهنة العلمانية في بلادنا يحاولون تفريغ أُمة بأكملها من ثقافتها وتاريخها، فالذين ينادون بالعلمانية في بلادنا خسروا المعركة قبل أن تبدأ وتركوا الساحة سريع ا واعترفوا بفشل أمتهم ومهدوا الطريق للغرب . ولذا يقول جمال الدين الافغاني واصف ا حال العلمانيين والليبراليين في بلادنا : " لقد علمتنا التجارب أن المقلدين من كل أمة، المنتحلين أطوار غيرها، يكونون فيها منافذ لتطر! الأعداء إليها وطلائع لجيوش الغالبين وأرباب الغارات يمهدون لهم السبيل ويفتحون الأبواب ثم يثبتون أقدامهم". فالليبراليون هم مارينز العرب (2) . ويقول الشيخ الغزا- رحمه الله- واصفـ ا هؤلاء : "ما هؤلاء الناس ؟ إنهم ليسوا عرب ا ولا عجما ولا روس ولا أمريكان !! إنهم مسخٌ غريبُ الأطوار صفيق الصياح بُليت بهم هذه البلاد (1) صدام الحضارات إعادة صنع النظام العالمي، صامويل هنتنجتون، ترجمة :طلعت الشايب الطبعة الثانية1999 ص252. (2) اعمال الكاملة لجمال الدين الافغاني ص196.

عدد الصفحات ٢٣٨

239 إثر ما صنعه الغرب بها وترك بذوره في مشاعرها وأفكارها .فهم- كما جاء في الحديث - من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا - بيد أنهم عَدُوٌّ لتاريخنا وحضارتنا ، وعبءٌ على كفاحنا ونهضتنا . وعونٌ للحاقدين على ديننا والضانين بحق الحياة له ولمن اعتنقه، إن هؤلاء -ونقولهـا جازمين- لا يصلحون لحمل أعبـاء ولا لمخـاصمة أعداء ". وبينما يتشكك الآن الغربيون في عالمية مُثُلهم نجد من يريدون من ا الاستسلام الصراح لهم، ومشكلة العلماني العربي أنه يقبل أية صياغة عدا تاريخ أمته وعدا ثقافتها، فهو عبء على الأمة، ولذا تلاحظ أن اشتراكيو الستينيـات في بلادنا العربية هم ليبراليو الألفية الجديدة، فكثير من المثقفين الاشتراكيين في بلادنا العربية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وجدوا أنفسهم بلا أرضية ولا قضية، فبدءوا البحث عن مبرر وجيه للتوجه نحو السفارة الأمريكية بأن يعلنوا أنهم ليبراليون رأسماليون وبالفعل لجئوا لأمريكا بحجة الوقوف بجانبهم في مواجهة الإرهاب، مع أن أمريكا هي التي ساندت كل الدول الإرهابية عبر الخمسين عام ا الماضية . ومشكلتنا مع العلمانية الغربية أنها فر غت المعنى قبل أن تمنحك الترانزستور، وأسقطت القيمة والحس الخلقي أثناء إغرائك بأحدث الباقات، وضي عت الغاية قبل أن تجوجل أول أبحاثك، مع أنك من السهولة بمكان أن تحصل على الترا نزستور والفضائيات وجوجل وتطور هم دون أن يهتز شيء من ضميرك! فالمعرفة التقنية قرينة بالبحث العلمي لا بالعلمانية، وما أكثر الدول المتقدمة تقني ا وهي تحارب العلمانية بشراسة، وما أكثر الدول المتخلفة تقني ا وهي علمانية شرسة، وأقل دول العالم تقانة على الإطلا! هي دول علمانية عتيقة –ليبريا وموريشيوس وجامبيا وناميبيا- لكن من بقايا خبث العلمانيين العرب أنهم دائما يوهمونك بحتمية الحل العلماني! يقول الدكتور عبد الوهـاب المسيري: "مخاوفنا من العصر الحديث تنبع من معرفتنا لا بسيناريو التحديث وحسب وإنما بعواقبه أيض ا، فنحن نقرأ الصحافة الغربية وندرس المجتمع

عدد الصفحات ٢٣٩

240 الغربي وغير المتخصصين يسمعون عن المخدرات والجريمة ، والمتخصصون يقرءون عن أزمة المعنى في الغرب ؛ ولذا حينما نتحرك في العصر الحديث فإننا لا نتحرك بتفاؤل شديد إذ أن معرفتنا المأساوية بما حدث هناك وبالثمن الفادح الذي سيُدفع يقلل من حماستنا بعض الشيء. إن أول ماكينة معاصرة واجهتنها هي المدفع الذي حمله الجندي الغربي الذي جاء إلى بلادنا منذ قرنين من الزمان لا ليجلب النور والاستنارة وإنما لينهب الوطن ، إننا إذا طبقنا المقولات الغربية بحذافيرها كما يتغنى الليبراليون والعلمانيون العرب دومـا، هذه المقولات التي أفرزت المخدرات والعدمية والانسحا! الروحي ونصف الشعب غير الشرعي - 50% من أطفال الغرب غير شرعيين .- فإذا سرنا في نفس الطريق وارتكبنا نفس الأخطاء وانتهينا نفس النهاية فلن نكون أبطالا ولا مأساويين، وإنما سنكون مهرجين لا نستحق أي عطف أو رثاء إن هذا الموقف سيجعلنا بشر ا من الدرجة الثالثة للأبد " (1) . وبحمد الله سيجد هؤلاء العلمانيون كل حزم من مثقفي أمتنا المحترمين الذين يُفرِّغون مقولاتهم ويُسفهون أباطيلهم، ولذلك يعترف فؤاد عجمي قائلا : "الذين يكتبون عن الليبرالية في العالم العربي كتبوا شهادة وفاة لأنفسهم لأنهم اختاروا المستحيل". (1) عبد الوهاب المسيري ، رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر ، دار الشرو! الطبعة الرابعة فبراير 2009 ص442.

عدد الصفحات ٢٤٠