المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

إما الإيمان أو الفوضى

هيثم طلعت

صفحة ١٣ من ٢٧

193 على مثل سنتها هلكت أمم وحضارات كانت ملأ السمع والعين. فالمجتمع الغربي كقصر فخم المظاهر لكن أساساته مهددة بالانهيار، فهل من العقلانية أن نستغر! في جمال مظاهره ونستنفر الناس لدخوله، أم أن نحذر الناس من انهياره الوشيك؟ ومما يكشف ذلك أن الثقافة الغربية تعاني من اضطراب حاد على صعيد الالهيات، فغالب الناس في ذلك المجتمع يعاني من تشوش عميق في هذا الأساس الجوهري، أما أغلب النخب المثقفة فهي إما لائكية أو أن قضية الدين عندها قضية مؤجلة غير محسومة، فالعالم الغربي نتيجة عدم تشرفه بالإيمان بنبوة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- لايزال محروم ا من التصورات الصحيحة الدقيقة عن الله والمعاد والنبوات، والعالم العلوي والمستقبل بعد الموت، ونحوها من المطالب العالية. فهذا السؤال الجوهري وهو: ماذا خسر الغرب حين كفر بنبوة محمد؟ لايزال غائب ا عن كثير من المثقفين المسلمين وللأسف. فالمجتمع الغربي حين كفر بنبوة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- خسر تحقيق مستقبل جيد بعد فناء البشرية وأصبح مهدد ا بمخاطر كارثة جهنم، وخسر التعرف على محتو الوحي، وهي تلك المعلومات الثمينة التي حملها آخر رسول أرسله خالق الكون الينا. إن المجتمع الغربي يعاني من "ظاهرة الوثنية" التي هي أحط مستويات التخلف، وكثير من غلاة المدنية لايتنبه لظاهرة الوثنية في المجتمع الغربي نتيجة كونه يعتقد أن الوثنية هي السجود لصنم فقط، بينما مفهوم الوثنية في القرآن أوسع من ذلك نتيجة سعة مفهوم العبودية، فإن الانصياع التام للهو الشخصي واللذة الخاصة عبادة للهو ، ولذلك قال تعالى:[ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ] {23}. وقال سبحانه[ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ] {43}.

عدد الصفحات ١٩٣

194 وتبع ا لتأليه الهو فان الإنسان الخاضع لمتطلبات المادة خضوع ا تام ا جعله النبي -صلى الله عليه وسلم- عبد ا للمال، فقال كما في الصحيح: «تعس عبدالدينار، تعس عبدالدرهم». أيض ا المجتمع الغربي لم يهتد لكثيرٍ من أصول وتفاصيل العدل التي كشفها الوحي، فلم يهتد الى كارثية الربا والميسر والمسكرات والفواحش، ولم تتطور عقليته التشريعية إلى معرفة كثيرٍ من تفاصيل نظام الإثبات والقضاء وقواعد العلاقات الأسرية التي دل عليها الوحي. فما زالوا حتى الساعة يبيحون تعدد العشيقات إلى ما لا حد له ويحرمون الزوجة الثانية. ويبيحون شذوذ الرجال مع الرجال ويحرمون التشكيك في عالمية مُثُلهم. وأحد موجبات الغضب الإلهي العام تحليل محرمات كالشذوذ - وما أهلك الله قر سدوم وعمورة إلا لانتشار المثليين فيها- أو خيانة في المعاملة كتطفيف الميزان. ولم يناهض ظاهرة المثلية في المجتمع الغربي إلا المؤسسة الكنسية نتيجة ماتبقى لديها من نور النبوات".

عدد الصفحات ١٩٤

195 مشكلة سؤال الحضارة هي إفلاس الغاية سؤال الغاية في النموذج المادي بلا جواب ولا شبهة جواب. يقول الباحث إبراهيم السكران: " كل الثروات المكدسة لد الغرب لم تجب ولو بنفخة يسيرة عن الحيرة الفلسفية في المطالب الكبر في الإيمان بالله والاطمئنان بقدره، وظهر بدلا من ذلك تبدد السكينة بجهل أصل الحياة ومآلها. القارئ المسلم لايكاد يجد -في النموذج المادي- نتائج مبرهنة يسعد بها ويحملها كرسالة اجتماعية، بل كل فيلسوف ينقض ما قاله سابقه، وغاية القارئ في هذه الأبواب ليس أن يبني تصوراته وعقيدته بشكل صحيح فتكون له إضافة في ذاته، بل غايته أن يحصل له مران ذهني ودربة على السجال والجدل والرد والتفنيد، في مقابل أن يخسر فضيلة الحسم واليقين والتي هي من أهم أسباب الإمامة في الدين كما قال تعالى: [ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ] {24}. فيمتلئ القارئ بالارتياب والحيرة واللاحسم في كل شئ، حتى يصل إلى مرحلة عدمية يستطيع فيها أن يجزم بشئ من معطيات الشريعة، وهذه ظاهرة مشاهدة، والارتياب والحيرة والتردد في الأصول الكبر من شعب النفا! والعياذ بالله، كما قال تعالى: [ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ] {45}. ولذلك تجد عامة غلاة المدنية الذين اقتربوا من هذه الدراسات الفلسفية يرددون"الأهم هو طرح الأسئلة وليس الإجابات" أو قولهم "إلى المزيد من طرح الأسئلة" ونحو هذه العبارات التي هي كالمخدر يسلون به أنفسهم عن عدم الوصول لنتيجة، حتى أصبح شائع ا لد المؤرخين للفلسفة قولهم "الفلسفة تقدم الأسئلة بما يفو! تقديم الإجابات". وهذه الحالة متسربة من روح الشك الفلسفة حتى قال الامام ابن تيمية في نقد ذات الفكرة:

عدد الصفحات ١٩٥

196 "وإنما فضيلة أحدهم باقتداره على الاعتراض والقدح والجدل" (1) . وسبب ذلك أن المضامين الرئيسية المكتوبة في هذه الحقول إما لائكية محضة وهو الأكثر، وإما كتابية محرفة وهو الأقل، بل هو النادر، على أن من ورث فيهم شيئ ا من الكتابية المحرفة خير ممن بقي على اللائكية الخالصة، فإن بركة بقايا النبوات وما فيها من النور خير من العمى التام، فالمتمسك بالمسيحية المحرفة أشرف وأرفع في ميزان الله من الكافر المحض، فنصوص الوحي متضافرة على تفضيل الكتابيين على الدهرية الملاحدة، وهذا من بركة بقايا النبوات التي بأيديهم، فالكتابي خيرٌ من المجوسي، والمجوسي خيرٌ من الملح د، لأن المجوسي معه شبهة كتاب والملحد لا كتاب له، ولذلك قال الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاو : (أضل أهل الملل مثل جهال النصار وسامرة اليهود: أعلم من الفلاسفة، وأهد وأحكم، وأتبع للحق). وقال الإمام ابن تيمية أيض ا: ( ومن المعلوم أن المشرك إذا تمج س، والمجوسي إذا تهو د، حسنت حاله بالنسبة إلى ما كان فيه قبل ذلك). ومما يجدر الإشارة إليه أن هذا الوجه الفلسفي ليس هو الوجه المتقدم في الحضارة الغربية أصلا ، بل هو الوجه الظلامي المتخلف المنحط، برغم محاولات كثير من غلاة المدنية الزعم بأن التطور الغربي انعكاس لفلسفته، وهذا مجرد أمنية تاريخية. والواقع أن التفو! المدني الغربي اليوم عائد للثورة الصناعية في المرحلة السابقة، ثم الثورة التكنولوجية ونظم الاتصال والمعلوماتية حالي ا، وهذه كلها نتاج عر! المعامل والتمويلات السياسية الضخمة لمراكز البحوث، وغاية الفلسفة أن تكون تفسير ا استرجاعي ا لما حد ث، فهي دوم ا تفسير لاحق للأحداث تحاول اعطاءها المعنى بعد أن تقع، فأفضل حالاتها أن تكون "حكيم بعد الحادث"، وهذا سبب تراجع أهميتها المعرفية. ولذا قال ابن تيمية منبه ا على أن الفلسفة لا تدير المجتمعات: " وهل رأيت فيلسوف ا أقام (1) مجموع الفتاو4-27.

عدد الصفحات ١٩٦

197 مصلحة قرية من القر ، فضلا عن مدينة من المدائن؟ " (1) . بل إن من أسباب تراجع أهميتها المعرفية عدم قدرتها على خلق"قوانين مطردة" تحقق لها العلمية، ولذلك فهي تعاني من عقدة نقص تاريخية قديمة أمام العلوم الطبيعية التي تفرض احترامها المعرفي بسبب ما تحمله من القوانين العلمية المنظمة، ولذلك كثرت الصيحات الغربية في الفترة الأخيرة بإعلان موت الفلسفة، وصعد نجم العلوم الامبريقية. وسبب هذا الوهم حول عظمة الفلسفة أن كثير ا من مثقفي غلاة المدنية تأثروا بالكتابات التعليمية عن "قصة الفلسفة" والتي صورت التاريخ البشري كنتاج مباشر لأفكار بضعة عشر فيلسوف ا على مر التاريخ، وكأن التاريخ الإنساني عموم ا والتاريخ الأوروبي خصوص ا مركبة يتربع في كابينتها طائفة من الفلاسفة يخلف بعضهم بعض ا يشيرون للمجتمعات أن تذهب يمنة أو يسرة! والواقع أن الكتب الفلسفية ذات الطابع التعليمي عبثت بتفكير غلاة المدنية كثير ا، فهذه الصورة المرتسمة في أذهانهم وهْم طريف يغيِّب دور العوامل التاريخية الجوهرية في صناعة الماضي والحاضر، كدور القيادات السياسية والخبراء والأعمال الأدبية الكبر والعواطف الشعبية، فضلا عن دور الإعلام الحديث ونظم الاتصال وتوازنات القو والشركات الم تعددة الجنسيات ومتغيرات الموارد ونحوها". (1) درء تعارض العقل والنقل5-65.

عدد الصفحات ١٩٧

198 دور النبوات في تشكيل التاريخ يقول الباحث إبراهيم السكران: "دور النبوات في تشكيل التاريخ حقيقة لا ينفصل عنها الباحث في تاريخ الأمم والحضارات. ولذلك تنبه المؤرخ الشهير أرنولد توينبي (ت:1975م وهو المتخصص في تاريخ الحضارات، إلى دور النبوات كعاملٍ رئيس في صناعة التاريخ فقال: "العقيدة الدينية جزء من نظام الاستيلاد الحضاري" (1) . أما التاريخ الإنجليزي الذي هو أخبر به من غيره فيقول"التحول الديني كان حقيقة مبدأ كل شيء في التاريخ الانكليزي" (2) . بل إن توينبي ير أن الدين هو "الحوض الحامل" الذي ينقل الحضارة من طورٍ إلى طور، لذا استعار لها وصف “Chrysalis” وهو الغلاف الذي يكسو الفراشة في انتقالها من طورٍ إ طور. فقال: "الأديان بمثابة حاضن لجميع الحضارات، بل إن بقايا كل الحضارات البائدة ظلت إلى اليوم محفوظة في لحاء ديني" (3) . ومثل هذا التحليل لا يصدر من مفكر ثانوي في الفكر الغربي، بل هو نموذج في سيا تخصصه، وموسوعته تقع في اثني عشر مجلد ا. وقبل توينبي نبه على هذه العامل الحاسم ابن خلدون في مواضع كثيرة من المقدمة ومنها قوله: (الدول العامة الاستيلاء، العظيمة الملك، أصلها الدين، إما من نبوة أو دعوة حق) (4) . وقال الإمام ابن تيمية في الصارم المسلول (ليس في الأرض مملكة قائمة إلا بنبوة أو آثار (1) أرنولد توينبي، مختصر دراسة التاريخ، ترجمة فؤاد شبل، المركز القومي للترجمة،3-152. (2) م. س1-5. (3) م.س3-153. (4) المقدمة، ص167.

عدد الصفحات ١٩٨

199 نبوة، وإن كل خير في الأرض فمن آثار النبوات، ولا يستريبن العاقل في هذا) (1) . بل إن ابن تيمية له ملاحظات دقيقة في مسألة احتضان الدين للحضارات فهو يقول مثلا: "كل أمة ليس لها كتاب ليس في لغتها أيام الأسبوع" (2) . وقال ابن القيم"لولا النبوات لم يكن في العالم علم نافع البتة، ولا صلاح في معيشته ولا قوام لمملكة" (3) .". انتهى كلام إبراهيم السكران-حفظه الله-. فالنبوات توفر أجوبة الغاية وتعطي ردود ا شافية في المسائل الوجودية الكبر . في مقابل الفلسفات التي لديها حوله معلومات مشوهة في أبواب كباب الإلهيات، وما يتضمنه من معرفة الله وما ينبغي له معرفة صحيحة، والعوالم الغيبية وتقدير كل شئ في اللوح المحفوظ، وجريان السنن الطبيعية بغايات إلهية، وأثر العبادة في النواميس الكونية، وحركة القلب بالتزكية كالتوكل والافتقار والضراعة، ونحو هذه المعاني التي هي التنوير الحقيقي، كما قال تعالى في هذه المقارنة بين تنوير الوحي وظلامية ما يعارضه: [ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ] {122}. (1) الصارم المسلول 2-457. (2) لأن الأسبوع هو نص كتابي يحدد مدة خلق السماوات والأرض في ستة أيام وهذا لا يُعرف إلا بالنبوات. مجموع الفتاو 7-95. (3) مفتاح دار السعادة2-1155.

عدد الصفحات ١٩٩

200 وماذا عن قيم العدل واحترام الوقت عند الغرب؟ أليست هذه موروثات حضارية؟ صراحة ما يشيعه دعاة العلمانية في بلادنا العربية من تشبع المجتمع الغربي بأخلاقيات الصد! والأمانة في العمل التجاري، فإن بعض ذلك موجود حقيقة كما هو موجودٌ في غيرهم من الأمم، ولكن كثير ا منه ليس صدق ا وأمانة يُبتغى بها وجه الله، وليس نابع ا من الإخلاص لخالق الكون سبحانه، بقدر ما أنها "مصداقية تسويقية " مدفوعة بحسابات الربح والخسارة المادية ومهارات "الماركيتنج". ويكشف ذلك إحصائيات حجم الاختلاسات والسطو المنظم وفنون الجريمة في المجتمع الغربي، والذي تعرضه دوم ا الدراسات الاجتماعية بإسهابٍ، وتقتبس منه الصحافة أحيان ا بعض النماذج، وهذا مما يؤكد أيض ا حاجة الغرب الى العلوم الالهية لتصحيح الدوافع. ولذا فأكثر دول العالم جريمة على الإطلا! هي حصريا الدول الغربية. فمثلا أكبر معدلات اغتصاب على الإطلا! حصرية بأكثر دول العالم تقانة (1) . وخمس مواطني الدول الغربية يمارسون نوع ا من الشذوذ الجنسي، ويطالب بحرية الشذوذ أكثر من أربعة أخماس مجتمعاتهم (2) . إنحضارة آدم سميث جعلتنا مُهددين بانتحار كوكبي. أما في مجال المخدرات فيتساو مالي ا حجم تجارة المخدرات مع حجم تجارة السيارات داخل الولايات المتحدة . والحربان العالميتان اللتان أبادتا حوالي 5% من سكان العالم كانتا نزاع أور- أوربي ، وإبادة (1) http://www.worldblaze.in/top-10-countries-with-highest-rape-crime-in-the- world-2015/ (2)http://www.pewglobal.org/ 2013/06/04 /the-global-divide-on-homosexuality

عدد الصفحات ٢٠٠

201 ملايين السكـان في أوربا ، مثل يهود أوربا ، و مزارعي روسيا ( الكولاج ) ، و غجر ألمانيا ، والسلاف، والأقليات الأثنية؛ هذه الإبادة الشمولية لم توفرها سو الحضارة الغربيـة . واستئصال طبقة كاملة من الناس هذا الاستئصال ما كان ليحدث لولا الحداثة الغربية، فقد اعتبر الليبراليون الأوائل أن إبادة الهنود الحمر نوع من الدفاع الشرعي وكأن الهنود هم الذين يغزون أوروبا ، وقد تقلص عدد الهنود الحمر من 10 مليونإلى 200 ألف نسمة خلال سنوات قليلة؛ ولذا يقول سيمون بوليفار محرر أمريكا اللاتينية : "يبدو أن الولايات المتحدة ت سعى لتعذيب وتقييد القارة باسم الحرية " (1) . فامبريالية والحروب الحضارية كانتا دائما نتاج المجتمعات الأ رستوقراطية الديموقراطية الليبرالية، وأشد الحروب ضراوة لم تظهر إلا بعد ظهور الديموقراطية اللليبرالية في الغرب. إن التاريخ الأسود لصراع الحضارة في الغرب في قرن واحد شيءٌ مروع وهذه بعض المذابح التي جرت بينهم :- U.S.S.R.: 20 million deaths China: 65 million deaths Vietnam: 1 million deaths North Korea: 2 million deaths Cambodia: 2 million deaths Eastern Europe: 1 million deaths (1) ناعوم تشومسكي ايديولوجية والاقتصاد ص6.

عدد الصفحات ٢٠١

202 Latin America: 150,000 deaths Africa: 1.7 million deaths Afghanistan: 1.5 million deaths The international Communist movement and Communist parties not in power: about 10,000 deaths The total approaches 100 million people killed. Source: Stéphane Courtois, Nicolas Werth, Jean -Louis Panné, Andrzej Paczkowski, Karel Bartosek, Jean -Louis Margolin, The Black Book of Communism, Harvard University Press, 1999, p. 4 (1) . وبعد مرور500 عام من الاستعمار و50 عام من صندو! النقد الدولي نعيش في عالم محُطم مُشو هٍ ربعُ شبابه عاطلون عن العمل يتحكم الشمال في 80% من الثروات مع أن تعداد سكانه يتجاوز 20% من سكان العا، و منذ الغزو الحضاري المعاصر لكوكب الأرض أصبحت نهاية التاريخ أمر ا مقبولا حرفي ا، وتراكم لد البشر أسلحةٌ تكفي لتدمير الأرض عشرين مرة مع أن مرة واحدة فقط هي التي ستحدث، لقد أدت الحضارة الحديثة إلى نهـاية الحيـاة نظريـ ا! وأغلب دعاة العلمانية لا يعرفون شيئ ا عن هذه الدراسات ولم يطالعوا إلا منشورات تكريزية يروجها سدنتهم الملحدين. أنظر ما كتبه أنتوني غدنز في كتاب "علم الاجتماع" وهو الكتاب المعتمد في الأكاديميات الغربية اليوم عن تجذر الجريمة بما لا يقارن عبر كل العصور في المناخ الغربي المعاصر. كهنة العلمانية العرب يعانون من الفشل في الشعور بالاستقلال وتكوين رأي أمام المحتو التقاني المرتفع لد الغرب، فتراهم يطلبون منك بانتظام تقليد الغرب والتغافل عن سلبياته. (1)http://www.harunyahya.com/disasters04.php

عدد الصفحات ٢٠٢

203 فانكشف تفكيرهم المهزوم ووهنهم البحثي وشلل قدرتهم على التحليل الكامل للظاهرة إن كهنة العلمانية العرب يعانون من الشلل العقلي في نقد الغرب وبيان كفره لمجرد انبهارهم بمنتوجه المادي. كهنة العلمانية العرب يضطرون إلى تعميم التفو! فيعممون التفو! التقني والاقتصادي الغربي إلى تفو! فلسفي وأخلاقي فصاروا ملوكيون أكثر من الملك. فأصيب هؤلاء الكهنة العرب بفصام حاد أفقدهم القدرة على الفصل والتمييز بين المعطيات. إن ما يقوم به كهنة العلمانية العرب في بلادنا من ترويجٍ لبضاعة الغرب التقنية وإجبارنا على غض النظر عن ردته القيمية والمعرفية والأخلاقية يذكرنا بحاشية المجنون الثري الذين يصرخون في الأسوا! لثراء سيدهم وما أن يتحدث أحد الباعة عن جنونه إلا ويغلقون فمه بالقوة. إن المطلوب وببساطة التخلص من الغرب كمقولة مرجعية وتحويله إلى موضوع دراسة لا مصدر تلقي.

عدد الصفحات ٢٠٣

204 الولاء والبراء يقول الباحث إبراهيم السكران: "من أهم المقولات عند غلاة المدنية قولهم (يجب أن نعمل للإنسان بما هو إنسان، بغض النظر عن هويته وعقيدته ودينه) ويرددون كثيرا لفظ "الإنسان" بصيغة مطلقة بدون إضافات تقيد أو تخصص، ويحمل بعضهم شعار "الأخوة الإنسانية " او "الآدمية المشتركة" أو "المذهب الإنساني" ونحوها من اللافتات التي تدور حول هذا المعنى. والواقع أن هذه الدعوة -وإن كان البعض يرددها بحسن نية - إلا أنها تضمر سلخ الأوصاف القرآنية القطعية التي مي ز الله على أساسها بين الناس وفاوت في العلاقات طبق ا للتفاوت فيها، كوصف المؤمن والمسلم والفاسق والكافر والمشرك والمنافق، ووضع هؤلاء جميع ا في مرتبةٍ واحدةٍ بناء على اشتراكهم في الإنسانية، ليصبح المسلم واليهودي والوثني على حدٍ سواء لا فر! بينهم طالما أنهم يعملون لسعادة الإنسانية والسلام البشري! يا تر كم من الآيات يجب أن ننزعها من المصحف ليمكن للمرء تقبل هذه الدعوة؟ إن مجرد التأمل في هذه الدعوة وتصور مآلاتها ومؤداها كافٍ لردع المسلم -الذي يقدر الله حق قدره- عنها والتبرؤ منها. لقد بين كتاب الله بشكلٍ جليٍ واضحٍ أن الإنسان إذا أعرض عن الإسلام والوحي فقد تكريمه الفطري الكوني الذي ذكره تعالى في قوله: [ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ] {70} وأصبح مهان ا منحط ا في نظر الله ونظر أهل الإيمان، ولذلك لم تأت الشريعة بالمدح والتعظيم المطلق لـ"الإنسان" كما يتوهم بعض غلاة المدنية، بل إن القرآن بين في مواضع كثيرة ذم "الإنسان" إذا فقد شرف الإيمان ومن ذلك قوله تعالى: [ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ] {17}، وقوله تعا [ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ] {6}. ومَن تدبر المواضع القرآنية التي ورد فيها مفهوم"الإنسان" وجد أن الله سبحانه وتعالى يذم جنس الإنسان بمذام متنوعة ثم يستثني من عموم هذا الذم أهل الإيمان. ومن ذلك أن الله تعالى أقسم بالزمان على أن الإنسان في خسارةٍ تامةٍ كما قال تعالى: [ﭑ

عدد الصفحات ٢٠٤

205 ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ] [الع: 1-2]. ثم أتبعها باستثناء أهل الإيمان من هذه الخسارة فقال[ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ] {3} . وذم الله جنس الإنسان بصفة القنوط والجحود والبطر ثم استثنى أهل الإيمان كما قال تعالى: [ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ] [هود: 9-11.] وهذا المعنى المتضمن ذم جنس"الانسان" ثم استثناء أهل الايمان له نظائر كثيرة في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- بل إن الله هد د الإنسان تهديد ا مدوي ا بقوله تعالى: [ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ] {6} . ولذلك لما سمع الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رجلا يقرأ هذه الآية قال: (غره والله جهله والذي يبدوا أن عمر استنبط هذا المعنى من الآيات التي وصفت "الانسان" بالجهل كما سبقت الاشارة لبعض تلك الآيات. فكيف يقال بعد ذلك أن الله كر م "الإنسان" وفض ل "الإنسان" بغض النظر عن هويته الدينية، وأن الأديان لا تؤثر في كرامة الإنسان إيجاب ا ولا سلب ا، وأننا يجب أن نعمل لمفهوم "الإنسان" بغض النظر عن عقيدته، أو قول بعضهم لا تجعلوا الرأي الشخصي يفر! بين أبناء آدم، أليس في ذلك مشاقة لكلام الله سبحانه وتعالى الصريح؟ ومن الإنصاف أن نقول أن بعض الكتاب الذين يرددون هذه المقولة لم يتنبهوا لمضامينها المصادمة للميزان الإلهي، ولم تخطر ببالهم الآيات القرآنية في ذم الإنسان إذا فقد الإيمان. ثم لو نظرنا إلى التقييم الحضاري للإنسان في الدول الحضارية الحديثة، فإننا نجد أنه لا يوجد

عدد الصفحات ٢٠٥

206 أصلا دولة من الدول اليوم شرقيها وغربيها تعمل للإنسان المطلق، بل تجدها تميز في الجنس الإنساني إما على أساس وطني أو قومي أو عرقي أو غير ذلك من المقاييس، فكيف نتقبل تمييز هذه الأمم بين المواطن وغير المواطن، ولا نقبل تمييز الله بين المسلم والكافر؟! ثم إن الإنسان بالمنظور المادي من حيث هو إنسان ليس أكثر من نسق طبيعي يخضع لقوانين الطبيعة وحتمياتها، مجرد نفاية نجمية! وبالتالي فمِن أين لداعية الحضارة أن يمنع التعرض للإنسان بأذ ؟ فالذي لا يؤمن بالدين لا يكون في المركز وإنما هو مجرد شيء من بين الأشياء! ولذا فالقرآن الكريم يطرح هذه المسالة ويبين أنه لا شرف للإنسان من حيث هو إنسان! وإنما شرفه وقيمته لا يستمدها إلا من كونه عبد ا لله! فشرف الإنسان لا يكون إلا من خلال عبوديته لله سبحانه! [ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ] {72} . فالإنسان هو المركز والطبيعة هي الهامش ويبتعد الإنسان عن سموه في هذا العالم بقدر ابتعاده عن الله [ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ] {19}. ومن رأ أولئك الكفار لاهثين في لجام الملاذ، منكب ين على الموائد، لايبالون مأتاها ومخرجها، ولا يرفعون رأس ا بطيباتها من خبائثها، ويتضاحكون عالي ا في ليلةٍ غاب عنها القمر، ولم يستعدوا للقاء الله طرفة عين، فسيفريه العجب فري ا وهو ينظر إليهم ويتذكر قوله وتعالى في سورة محمد: [ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ] {12}. فعلاً وا .. ألا ما أعظم هذا التشبيه الإلهي، أرأيت كيف تغيب رؤوس الأنعام في قلال العشب لا ترفع أعناقها إلا لتعود مرة أخر ، ليست مهمومة بلقاء الله، ولاتفكر في خالقٍ ولا نبيٍ ولا وحيٍ ولا عبادةٍ ولا بعثٍ ولا حسابٍ ولا عذابٍ ولا مستقبلٍ أخروي حتى يفجؤها يومٌ

عدد الصفحات ٢٠٦

207 يقتص فيه للشاة الجلحاء من الشاة القرناء،فتلك حياة الكافر. وانظر إلى كتاب الله كيف يعيد سبحانه هذا التصوير والتشبيه بالأنعام مرة أخر ، مشير ا إلى علة ذلك وهي استغرا! هؤلاء المساكين عقولهم وحواسهم في تدبير معاشهم الحاضر والإعراض عن الاستدلال بها على الله والاستعداد للقائه في الحياة المستقبلية القريبة، بل جعلهم هذه المرة في مرتبة أحط من مرتبة الأنعام كما قال سبحانه في سورة الأعراف:[ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ] {179}. ويأتي سبحانه مرة ثالثة بذات التشبيه، وذات التعليل، وذات المرتبة، فيقول سبحانه في سورة الفرقان: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ] {44}. وضرب الله سبحانه مثلا آخر أشد بشاعة لنوعٍ آخر من الكفار وهم الذين بلغوا مرتبة من العلوم ولكنها لم تقدهم إلى الإيمان بالله، فشبههم بما هو أقبح من كل ماسبق، فقال سبحانه في سورة الأعراف: [ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ] {176}. فكل من أعرض عن الإسلام ونور الوحي فهو في هذه المرتبة المنحطة، ولذلك وصفهم ا بالرجس لما تبرمت صدورهم عن قبول الإسلام، كما قال سبحانه في سورة الأنعام:[ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ] {125}. وذكر الله عنهم هذا الرجس أيض ا في سورة يونس أيض ا فقال سبحانه [ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ] {100}.

عدد الصفحات ٢٠٧

208 فيالله العجب، كيف صار كثيرٌ من الأذكياء في مرتبة الأنعام والدواب في المعيار الإلهي؟! بل جعل بعض هذه أحيان ا أشرف منهم! آيات قرآنية كأنها ضربٌ من الخي ال في عصر الأنثربولوجيا الفرانكفونية، لكنها حقائق الوحي.. هذه مرتبة الكافر في المعايير الإلهية، فكم هو شعور عاصف بالألم حين يكتشف الإنسان أن معاييره غير تابعة للمعيار الإلهي، فيتفاجأ بمشاعره وأحاسيسه الداخلية تعظِّم من قد حط الله منزلته، وتستهين بمن رفع الله شأنه! يتيبس الذهول في نظرات المرء حين يرتطم بكارثة معاييره وموازينه الشخصية وهي تتعارض مع معايير وموازين جبار السموات والأرض. هذه حقائق الوحي، وهذا حكم الله وقراره، وهذا قضاء جبار السموات والأرض، إن كنا فعلا نؤمن بالله، ونفخر بمضامين كلامه سبحانه، ون لتزم بمقرراته، ونقدره حق قدره".

عدد الصفحات ٢٠٨