161 في جميع الجسيمات بالكون، حيثيمتلك كل جسيم نظير له لديه نفس كتلة وطاقة ذلك الجسيم لكن بشحنة مغايرة وزخم زاوي مغاير. إن مبدأ التناظر الفائق أو الزوجية هو دين الفيزيائيين الغير مُعَلن كما يقولون، لقد أصبح عقيدة فيزيائية يلتزم في سلكها فيزيائيو العالم المعاصر من كثرة واطراد ما يرصدون من زوجية في هذا العالم. فالزوجية هي آية من آيات الخلق الإلهي والصنع المتقن في هذا العالم، فاطراد الزوجية في كل شيء يؤكد القصد ونفي المصادفة والعشواء الذي يفترضه كهنة الإلحاد. ولذا يطالبنا الله عز وجل أن نتدبر معنى الزوجية في هذا العالم [ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ] [الذاريات: 49-50]. لكن قل من يتدب ر وقل من يستخدم أدلة الخلق والصنع الإلهي في زيادة الإيمان بعد أن كان يستخدمها كشبهة!
عدد الصفحات ١٦١162 انضباط الكون كله اكتشاف موجات الجاذبية أعلن مؤخر ا فريق علمي دولي اكتشاف موجات الجاذبية التي تنبأ بها أينشتاين، ويعد الاكتشاف تتويج ا لعقود عديدة من البحث والاستقصاء، ونشرت نتائج الابحاث التي قام بها الفريق في نشرة Physical Review Letters. يؤكد الدين على أن كل ظواهر الكون وقوانينه منضبطة ولها هدف وغاية، وليست عبث ا [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ] {27}. وألف باء علم تجريبي أن قوانين الكون بالفعل مُفص لة تفصيلا ومنضبطة ويمكن استيعابها والتحقق منها! أليس هذا ما أخبر به الدين؟ [ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ] {12}. وما كان الاكتشاف الأخير لموجات الجاذبيةGravitational Waves إلا توكيد ا على هذه الحقيقة الشرعية العلمية. فأين هذا بالله عليكم من فروض العبث والصدفة والخبط والعشواء في الكون عند الملحدة العرب؟ واكتشاف موجات الجاذبية هو أحد متعلقات النسبية العامة لأينشتاين! وطبق ا للنسبية العامة فالسماء هي نسيج محبوك [ﭑ ﭒ ﭓ] {7}. تتداخل فيه الأبعاد المكانية الثلاثة–الطول والعرض والارتفاع- مع البعد الزماني فيُشكلان نسيج ا تدور فيه الأجرام والأفلاك وتنتقل موجات الجاذبية على هذا النسيج بسرعة الضوء! وعلى هذا الرابط فيديو في نصف دقيقة يشرح كيف أن السماء نسيج محبوك كما توصل
عدد الصفحات ١٦٢163 أينشتاين (1) . وهذه الموجات الجذبوية هي التي تربط الأجسام والكواكب والنجوم بعضها ببعض، فمث المسافة بيننا وبين الشمس ثمانية دقائق ضوئية، ولو افترضنا أن الشمس اختفت فجأة س تظل الأرض في مدارها حول الشم س لمدة ثمان دقائق إلى أن تختفي الموجات الجذبوية للشمس ثم بعدها تنحرف الأرض إلى أقرب مركز ثقالي –تنهار-. [ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ] {41}. وموجات الجاذبية لو انهارت لن تستطيع كل البشرية بكل ما وصلت إليه من طاقةٍ وعلم أن تمسك بالأرض ول و للحظة واحدة إضافية، هذا فضلا عن أي كوكبٍ آخر، فضلا عن المجموعة الشمسية، [ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ] {41}. فسبحانك ربنا وبحمدك (1) https://www.youtube.com/watch?v=LoaOHvy5AcA.
عدد الصفحات ١٦٣164 انضباط الكون إن افتراض الملحدة العرب عبثية فيزياء الكون هذا يمثل أكبر لعنة على العلم، لأنه يحرم العلم من الثقة بالنتائج ويؤدي أيض ا إلى الزهد في التوصل إليها، فالإلحاد يُسمم العلم! فأصل العلم التجريبي أن: القوانين التي تحكم العالم ليست عديمة المعنى بل تسير وفق أنسا!ٍ مبهرة يمكن التنبؤ بها واستنباطها واستيعابها، في حين أن أصل الإلحاد يقوم على أن: العبث واللامعنى يسودان كل شيء! وهنا يكمن الفر! بين العلم والإلحاد! ولزيادة التأكيد على سخافة الرؤية الإلحادية العبثية الصدفوية للوجود، وضع العلم التجريبي مبدأ التماثلية uniformitarianism والذي يؤكد العلم التجريبي من خلاله أن قوان الطبيعة ثابتة عبر الزمان وعبر المكان، وأنسا! الطبيعة لا تتخلف ويمكن قياسها والثقة بالقياس. يقول التطوري الشهير ستيفن جاي جولد: " إن التماثلية التي تعني ثبات قوانين الطبيعة عبر الزمان والمكان شيء جوهري لصلاحية الاستدلال الاستقرائي الذي هو أصل العلم التجريبي، فليس هناك طريقة غير ذلك للوصول لاستنتاجات عامة من خلال عدد محدود من الملاحظات" (1) . فقوام العلم التجريبي على مسلمة صحة انضباط الكون وخطأ عبثية الإلحاد، إنه مبدأ مُسل م به! [ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ] {88}. فسبحان[ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ] {7}. معنى الأخلاق لماذا يحاول كل إنسان أن يحيا في اتسا!ٍ مع ضميره ؟ لماذا يعاني الإنسان وخز الضمير الأخلاقي؟ (1) http://courses.washington.edu/ess408/Gould1965.pdf
عدد الصفحات ١٦٤165 لماذا صراع الواجب والمصلحة في كل موقف يمر بك من لحظة بلوغك-واستيعابك الشر والخير- إلى لحظة وفاتك؟ الإجابة تكمن في معنى التكليف الإلهي والذي لا يستطيع إنسان أن ينفك عنه حتى ولو ادعى أنه أشرس الناس إلحاد ا وكفر ا ب الله! إن معنى وجودك كله لا يوجد داخل هذا العالم المادي ما يبرره أو يحلله. وأعظم ما تحرص عليه من قيمٍ وأخلا!ٍ وصلاح لا يعتمد شيءٌ منها على جسدك المادي أو غددك أو هرموناتك! تأتي هذه المقدمة التي يؤمن بها كل إنسان -يؤمن بمعنى القيمة والصلاح والأخلا! -، لتُثبت أن الدين والتكليف الإلهي حقائق يصدح بها داخلك قبل أن تأتيك من خارجك وحي ا ونبوة!
عدد الصفحات ١٦٥166 ماء زمزم آية إسلامية وعلمية -هذه الآية قرأت عنها كثيرًا لكن أنقل لكم فائدة جميلة وقعت عليها في أحد الكتب - من معجزات بئر زمزم تلك البئر الصغيرة بجانب الكعبة أنها متدفقة ويشرب منها عشرات المليارت من البشر على مد 1400 سنة بدون أن تجف ؟ هذا النوع من الآبار لا يمكن أن يصمد (( ساعة واحدة )) في ظل الاستهلاك الحالي الهائل لكن زمزم يشرب منها الملايين يوميا ولم يتغير فيها شيء ! في مكة وفي ضواحيها كلها الآن آبار جافة ولا يوجد إلا الآبار الحديثة التي بها ماء. وحتى الابار الحديثة تجف من فترة إلى اخر رغم أن كمية الاستهلاك منها بسيطة جدا مقارنة ببئر زمزم ولا يكون فيها ماء إلا حين هطول الامطار. أما داخل مكة فالمياه الجوفية لا تستفيد من مياه الأمطار بسبب البناء وتوسع العمران وانغلا! الاودية. والعجيب أن أي بئر موجودة الآن في المنطقة مخزونها لا يفي ولو بنسبة ضئيلة مم ا يؤخذ ويُسحب من بئر زمزم يومي ا، حيث كانت أقل كمية تُضخ تساوي 8000 لتر في الدقيقة بواسطة عدد من المضخات المركزية هذا بالإضافة إلى أكثر من 400 الف متر مكعب من مياه زمزم يذهب في صهاريج إلى المدينة المنورة !! وأيض ا خمسة ملايين لتر يومي ا لمشروع "سُقيا " والذي يعبأ منه مبدئي ا 200 الف عبوة يومي ا!! هذا غير الاستهلاك الهائل من زوار المسجد الحرام! فأي بئر طبيعية تلك التي يمكن أن تصل طاقتها الإنتاجية إلى هذه الارقام ؟ «لا تنزف أبدًا ولا تذم» رواه الدار قطني، وصححه الألباني، وهذا الأثر رؤيا رآها عبد المطلب. وهذا دليل أن الله سبحانه وتعالى الذي يعلم الغيب هو من أخبر عبد المطلب في رؤيا رآها بهذا الخبر الذي لا يمكن أن يتنبأ به بشر من تلقاء نفسه !
عدد الصفحات ١٦٦167 -هذا الفصل من وحي كتب الباحث إبراهيم السكران حفظه الله-. خاصةً كتابيه "مآلات الخطاب المدني"، و"سلطة الثقافة الغالبة". قوام التكليف تقابل إرادتين: إرادة الله، وإرادة البشر [ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ] {67} ويكاد يكون مرد الصراع في القرآن كله حول هاتين الإرادت [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ] { القيامة20-21}
عدد الصفحات ١٦٧168 سؤال الحضارة -السؤال الأخطر في الملف الإلحادي-. الافتتان بالمظهر المادي ربما يكون سؤال الحضارة هو أصل الإلحاد العربي على الإطلا!. لماذا نحن متخلفون مادي ا وغيرنا متقدم؟ لماذا نحن في القاع وغيرنا في القمة؟ لماذا تأخرنا بينما سبقنا غيرنا بقرونٍ ثقافية؟ هذا هو سؤال الحضارة! إنه السؤال الأصعب في تاريخ الدعوة. بل كم عانى الأنبياء في مواجهة هذا السؤال. وكم تف لت الأتباع وكم بخعت أنفس الرسل حزن ا على كثرة تف لت أممهم. فسؤال الحضارة هو أصل كفر الأمم عبر العصور. وقد فص لنا في المقال السابق مباشرة كيف أن المظهر المادي للكافر والتقدم التقاني يفتن الناس عن اتباع الحق. قال الله تعالى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ] {73} . يقول الباحث إبراهيم السكران –حفظه الله -: "حين استلم قوم عاد زمام الخلافة في الأرض كما قال تعالى عنهم: [ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ] {69}. فعمروا جنوب الجزيرة العربية في منطقة الأحقاف وإرم، وكانوا يتمتعون بقوةٍ ماديةٍ مذهلةٍ فكانت لهم بنية جسدية استثنائية، وكثافة سكانية، مكنتهم من الترف المعيشي وفنون العمارة، والانفراد بالجبروت العسكري على العالم، وهذه القوة المادية ورطتهم في الغرور وصرفتهم عن
عدد الصفحات ١٦٨169 الإيمان بلقاء الله والاستسلام للوحي، كما يحكي تعالى عن قوتهم الجسدية في سورة الأعراف [ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ] {69}. ويؤكد تعالى بنيتهم الجسدية الاستثنائية في سورة الفجر [ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ] [الفجر: 6-8]. ويصف القرآن قصورهم ومنشآتهم الضخمة وبطشهم العسكري في سورة الشعراء فيقول سبحانه: [ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ] [الشعراء: 128-130.] هذه المظاهر المادية حجبت عيونهم بعصابة الزهو، حتى تساءلوا أمام نبي الله ذلك السؤال المنتفش بالغرور المجوف فقالوا بكل غطرسةٍ سياسية: "من أشد منا قوة؟" كما حكى الله سبحانه مقالتهم هذه:[ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ] {15}. بالله عليك.. أعد التأمل في تساؤلهم المغرور[ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ]، ثم انظر إلى جواب جبار السموات والأرض بعظمته الإلهية إذ يرد عليهم قائلا س بحانه: [ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ] {15}. إمكانياتهم المادية طاشت بهم فو! طواويس الغرور، فألقو رزانة الإيمان وكذبوا بلقاء ا بكل بجاحة، وقالوا مستهترين: [ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ] [35-36]. وكانت"الطبقة المترفة" في قوم عاد –كما هو قانون التاريخ- أشد المعارضين لدعوة الوحي، كما قال تعالى عنهم في سورة المؤمنون:[ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ] {33}.
عدد الصفحات ١٦٩170 ولم تغرب شمس عاد في كارثة أعاصيرها المعروفة التي دامت أسبوع ا، إلا وكانت حضارة المدائن في الحجر شمال الجزيرة العربية قد بزغت، وأعادت مسلسل الغرور بمظاهر القوة المدنية المادية. فقد تمتعت ثمود أيض ا بالخلافة في الأرض بعد قوم عاد، وأوغلوا هم أيض ا في فنون النحت والعمارة، وبعض آثارهم الباقية اليوم شاهدة بما غاب من مدنيتهم، وقد قال تعالى عن خلافتهم وقصورهم:[ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ] {74}. وقال تعالى في سورة الشعراء واصف ا رفاههم ونحتهم [ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ] [ 146-149]. وكان إبداعهم في نحت الجبال يوفر لهم استقرار ا أمني ا كما أشار تعالى في سورة الحجر بقوله:[ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ] {لحجر82}. وقال تعالى مشير ا إلى عمارتهم للدنيا [ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ] {61}. فغرتهم إمكانياتهم المادية، وتفوقهم المدني على مجايليهم، ونظروا بمعيار المظاهر، فجحدوا الوحي الذي أتى به نبي الله صالح عليه السلام، واستنكروا أصلا أن يخ تص من لم يتميز بمظهر مادي بالوحي والنبوة، كما قال تعالى في سورة القمر: [ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ] {القمر: 23-25}. ولكن.. وكما هي السنة الكونية وقانون التاريخ، فقد كان المتبنون لمضايقة نبي الله صالح هم الكبراء وأصحاب المظاهر المادية، وكان أنصاره ضعفاء الناس، كما ينقل الله لنا هذا الحوار في سورة الأعراف: [ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ
عدد الصفحات ١٧٠171 ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ] { الأعراف: 75-76}" (1) . فما ابتلي البشر عبر العصور وعبر تاريخ النبوات ببلاءٍ أكثر من الافتتان بالقوة المادية للمنافس. إن سؤال الحضارة جوابه معنى التكليف. ومقتضاه انفكاك الجهة بين المبدأ الديني وبين الرصيد البنكي. فلا يلزم من زيادة رصيدك البنكي أو انتفاخ كرشك أنك على الحق. ولا يلزم من نحافة خصمك أنه على الباطل! لكن هكذا تتصرف العقول وهكذا تتخيل. بل إن الدين ينظر إلى العالم المادي وتكدس الثروات والتقدم التقاني باعتبارهم وسائل لا غايات. وما قام الدين إلا لتحويل سؤال الحضارة من غاية إلى وسيلة. [ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ] {26} فالإسلام يحذر بانتظام من الركون إلى الحياة الدنيا والاطمئنان إليها والفرح بعندنا. [ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ] {44}. وما كان الانبهار بالعالم المادي والزهد في الوحي إلا أصل كفر الكافرين عبر العصور [ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ] {7} . (1) من وحي كتاب مآلات الخطاب المدني، إبراهيم السكران، بتصرف.
عدد الصفحات ١٧١172 بل إن المؤمن الحق هو الذي يترك الربح المادي والاقتصاد لمجرد سماع نداء الصلاة [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ] {9}. فما الدنيا كلها إلا كشاةٍ أسك ليس لها عند الله ثمن–كما ورد في الحديث-. وهنا يتضائل سؤال الحضارة ويخبت، والعاقل مَن أوقف المادة لنفع دينه وتركها في غير ذلك! مؤمنٌ وكافر مشكلة سؤال الحضارة أنه قس م البشر في غايتهم الوجودية إلى قسمين متمايزين منذ البدء. فقِسمٌ منهما غايته الدنيوية المادية –مركزية المادة والحضارة وعمارة الأرض-، وقِسمٌ آخ ر غايته العبودية والتزكية الإيمانية –مركزية الآخرة-. وكل قِسمٍ صار يُطوع معطيات القِسم الآخر لمركزيته هو. فالدنيويون يطوِّعون النصوص الشرعية ويحاربون التراث ويقاضون الأصوليين، ويصرخون صباح مساء أن الدين ما جاء إلا لعمارة الأرض ويُكثرون من حديث: "لو قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليزرعها". أما القسم الآخر فيُطوع المادة لعبودية الله. ولا يبتغي منها إلا ما يُصلح هذه العبودية، وكل ما خرج عن العبودية فهو دائرٌ بين الترف والحرام! فهرم الأولويات عند المؤمن هو عمارة النفوس بالله، بتألهه والتعلق به، والتجرد لمراده. أما هرم الأولويات عند المادي هو إشباع الشهوات وتحقيق أقصى استغلال ممكن للموارد. يقول الباحث إبراهيم السكران حفظه الله : " ما هي وظيفة الإنسان؟ هذا هو السؤال/المدخل الذي تعود إليه الاختلافات الجوهرية للاتجاهات الفكرية، وهناك اتجاهان رئيسيان في الجواب على هذا السؤال:
عدد الصفحات ١٧٢173 أولهما هو"الاتجاه المدني" وير أن وظيفة خلق الإنسان هي "العمارة" وكل ماسو ذلك وسيلة لها. فالوحي والشرائع والعبادات إنما هي وسائل لتحقيق العمارة والحضارة والمدنية، فالعمارة هي الغاية الجوهرية والأولوية الرئيسية للإنسان، وانبنى على ذلك أن اشتغل هذا الخطاب بقضية التمدن وتوجيه كافة المعطيات الأخر إليها والتسامح في كل ماسواها، ومن ثم تقييم المجتمعات والثقافات والشخصيات بحسب منزلتها في هذه "المدنية" الدنيوية. و"المدنية" بحسب هذا الاتجاه مفهوم شامل يدخل فيها كل ما يدفع باتجاه تحقيق الرفاه البشري وسعادة الجنس الإنساني في كافة ميادين الحياة الدنيوية، والتقدم في العلوم الفلسفية والإنسانية والطبيعية والفنون، ونحوها. أما الاتجاه الثاني وهو "الاتجاه الشرعي" فير أن وظيفة الإنسان هي "العبودية" بمعنى أن الله خلق الإنسان وأرسل الرسل وأنزل الكتب لتدل الناس على الله وعبادته، وبيان دقائق ما ينبغي له سبحانه وما لا ينبغي في معاملته جل وعلا، وبيان قواعد تنظيم حقو! العباد، وأن كل ما في هذه الدنيا إنما هو متاع ولعب ولهو، فيجب أن يستعان بما يحتاج منها على عبودية الله، وكل ما لم يعن على عبودية الله ولم يؤد إلى هذا الغرض فهو دائرٌ بين مرتبتين لا ثالث لهما: إما محرم يجب الكف عنه، وإما فضول يشرع الزهد فيه. فالعمارة والحضارة والمدنية مجرد وسيلة لإظهار الدين وإقامة الشعائر والشرائع، فلا يحمد من هذه المدنية إلا ما حقق هذه الغاية. وحين تكل م الإمام ابن تيمية عن "وظيفة الدولة " حسب التصور الإسلامي في كتابه "السياسة الشرعية" قدم تلخيص ا هام ا يكشف وسيلية المدنية وكونها مرتبطة بالغاية الدينية، كما يقول الإمام ابن تيمية:
عدد الصفحات ١٧٣174 (فالمقصود الواجب بالولايات: 1- إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسران ا مبين ا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا. 2-إصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم). و"العبودية" بحسب هذا الاتجاه نظام من الشُّعَب التدريجية الشاملة أعلاها قول لاإله الا الله وأدناها إماطة الأذ عن الطريق، فتبتدئ بإفراد الله وتجريد القلب له ويليها الفرائض العينية ثم الفروض الكفائية التي يتحقق بها نفع الناس في مصالحهم العامة. واذا تزاحمت شعبتان من شعب العبودية فلا يقدم مايتعلق بالشأن المدني مطلق ا، بل ث مة قواعد شرعية دقيقة في المفاضلة والموازنة بين مراتب الاهتمامات والأعمال والشؤون العامة، ككون رعاية الفضيلة مقدمة على الحرية الفنية، وتقديم الفرض العيني على الكفائي، وتقديم النفع المتعدي على النفع الخاص، وتقديم الواجب على المندوب، ونحو ذلك. ولذلك فإن جمهور الأعمال العبادية المحضة تندرج في "الأحكام التكليفية " باعتبارها الصورة النهائية للمراد الإلهي، وجمهور الأعمال المدنية الدنيوية تندرج في "الأحكام الوضعية" كالسبب والعلة والشرط والمانع باعتبارها وسيلة للحكم التكليفي. ومن ثم ينبني على هذه الرؤية تقييم المجتمعات والثقافات والشخصيات بحسب منزلتها في هذه "العبودية". وتفريع ا على اختلاف هذين الاتجاهين في تحديد الوسيلة والغاية انبنت أكثر الفرو! الهائلة والتفاصيل اللانهائية من الآثار، واستتبع ذلك تفاوت ا كبير ا في المواقف، فكل قضيةٍ فكريةٍ يختلف فيها الناس تجد فريق ا لحظ أثر هذا الموقف على العبودية والفضيلة فاتخذ موقفا معينا، بينما الفري ق الآخر لحظ علاقة هذه القضية بالحضارة والمدنية فاتخذ موقف ا مغاير ا، فكل فريقٍ معني بغايته ومقصده النهائي". وهنا للمرء أن يتسائل: يا تر مع أي فريقٍ تأتي نصوص الوحي وتنحاز؟
عدد الصفحات ١٧٤175 وأي إجابةٍ هي الصحيح الآكد؟ هل عمارة الأرض هي الغاية والعبودية جائت لضبط السلوك الاجتماعي أم أن العبودية هي الغاية وعمارة الارض هي وسيلة لا أكثر؟ يجيب إبراهيم السكران قائلا : "الحقيقة أن كتاب الله سبحانه وتعالى لم يجعل هذه القضية عائمة أو محتملة أو نسبية، بل حسمه ا بشكلٍ يقينيٍ واضحٍ صريح. وكشف الغاية من خلق الإنسان بلغةٍ حاصرةٍ فقال سبحانه وتعالى: [ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ]{ 56}. وبين سبحانه أنه إنما بدأ خلق الإنسان في هذه الدنيا ثم بعثه بعد موته ليحاسبه على هذه الغاية، وهي القيام بالعبودية كما قال سبحانه: [ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ] {4}. وفي كثيرٍ من المواضع ينبه سبحانه وتعالى بين ثنايا الآيات على أن وظيفة الخلق وغايته إن هي ابتلاء الناس في هذه العبودية كما قال سبحانه: [ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ] {2}. وحسن العمل في هذه الآية ونظائرها هو الإيمان والعمل الصالح على حسب درجاته الشرعية. ولو كانت عمارة الأرض بالحضارة والتمدن والعلوم الدنيوية هي المقصود الأولوي بحسن العمل لما أرسل الله الرسل في التاريخ البشري أصلا ، لأن الله سبحانه قد أثبت تميز تلك الأمم أصلا في عمارة الأرض وعمق علمها بالدنيا، كما قال تعالى عن الأ مم السابقة: [ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ] {9}. وقال عن علمهم المد [ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ] {7}. وبين سبحانه وتعالى وظيفة النبوات والكتب السماوية والشرائع وأنها كلها تهدف لتأكيد عبادة الله والاستعداد للحياة المستقبلية بعد الموت، وليست المنافسة العالمية في المدنية والحضارة الدنيوية، كما قال تعالى عن وظيفة الرسل: [ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ]
عدد الصفحات ١٧٥176 {36} وذكر سبحانه السؤال الإلهي عن تحقيق هذه الغاية فقال سبحانه[ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ] {130}. وقال سبحانه مبين ا وظيفة الشرائع[ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ] {5}. وغ ذلك كثيرٌ من محكمات الوحي التي كشفت بشكلٍ حاسمٍ غاية خلق الإنسان، والذي يعنينا هاهنا ذكر بعض الشواهد لا استقراؤها". ويستطرد إبراهيم السكران في توضيح انفكاك الجهة بين التقدم المدني والغاية الشرعية فيقول: " الله تعالى ضرب لنا المثل بأممٍ كثيرةٍ أبدعت في "العمارة المادية" ومع ذلك عرض الله تعالى أخبارها في سيا! الذم لما أفلست في "العمارة الإيمانية" كما قال تعالى:[ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ] {9}. وحين أرسل الله موسى إلى المجتمع المصري المتقدم لم يقل له أيقظ قومك ليستفيدوا من الحضارة المصرية، بل أرسله لينور هم بالوحي من ظلمات حضارتهم، كما قال تعالى: [ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ] {5}. بل إن الله سبحانه وتعالى فض ل بني اسرائيل بما معهم من العلوم الإلهية على الفراعنة ب معهم من الحضارة، كما قال تعالى: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ] {16}. فإذا تأمل القارئ هذا الموضع وكيف كان سبب تفضيل بني إسرائيل أنوار النبوة والكتاب، وكيف لم تفلح حضارة الفراعنة في إخراجهم من الظلمات، استبان له "الميزان الإلهي " لتقييم المجتمعات والثقافات والشخصيات والحضارات والمدنيات، وميزان المسلم تبعٌ لميزان الله جل وعلا. والنبي -صلى الله عليه وسلم - بعث إلى الناس وفي عصره أربع إمبراطوريات اقتسمت
عدد الصفحات ١٧٦