المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

البرهان في علوم القرآن للإمام الحوفي سورة يوسف دراسة وتحقيقا

إبراھيم عناني عطية عناني

صفحة ٢ من ٢٧

البرهان في علوم القرآن للإمام الحَوفي التمهيد لتحقيق سورة يوسف 17‌ قسم الدراسة قسم الدراسة: ويشتمل على فصلين: الفصل الأول: "الإمام الح وفي" عصر ه. وفيه مبحثان: المبحث الأول: عصر الإمام الح وفي. وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: عصره من الناحية السياسية. المطلب الثاني: عصره من الناحية الاجتماعية. المطلب الثالث: عصره من الناحية الاقتصادية. المطلب الرابع: عصره من الناحية الثقافية. المطلب الخامس: تأثر الإمام الح وفي ببيئته، وتأثيره فيها. المبحث الثاني: حياة الإمام الح وفي. وفيه عشرة مطالب: المطلب الأول: اسمه، ونسبه، ولقبه، وكنيته، ومولده. المطلب الثاني: موطنه، ونشأته، وطلبه للعلم. المطلب الثالث: شيوخه .

عدد الصفحات ١٧

البرهان في علوم القرآن للإمام الحَوفي التمهيد لتحقيق سورة يوسف 18‌ المطلب الرابع: تلاميذه. المطلب الخامس: بعض معاصريه، وأقرانه . المطلب السادس: عقيدته، ومذهبه الاقهي. المطلب السابع: مذهبه النحوي. المطلب الثامن: أخلاقه، ومكانته العلمية، وأقوال العلماء فيه. المطلب التاسع: ثقافته، ومصنااته. المطلب العاشر: وفاته. الفصل الثاني: التعريف بمخطوط الإمام الحوفي [البرهان في علوم القرآن]. وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: اسم الكتاب، وتوثيق نسبته للمؤلف. المبحث الثاني: موضوع الكتاب. المبحث الثالث: مصادر المؤلف في الكتاب. المبحث الرابع: منهج الحوفي في كتابه البرهان. المبحث الخامس: قيمة الكتاب العلمية، وثناء العلماء عليه. المبحث السادس: وصف النسخ الخطية المعتمدة لتحقيق الكتاب، مع نماذج من صور المخطوط.

عدد الصفحات ١٨

البرهان في علوم القرآن للإمام الحَوفي التمهيد لتحقيق سورة يوسف 19‌ الفصل الأول: "الإمام وفي َ الح" ه ُ عصر وحياته. وفيه مبحثان: المبحث الأول: عصر الإمام الح وفي. وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: عصره من الناحية السياسية. المطلب الثاني: عصره من الناحية الاجتماعية. المطلب الثالث: عصره من الناحية الاقتصادية. المطلب الرابع: عصره من الناحية الثقافية. المطلب الخامس: تأثر الإمام الح وفي ببيئته، وتأثيره فيها.

عدد الصفحات ١٩

البرهان في علوم القرآن للإمام الحَوفي التمهيد لتحقيق سورة يوسف 20‌ المبحث الأول: عصر الإمام الحَوفي وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: عصره من الناحية السياسية عاش شيخنا الإمام الح وفي حياته في مصر إبان الحكم الااطمي لمصر، والشام، وغيرهما من البلاد الإسلامية، وخاصة في الثلث الأخير من القرن الرابع الهجري والثلث الأول من القرن الخامس الهجري . وتعد هذه الاترة من أسوأ فترات الحكم الإسلامي في مصر، وغيرها من البلدان الإسلامية(1 ) سياسيا، حيث كانت الدولة العباسية الإسلامية تعاني من التمز الشديد، الذي أدى إلى سقوطها في النهاية، وانتهاء الخلافة القرشية التي كانت تحظى بتأييد سياسي، وديني واسعي النطا عند كافة المسلمين. في الثلث الأول من القرن الرابع الهجري، تلاشى ناوذ الدولة العباسية في مصر، والمغرب الإسلامي، حيث استولى على الحكم أول الحكام الااطميين بعد معارك شرسة في السر والعلن، إلى أن وطدوا حكمهم على مصر وما حولها (2). أما معارك السر فقد ادعى الااطميون، أنهم من نسل رسول الله-صلى الله عليه وسلم- وأنهم من آل البيت، وبهذا كانوا أحق الناس بالحكم من غيرهم، وصاروا يحرضون الناس على مقاومة الحكم العباسي. (1) الصعيدي، عبد المتعال،المجددون في الإسلام من القرن الأول إلى الرابع عشر،(دار الحماس للطباعة)، 148،171 . حسن، د/ إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ط3،(القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1982م)،4 /177. (2) حسن، مرجع سابق، 3/221،227. شلبي، د/ أحمد شلبي،موسوعة التاريخ الإسلامي،ط8،(القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1985م)،5 /117.

عدد الصفحات ٢٠

البرهان في علوم القرآن للإمام الحَوفي التمهيد لتحقيق سورة يوسف 21‌ وكان أول مبتدأ أمرهم بالمغرب، ثم ابتدأوا يزحاون نحو مصر(1) يساعدهم في ذل التمز الشديد في الدولة العباسية التي خرج عليها بنو طاهر في المشر ، والسلجوقيون، والخوارزميون، وكذل الأمويون في المغرب الأقصى-أعني-الأندلسيين، بجانب ذل استقلت الدويلات، وأعلن المرابطون عصيانهم ضد الدولة العباسية. إن هذه الاترة هي أسوأ الاترات التي مرت على مصر، وما حولها من البلدان الإسلامية، لأن الااطميين لم يكونوا مسلمين حقا، فقد قال أبو بكر النابلسي للمعز: إنكم غيرتم دين الأمة وقتلتم الصالحين وأطاأتم نور الإلهية وادعيتم ما ليس لكم(2). و الاترة التي عاش فيها شيخنا الإمام الح وفي كان اتجاه الااطميين أسوأ اتجاهات الشيعة في ذل الوقت، فقد خرجوا على الناس باعتقاد جديد، واتخذوا الإسماعيلية مذهبا لهم، والإسماعيلية في حقيقة الأمر، هم الباطنية الذين يعتقدون أن لكل ظاهر باطنا، ولكل تنزيل تأويلا، ولهم ألقاب كثيرة، سوى هذا جرت على لسان كل قوم، فبالعرا ، يسمون الباطنية، والقرامطة، والمزدكية، ونجراسات التعليمية، والملحدة، ثم إن الباطنية القديمة، قد خلطوا كلامهم ببعض كلام الالاساة، وصناوا كتبهم على ذل المنهاج فقالوا في الباري تعالى: إنما لا نقول هو موجود ولا موجود ولا عالم (1) الذهبي،دول الإسلام، ت: فهيم محمد شلتوت ومحمد مصطاى إبراهيم، (القاهرة: الهيئ ة المصرية العامة للكتاب، 1974م)، 1 /223 .ابن كثير، مرجع سابق، 11 /284 . (2) ابن كثير، مرجع سابق، 11 /284. قلت: لا أحد يستطيع أن يطائ نور الله لورود النص بذل ، ولعلأبا بكر النابلسي- رحمه الله - حكم على الغالب، والله تعالى أعلم.

عدد الصفحات ٢١

البرهان في علوم القرآن للإمام الحَوفي التمهيد لتحقيق سورة يوسف 22‌ و جاهل ولا قادر ولا عاجز وكذل في جميع الصاات فإن الإثبات الحقيقي يقتضي شركة بينه وبين سائر الموجودات (1). وقد وصلت هذه العقيدة الغريبة البعيدة عن تعاليم الإسلام الصحيحة ذروتها في عهد الحاكم بأمر الله، فقد تعاظم هذا الحاكم في ناسه، وطغى وبغى إلى أن ادعى الألوهية سرا في بادئ الأمر، فلما تيقن من قبول الناس ولا سيما رجال الدولة هذا الأمر أعلن ذل على الملأ، وأصبح مذهب الإسماعيلية المذهب الرسمي للدولة(2). والااطميون الإسماعيليون هؤلاء باطنيون لا يلتزمون بأركان الإسلام فهم يعتقدون أن صلاتهم في باطنهم وزكاتهم لا يدفعونها إلا إلى قادتهم(3) و يثقون بأي مسلم ولا يتعاملون مع المسلمين إلا بقدر ما يخدمون مصالحهم ويساعدهم في نشر عقيدتهم. وعلى هذا المنوال، كانت السياسة في هذا العصر في الديار المصرية، وما حولها. وقد بذل الإسماعيليون كل جهودهم لنشر مذهبهم في مصر، ووجدوا أن جذورهم في مصر غير عميقة فبحثوا (1) الشهرستاني، أبو الاتح مد بن عبد الكريم بن أبى بكر أحمد (ت: 548هـ)،الملل والنحل ، تصحيح أحمد فهمي محمد،ط1،(القاهرة: مطبعة حجازي، 1398هـ)،1 /193.ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الأندلسي القرط الظاهري (ت: 456هـالفصل في الملل والأهواء والنحل،( القاهرة: مكتبة ا لخانجي) 5 /33. قلت: ومن أراد أن يستزيد في هذه الار الضالة ، فعليه بكتب الار والملل والنحل (ابن حزم في الفصل في الملل والأهواء والنحل، الملل والنحل للشهرستاني، ابن كثير في البداية والنهاية، وكتب العقيدة الصحيحية للإمام الطحاوي،وابن تيمية،وابن القيم وسلانا الصالح- رحمهم الله تعالى). (2) ابن الأثير أبو الحسن عز الدين، علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، (ت 630هـالكامل في التاريخ، (بيروت: دار صادر، 1402هـ)،9 /314. ابن كثير، مرجع سابق، 12 /9. الذهبي،دول الإسلام، مرجع سابق، 1/ 239. (3) حسن، مرجع سابق، 3 /287.

عدد الصفحات ٢٢

البرهان في علوم القرآن للإمام الحَوفي التمهيد لتحقيق سورة يوسف 23‌ عن بديل، وراحوا إلى الشام فأوى بعضهم إلى منطقة جبلية(1). لقد خرج الااطميون على الناس بمذهب جديد يقوم على تقديس الأشخاص. وفي سنة إحدى وأربعمائة (2)، هل الحاكم بأمر الله-منصور بن العزيز بن المعز العبيدي الإسماعيلي، وأ عدم في شِ وال بالجبل المقطم، وله ست وثلاثون سنة، فقد جهزت (3) أخته-ست المل على م ن قتله غيلة، فظار به. ثم جاء ابنه الظاهر لدين الله فكان أسوأ من أبيه(4)،بل إنه هادن النصارى، فأذن للنصارى باعل ما منعهم منه أسلافه(5). ولكن هذه الدولة كانت تسير نحو نهايتها، فقد كان الشعب المصري المسلم يكرههم، إلى جانب التار الذي دب بينهم، فما أن مات الظاهر بأمر الله حتى أصبح ابنه المستنصر بالله خلياة له، لا يستطيع أن يدير الأمور بل صار ألعوبة بيد الوزراء ياعلون ما يشاؤون حتى عمت الاضطرابات، والاوضى، سنة سبع وعشرين وأربعمائة -أي قبل وفاة شيخنا بثلاثة أعوام. وحكم المستنصر بالله، ستين سنة لم يج ِ دَّ فيها يوم دون اضطرابات، أو فوضى. وظلت الاوضى تعم البلاد التي يحكمونها حتى آخر واحد فيهم، وهو العاضد لدين الله، و لم تهدأ الاضطرابات حتى خلع المتظاهرون هذا العاضد، سنة سبع وستين وخمسمائة، ثم انقلب الحكم بعد ذل إلى الدولة الأيوبية. (1) شلبي، مرجع سابق، 5 /148. (2) ابن العماد، أبو الالاح عبد الحي بن أحمد بن محمد الع كري الحنبلي، (ت1089هـ)،شذرات الذهب في أخبار من ذهب، ت: محمود الأرناؤوط وخرج أحاديثه: عبد القادر الأرناؤوط،ط 1،(دمشق: بيروت: دار ابنكثير،1406 هـ- 1986 م 3 /193. (3) الذهبي،العبر في خبر من غبر، مرجع سابق، 2 /219. وجهزت القوم تجهيزا إذا تكلات لهم بجهازهم للسار. ابن منظور، لسان العرب ، 5 /325. (4) ابن العماد، مرجع سابق، 3 /150. (5) حسن، مرجع سابق، 3 /480.

عدد الصفحات ٢٣

البرهان في علوم القرآن للإمام الحَوفي التمهيد لتحقيق سورة يوسف 24‌ وهكذا نجد أن عصر الإمام الح وفي السياسي، كان سيئا تعمه الاوضى والاضطرابات، وتل الاضطرابات، أو هذه الاوضى تؤدي-ولا ش -إلى اناصام بين الحكام والمحكومين، كما نشأت عنها التقاليد، والعادات المبتدعة البعيدة عن الدين(1)، وهكذا هدم الحاكم بأمر الله الكنائس سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة(2). (1) شلبي، مرجع سابق، 5 /154. (2) الذه، تاريخ الإسلام ت بشار، 9 /198.

عدد الصفحات ٢٤

البرهان في علوم القرآن للإمام الحَوفي التمهيد لتحقيق سورة يوسف 25‌ المطلب الثاني: عصره من الناحية الاجتماعية كان الشعب المصري في عهد الااطميين يتكون من: 1- الطبقة الأولى أهل السنة وكانوا يختلاون مع الشيعي -أنصار الااطميين، الذين لم يدخروا وسعاً في نشر مذهبهم في المساجد، والقصور، وفي دور العلم، وغيرها، وقد فعلت هذه السياسة فعلها في الناس، فتحول بعض من السنيين إلى المذهب الااطمي - رغبة في الهبات والمناصب. 2- أما الطبقة الثانية فهي طبقة المغاربة -الذين قامت الدولة الااطمية على أكتافهم في بلاد المغرب، ثم في مصر، وكان الااطميون يعتمدون عليهم في جيوشهم. 3- الطبقة الثالثة هي طبقة أهل الذمة-وهم النصارى، واليهود (1)، وقد دفعت رغبة الكثيرين منهم في الحصول على العطايا، والمناصب، إلى اعتنا المذهب الإسماعيلي لأغراض مادية أخرى من جهلة أهل السنة، فادعوا أن في اليوم الثاني عشر من المحرم، قتل مصعب بن الزبير فصنعوا له مأتما، كما تاعل الشيعة للحسين، وزاروا قبره كما زاروا قبر الحسين، وهذا من باب مقابلة البدعة بمثلها، ولكن لا يرفع البدعة إلا السنة الصحيحة. وكانت أحوالهم سيئة أحيانا حيث هدم الحاكم بأمر الله الكنائس، وألزمهم بالصلبان في أعناقهم وألبس اليهود العمائم السود- نكاية، وإهانة لزي بني العباس. 4- الطبقة الرابعة هي طبقة الأتراك، الذين كثر عددهم منذ أيام الدولة الطولونية 5- الطبقة الخامسة هي طبقة السودانيين، الذين كثر عددهم في مصر منذ عهد كافور الإخشيدي، وظهر أمرهم في أيام الخلياة الحاكم بأمر الله الذي استعان بهم على الأتراك (2). (1) الذهبي،دول الإسلام، مرجع سابق، 1 /235. (2) حسن، مرجع سابق، 3 /479 .

عدد الصفحات ٢٥

البرهان في علوم القرآن للإمام الحَوفي التمهيد لتحقيق سورة يوسف 26‌ فالمجتمع في عصر الإمام الح وفي مجتمع غير متوازن، لأن الحكام من طبقة غريبة بعيدة عن الشعب، وهم خليط من الموالي والأعاجم، وأما الكثرة الغالبة فهم أهل السنة، الذين غلبوا على أمرهم، يشاركهم قلة من الجراكسة والأتراك، وهؤلاء في أغلب الأحيان يعدون من الدرجة الثالثة، لا حق لواحد منهم أن يظهر في المجتمع، وإذا ظهر فإنهم يأخذون منه كل شئ. ولاش في أن الحالة السياسية إذا كانت مضطربة، تبعها اضطراب في الحياة الاجتماعية، حيث يسود الجاهل، ويتسلط الظالم، وبالتالي تضيع القيم، وتمحى المبادئ، وينتشر الجهل، فيعم الاساد بعموم الجهل- ولا حول ولا قوة إلا بالله. فيترتب على ذل انحلال اجتماعي، وفساد خلقي، وتاك أسري، لأن الحياة القاسية تجعل الإنسان لا ياكر إلا في ناسه(1)، ولا يشغله إلا حاله بخاصة، لأن الدافع الديني قد ضعف فقد أضعاته الدولة، وقضت عليه(2)، ولم تترك الأغنياء، ليساعدوا الاقراء . وفي عهد الااطميين، بنى الخلياة العزيز الااطمي كثيرا من القصور، التي تدل على وفرة ثروة مصر، ومن ذل ، القصر الغربي- وكان يقع غربي القصر الشرقي الذي بناه جوهر الصقلي للخلياة المعز، شرقي مدينة القاهرة . ويمتاز الااطميون ببناء المناظر، وهي أماكن اتخذها الخلااء في القاهرة، وغيرها، للتنزه، والاحتاال ببعض الأعياد. كان الحاكم بأمر الله سااكاً للدماء، معطاء للمال، قتل عددا كثيرا من كبراء دولته صبرا بلا ذنب، وكتب سب الصحابة على المساجد، واتخذ له فقيهين يعلمانه، ثم ذبحهما صبرا، وقتل عدة سبايا، وغر عجائز، وأثقلت الدولة المحتاجين بالإتاوات. (1) حسن، مرجع سابق، 3 /490. (2) الذهبي،دول الإسلام، مرجع سابق، 1 /242،245.

عدد الصفحات ٢٦

البرهان في علوم القرآن للإمام الحَوفي التمهيد لتحقيق سورة يوسف 27‌ هذه هي صورة سريعة عن الحياة الاجتماعية في عصر الإمام الح وفي، فهل أثر ذل على مسيرته العلمية؟ أقول: كلا، فعلماؤنا الأجلاء لا تهمهم الدنيا، ولا يهمهم أخذ جائزة من السلطات والسلاطين. والذي يهمهم رضى الله، وثواب ه، ولذل ناع الله بعلمهم فانتاع بهم الأجيال على مر العصور، والأزمان .

عدد الصفحات ٢٧

البرهان في علوم القرآن للإمام الحَوفي التمهيد لتحقيق سورة يوسف 28‌ المطلب الثالث: عصره من الناحية الاقتصادية الاقتصاد تبع للسياسة دائما، فمتى كان هناك اضطراب في السياسة، تبعه اضطراب في الاقتصاد، لأن المال لا يتحرك إلا في منطقة مستقرة، ولا ينمو إلا فيها، وإذا كانت الاضطرابات، فلا يستايد منها إلا تجار الحروب، وباعة السلاح وعدةِ الهلاك والدمار. ولذا فقد كانت مصر في هذه الاترة تعاني من المشكلات الاقتصادية-بالرغم من كون القاهرة والإسكندرية من أهم مر اكز التجارة، وكانت الإسكندرية، وبغداد مقياسين لأسعار البضائع العالمية، في ذل الحين(1)، التي لا حصر لها منذ أيام المعز لدين الله، الذي كان في بداية أمره يهادن الدولة العباسية، فأصهر إلى الخلياة العباسي فزوج ابنته لابن الخلياة، فلما سيرها إلى بغداد، حملها بثلاثمائة جمل، تحمل الأثاث الذهبي مما جعل خزائن الدولة تخلو من الذهب، ثم قامت الاضطرابات . كانت القاهرة في عهد الااطميين من أهم مراكز الصناعة، فقد بلغ الطراز مبلغا كبيرا من الرقي، كما ازدهرت فيها صناعة المنسوجات الحريرية، وتتبين لنا مهارة المصريين، وحذقهم في تل الصناعات. وقد بنى المعز دار الكسوة، حيث كانت تاصِّل الثياب لموظاي الدولة على اختلاف مراتبهم، وهناك أنواع خاصة من الثياب اشتهرت في هذا العصر. ووقع الغلاء حتى عم الاقر جميع البلاد. فقد قال ابن كثير: قل الرطب جدا، بسبب هلاك النخل في سنة تسع عشرة وأرب عمائة، فلم يحج أحد من أهل الديار المصرية (2)، وبهذا أصبح الناس لا يجدون طعامهم إلا بشق الأناس، أو عن طريق قيام قلة قليلة من الأغنياء بمساعدة هؤلاء الاقراء، وباختصار كانت الحياة الاقتصادية سيئة، كما أن الزكاة لم توزع حسب تعاليم الإسلام. وخلاصة (1) حسن، مرجع سابق، 3 /362،369. شلبي، مرجع سابق، 5 /160. (2) ابن كث ، مرجع سابق، 12 /25،31.

عدد الصفحات ٢٨

البرهان في علوم القرآن للإمام الحَوفي التمهيد لتحقيق سورة يوسف 29‌ الأمر أن الحياة الاقتصادية الرغِدة كانت حكرا على الطبقة الحاكمة ومن تقرب إليها، وأما عامة الشعب فكان الاقر يطحنهم، ويقلق مضاجعهم.

عدد الصفحات ٢٩

البرهان في علوم القرآن للإمام الحَوفي التمهيد لتحقيق سورة يوسف 30‌ المطلب الرابع: عصره من الناحية الثقافية اهتم الااطميون اهتماما كبيرا بالحركة العلمية في اتجاهاتها المختلاة، وأبرز هذه الاتجاهات، تنظيم الاكر الشيعي، ونشر ه على أوسع نطا ، فقد بنى جوهر الصقلي الجامع الأزهر (1)، وأنشأ الحاكم بأمر الله دار العلم التي كانت تلقب بدار الحكمة، كما بنى جامع الحاكم(2). وقد نبغ في مصر كثير من الشعراء، وكثر رجال الأدب من قول الشعر لمدح الخلااء، لِم ا كان ي درُّه هؤلاء من العطايا الجزيلة، والجوائز، والأرزا المخصصة لهم، وقد دفعت الرغبة في الحصول على هذه الجوائز، والهبات، قلة قليلة من الشعراء من أهل السنة إلى محاكاة الشعراء الشيعيين، فاتصل بعضهم ببلاط الخلااء الااطميين. وقد اهتم الااطميون بالطب، وأغدقوا على الأطباء الأمو ال، وأجزلوا لهم المنح، وقلدوهم المناصب العالية، وأصبحت لهم منزلة رفيعة بين رجال البلاط، ومن أطباء المعز لدين الله، موسى العازر الإسرائيلي (3)، الذي ح ذِ صناعة الطب،كما اشتهر ابنه إسحا بن موسى بالطب، وكان مقربا من المعز. كما اهتم الخلياة الحاكم الااطمي بعلم النجوم، حتى أنه أنشأ مرصدا بالمقطم أطلق عليه الرصد الحاكمي. ومن أشهر الرياضيين في عهد الااطميين، أبو علي محمد بن الحسن بن الهيثم، الذي نشأ في العرا ، ثم انتقل إلى مصر، وأقام بها، ومن المؤرخين الذين عاصروا الخلياة، العزيز بالله، أبو الحسن علي الشابشتي(4). (1) ابن كثير، مرجع سابق، 11 /310،342. (2) الذهبي،دول الإسلام، مرجع سابق، 1 /239. ابن العماد، مرجع سابق، 3 /150. (3) حسن، مرجع سابق، 3 /442. (4) علي بن محمد الشابشتي، أبو الحسن: أحد الندماء الأدباء اتصل العزيز العبيدي (صاحب مصرفولاه خزانة كتبه واتخذه نديما وسميرا. من تآلياه " الديارات " ذكر فيه كل دير بالعرا والشام والجزيرة ومصر، و" اليسر بعد العسر"و " مراتب الفقهاء "

عدد الصفحات ٣٠

البرهان في علوم القرآن للإمام الحَوفي التمهيد لتحقيق سورة يوسف 31‌ ومن هنا يمكن القول بأن الحياة الاكرية، والثقافية، في نهاية القرن الرابع الهجري، ومطلع القرن الخامس لم تتأثر بالأحداث السياسية السيئة، وذل لأن العلماء الأوائل ورَّثوا لهذه الأجيال علما، لا يمحى، وكتبا لا تأكلها النيران(1)، ولا تانيها السنون، فكان العلماء المسلمون الأفذاذ يتجولون في البلاد الإسلامية، يأخذون، ويـ عمط ون ، حتى لا تتوقف حركة الاكر، والثقافة. وله " ديوان شعر " توفي بمصر: 388 هـ. الزركلي، خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس الدمشقي (ت 1396هـ)، الأعلام، ط15،(بيروت: دار العلم للملايين،2002 م )،4/325. (1) كناية عن ضخامة ، وكثرة المؤلاات.

عدد الصفحات ٣١

البرهان في علوم القرآن للإمام الحَوفي التمهيد لتحقيق سورة يوسف 32‌ المطلب الخامس تأثر الإمام الحَوفي ببيئته، وتأثيره فيها كان جل العلماء الأفذاذ لا تهمهم الدنيا الاانية، فكان يكايهم القليل من متاعها، ولم يكن يهمهم إلا إيصال العلم إلى طلابهم، أو إيقاظ همة العلم في الناس. فلم يستطع الحكام الااطميون القضاء على الاكر الإسلامي الحنيف، ولم يستطيعوا التأثير على العلماء المخلصين كما لم يستطيعوا أن يغيروا عقيدتهم الراسخة رسوخ الجبال، وهذا لا يعني أن أحدا منهم لا يدنو من الحكام ليتعامل معهم، ولكن من يتعامل معهم قليل، فذهبت هيبته في نظر الشعب. وإذا كانت الحالة السياسية سيئة، والاجتماعية منخاضة، والاقتصادية منكمشة، فكل ذل لم يؤثر على حياة شيخنا الإمام الح وفي-وهو لم يكن بمنأى عن البيئة التي يعيش فيها بل كان ياكر في كل الأحداث التي تقع بالأمة الإسلامية، ولكن هذه البيئة السيئة دفعته إلى المزيد من طلب العلم، وإلى المزيد من الجهاد لتعليم طلبة العلم، فلم تسقه الحاجة إلى أبواب الحكام والسلاطين(1). وأما تأثيره في غيره من العلماء المخلصين، فقد كان عظيما- بحيث لم يستطع الحكام الااطميون أن يغيروا مذهب أهل السنة عند المصريين، ومن هنا قال المترجمون للإمام الح وفي: إنه عالم كبير انتاع به أهل مصر، وتخرجوا به في النحو(2). (1 )ولهذا لم يصلنا من مصنفاته إالبرهان في علوم القرآن]. (2) الذهبي،العبر في خبر من غبر، ت: أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول،ط 1،( بيروت: دار الكتب العلمية)، 2 / 263.

عدد الصفحات ٣٢