المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

القوامة وأثرها في استقرار الأسرة

عبدالحميد بن صالح الكراني

صفحة ٦ من ٧

اأثر القِوامة في تربية الأولد إن مسألة التربية تحتاج إلى تخصيص أحد الأبوين في توفير الوسائل والحاجات الأساسية للحياة والتربية ، وإلى تخصُّص الآخر في حضانة واستغلال وتوجيه قدرات الأطفال ، ليس ذلك من أجل الإتقان الوظيفي لدوري الأبوين فحسب ؛ بل لأن حسن توزيع الأدوار والمسؤوليات والتخصُّص فيها بالعلم والسلوك ، مع سلامة العلاقة الزوجية من الصراع والتنافر - يحدِّد لدى الطفل منهجه في الحياة ، ويكون لديه روح الإخلاص للحياة الأسرية ، والصلات الاجتماعية ، ويخدم القسمة الطبيعية ، التي تعينِّ الرجولة ، وتمنح الطفل الذكر خصائصه ؛ وتعينِّ الأنوثة ، وتمنح الطفل الأنثى خصائصها من خلال الاقتداء والتأسِّ بالأبوين وتذوُّق طعم الأسرة السليمة . وهذا النجاح يعدُّه الإسلام من أعظم الأعمال التي يقدِّمها الأبوان . (1(للحياة ، بل من الأعمال الخالدة التي لا ينقطع ثوابها حتى لو مات أصحابها والإنسان هو أطول الأحياء طفولة ، إذ تمتدُّ طفولته أكثر من أيِّ طفل آخر للأحياء الأخرى ، وذلك أن مرحلة الطفولة هي فترة إعداد وتهيُّؤ وتدريب للدور المطلوب من كلِّ حي بقية حياته . يُنظر : الأسرة المثلى في ضوء القرآن والسنة ، (ص (1( مكتبة المعارف ، الرياض ، ط

عدد الصفحات ٨٢

اأثر القِوامة في تربية الأولد ولما كانت وظيفة الإنسان هي أكبر وظيفة ، ودوره في الأرض هو أضخم دور ؛ امتدَّت طفولته فترةً أطول ؛ لِيَحْسُن إعداده وتدريبه للمستقبل ، ومن ثم كانت حاجته لملازمة أبويه أشدَّ من حاجة أي طفل لحيوان آخر ، وكانت الأسرة المستقرَّة الهادئة ألزم للنظام الإنساني ، وألصق .(1(بفطرة الإنسان وتكوينه ودوره في هذه الحياة لذا كانت لمرحلة الحضانة - في السنين الأولى للطفولة - أثرها الخطير المرتبط بمقدار فَهم كلٍّ من الزوجين لدوره ، وإخلاصه له ، ونجاحه فيه . والحضانة هي العناية والرعاية في الصغر وفي سنوات الطفولة الأولى ، وتوفير الاحتياجات العضوية والمادية والنفسية اللازمة لحياة الطفل وحمايته ، ولفظ الحضانة مأخوذ من الحضن ، وهو الجوف ، ويشير إلى الحماية والحنان والعطف والرعاية في أقصى صورها وأعلاها . وفترة الحضانة من الفترات المهمة في حياة الإنسان ؛ إذ يكمن فيها غرس القيم والمبادئ الرفيعة ، التي تسهم كثيرًا في إبعاده عن السلوكيات السيِّئة ، والتيَّارات المنحرفة ، وإرشاده إلى الطريق السوي ، الذي فيه صلاحه وصلاح أسرته ومجتمعه . وحتى يصبح الطفل عضوًا مستقلاًّا في مجتمع متحضرِّ كالمجتمع الإسلامي ، فلا بد من مروره بعدد من المراحل الحيوية في طفولته ، لا تقِلُّ عن خمسةَ عشرَ عامًا ، لا يقلُّ خطر مرحلة منها عن الأخرى من حيث تأثيرها في نجاح الطفل أو فشله ، ممَّا يؤكِّد ضرورة تزوُّد الوالدين بالعلوم والمعارف التي تصحِّح سلوكهما ، وتجعله مَعْبرًا أمينًا لمرور الطفل يُنظر : في ظلال القرآن ، (1(

عدد الصفحات ٨٣

84 إلى استقلاله ، ولا شك أن نجاح الوليد والمربي معًا يرتبط بالقدرة ع التوفيق بين القيم السلوكية وبين أسباب ترقِّي الحياة الإنسانية بتضمين وسائل التربية ، ومنها : القدوة ، وخبرات وتجارب الأبوين ، مع ما يجده من ثمرات الفكر الإنساني . إن ممَّا يزعزع استقرار الأسرة أن ينشأ الأطفال في مؤسَّسة عائلية القِوامة فيها ليست للأب ؛ إما لأنه ضعيف الشخصية ، حيث تبرز عليه شخصية الأم وتسيطر ؛ وإما لأنه مفقود : لوفاته ، أو لعدم وجود أب شرعي ! قلَّما ينشؤون أسوياء ، وقلَّ ألاَّ ينحرفوا إلى شذوذ ما في تكوينهم العصبي والنفسي ، وفي سلوكهم العملي والخُلقي . وقد أثبتَتِ التجارب العلمية أن الولد الذي يعيش بين أبويه يكون أقوى جسماً وعاطفةً من الأطفال الذين ينشؤون في الملاجئ ودور الحضانة ، وهذا ما أنتجته التجارب العلمية بعد الحروب . كتبَت إحدى الأوربِّيات رسالة في نتيجة هذه الدراسة ، قرَّرَت فيها أن طفل الملجأ ينمو نموًّاا حسنًا في سنته الأولى ؛ بسبب الرعاية الصحية والغذائية المتوافرة في الملاجئ ولا تتوافر في بعض الأسر ، فإذا تجاوز الطفل عامه الأوَّل كانت النتيجة لصالح أطفال الأسر ، حيث تنمو حاسة النطق بسعة على أساس الصلة المباشرة بين الطفل ووالديه ، فالطفل يدرك بغريزته كلَّ انفعال يثيرانه ، فهو يرقبهما ويقلِّد التعبيرات المختلفة التي تظهر على وجهَيهما ، وهذا الانفعال العاطفي والتقليد فيه من القوة ما يدفع إلى الكلام ، وفي خلال السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل تعمل قواه الغريزية في نشاط واضح ، ومن خلال علاقاته بوالديه يستخدم هذه

عدد الصفحات ٨٤

اأثر القِوامة في تربية الأولد القوة ، ثم يتغلب عليها بإدماج نفسه في رغبات والديه ؛ فتُهذَّب غرائزه ، ويتكوَّن ضميره اللوَّام ، ويبدأ حياة أساسها تهذيب الغرائز . فالطفل الذي يتربَّى بي أبويه يكون تحت تأثير عاملي قويي : غرائزه التي لو انطلقت لكان وحشًا لا يألف ولا يُؤلَف . أحدهما : ما ينبعث من الوالدين من رحمة وعطف ، وما يبادلهما به والثاني : الطفل من محبَّة ، لا توجد تلك العواطف في غير الأسرة التي تُوجِد اندماج نفس الطفل في نفس غيره لِتُهذَّب غرائزه ، وإذا كانَتِ الغرائز تهُذَّب بغير طريق الأسرة فبنوع من السيطرة لا الاندماج ، فيحسُّ بالألم وبالضغط ؛ فيكون النفور ، ومن النفور تتولَّد الكراهية للمجتمع ؛ فلا يكون منه الألفة ولا الائتلاف ، ويكون من الشُّذَّاذ ، الذين ينظرون إلى المجتمع نظرة من .(1(يريد الافتراس *** يُنظر : الأسرة المسلمة في ضوء القرآن والسنة ، (1( العدد

عدد الصفحات ٨٥

حماية الأ للأسرة الدور الأهم والأساس في القيادة والوقاية من الانحراف بصوره المختلفة ، وأوَّل وأهمُّ عامل يفكر فيه الباحثون للحدِّ من الانحراف هو العامل الأسري ؛ فالأسرة تشكِّل خطَّ الدفاع الأوَّل في المجتمع ضدَّ الانحراف . ففي الأسرة يفتح الطفل عينيه على الحياة ، ومن خلال الأسرة يرى متغيرِّاتها المختلفة ، ويدركها ويفسِّها ويتعامل معها ، فالأسرة كما يُقال : مصنع الشخصية ؛ لأنها تُشكِّل المحور الذي تدور معظم عناصر تكوين الشخصية حوله . فهي التي تُنمِّي معارفه ومداركه ، وتوجِّه مواهبه وانتماءاته وميوله ، وتحقِّق رغباته ، وتغرس قِيمَه وعاداته واتجاهاته ، وترغِّبه وترهِّبه في الاتجاهات والسُّلوك حسب رؤيتها . وقد تناول الباحثون الأسرة ودورها في الحدِّ من الانحراف في كثير من الدراسات ، بعضها تناول مكانة الطفل بين أفراد أسرته ، وبعضها يُنظر : مجلة جامعة الإمام ، العدد (1( بعنوان حمود الزهراني .

عدد الصفحات ٨٦

حماية الأ بحث عن أثر الأسر المتصدِّعة في الانحراف ، والأسر المتصدِّعة هي الأسر التي تكثر فيها الخلافات والمشاجرات والمشاحنات ، وتعاني من غياب أحد الأبوين أو كلاهما بسبب الموت أو الطَّلاق أو الهجر أو غير ذلك . ***

عدد الصفحات ٨٧

اأنواع النحراف الأ تعرضَت بعض الدراسات لعلاقة انحراف الأبناء بانحراف الآباء ؛ عن طريق التقليد والقتداء ، وعند حصر الأسر التي يكثر فيها النحراف نجدها على النحو الآتي : الأسر التي يكون لبعض أفرادها أو لغالبيتهم ميول أو نشاط إجرامي أو نشاط غير أخلاقي ، ويتعاطَون المسكرات بكثرة . الأسر التي يغيب عنها الوالدان أو أحدهما بسبب الوفاة أو الهجر أو الطلاق أو التخليِّ عن المسؤولية . الأسر التي ينعدم فيها الضبط الاجتماعي ؛ لجهل الوالدين ، أو لكونهما أو أحدهما مُعاقًا ، أو يُعاني من مرض دائم . الأسر التي يسيطر فيها شخص واحد سيطرة مطلقة ، وفيها تمييز في المعاملة أو إهمال ، أو عدم توافق أو غيرة مفرطة ، أو قسوة زائدة ، أوِ الأسر التي حجمها كبير جدًّاا ، أو يتدخَّل الأقارب في أغلب شؤونها . الأسر التي تعاني من العنصرية ، أو اختلاف المعتقدات والمفاهيم والقيم والمعايير الأخلاقية . الأسر الفقيرة التي تعاني من ضغوط اقتصادية شديدة ، كالبطالة أو تدنيِّ الدخل أو اضطرار الأم للعمل الدائم خارج المنزل .

عدد الصفحات ٨٨

اأنواع النحراف الأ وهو أهمُّها : الأسر التي يضعف فيها الوازع الديني ، ولا تهتم بربط أبنائها بالخالق سبحانه وتعالى . ولا شكَّ أن الإسلام أقرَّ بأثر القدوة في انتقال السلوك ، وأقرَّ بضرورة المراوحة بين الترغيب والترهيب في تنشئة الأبناء . وللحفاظ على تربية الأبناء تربية قويمة مستقيمة ؛ فلا بُدَّ للأسرة من اتخاذ الأبعاد التربوية ؛ لتحافظ على استقرار كِيان الأسرة من المؤثِّرات . ***

عدد الصفحات ٨٩

الأبعاد التَّبوية ل هناك ثلاثة أبعاد تربوية ينبغي للأسرة سلوكها ؛ كيما يسودها الاستقرار ، وتكون في منأى عن الانحراف والشتات . أُولها : البعد البنائي : فلا بُدَّ من بناء الشخصية السليمة المحصَّنة من الداخل ضدَّ الفساد والانحراف ، وذلك عن طريق تقوية الوازع الديني ، وإيجاد الضمير الحي ، والعقل الواعي ، والمدارك المتفتِّحة المدركة لأخطاء الانحراف وأضراره . وهنا يكون دور الأسرة بارزًا في تنشئة أبنائها تنشئة سليمة وفق تعاليم الإسلام ومبادئه ؛ ليواجهوا الحياة ومشكلاتها بإيمان راسخ ، وعقيدة قوية ، قائمة على القناعة والرضا واليقين ، معتمدين على الله سبحانه وتعالى ، مراقبين له في السِّ والعَلَن . ثانيها : البُعْد الوِقائي : ولا بُدَّ في تربية الأولاد من وقايتهم بإبعادهم عن كلِّ مصدر ﴾ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡانحراف ، ﴿ كلُّ ما يمكن عمله لإبعاد الأولاد عن أصدقاء السوء . رْ إ � ِ �

عدد الصفحات ٩٠

الأبعاد التَّبوية ل وهذا البعد يقتضي المراقبة والمتابعة لسلوكهم وتصرفاتهم ، خاصَّة في مرحلة البلوغ وما قبلها من مراحل ، وكذلك استخدام أسلوب الترغيب ومبدأ الثواب والعِقاب عن الإحسان أو الإساءة ، وعند الصواب أو الخطأ ؛ حتى يشعروا بمراقبة الآباء لهم ، وأنهم قائمون بواجب الرعاية ، فيبتعدون عن كل ما يسوء ويشين ، ويُقبِلون على كل ما هو مرغوب ومستحسَن دينًا وأدبًا ؛ وهم في مراحلهم الأولى يُشبِهون الغرسة في مراحلها الأولى ، حيث تحتاج إلى رعاية وعناية وحماية ؛ لسهولة التأثير فيها ، ولسهولة ليِّ أغصانها أو كسها ، أكثر من حاجتها إلى ذلك حال اكتمالها ونضوجها . وقد أشار إلى خطورة هذا المعنى الشاعر ؛ وهو يصف هذه الحقيقة في مشهد حواري بين بُنيَّة صغيرة مع أبيها حيث يقول : � رْ ن إ �� ْ � �� � �� � ء ّ � �� ٍ �� � ِ � ْ �� � � ِ � سنِ � � ِ �� ِ � �� �� رْ �� ْ � ُ ��� ِ �� رْ رِ ُ �� ِ ���� � ر ْ رّ �� ��� �� �� ِ إ رْ ْ ِ م وخلاصة هذا الحوار ؛ تتجسَّد في صميم البيت التَّالي :

عدد الصفحات ٩١

92 � � ُ � �� �� � �� ُ � ��� ُ � ْصنِ �� ْ �� ِ �� ثالثها : البُعد العلاجي من الضرورة بمكان معالجة سلوك الأولاد عندما يخُطؤون أو يجنحون ، مع لزوم اتِّباع الأسلوب الأمثل لمعالجة الانحراف ؛ حتى لا تتفاقم المشكلة ويصعب حلُّها ، ومن ذلك الانتقال من الحيِّ إذا كان سبب الانحراف هم أصدقاء السُّوء ؛ للابتعاد عنهم وقطع سُبل الاتصال بهم . وقد يرى الوالدان أن العلاج الأمثل هو الضرب غير المبرِّح ، أو الحرمان ، أو النصح ، أو غير ذلك من وسائل العقاب والتَّوجيه ، وذلك حسب الظروف الملائمة ، وحسب الحالات والأشخاص . ***

عدد الصفحات ٩٢

قيَم التَّبية الغائبة عن الأ هذه كلمات تُوجَّه لكلِّ أسرة مسلمة ؛ عسى أن تُضيء بها شمعة صغيرة تُنير لهم شيئًا على الطريق ، وعلى الله قصد السبيل . إن الأبناء هبةٌ من الله ، وهم أكباد الآباء تمشي على الأرض ، ونعمة تستحقُّ الشكر ، ويجب أن تُصان ، وذلك بحسن تربيتهم ، وإعداد المناخ الطيب ؛ لينشؤوا نشأة صالحة ، وليصبحوا لَبِنَات صُلبة في صرح الأمَّة مستقبلاً ، فمَن أدَّب ولده صغيرًا ؛ سرَُّ به كبيرًا . ولذا رأينا الإسلام يضع الآباء أمام مسؤولياتهم عن أبنائهم مباشرة منذ صغرهم ، بل قبل ذلك حين يفكر في اختيار أمِّهم ، وهي التربة التي ستحتضن النُّطفة حتى تخرج للحياة خَلْقًا آخر ، بعد ذلك تبدأ الأسرة الصغيرة في تحمُّل مسؤولية الترَّبية لهذا الوليد حتى يستوي ، وتمدُّه بالقيم النبيلة ، وتغذِّيه بالعقيدة الصحيحة . ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ قال تعالى : ﴿ ﴾ﯤ الحلال والحرام ، ونجنِّبهم المعاصي والآثام ، إلى غير ذلك من الأحكام ، يُنظر : مجلة منار الإسلام ، العدد (1( مقال بعنوان زهران .

عدد الصفحات ٩٣

94 ونرى الآية صُدِّرت بنداء للمؤمنين عامَّة ، وكأن إيمانهم يحُتِّم عليهم مراعاة حقوق أبنائهم وعدم إهمالهم ، فالتقصير في شيء من ذلك يخُلُّ بالإيمان . وفي آيات أُخرى نقرأ ما يشدِّد على المسلمين كافَّة إذا ضيَّعوا أو قصرَّوا فيما كُلِّفوا به ، بالتركيز على المحاسبة الإلهية لكلِّ مؤمن ، قال الله ﯵ ﯶ ﯷ ﴾ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ : ﴿ ﴾ﯸ بعظم المسؤولية وخطرها ؛ حتى لا يغفل أحدهم أو يؤخِّر ما هو بالتقديم أولى ، ولا شكَّ أن الأبناء من جملة الأشياء التي سيُسأل عنها المؤمن ؛ فهو المسؤول عن تربيتهم . ويسن بنا أن نورد بعض القِيَم الغائبة عن الأسرة المسلمة : أولًا - المراقبة أو الحضور الأبوي : لا بُدَّ أن يشعر الأبناء بحضور الأبوين أو أحدهما دائماً لمراقبة تصرُّفاتهم ؛ حتى إذا ما ذلَّ أحدهم - أو كاد - وجد من يأخذ بيده ؛ ليوجِّهه لما فيه الخير له ولهما ولسائر الأمَّة ، أو يأخذ على يديه إذا ما انحرف أو ضلَّ ويتَّبع معه أسلوبًا مناسبًا لكلِّ حال ، فمن الأدب الوعيد والضرب وحبس المنافع ، ومنه الرفق والعطية والنوال والبرِّ ؛ فإن ذلك ربَّما كان أدعى لهم من الوعيد والضرب ، وبين النفوس تفاوت ، فنفسٌ تضرع وتخضع بالبرِِّ والعطيَّة ، ونفسٌ تضرع وتخضع بالغلظة والشدَّة ؛ ولو استعملت معها الرفق والبرَّ لأفسدتها ، ونفسٌ بالعكس من ذلك . وذلك كلُّه لا يتحقَّق في غياب الآباء ، ذلك الغياب الذي يصل إلى حدٍّ يشعر الأبناء بأنهم كاليتامى أو دونهم بكثير ؛ فاليتيم قد اشتهر أمره ،

عدد الصفحات ٩٤

قيَم التَّبية الغائبة عن الأ وحثَّ الإسلام على كفالته ؛ فسيجد من الناس من ينزله منزلة الابن ، أما أولئك فالناس عنهم في غفلة متعمَّدة ، وأشدُّهم غفلةً عنهم آباؤهم ، وفيهم يصدق قول الشاعر : ِ � � ِسةِ ْ � ِّ ِ � � �� ِ �� �� ْ ِسةِ �� � ٍ �� �� � ِّ �� � � ونحن نشاهد من ذلك صورًا شتَّى تكشِف عن تقصير بعض الآباء حقوق أبنائهم ، فهذه أسرة وفَّرت لأبنائها حياةً رغيدةً ؛ فلديهم من الملابس أضعاف ما يحتاجون ، ومن الطعام أكثر ممَّا يشتهون ، ومن حاجات الحياة ما يفوق الوصف والخيال ، فنظر الناس إليهم حَسَدًا ، وتمنَّوا مكانتهم ؛ وقالوا : يا ليت لنا مثل ما أوتوا ؛ لنستريح من كدِّ الحياة ، أو نطمئن على مستقبل أولادنا . ولكنهم مع كلِّ ذلك افتقروا إلى القلب الذي يحنو ! والعين التي تحرس ! والعقل الذي يُرشد ! وذلك كُلُّه لا يكون إلا بحضور الأبوين ؛ لِيغرِسَا فيهم ما يحُمد من فعال ، وما يجب من أخلاق ، ويحاربا ما فسد من سلوك ، وما اعوجَّ من تفكير ، ويحفظونهم من رفاق السوء ، مستنيرين في ذلك بهدى الإسلام ، لكن ذلك لم يتحقَّق لمَّا فقدوا رعاية الأبوين ؛ لانشغالهما بالأعمال والأسفار عن كلِّ شيء ، وأعْمَتْهم أرصدتهم عن بنيهم ، وهم أغلى وأعزُّ من كلِّ أرصدة الدنيا ، فلم يجدوا مُتَّسعًا للتفكير في الأبناء ومساعدتهم على مواجهة مشاكلهم الكثيرة ؛ ظنًّاا منهم أنهما وفَّرا لهم حياةً يحُسدون عليها ، ويرى الأب أنه من أجلهم يكدُّ ولهم يشقى ؛ لكيلا يتركهم عالةً يتكفَّفون الناس ، فهو يسعى لإنقاذهم من الفقر الذي عانى منه طويلاً ، ويريد أن يهُيِّئ لهم حظًّاا أحسن من حظِّه ، ولا يُعرِّضهم للمعاناة التي كم قاسى منها .

عدد الصفحات ٩٥

96 أمَّا الأمُّ فقد هيَّأت لهم خادمةً تقوم بأمورهم وترعى شؤونهم ؛ لِتوفر لهم الوقت لاستذكار دروسهم ، والترفيه عن أنفسهم بالطريقة التي تروق لهم ، ثم تمرُّ الأيام ، وتُطوى الأعوام ، وهي بالنسبة للأبوين سريعة ، وهي بحساب الزمن أيام وأعوام ، ويُفاجأ الأبوان بما لم يكن في الحُسبان ، فالأبناء قد انحرف بهم الطريق ، منهم مَن فَشِل في دراسته ! ومنهم من أسلم نفسَه للمخدِّرات ! أمَّا البنت فقد بحثَت عن الحبِّ الذي فقدَته ، والعاطفة التي تريدها خارج البيت ... ، وكان ما كان ! فأفاقوا على تلك النهاية المأساوية بعد أن اكتشفا تقصيرهم المتعمَّد ! ولم تُفلحِ الأرصدة الكبيرة في إصلاح ما فَسَد ، بل ربَّما كانت عِلَّة العِلل وأوَّل أسباب الفساد : � � ْ صةِ �� ْ من ُ �� �� ْ من ُ ِ �� ��� إن الثمن الذي دفعاه باهظ لا يساويه شيء في الدنيا ! فالإسلام لمَّا أوجب النفَقَة عليهم وضع لذلك ضوابط ، ومن أجمل الأمثال الدارجة : ومع ذلك فلا بُدَّ من عين الأب المفتوحة وعقله .أشبع ولدك وأحسن أدبه ! ، ولكنهم قد يُعلِّقون علِّق سوطك حيث يراه أهلك وقديماً قيل : السَّوْط ، وينشغلون عنه حتى يتآكل ! ويرى الأبناء السَّوْط في مكانه فيعبثون به ، ويسخرون من تراكم التراب عليه دون أن يرَوا صاحب السَّوْط يُعاقِب مخطئًا ، وأغراهم كلُّ ذلك بالانضمام إلى صحبة السوء ، وساعدهم المال الوفير على التبذير هنا وهناك ؛ فهم لا يخشون له نفادًا ؛ فلديهم أرصدةٌ لا تنضب ... !

عدد الصفحات ٩٦

قيَم التَّبية الغائبة عن الأ «الآباء بقوله ﷺ وقد أوصى رسول الله .(1(طَوْلِك ، ول ترفع عنهم عصاك أدبًاا ، وأخِفْهم في ا فالأهل وجدوا المال بغير حساب ، وفقدوا العصا والخوف من الله لغياب الآباء وانغماسهم في أعمالهم ، ولطالما حاول الواعظون والمربُّون نصح الآباء والتنبيه فكان سرعان ما يجُيب بعضهم : وماذا يريدون ؟! لقد وفَّرتُ لهم أكثر ممَّا يطلبون ، وما حرمتُهم من شيء قطُّ . فأين التقصير الذي تدَّعونه ؟! وعبثًا نحاول إفهامه أن الأبناء في حاجة إلى القلوب التي تحُبُّ ، والعقول التي تُوجِّه ، والعيون التي تُراقب ، قبل حاجتهم إلى غذاء وفير ، ولباس ناعم ، وأدوات إلكترونية ترفيهية ، ومساكن فاخرة تتلألأ ليل نهار ، وسيَّارات فارهة ، ورصيد في البنوك يُغطِّي احتياجاتهم في المستقبل القريب ، وربَّما البعيد ! ٍ � ُ � ِ ْ ْ �� ِ ِ � ُ � ِ ْ � � ِ ��� ٌ �� �� ِ كم ِ ��� ْ � � ومع ذلك لا تلقى منهم العناية ، ولا الوقوف على إصلاح الخلل بجدارة . ثانيًاا - القِوامة : والحديث عن القِوامة هو لبُّ كتابنا ، وسبق أن خصَّ الله الرجل ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ بالقِوامة على الأسرة ، إذ يقول : ﴿ رواه الإمام أحمد في مسنده (1(

عدد الصفحات ٩٧