المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

من أحكام المناسك

الشيخ عبدالرحمن بن حماد آل عمر

صفحة ٢ من ٩

17 لكن ابنه قلل من رتبته بسبب إضافته الأحاديث الضعيفة التي حذفها والده وكان الإمام أحمد قد أوصى ابنه بالاحتفاظ به وقال: إنه سيكون من بعدي إمامً ا، فيقال للمقلدين من أتباع المذاهب - أعني العلماء وكبار طلاب العلم المقلدين في المسائل الاجت هادية -: ألا يسعكم ما وسع السلف الصالح في القرون الثلاثة الأولى المفضلة، ومنهم أئمة مذاهب أهل السنة وغيرهم، وكلهم يقول: "خذوا مما أخذنا منه"(6) أما العوام فلا يسعهم إلا تقليد من يعلمهم ويفتيهم من العلماء المقلدين أو أهل الحديث. (6) انظر: الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء لابن عبد البر (ص145)، إعلامالمو عين (2/309). ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٧

18 أما المسائل التي سيأتي ذكرها- إن شاء الله تعالى - في هذه المناسك مما سبقت الإشارة إليه، وقد تركت التقليد فيها آخذً ا بالكتاب والسنة، فإن منها ما يلي: 5) المسألةالأولى: مسألة إلزام من ترك واجبً ا بدم. والإلزام لا يكون إلا بدليل صريح من القرآن أو السنة الصحيحة أو إجماع الصحابة. والدليل الوارد في ذلك موقوف على ابن عباس ، والاحتمال قائم بأنه رأي لابن عباس أفتى به، وليس قولاً يرويه عن النبي ، كرأيه لما أباح متعة النساء، وأباح ربا الفضل، وأباح ما لم يُ ذكر في قوله تعالى : ﭽ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﭼ [145] ثبت تحريم هذه الأمور، وكوهمه حينما قال: بزواج الن وهو محرم بميمونة(7). وكوهمه بقوله شرب النبي من زمزم وهو قائم(8)، والصحيح أنه شرب وهو قاعد على بعيره كما في البخاري عن عكرمة مولى ابن عباس(9). وهذه الأمور تقدح في مكانة حبر الأمة وترجمان القرآن ، فقد حصل من غيره من أئمة الصحابة  أمثالها، لأن العصمة إنما هي للرسل - عليهم الصلاة والسلام - فيما يبلغونه عن ربهم ، فمن اد عاها لغير الرسل فهو كاذب مفتر على الله ورسله، إلا ما أجمعت عليه أمة محمد وهو الإجماع المعتبر ، والله المستعان. والحجة في رواية الصحابي؛ لأنه عدل، لا في رأيه؛ لأنه غير معصوم، والقول بأن هذا القول من ابن عباس مما لا مجال للرأي فيه غير مُ سَ ل م به، كما بين ذلك من يرون أن للرأي مجالاً في قول الصحابي: من فعل كذا فعليه كذا. وإنما الذي لا مجال للرأي فيه هو قول الصحابي: أُ مرنا بكذا أو نهُ ينا عن كذا ، هذا من وجه. ومن وجه آخر: فإن ما يُب فيه الدم أو الكفارة ورد به الدليل الصريح من القر آن أو السنة: كهدي التمتع والقِران، وحلق الرأس للحاجة كما حصل لكعب بن عجرة ، وَكَدِمِ ا حصار لمن لم يشترط، وكجزاء الصيد. ولو كان في ترك الواجب دم ، لبينه النبي بياناً لا يقتصر على واحد فقط؛ لأن ذلك مما تعم (7) أخرجه البخاري 1837.) (8) أخرجه البخاري 1637)، ومسلم2027.) (9) أخرجه البخاري 5618.) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٨

19 به البلوى ويكثر السؤال عنه، وقد حج مع النبي عشرات الألوف وحصل منهم الأسئلة الكثيرة عما هو أقل من هذا الأمر، وبين ما هو أقل منه مما يحتاجون لمعرفته ومما يؤكد ذلك أن ابن عباس  لم يقل: قال رسول : كذا أو أمر بكذا . كما أنه  كان صغيرًا، لم يكن في حجة الوداع قد بلغ سن التحمل؛ لأنه ولد في الشعب في آخر أيام الحصار قبيل الهجرة بمدة يسيرة. ومن وجه ثالث: أن النبي لما أذن للعباس بترك المبيت بمنى من أجل السقاية(10) لم يأمره بدم كما أمر كعبً ا(11)، وكلاهما صاحب عذر مشروع. ومن وجه رابع: فإن قوله سبحانه: ﭽ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﭼ [286] يُبطل القول بمؤاخذة الناسي والمخطئ وتحميله الدم إلا ما استثناه الدليل كما تقدم. ومن وجه خامس: أن القول بالاتفاق على العمل بقول ابن عباس غير صحيح ؛ لأن بعض العلماء-كأهل الظاهر وابن تيمية وابن القيم والصنعاني وغيرهم من المتأخرين - لا يرون على الناسي والمخطئ فدية للآية الكريمة ولما تقدم. قال العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "وقد قدمنا في مناسك الحج التي ذكرناها في الكلام على آية الحج بعض المسائل التي يتعدد فيها الدم، وبعض المسائل التي لا يتعدد فيها، في مواضع متفرقة مع عدم النص على ذلك من كتاب أو سُنّة "(12). ونقل قول الظاهرية: إن كل ما لم يثبت من هذه الأمور من صيام ودم لا يُب ؛ لأن كل ما سكت عنه الوحي فهو عفو؛ له وجه من النظر، والعلم عند الله(13) . ونقل الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن البسام في شرح عمدة الأحكا م قول الإمام (10) أخرجه البخاري 1634،1743)، ومسلم1315.) (11) أخرجه البخاري 1814،1815،1818)، ومسلم1201) من حديث كعب لما اشتكى هوام رأساه فاأ ل لاه النبي في حلق رأسه، وأمر بالفداء . (12) أضواء البيال للشنقيطي5/169.) (13) أضواء البيال5/169.) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٩

20 الصنعااعلم أن إيُاب الدم في هذه الأفعال والتروك في الحج، لم يأت به نص نبوي وإنما روي عن ابن عباس.. إلى قوله: والعجب إطباق الْ مُفَرِّعِين على إيُاب الدم في محلات كثيرة، والدليل كلام ابن عباس، وعلمتَ أنه لم يثبت رفعه(14) . ومن وجه سادس: فإن الأصل براءة الذمة؛ فلا يُوز تكليف من ترك نسكً ا بالدم إلا بدليل صريح؛ لأنه مال معصوم، وأما القول: بأن في تكليفه بالدم ردعًا له عن ترك الواجب وارتكاب المحظور فهو مردود من وجوه: منها: أنه تشريع لم يأذن به الله سبحانه. والثاني: أن الذي يؤدي الواجب ويترك المحظور خوفً ا من الدم لا من الله آثم ولا ينفعه إراقة الدم. والثالث: إن كان يُد المال لا يبالي بترك الواجب وارتكاب المحظور؛ لأنه سيدفع قيمة الدم ظنً ا أنه كفارة له، وليس كذلك. ولما تقدم من وجوه ردِّ القول: بوجوب الدم على من ترك واجبً ا، اطمأنت نفسي إلى القول: بعدم وجوبه، والله أعلم. وإنما أقول: بأن من ترك الواجب أو ارتكب المحظور متعمدً ا من غير عذر شرعي؛ فهو آثم، وفعله ينقص كمال حجه ، بل إنه لو ذبح عن هذا المتروك دون ندم ولا توبة فلا يـُعْتَدُّ بذبيحته. أما إن كان ناسيً ا أو جاهلاً ؛ فلا إثم عليه، وعليه تدارك الواجب - إن أمكن – وهذا القول امتثالاً لأمر الله تعالى وأمر ر سوله بالتيسير وعدم التعسير، والله أعلم. هذا وقد أورد المحدث (عبد العزيز بن مرزوق الطريفي) في كتابه (شرح حديث جابر) أكثر من أحد عشر وجهً ا؛ رد بها القول بوجوب الدم على من ترك شيئً ا من نسكه، افتتحها بقوله: "ومن ترك شيئً ا من نسكه أو الواجبات ناسيًا أو عامدًا فلا يُب عليه دم إلا ما دل الدليل عليه وهي مواضع معدودة" (15) فليراجِع كتابَه من أراد المزيد من البيان المؤيد لما تقدم ذكره، وبلغني من بعض أهل العلم؛ أن العلامة المحدث سليمان العلوان أبطل القول بوجوب الدم على من ترك نسكًا ناسيًا أو جاهلاً من أكثر من عشرين وجهًا، والله أعلم. (14) تيسير العلام شرح عمدة الأحكام لعبد الله بن عبد الرحمن البسام 1/396.) (15) شرح حديث جابر في الحج لعبد العزيز بن مرزوق الطريفي (ص37.) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٢٠

21 ولقد أحسن العلامة الشيخ (محمد بن صالح بن عثيم، حينما قال في الشرح الممتع شرحً ا لعبارة صاحب متن (زاد المستقنع) وهي: (من ترك واجبً ا فعليه دم): "ما الدليل على أن تارك الواجب عليه دم؟ فأجاب على هذا السؤال الذي أورده بقوله: هذا أيضً ا يحتاج إلى دليل واضح يوجبه الله عليهم؛ لأن إيُاب ما لم يُب كإسقاط ما وجب أو أشد؛ لأن إسقاط ما يُب تخفيف، وإيُاب ما لم يُب تشديد، والموافق للإسلام التخفيف، فإيُاب ما لم يُب أشد من إسقاط ما يُب؛ لأنه أعظم وفيه قول على الله بلا علم، وإشقاق على العباد، وإسقاط ما وجب بمقتضى الاجتهاد ليس فيه إلا شيء واحد وهو إسقاط ما عسى أن يكون واجبً ا؛ لكن هل فيه تكليف على العباد؟ الجواب: لا، وكذلك في التحريم. فتحريم ما ك ان مباحً ا أشد من إباحة ما عسى أن يكون حرامً ا"(16) . وقال في موضع آخر: الأصل براءة الذمة، وقول الصحابي المبني على الاجتهاد كقول غيره من الناس(17) . قلت: وأما بقاء الشيخ محمد بن عثيمين على إيُاب الدم على من ترك واجبًا، فقد بناه على اجتهاده الذي عبر عنه بقوله: "في إيُاب الدم مصلحة وهي حفظ الناس من التلاعب"(18)، وهو قول غير مُ سل م به؛ بل إنه قد نقضه بما تقدم من كلامه ؛ وذلك لأن الذي لا يردعه الخوف من الله  وتعظيم شعائره لا يهمه قيمة الدم. بل إن الدم لا يُكَفِّر عنه إذا لم يكن مقروناً بالتوبة. 6) المسألة الثانية: عدم صحة القول بمضي المحرم المجامع قبل التحلل الأول قبل الانصراف من عرفة في إحرامه، وحجه فاسد، وقضاؤ ه من العام القابل وذبح بدنة لعدم الدليل على ذلك، وإنما الذي عليه إن كان عالم اً متعمدًا التوبة إلى الله، واستئناف الإحرام بالحج إن كان وقت الوقوف باقيًا ولو في ليلة العيد قبل الفجر، وحجه صحيح ولا قضاء عليه ولا فدية والأدلة على ذلك. (16) الشرح الممتع على زاد المستقنع لابن عثيمين (7/407.) (17) الشرح الممتع 7/408.) (18) الشرح الممتع 7/408.) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٢١

22 الإحرام من الميقات وفيه مسائل: 7) المسألة الأولى: يُب على كل حاج ومعتمر يأتي من بلد خلف المواقيت التي وقتها رسول أن يحرم من الميقات الذي يمر به ، ويحرم عليه تجاوزه من غير عذر شرعي، و إن كان بالطائرة؛ فإنه يحرم إذا حاذاه في الجو مع الاحتياط بمسافة تفاديا لتجاوزه قبل الإحرام نتيجة سرعة الطائرة، و إن أحرم قبله بمسافة طويلة أو من بلده جاز مع الكراهة مع استحباب تجديد النية عند محاذاته. 8) المسألة الثانية: ولكن الذي هو موضع البحث هو مشكلة تجاوز الميقات بدون إحرام نتيجة سهو أو جهل فوصل إلى جدة أو قريبً ا من مكة ولم يحرم بعد ولا يستطيع الرجوع إلى الميقات إلا بمشقة وكلفة أو يمكنه الرجوع بيسر ؛ ولكنه لم يرجع كسلا ف أحرم من جدة أو من الطريق قبل وصول مكة، وكذا من لم يحرم إلا بعد وصوله إلى مكة وهو حاج. والذي ظهر لي والله أعلم بدليل ما تقدم من أوجه البيان في المسألة الأولى التفصيل الآتي: أولا: من تجاوز الميقات ولم يحرم ناسيا أو جاهلا فأحرم بعد مجاوزته، فإحرامه صحيح ولا شيء عليه. ثانيًا: من تجاوز الميقات متعمدا عالما بالوجوب فأحرم بعد مجاوزته من غير عذر شرعي، فهو آثم وعليه التوبة إلى الله سبحانه، وإحرامه صحيح ولا فدية عليه لما تقدم. ثالثً ا: من تجاوز الميقات وهو بالطائرة و أحرم من جدة متعمدا من غير عذر شرعي فلا يخلو إمّا أن يكون بناء على اقتناعه بأن جدة ميقات فهو مخطئ لتعمده تجاوز الميقات الذي وقته له الرسول ، وعليه التوبة إلى الله سبحانه وإحرامه صحيح ولا شيء عليه. وإمّا أن يكون لم يحرم بعد فيلزمه الرجوع ليحرم من الميقات الذي وقته له الرسول إذا لم يكن عليه مشقة. وإن لم يرجع مع تيسر الرجوع له فهو مخالف للسنة ولا فدية عليه ، وإنما عليه التوبة أي: بأن لا يعود إلى ذلك الفعل ويستغفر الله تعالى. وأما قول من يرى أن جدة ميقات، فهو مبني على أمرين: الأول: جواز الإحرام مما هو محاذ للمواقيت أو ما قبلها لثبوت ذلك عن أمير المؤمنين عمر ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٢٢

23 بن الخطاب  لما اشتكى إليه أهل المشرق – أي ما كان شرق المدينة وهو العراق - مشقة الإحرام من قرن المنازل الذي هو ميقات أهل نجد ومن أتى عليه من غيرهم، فقال عمر: انظروا حذوها من طريقكم فحد لهم (ذات عرق)(19)، وهذا هو الثابت؛ لأن الحديث المروي عن عائشة وابن عباس وابن عمر ؛ بأن الذي حد ذات عرق لأهل العراق هو النبي (20) لم يصح؛ لوقفه على عائشة وابن عباس وابن عمر لما رُوِ يَ ذلك عن الإمام أحمد بن حنبل والدارقطني في العلل وابن خزيمة في صحيحه. وروى الشافعي والبيهقي عن طاو س بسنديهما قال: لم يوقت النبي ذات عرق، ولم يكن أهلُ مشرق حينئذ ، فوقّت الناس ذات عرق (21)، ومعنى قول طا و س: ولم يكن أهل مشرق حينئذ (يعني العراق)؛ لأنه لم يفتح في زمن النبي . الأمر الثاني الذي بنى عليه من قال: (جدة ميقات)، ومنهم الشيخ عبد الله بن محمود رئيس محاكم قطر سابقا ، والشيخ عدنان بن محمد عرعور من علماء الحديث السلفي المعاصرين في كتابه بعنوان (جدة ميقات )، والشيخ عبد العزيز الطريفي في صفة حجة النبي هو: "محاذاة جدة للمواقيت القريبة من مكة ومنها: قرن المنازل ويلملم، بالقياس الجغرافي."(22) وفي هذا نظر؛ لأن الإحرام بعد تجاوز الميقات لا يُوز إلا من مكان محاذ للميقات من جهة اليمين أو الشمال وهذا غير متحقق بالنسبة إلى جدة، والله أعلم. أمّا الإحرام من جدة لمن احتاج إليه مم ن تجاوز ميقاته لعذر مشروع كالنسيان والخطأ فهو جائز إن شاء الله، لما تقدم في بيان أحكام تجاوز الميقات، والله أعلم. أما من يتجاوز الميقات الذي يمر به دون إحرام متعمدًا عالِ مًا بوجوب الإحرام منه فقد ارتكب خطأ لانتهاكه حرمة الميقات الذي وقته رسول الله ، وعليه الرجوع ليحرم منه إن كان لم يحرم (19) البخاري 1531.) (20) أخرجااه أحمااد (4584، 5492)، وأبااو داود (1739)، والنسااائي2653)،و كاار الحااديث الحااافظ اباان حجاار في الدراياة في راريج أحاديااث اةداياة ( 2/5) هاذ الوجااو ، ونقال إعالاا الاادار طله و اير ةاا ، وانظاار التميياز لمماام مساالم (1/214)، و اا والصحيح المحفوظ من تو يت رسوا الله ما حفظ نافع عان ابان عمار أل النابي و ات ارنا لأهل العراق، هذا ما لا يحتمل التوهم على مالك.. فأما الأحاديث التي كرناها من بل أل النبي و ت لأهل العراق ات عرق فليس منها واحد يثبت. (21) أخرجه الشافعي في مسند (115)، والسنن الصغرى للبيهقي 1496). (22) صفة حجة الن لعبد العزيز الطريفي (ص62). ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٢٣

24 بعد ولم يكن عليه مشقة كبيرة في الرجوع ، أما الدم فلا يكلف به لعدم ثبوت ذلك عن الشارع وإحرامه صحيح إن شاء الله، وعليه التوبة إلى الله تعالى إن كان ليس له عذر شرعي في التجاوز ولو كان أحرم من جد ة. 9) المسألة الرابعة: مسألة نقصان خطوات، أو بعض شوط، أو شوط كامل من الأشواط السبعة في الطواف أو السعي الركن لعذر شرعي كالنسيان ، أو الخطأ، أو نزول دم الحيض على المرأة التي اعتقدت عدم جوازه للحائض، أو المرض المانع من الإكمال، أو الحدث من بول أو غيره الذي لم يستطع منعه، أو شدة الزحام التي خاف على نفسه منها الهلاك لو حاول الإكمال ونحو ذلك، وليس باستطاعته إكمال النقص بعد أن يستريح إما لدوام العذر أو للمشقة الشديدة التي يتعذر معها الإتمام، أو يلحقه الضرر لو أتم لشدة الزحام واستمراره وعدم استطاعته البقاء مدة يوم أو أكثر حتى يتمكن من الإتمام أو إعادة الطواف خشية فوات رفقته ونحو ذلك.. فما الحكم والحال كما ذكرنا؟ الذي أدين لله  به؛ أنه يُب على المستطيع أن يأتي بالأشواط السبعة كاملة تأسيًا برسول الله و اتّباعًا لسنته، وأنه لا يُوز تعمد ترك خطوة واحدة لغير عذر مشروع. أما إذا كان ترك الشوط أو جزء منه لعذر مشروع كما تقدم ذكره ، فإن الله  وله الحمد والمنة قد جعل لنا فرجًا ومخرجًا في كتابه وسنة رسوله حيث بين لنا سبحانه في الكثير من الآيات وعلى لسان رسوله أنه ما جعل علينا في الدين من حرج ؛ وأنه لم يكلف أمة محمد ما لا طاقة لها به، وأمر سبحانه وأمر رسوله بتقوى الله على قدر الاستطاعة فقال سبحانه: ﭽ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﭼ [التغابن16] :ﭽﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﭼ [286.] وقال رسول : «َا نهََيـْتُكُمْ عَنْ شَيْء فَاجْتَنِبُوهُ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بأَِمْر فَأْتُوا مِنْهُ مَا فَإِذ اسْتَطَعْتُمْ »(23)، فهذه النصوص وما في حكمها دالة دلالة قطعية على صحة الطواف المذكور، وأنه لا إعادة واجبة على صاحبه. إلا من تيسر له البقاء، وزال عنه العذر، فإن الأحوط أن يعيده، والله أعلم. ولم أقل بذلك تقليدًا لمن أجازه كأبي حنيفة وطاوس ، بل قد قالا: بصحة الطواف إذا أتى بأكثره (23 )أخرجه البخاري 7288) واللفظ له، ومسلم (1337). ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٢٤

25 كأربعة أشواط، وينفق عن الثلاثة الباقية عن كل شوط نصف صاع وهذا لا أقول به ، وإنما أعني شوطًا فأقل، لأني لا أرى التقليد وإنما لما تقدم من الاستدلال ، وكذا ما استشهدت به من اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل التحقيق المتقدمين والمتأخرين فإن استشهادي بما كتبوه ليس تقليدًا ؛ وإنما لأنه مبني على الأدلة من الكتاب والسنة والقواعد الشرعية. ومن وجه آخر فإن من أتى بالأكثر حتى لم يبق إلا القليل يـُعَد شرعًا قد أتى بالكل في كثير من أمور الدين والدنيا، وهذه من القواعد الشرعية إلا فيما لا يمكن تجزئته كالصلاة والطهارة فإن المعذور يتم الصلاة على قدر استطاعته ويتم الوضوء بالتيمم إذا فقد الماء أو عجز عن استعماله، والقول بأن الطواف صلاة لا يعني أنه كالصلاة في الأحكام والأفعال والأقو ال، بل لا يُب فيه من أحكام الصلاة إلا الطهارة عند من يرى وجوبها، والنية، ولا يصح قياسه على الصلاة أيضًا. ومثل ذلك الأجير الذي أجر نفسه يومًا كاملاً فعمل ذلك اليوم حتى غربت الشمس فإن أجرته كاملة لازمة في ذمة المستأجر وليس له الحق في استقطاع جزء من أجرته مقابل صلاة الظهر والعصر ومدة أكله بل واستراحته وسط النهار مع ما يتخللها من نوم جرت به العادة. وما ماثل ذلك كقصة القِمْرِي ة التي اشترط بائعها للمشتري أنها تغرد طيلة النهار لكن المشتري وجدها تسكت آخر النهار قبل غروب الشمس فأراد ردها إلى بائعها فلم يقبل فاحتكما إلى الإمام مالك في مجلسه بحضرة طلابه وكان من بينهم محمد بن إدريس الشافعي، وهو من أبرزهم فلما اعترف البائع بما ادعاه المشتري، قال له مالك: إما أن تقبلها أو تسقط عنه جزءًا من قيمتها يقابل ما بقي من النهار. فسأله الشافعي في الحال قائلاً ألم تعلمنا يرحمك الله في درس كذا أن اسم الكل يشمل الجزء اليسير الذي نقص منه؟ فأجاب: بلى، ورد الخصمان ، وقال: إن البيع صحيح ولا يضر ما نقص من آخر النهار، ثم قال في غيبة الشافعي:" لئن عاش هذا الفتى ليكونن إمامًا" ومعنى هذه القصة تؤيده النصوص الشرعية، والله أعلم. 10) المسألة الخامسة: تتعلق برمي الجمار، وهي أنه لا يخفى على من حج وخصوصًا في هذه الأزمان من الزحام العظيم الذي يذهب ضحيته العشرات من الحجاج موتى تحت الأقدام، وينال مئات الألوف من الإعياء والإصابات الشيء الكثير، ولا يخفى أن هذا الزحام مستمر طيلة الليل ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٢٥

26 والنهار خلال يوم العيد وليلته وأيام التشريقخصوصًا بعد الفتوى بجواز الرمي طوال النهار والليل، ولا يخفى أن الزحام لو خف في وقت ما ، فإنه بالقدر الذي لا يمكن معه الوصول إلى الحوض أو القرب منه إلا لذوي القوة من الرجال الذين لا يمثلون إلا جزءًا يسيرًا من الحجاج. وأقصد بذلك قبل أن تبني دولة التوحيد حكومة آل سعود الجسور العملاقة المكونة من عدة طوابق مع سعتها جزاهم الله خير الجزاء. ولا يخفى أن الحوض محُْدَث في أواخر العهد العثماني لم يكن في عهد النبي ولا في عهد الخلفاء الراشدين ولا من بعدهم، وأن القصد منه حفظ حصى الجمار حتى لا يتأذى به الحجاج من ناحية، ودلالة الحجاج على موضع الرمي من ناحية أخرى. وحيث أن الشاخص هو الموضع الذي تحّراه السلف بأنه موضع رمي النبي أو حوله، وحيث أن أكثر الحجاج لا يستطيعون إيصال الحصى إلى الشاخص ولا إلى الحوض. لهذه الحيثيات فإن الفتوى بأنه لابد من وصول الحصى إلى الحوض وما لا يصل لا يعتد به فتوى في صحتها نظر، مع احترامي لمن يفتي بذلك من العلماء الأجلاء وتقديري لوجهة نظرهم ولمن سبقهم إلى هذه الفتوى من الأئمة" ونظرًا لعدم الدليل الصحيح على وجوب إصابة الشاخص أو إيصال الحصى إلى الحوض، ونظرًا إلى أن أكثر الحجاج يرمون بعيدًا عن الحوض والشاخص دون إصابة أحدهما لعدم استطاعتهم منذ مئات السنين، والعلماء يرونهم من كل مذهب ، ولم يُقدِم أحد على أن يعلن بطلان رميهم، وإنما يوجد القول ببطلانه في بعض كتب المفرعين ومناسكهم وتقدم الرد عليهم. ونظرًا لما تقدم شرحه من الخطر العظيم على الحجاج الذين طوقتهم به الفتوى المذكورة ، وبناءً على ما ثبت من كتاب الله تعالى وسنة نبيه من التيسير والأمر به ورفع الحرج ونفي التكليف بما لا يطاق، فقد انشرح صدري وظهر لي أن من أتى من الحجاج إلى الجمرات وزاحم وبذل جهده حتى وصل إلى أقرب مكان يمكن أن يرمي منه الحصى نحو الشاخص وهو يعلم أن حصاه لن يصل؛ ولكنه يعرض نفسه للخطر لو تقدم أكثر مما وصل إليه ثم رمى من مكانه نحو الشاخص بقدر استطاعته وكَبر مع كل حصاة فإن رميه صحيح إن شاء الله، ولو لم يصل من حصاه شيء إلى الحوض لبعده عنه، ولا إعادة عليه، وذلك؛ لأن مجيئه إلى مواضع الجمرات وتكبده مشقة الوصول إلى أقرب مكان رمى منه نحو الشاخص بنية صالحة وبنية التأسي برسول الله ؛ ولأنه رمى الحصى واحدة بعد الأخرى يكبر الله مع كل حصاة ، فإن هذا هو المراد من ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٢٦

27 الرمي؛ لأنه حقيقته والله سبحانه يناله التقوى من عباده وهو أعلم سبحانه وهو الغفور الرحيم ، والله أعلم. 11) المسألة السادسة: يصح طواف الحائض والنفساء عند الضرورة، وعدم استطاعتها البقاء حتى تطهر لعدم انتظار رفقتها لها، أو لعدم وجود محرم ينتظر معها، أو لعدم استطاعته البقاء لنفاد نفقته أو لخوفه الضياع والضرر لفوات رفقته ، وذلك لِمَا احتج به المحققون من أئمة أهل العلم المتقدم منهم ، والمتأخر وفي مقدمتهم شيخ الإسلام ابن تيمية ، وفي مقدمة المتأخرين الإمام العلامة عبد العزيز بن باز  جميعًا. وأجابوا عن قوله : «أَحَابِسَتـُنَا هِيَ؟»(24) الذي هو الدليل على وجوب الطهارة للحائض بأن هذا خاص بمن لها رفقة تنتظرها، أو محرم ينتظر معها كصفية، والله أعلم، ومن أراد المزيد من البيان فليراجع ا لبحث العظيم الذي كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا الموضوع، وهو موجود في الجزء الثامن عشر من فتاواه الكبرى، والخاص بمناسك الحج. 12) المسألة السابعة: فائدة لأبنائي المبتدئ ربما يتمسك بعض المبتدئين المقلدين من أتباع المذاهب الإسلامية المشهورة، فيضللون من يخالف ما يُدونه في كتب مذاهبهم، وهذا خطأ كبير يُب على طالب العلم أن يحذر الوقوع فيه للأسباب الآتية: الأول: أن الله  أمر في كتابه وعلى لسان رسوله برد ما تنوزع فيه إلى الله والرسول (أي القرآن والسنة)، لا إلى ما قال فلان أو فلان من العلماء، ولو كان من أئمة المذاهب. الثاني: ولأن مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم هو ردّ ما حصل فيه الاختلاف إلى الوحيين وقد نهوا أتباعهم عن تقليدهم، وقالوا: "خذوا مما أخذنا منه "(25)، وقالوا "إذا صح الحديث فهو مذهبي"(26)، وقالوا"إنا نقول القول اليوم ونرجع عنه غدًا "(27)، ولهذا يوجد للواحد منهم (24 )أخرجه البخاري (1757)، ومسلم1211) من حديث عائشة، أل صفية بنت حيي زوج الن حاضت فاااذكرت لاااك لرساااوا الله فقااااا: «أَحَابِسَاااتاانَا هِاااىَ »فقلااات: س رساااوا الله إأاااا اااد أفاضااات وطافااات بالبيااات حاضت بعد الإفاضة، فقاا رسوا الله « :فاَلْتاَنْفِرْ» (25) انظر: الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء لابن عبد البر (ص145)، إعلام المو ع2/309.) (26) هااذ المقولااة تنسااب لممااام أو حنيفااة والإمااام الشاااافعي انظاار نساابتها للشااافعي في: أايااة المطلااب للجاااوي (1/165)، المجموع للنووي 1/104)، ونسبتها إلى أو حنيفة رَسْم المفتي (من مجموعة رسائل ابن عابدين) ( 1/ 4)، رد المحتار 1 /167.) (27) هذ المقولة تنسب لممام أو حنيفة . انظرإعلام المو عين (2/309)، حاشيته ابن عابدين على البحر الرائق ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٢٧

28 بعض المسائل أكثر من قول الثالث: أن العلماء الكبار المجتهدين الذين لهم مذاهب معروفة بعد القرون المفضلة ليسوا الأئمة الأربعة فقط؛ بل هم كثير يزيدون على العشرين كلهم من أهل السنة والجماعة، ولكل منهم رأيه الذي يتفق مع غيره أو يختلف، وقد بقيت مذاهبهم مدونة في كتب التفسير وشروح الحديث، وكتب الفروع المطولة ولم تشتهر مذاهبهم لدى العامة ولم يكن لهم أتباع لعدم وجود من يتبنى الأخذ بها، ونشرها من الأمراء وكبار الأتباع المقدمين لديهم كما حصل للمذاهب التي انتشرت واشتهرت كالمذاهب الأربعة والمذهب الظاهري وغيرها. وإلا فإن مرتبة أولئك العلماء الأعلام في العلم مثل مرتبة الأئمة الأربعة؛ بل إن منهم من يفوق بعضهم، ومن أصحاب المذاهب التي لم تنشر: محمد بن سيرين، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وقتادة، والحكم، وإسحاق بن راهويه، والحسن البصري، وسفيان الثوري، ومجاهد، والأوزاعي، وسفيان بن عيينة، وابن المبارك، والليث بن سعد، وعطاء بن أبي رباح، وطاوس بن كيسان، وعطاء بن السائب، وأقرانهم. ومن جاء بعدهم من الأئمة، وأصحاب الاجتهاد المعروف كابن جرير، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، وابن حجر العسقلاني. ومن جاء بعدهم كالإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، والبارزين من أبنائه، وأحفاده، وكبار تلاميذهم أمثال الأئمة الأعلام عبد العزيز بن باز، وعبد الرحمن بن سعدي، ومحمد بن عثيمين، الذين ظهرت إمامتهم في الدين جلية بما رزقهم الله من حفظ السنة والأخذ بالدليل، وترك التقليد فيما لا دليل عليه فجمع الله لهم بين معرفة التفسير، وحفظ الحديث والفقه فيهما والعمل الصالح وتوافرت فيهم شروط المجتهد المطلق الصحيحة المعتبرة لا المتكلفة التي وصفها الإمام المجدد بقوله عن المتكلفين من المقلدين: "وسدوا باب الاجتهاد باشتراطهم شروطا لعلها لا توجد كاملة في أبي بكر وعمر ؛ بل ويتهمون بالزندقة من يخالف المذهب ولو في المسائل الاجتهادية"(28) . تنبيـه: 13) لقد بلغ الجهل والتقليد الأعمى بأكثر متفقهة المذاهب الذين تولوا القضاء والفتيا في أزمنتهم (6/293.) (28 )انظاار: مجموعااة رسااائل في الإلااال والتوحيااد للشاايخ مااد باان عبااد الوهاااب (ص396)، وتيسااير العزيااز الحميااد شاارح كناب التوحيد ( 2/218.) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٢٨

29 القرون المتقدمة على زمن الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب تعالى، ابتداء من حدوث التمذهب بعد وقت الأئمة الأربعة، أقول: بلغ التفرق بين علماء المسلمين إلى اعتناق أولئك الكثرة منهم مذاهب صوفية ضالة في المعتقد، خالفوا بذلك أئمة أهل السنة في العقيدة السلفية التي كانوا عليها، فمنهم النقشبندي، ومنهم التيجاني ومنهم الشاذلي، ومنهم القادري، ومنهم الأحمدي وغيرهم، بل إنهم يأخذون ببدع من ينتسبون إليهم ويتركون أكثر ما أصابوا فيه ويحاربون من يدعوهم إلى العقيدة الصحيحة والأخذ بالدليل كما تقدم تفصيل ذلك. ولا شك أن من تقدم ذكرهم من المتأخرين وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية  قد توافرت فيهم الشروط المعتبرة للمجتهد المطلق، وأما انتماؤهم إلى المذاهب المشتهرة وعدم ادعائهم لأنفسهم رتبة الاجتهاد المطلق فذلك راجع إلى تواضعهم، وزهدهم في الشهرة من وجه، ولانتشار التعصب المحرم في وقتهم من وجه آخر، وأما قلة أو عدم اعتبارهم في مستوى الأئمة الأربعة فذلك لا يقوله إلا العلماء، وطلاب العلم المقلدون الذين سدوا باب الاجتهاد وظنوه قد انتهى بالأئمة الأربعة وما دُوِّن في الكتب المنسوبة إليهم، حتى قال بعضهم عن الإمام ابن تيمية  وأمثاله: إنه مجتهد مذهب لا مجتهد مطلق، وهذا لا يقوله إلا جاهل به أو حاقد صاحب هوى؛ لأن الله سبحانه قد أعطاه من العلم والفقه في الدين والعمل به ما فاق به بعض الأئمة، فهو من أبرز العلماء الربانيين، ولذا قال عنه محدث العصر محمد ناصر الدين الألباني: لو كنت مقلدا أحدا لقلدت شيخ الإسلام ابن تيمية. أما ما لاقاه  في زمنه من متعصبة المذاهب من علماء السوء المشركين والمبتدعين الذين وشوا به إلى السلطان لقربهم منه فصدقهم لجهله، وسَجَنَه حتى مات  في سجن القلعة بدمشق بعد أن قضى فيه ثلاث سنين تقريبًا، فاضطر الوالي وعلماء السوء إلى الاختفاء عدة أيام خوفا من نتائج غضبة المسلمين الذين شيع جنازته منهم مئات الألوف، مات منهم بضعة أشخاص بسبب الزحام وذلك لمحبة المسلمين له كما جاء في مناقبه، لما له فيهم من الآثار الطيبة في مقدمتها: دعوة الناس إلى توحيد الله تعالى، ومناظرة المشركين والمبتدعين والرد عليهم، ومنها جهاده في سبيل الله تعالى فهو الذي قاد المعركة التي هُزم فيها التتار. أما الذين يسبونه في هذه الأزمان فهم أهل الشرك والبدع ورثة علماء السوء الذين حاربوه كما حارب المشركون رسول الله ، والله لا يصلح عمل المفسدين. وصفات العالم الربانـي الذي وضع الله له القبول في الأرض، وتُرجى له ولاية الله الكا ملة هو من وفقه الله  لتحقيق معاني الصبر واليقين بآيات الله تعالى علمًا وإيماناً وعملاً وأمارات ذلك ما ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٢٩

30 يلي الأولى: العلم بالكتاب والسنة. الثانية: الإخلاص الكامل لله  . الثالثة: العمل بالعلم وذلك بالتأسي التام برسول في عبادته للخالق ومعاملته للخلق. الرابعة: عدم التقليد فيما لا دليل عليه. الخامسة: حسن الخلق والتواضع التام والصبر على الأذى وكفه، والرفق والعفو والكرم المشروع، وطلاقة الوجه، وبذل صنائع المعروف. السادسة: نشر العلم والدعوة إلى الله تعالى بين المسلمين وغيرهم. السابعة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين العامة والخاصة. الثامنة: مناصحة ولاة الأمر والدعاء لهم، وترغيب الناس في ذلك والبعد عن مداهنتهم. التاسعة: الزهد في الدنيا بالتورع عن الحرام والمتشابه، وإنفاق الفضل من المال في وجوه البر، والزهد في الثناء والظهور. العاشرة: ملازمة ذكر الله وتلاوة القرآن بالتدبر. الحادية عشرة: ويُمع ذلك كله: أن يكون خلقه القرآن. كما وصفت أم المؤمنين  خلق الن بذلك. الثانية عشرة: ليس من يتأسى برسول الله مهما بلغت منزلته من العلماء الربانيين يصل إلى منزلة الرسول ؛ لأنه معصو م وقد رزقه الله من الإيمان الكامل واليقين الصادق والإحسان ما لم يصل إليه أحد سواه من الناس. وهكذا الحال في الأخذ بمناسك الحج فليس من وُفِق للتأسي به في ذلك أنه يصل إلى مرتبته. لكنه مأجور على قدر استطاعته ونيته. الثالثة عشرة: بناءً على ما تقدم ذكره من كلا م الأئمة الأربعة، وأهل الظاهر وغيرهم من أئمة الهدى  تعالى، بأن مذهبهم جميعا هو الأخذ بالدليل من الكتاب والسنة، وبناءً على أمرهم لتلامذتهم وأتباعهم بذلك ونهيهم عن تقليدهم فيما هو من اجتهادهم، والذي أدى إلى اختلافهم في بعض الفروع نتيجة خفاء الدليل على بعضهم وظهوره للبعض الآخر، أو أنه لم يصح لدى بعضهم، وصح لدى البعض الآخر من طريق أخرى، أو أنه نتيجة اختلاف في فهم ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٣٠

31 المراد من الدليل وإلا فإن مذهبهم جميعًا هو الأخذ بالدليل كما بين ذلك بالتفصيل شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام ). وهكذا الحال في اختلاف الصحابة  في بعض المسائل الفرعية. أمّا أصول الدين فإن الجميع والحمد لله متفقون عليها. أقول: بناءً على ما تقدم فإنني اجتهدت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هو حسبي ونعم الوكيل، على أن آخذ في هذا الكتاب المبارك بما فيه هذا الجزء المتعلق بمناسك الحج بالدليل من كتاب الله تعالى وصحيح سنة نبيه ، وذلك بعد بذل الجهد في معرفة حجة من خَالَفْتُ قوله فكان تركي له نتيجة بنائه على رأي أو تقليد أو دليل لم يثبت. ولهذا فإنني على ثقة إن شاء الله تعالى؛ بأن جميع إخوانـي في الله من العلماء الذين نور الله بصائرهم، وعصمهم عن الكبر والحسد والتقليد الأعمى سيوافقونني على ما في هذا الكتاب، ويعتبرونه مذهب أهل الحق كلهم من الأئمة وغيرهم، إلا ما خالف الحق فإنني وإياهم بريئون منه، والله المستعان. الرابعة عشرة: ليعلم كل أخ لي في الله من العلماء وطلاب العلم؛ أنني لم أذكر ما ذكرته في المسائل المتقدمة أو غيرها مما سيأتي أو قد مضى ادِّعاءً، بأنني من أهل الاجتهاد، ولكن ذلك مني -إن شاء الله تعالى- امتثالا لأمره سبحانه وأمر رسوله بالرد فيما تنوزع فيه إلى الله والرسو ل ورجاء أن يثيبني الله سبحانه على المساهمة في التخفيف عن المسلمين في أمور كلفهم بها بعض العلماء اجتهادا منهم بلا دليل واضح تقوم به الحجة، فإن كنت مصيبا فمن الله  وله الحمد والمنة، وإن كنت مخطئا فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله لذنبي وخطئي، و أعلم وصلى الله على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وسلم تسليما. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٣١

32 التعريف بالمناسك وبالحج والعمرة وحكمهما 14) المسألة الأولى: معنى المناسك: جمع منسك، وهو عام لمكان العبادة وفعلها، والذبح المشروع الذي قُصد به العبادة كالأضحية والهدي. 15) المسألة الثانية: تعريف الحج لغة: القصد، وشرعًا: أداء مناسك الحج التي شرعها الله سبحانه بقوله: ﭽ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﭼ [ عمران97.] وهذا الأداء للمناسك لابد أن يكون في أماكنها، وأوقاتها المعينة لها الكتاب والسنة؛ لأن الله حرم الحج إلى غير بيته، وما يتبعه من الأماكن، وهي منى وعرفة ومزدلفة في أيامها المعلومة. كما تقدم بيان ذلك في المفاهيم السامية في الحج، وكما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. 16) المسألة الثالثة: حكم الحج: هو الركن الخامس من أركان الإسلام الخمسة، فهو فريضة على كل مسلم مكلف مستطيع ذكرا أو أنثى، ومن جحده كفر، ولو أداه ظاهرا كما دلت على ذلك الآية الكريمة. 17) المسألة الرابعة: أركان الحج المتفق عليها ثلاثة الأول: عقد النية بالإحرام بالحج. الثاني: الوقوف بعرفة في وقته. الثالث: طواف الإفاضة. 18) المسألة الخامسة: شروط فرضيته خمسة الأول: الإسلام ؛ لأنه لا يصح للكافر عمل حتى يؤمن بالله، ويدخل في الإسلام بنطقه بالشهادتين مع اعتقاده لمعناهما وإيمانه به بأنه الحق. الثاني: العقل؛ لأن فاقد العقل لا يصح حجه إلا الفقدان الجزئي الذي يحصل أثناء تأدية بعض المناسك كالإغماء ونحوه. الثالث: البلوغ: ويعرف بالن سبة للرجل بأحد الأمور الآتية: بخروج المني من ذكره، بلذة عند الشهوة الجنسية، أو نبات الشعر الخشن حول قُبله، وعلى شاربه ولحيته، فإذا لم يوجد من ذلك ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٣٢