1
عدد الصفحات ١2 تم طبع هذا الكتاب (الطبعة الأولى) عن طريق رابطة العالم الإسلامي وتوزيعه في الحج عام 1428 هـ ومن أراد طباعته لوجه الله فلا مانع بعد موافقة مؤسسة الشيخ عبد الرحمن بن حماد العمر الوقفية ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٢3 ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٣4 مقدمة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ... أما بعد فقد بقيت مسائل الحج والعمرة وأحكامهما ملازمة للمؤلف الشيخ عبدالرحمن بن حماد العمر -رحمه الله- لأكثر من ستين سنة، وهذا هو عدد المرات التي قام بها حاجاً لبيت الله الحرام، كان آخرها حجة سنة 1436 هجرية، وهي حجته الأخيرة التي سبقت وفاته بثلاثة أشهر تقريباً، حيث توفي رحمه الله في الثاني من ربيع الأول لسنة 1437 من الهجرة النبوية، كما يُضاف في سجلة مع الحج، عدد أكبر من العمرات التي قام بها –رحمه الله-. وقد هيأ ذلك له سانحة لمباشرة أحوال الحج والعمرة خلال ستة عقود، مر عليه خلالها الآلاف من مسائل وقضايا الحج والعمرة، ارتبطت بزمانها وظروف الحج التي لازمتها، وبشخوصها من الرجال والنساء، وبتعدد جنسياتهم وعاداتهم وتقاليدهم، وعقائدهم ومذاهبهم الفقهية، وبتفاوتهم في الاستقصاء والتشدد أو الاقتصار والتساهل. كل ذلك أحيا في وجدانه -رحمه الله- رغبة غامرة، في جمع الناس ما أمكن، على الأصوب والأيسر، مما وافق الدليل من القرآن والسنة الصحيحة، وظهر رجحانه، ومناسبته لأحوال الحجاج والمعتمرين، وفق أصنافهم وظروفهم وحاجاتهم. وفي سبيل سعيه –رحمه الله- إلى ذلك لم يكن – حين تأليفه هذا الجزء من كتاب الإسلام - بمعزل عن العلماء الكبار المحققين، وعلى رأسهم ثلة من هيئة كبار ا لعلماء، وغيرهم ممن عرف بالرسوخ والتحقيق، فقد عرض عليهم نسخاً من الكتاب متضمناً اختياراته الفقهية حول مسائل الحج والعمرة، طالباً النظر فيها وإبداء الرأي بشأنها، مقروناً بالدليل المعتبر في حال عدم الاتفاق معه، وقد بين –رحمه الله- ذلك المنهج في التأليف والتثبت، في مقدمته لهذا الكتاب، فيرجع لها. وقد زاد من قوة صلته بهذه المسائل والقضايا، وسبره لها، كونه معني بتعليمها والفتوى بشأنها، إذ كان من العلماء المكلفين رسمياً من وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، بمباشرة التعليم والفتوى والوعظ في الحج، مستمراً على ذلك –رحمه الله- إلى سنة حجه الأخيرة التي سبقت وفاته. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٤5 وإحياءً لهذا العلم المهم، الذي جاء بتوفيق الله نتاجاً لخبرة طويلة وممارسة عميقة، في مجال الحج والعمرة، ولصلته الوثيقة بحاجات الناس وأحوالهم، تقوم مؤسسة الشيخ عبدالرحمن بن حماد العمر الوقفية، بطباعته وتقديمه للناس، تحقيقاً لرغبة المؤلف –رحمه الله- في نشر ما بذل فيه وسعه وجهده وتثبته وتحقيقه، ومدارسته مع أقرانه من العلماء وطلبة العلم، لعل الله تعالى يحقق به ما هدف إليه، من تعليم للناس وتيسير عليهم، وهم يؤدون مناسكهم، وأن يُُزل به له –رحمه الله- الأجر والمثوبة. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. مؤسسة الشيخ عبدالرحمن بن حماد الوقفية هاتف: 4252049/00966011 جوال : 00966540974499 بريد إلكتروني: sheikh.a.h.alomar@gmail.com ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٥6 تقد معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي (سابقاً ) الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد . فإن الكتاب الذي بين أيدينا من تأليف فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن حماد العمر – رحمه الله –(1 ) أحد أجزاء كتابه الشامل عن الإسلام، تناول فيه مناسك الحج والعمرة بإيضاح ميسر مختصر، غيـر مقتصر على الأحكام الفقهية بل ضم إليها جملة من التنبيهات والتوجيهات التي يحتاج إليها الناســك بخاصة والمسلم بعامة، في التوحيد والفقه والآداب التي تقتضي المناسبة التنويه إليها عند الكـــــلام على منسك من المناسك أو شعيرة من الشعائر. والحج والعمرة والز يارة من العبادات التي تظـــهر فيها كثير من الأخطاء الاعتقادية من مثل ما ذكره المؤلف – رحمه الله- في كتابه هذا وحذر منه . وهكذا ينبغــي لأهل العلم أن يكونوا نَصَحه لعامة المسلمين، لا يرونهم وقعوا في منكر من الاعتقاد إلا أنكـــــروه عليهم وعلموهم ما يُب أن يعلموه في ذلك من الحق، ومنكرات الاعتقاد أخطر وأولى بالإنكار من منكرات الأعمال . والله المستعان . وما أحوج الناس إلى التفقه في مناسك الح ج والعمرة قبل أن يحجوا ويعتمروا، خصوصاً وأنها عبادة بدنية ومالية قد تحتاج إلى نفقه كثيرة ، ولا تلزم المسلم إلا مرة في عمره، فالخطأ فيها قد لا يتدارك بسهولة، وليس كالخطأ في العبادات التي تتكرر كالصلاة والصيام . ولم يكن المؤلف – رحمه الله – في كتابه هذا سالكاً مسلك التقرير لمذاهب من المذاهب ، ولا قاصداً للانتصار لإمام من الأئمة - رحمهم الله جميعاً -، بل يقرر ما استقر عنده أنه الحق، وينتصر لما انتصب الدليل عليه من الكتاب أو السنة؛ فإنهما الأصل الأصيل الذي قامت عليه شريعة الإسلام، والحَكَمُ العدلُ الذي يُب أن يُ رد إليه كل تنازع نشب بين المسلمين، كما قال الله تعالى في كتابه العزيز : فَإِن تـَنَازَعْتُمْ فيِ شَيْء فـَرُدُّوهُ إِلىَ اللّ ِ وَالر سُولِ إِن كُنتُمْ تـُؤْمِنُونَ باِللّ ِ وَالْيـَوْمِ الآْخِرِ ۚ ذََٰلِكَ خَيرْر وَأَحْسَنُ 1 كتبه معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي في حياة الشيخ عبدالرحمن بن حماد العمر – رحمه الله -. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٦7 تأَْوِيلاً (النساء:59)،والرد إلى الله إنما يكون بالرد إلى كتابه العزيز كما أن الرد إلى رسوله يكون بالرد إلى سنته الثابتة عنه فمتى ثبت الخبر عن رسول الله ، وكان سالماً من خبر يع ارضه لكونه ناسخاً له أو أصح منه، وجب المصير إليه واطر اح ما خالفه من أقوال الناس، وعلى هذا المهيع كان دأب سلفنا الصالح وهدي أئمتنا الأعلام . ذكر أبو عمر بن عبد البر في التمهيد مســألة ربا الفضل في الصرف، وخلاف ابن عباس - رضي الله عنهما - في ذلك، إذ أجاز درهماً بدرهمين إذا كان يداً بيد، وأنه كان يقول: حدثني أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنما الربا في النسيئة "2، ثم ساق ابن عبد البر من السنة ما يصرح بح رمة بيع الدرهم بالدرهمين مطلقاً ، وبين أن حديث أسامه محمول على جنسين مختلفين كالذهب مع الفضة والبر مع التمر، ثم قال: وليس في خلاف السنة عذر لأحد، إلا لمن جهلها، ومن جهلها مردود إليها محجوج بها . ورى الإمام الشافعي في باب الغسل بفضل الجنب والحائض في كتابه " الأم " عن مالك عن نافع عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنه كان يقول : لابأس بفضل المرأة مالم تكن حائضاً أو جنباً . ثم قال الشافعي : قال مالك لابأس أن يغتسل بفضل الجنب والحائض . فقال له قائل: أنت تقول بقول مالك ؟ فقال نعم ، ولست أرى قولَ أحد مع قول النبي حُجة؛ إنما تركته لأن النبي كان يغتسل وعائشة، فإذا اغتسلا معاً كان كل واحد منهما يغتسل بفضل صاحبه. فلم يلتفت الشافعي إلى مذهب ابن عمر مع ثبوت ما يخالفه من السنة النبوية، وهو الذي نُ قل عنه أنه قال، كما في إعلام الموقعين : أجمع الناس على أن من استبانت له سنة عن رسول الله ، لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس . 2 أخرجه البخاري (2/31 )ومسلم (5/49 )والنسائي (2/223 )وابن ماجه (2257 )والطحاوي (2/232 ) والبيهقي (5/28.) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٧8 وتواتر عنه أنه قال: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط، وصح عنه أنه قال: إذا رويت عن رسول الله حديثاً ولم آخذ به فاعلموا أن عقلي قد ذهب . وهذا من الواضح الذي يُسلم به كل مسلم صحيح الاعتقاد، ولا يرغب عنه إلا من سفه نفسه، غير أن الناس إذا تعاملوا مع تفاصيل المسائل الفقهية غلبت على بعضهم نزعة التعصب لأقوال من يتقلدونهم ومذاهبهم ، فإذا جاء الدليل من السنة مخالفاً لما قال به أئمتهم، أطالوا في الاحتجاج لقولهم من طريق القياس، وتكلفوا في الاعتذار عن ترك العمل بالدليل الثابت من السنة ضروباً من التأويل البعيد تارة، ومن دعاوى النسخ بغير دليل تارة أخرى، ومن القدح في ثبوته تارة ثالثة، بدعوى كونه مخالفاً لما قرروا من أصول جعلوها حاكمة على السنة، ككو ن الخبر مخالفاً للقياس والقواعد، أو كونه وارداً من طريق الآحاد في موضع تعم به البلوى وتتوفر دواعي نقله مستفيضاً أو متواتراً ، أو لكون الراو ي له من الصحابة غير فقيه، إلى غير ذلك من الأعذار التي تنقض ما سلموا به في الجملة من وجوب تقديم السنة على القياس . وكان الأولى أن يرد قول المج تهد إلى السنة إذا تبينت بخلافه، ويفترض فيه أنها لم تبلغه أو بلغته من وجه لا يصح . ولا يكون نقصاً في إمامة الرجل ولا قدحاً في اجتهاده، أن يقصر علمه عن الإحاطة بالسنة واستشراف نصوصها، ومن ذا الذي سَلِم من آفة النسيان أو عُ صم من الخطأ في فهم معاني النصوص، وفي حمل بعضها على بعض على الوجه الصحيح، إذا تعارضت في ذهنه ،دفعاً لتعارضها في نفس الأمر، فإن التناقض في الشريعة محال، أما أن يُ د عي في إمام من الأئمة- رحمهم الله جميعاً -، إذا قال بقول يخالف حديثاً ثابتاً لا وجه للطعن في ثبوته، أنه إنما خالفه عن علم به رواية ودراية، وأنه لا يخلو عنده من أن يكون مؤولاً أو منسوخاً ، فهذا ضرب من التمحل والمكابرة، والارتفاع بالأئمة إلى منز لة فوق منزلتهم التي كانوا عليها ، ومن يفعل ذلك إنما يسيء إليهم من حيث يريد أن يُلهم ويحسن إليهم . وفي الختام أسأل الله تعالى أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وأن يفتح قلوبنا لفقه دينه من كتابه وسنة نبيه ، ويقينا شر التعصب لأقوال الرجال بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ، وأن يُزي فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن حماد العمر– رحمه الله – على ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٨9 هذا الجهد، وعلى جهوده الكثيرة في سبيل العلم وحث الناس على اتباع المصطفى ومن سلف من صالح الأمة، أن يُزيه خيراً ، ويوفقه لمزيد من العمل الصالح، إنه سميع مجيب الدعوات. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . د. عبد الله بن عبد المحسن التركي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي (سابقاً ) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٩10 الإهـداء أهدي هذا الكتاب المبارك: (كتاب الإسلام في بيان ما عليه النبي وصحبه الكرام) إلى أصحاب الفضيلة معالي رئيس رابطة العالم الإسلامي وأعضائها وإلى أصحاب الفضيلة رؤساء الإفتاء والمرجعيات الإسلامية ووزراء التعليم ورؤساء الجامعات وإلى جميع أصحاب الفكر المستنير في العالم الإسلامي عامة، وإلى أصحاب الفضيلة علماء المذاهب الذين اتفقوا بعد التشاور على أن يكون القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية هما المذهب الحق الجامع للمذاهب الإسلامية الذي يُب الأخذ به والرجوع إليه؛ لأنه المنهاج الذي شرعه الله سبحانه لرسوله محمد وأمته وأخذ به الخلفاء الراشدون والأئمة من آل البيت وجميع الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ومن تبعهم بإحسان عملاً بقول الله - سبحانه وتعالى-: وَأَن هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَات بِعُوهُ وَلاَ تـَت بِعُواْ السُّبُلَ فـَتـَفَر قَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصاكُم بِهِ لَعَل كُمْ تـَتـ قُونَ (الأنعام153.) ولقد ساء كثيراً وساء غيري من أهل العلم والإيمان تفرق أهل السنة والجماعة بتعدد مذاهبهم، ولكن الذي خفف هذه الإساءة أنه تفرق في بعض الفروع لا في الأصول.. فهم متفقون -والحمد لله- في العقيدة كما سيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى-، ثم إن اختلافهم الحاصل في بعض الفروع ليس من باب التضاد. وحيث أن التفرق الحاصل في مسائل الفروع أدى إلى حشو كتب كل مذهب بالآراء المختلفة مما جعل طلاب العلم من أتباع كل مذهب يتيهون في متاهات تلك الخلافات فقل تحصيلهم وانشغلوا عن فهم ما دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة التي أمرهم أئمة كل مذهب بالرجو ع إليها والأخذ بها امتثالاً لأمر الله سبحانه وتعالى وأمر رسوله . وكان بودي منذ أمد بعيد أن يكون بين يدي طلاب العلم كتاب جامع لما دلت عليه الآيات والأحاديث من الأحكام يُمع الله به المسلمين على مذهب الحق الذي كان عليه السلف الصالح قبل التمذهب إلى جانب اشتماله على القضايا المعاصرة التي يحتاج المسلمون إلى معرفة التشريع والمنهج الإسلامي نحوها، مع فتح باب الاجتهاد فيما لا نص فيه من مسائل الفروع. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ١٠11 ولذا فقد استخرت- سبحانه وتعالى- في تأليف كتاب موجز جامع لما اتفق على أصوله أئمة المذاهب الإسلامية عامة وهو ما اجتمع عليه أصحاب رسول الله والتابعون وتابعوا التابعين وهو الأخذ بالدليل من الوحيين وترك ما خالفه. فإذا رأى القارئ الكريم أي مسألة مقرونة بالدليل المنطوق أو المفهوم أو تشملها قاعدة شرعية خلاف مذهب أو أكثر من المذاهب الأربعة أو غيرها من مذاهب أهل السنة والجماعة فإنها في حقيقة الأمر هي -إن شاء الله تعالى- المذهب الحق الذي اتفقوا عليه بقولهم: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) وبقولهم: (إذا خالف قولي قول رسول الله فاضربوا بقولي عرض الحائط) وبقولهم:(خذوا مما أخذنا منه فإنا نقول القول اليوم ونرجع عنه غداً) إلى غير ذلك من عباراتهم التي يتبرؤن فيها من أي قول يخالف الدليل.. ومصداق ذلك: وجود القول القديم والقول الجديد لكل منهم.. بل إنك تجد في بعض المسائل أكثر من قولين للإمام الواحد. ومع هذا فإني أقترح أن تختار رئاسة رابطة العالم الإسلامي - وفقها الله- عدداً من كبار علماء كل مذهب ممن عُرفوا بالتمسك بعقيدة السلف الصالح وهمهم الأخذ بالدليل ولهم مكانة في نفوس أتباع كل مذهب؛ لكي يُُْ مِ عُ وا - إن شاء الله تعالى- على خلاصة يختارونها من تلك الكتب ومن بينها هذا الكتاب؛ عسى الله أن يُمع شمل المسلمين على الحق إنه على كل شيء قدير. ولما تقدم أهديت هذا الكتاب المبارك لكل عالم مستنير قد أنار الله بصيرته بنور القرآن والسنة وعصمه عن التقليد الأعمى؛ لأنه قد استقر في شريف علمه أن الحق هو ما دل عليه الدليل وليس ما قاله فلان أو فلان مهما كانت منزلته من العلم ؛ لأنه ليس بمعصوم مع احتفاظنا له بالاحترام والتقدير وقبول قوله المؤيد بالدليل من القرآن أو السنة الصحيحة. هذا وقد جعلت لمسائل كل جزء من أجزاء هذا الكتاب المبارك أرقاماً تسلسلية تبدأ من الرقم (1 ) للمسألة الأولى إلى آخر مسائل الجزء؛ ليسهل على القارئ استذكارها والرجوع إليها - إن شاء الله تعالى-. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ١١12 وقد أُفرد هذا المنسك بالطبع وهو القسم الثاني من الجزء الثالث من (كتاب الإسلام)؛ ليسهل توزيعه على حجاج بيت الله الحرام وانتفاعهم به – إن شاء الله تعالى-. ولست في غنى عن استدراك مقرون بدليل لا معارض له شرعاً يتحفني به أخ في الله من العلماء المحققين جزاه الله عني خيراً. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أخوكم في الله: عبدالرحمن ب ن حماد العمر ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ١٢13 بين يدي المناسك دعوة العلماء والدعاة إلى دعوة الناس إلى توحيد الله تعالى (1) واجب على كل موحد يقدر الله حق قدره أن يدعو إلى توحيد تعالى وأن يكون ذلك همه الأكبر ؛ لأن الله - سبحانه وتعالى- خلقنا لعبادته .. ولو تتبع القارئ كلام الله تعالى لوجد ذكر التوحيد والدعوة إليه ومدح أهله والنهي عن الشرك وذم أهله في كل صفحة من صفحاته وما خلا منها من التصريح بذكره فهو بها بالمفهوم . (2) ومن المؤسف أن أكثر العلماء والدعاة يهتمون في حوارهم، وخطبهم، ودروسهم، ومحاضراتهم، ومؤلفاتهم بالفضائل، والأحكام الفرعية، والأمور الاجتماعية، والسياسية، وهي من الدين بلا شك، وبعضهم يركز على جانب من مسائل العقيدة كتحكيم الشريعة الإسلامية ، والدعوة إلى ذلك وهذا حسن .. ولكن لا تجد لهم مساهمة واضحة في محاربة الوثنية التي ضربت أطنابها بين أظهرهم، والمتمثلة في عبادة القبور، والغلو في أصحابها، ورفع منزلتهم وصفاتهم إلى منزلة وصفات رب العالمين ناسين أن دعوة الرسل لأممهم من البداية إلى النهاية كلها متوجهة إلى توحيد ربهم، والنهي عن الشرك به وأن خاتمهم نبينا صلى الله عليه وسلم أخذ بمكة ثلاث عشر سنة جميعها في الدعوة إلى التوحيد. (3) فليشمر كل عالم وداع إلى الله عن ساعد الجد في الدعوة إلى توحيد الله تعالى، والتحذير من الشرك، وبيان ذلك بالتفصيل، وليس بالإجمال؛ لأن مجرد الدعوة إلى توحيد الله، وترك الشرك إجمالاً بلا تفصيل، يشترك فيها المشركون أنفسهم من الم نتسبين إلى الإسلام فكلهم يقولون: التوحيد واجب والشرك حرام، ويغضب أحدهم لو وصف بأنه مشرك؛ لأنهم يظنون أن الشرك هو عبادة الأصنام وأن يقول الإنسان لشيء هذا إلهي .. وقد تقدم في الجزء الأول في بيان معنى الشهادتين والعبادة والتوحيد والشرك وفي المفاهيم السامية في مناسك الحج بيان ذلك مفصلاً والحمد لله مع ما سيأتي - إن شاء الله تعالى- في آخر هذا المنسك وفي ثناياه من البيان. أسأل الله - سبحانه وتعالى- أن يشرح صدورنا وجميع إ خواننا المسلمين لتوحيده وحسن عبادته آمين. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ١٣14 أحكام المناسك الحمد لله رب العالمين القائل في محكم كتابه : ﭽ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﭼ [59] السمحة رحمة للعالمين نبينا محمد القائل: «تـَرَكْتُ فِيكُمْ مَ ا إِ نْ تمََ س كْ تُ مْ بِ هِ لَنْ تَضِلُّوا؛ كِتَابَ اللّ ِ وَ سُ ن تيِ »(3)، وفي رواية الحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة :«تـَرَكْتُ فِيكُمْ شَ يـْ ئَ ينِ لَنْ تَضِلُّوا بـَ عْ دَ همَُ ا: كِتَابَ اللّ ِ وَ سُ ن تيِ ، وَ لَنْ يـَفْترَِقَا حَتى يَرِدَا عَلَي الحَْوْضَ »(4). أما بعد فسترى أخي في الله – هداني الله وإياك صراطه المستقيم- عند قراءتك في مناسك الحج والعمرة الآتي ذكرها مسائل تَرجّح لدي القول بها، بعد أن اطمأنت نفسي، لذلك فأرجو أن ذلك هو البر، وبعض القراء قد يستغرب شيئًا من هذه المسائل ؛ لكنه سيجد إن شاء الله تعالى-حين عرضها على أهل الرسوخ في العلم الذين عصمهم الله عن التقليد - وجاهة وقوة ما بُنِيَت عليه من الأدلة، وذلك في مسائل مهمة من العلم في هذا الباب منها: 1) المسألة الأولى: أن قول الجمهور يؤخذ منه ويرد فليس كله حقًا 2) المسألة الثانية: وإنما الحق في أربعة أمور الأول: النص الصريح المحكم من القرآن. الثاني: النص الصريح الصحيح من السنة. الثالث: إجماع أمة محمد ، والإجماع المعتبر هو إجماع الصحابة في زمن الخلفاء الراشدين كإجماعهم على اختيار الخلفاء الأربعة؛ واحدًا بعد الآخر، ومن لم يبايع منهم في الحال لم يعارض فصار في حكم المبايع، وكإجماعهم على قتال المرتدين وإجماعهم على قتال الخوارج الذين خرجوا على عثمان وعلي ، ومن لم يظهر المعارضة سكت، وكإجماعهم على جمع القرآن في مصحف واحد وعلى الرسم العثماني، وكإجماعهم على الأذان الأول لصلاة الجمعة في عهد عثمان لما دعت الحاجة إليه، وكإجماعهم على دفن النبي حيث ما ت، وكإجماعهم على (3) أخرجه مالك في الموطأ من رواية يحيى الليثي 1594) بلفظ«تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه»، والبيهقي في السنن الكبرى 20123) وحسنه الألباني في المشكاة 186.) (4 )أخرجه الحاكم 319)، والبيهقي في السنن الكبرى 20124) وصححه الألبا في صحيح الجامع (2937.) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ١٤15 الرجوع من الشام، وعدم دخول دمشق لوقوع طاعون عمواس بها. وأم ا إجماع المسلمين على جواز الصلاة خلف الإمام محيطين بالكعبة بعد أن كانوا في عهد النبي والخلفاء الراشدين وعهد معاوية يصلون صفوفًا وراء الإمام خلف المقام، فقد دل عليه عموم قوله تعالى: ﭽ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﭼ [150 .] وأما إجماع المسلمين بعد زمن الخلفاء على جعل الأذان فوق مكان مرتفع يقوم عليه المؤذن (المنارة)، فله أصل من السنة، وهو أذان المؤذن في عهد النبي على المكان المرتفع، وإن كان خارج المسجد. وكذا إجماعهم على جعل المحراب بقدر ما يُعرف به المسجد وتعرف به القبلة، وتوسيطه في جهة القبلة فله أصل أيضًا. وإنما الذي يكره لمخالفته الأصل هو المبالغة في رفع المآذن وزخرفتها وتعميق المحاريب، وهو ما أنكره من أنكره من السلف وسم اه: (الم ذابح). أما بالقدر اليسير الذي تُ عرف به القبلة، فهو مما أجمع عليه المسلمون في كل العالم الإسلامي، بمن فيهم أهل التوحيد الذين هم بقية السلف وإمامهم كما في بلاد الحرمين، وهو مما تدعو الضرورة إليه. أما البدعة فهي الزخرفة وتعميق المحراب بحيث يدخل فيه الإمام ولا يراه إلا من خلفه فهذا لا أصل له. وهكذا كل ما دعت الضرورة أو الحاجة الماسة إليه، وهو لا يتنافى مع الكتاب والسنة، فهو مباح لدلالة النصوص على ذلك، ولو كان فعله مقصورًا على بعض المسلمين، بل ولو على فرد منهم. وحجية الإجماع دل عليها عدة أدلة منها قوله تعالى: ﭽ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮂ ﭼ [115]« :لاَ تجَْتَمِع أمتيِ عَلَى ضَلاَلَةِ »(5). ويلحق بالإجماع في وجوب العمل به ؛ العمل بالقول المرجوح الذي دل عليه الدليل الأقل قوة إذا كان عليه جمهور العلماء، والإمام الذي بايعوه هم وجمهور المسلمين دفعًا لِشَرِّ الخلاف ، شريطة أن لا يكون ذلك الأمر الظاهر بين الجمهور وإمامهم منكرًا مجمعًا على تحريمه. فإن كان منكرًا قد أجمع على تحريمه فلا يُوز للمسلم الموافقة عليه، وإنما يُب عليه أن يطيع في المعروف ولا يطيع في المنكر إلا إذا وصل إلى حد الإكراه في منكر فيجوز للمسلم ارتكابه مكرهً ا؛ أما (5 )أخرجه أحمد 27267)، والترمذي2167)، والحااكم (392)، وفي ساند اخاتلا ، و اد صاححه الحااكم، وحسانه الألباني بمجموع طر ه في السلسلة الصحيحة ( 1331.) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ١٥16 الشذوذ عن الجمهور وإمامهم بحجة ذلك المنكر أو الأمر المرجوح فإنه حرام لا يُوز . وعلى كل مؤمن أن يعتزل المنكر وأهله بقدر الإمكان مع بذل النصيحة والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ودعاء الله تعالى لولي الأمر وأعوانه بالهداية إلى الحق، والتعاون معهم على البر والتقوى، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً . 3) المسألة الثالثة: وأمّا بعد عصر الخلفاء الأربعة، فإنه لا يوجد إجماع معتبر يحتج به؛ لتفرق من بقي من الصحابة في الأمصار، وكذا التابعين ، ولذا قال بعض المحققين وفي مقدمتهم الإمام أحمد بن حنبل : (من ادعى الإجماع بعد عهد الخلفاء الراشدين فقد كذب ). وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في الواسطية أن أي إجماع بعد عصر الصحابة غير منضبط، بخلاف ما ذكرناه من بناء المنارة والمحراب الذي لا مبالغة فيه، فهو إجماع منضبط لوجودهما في عموم مساجد المسلمين ؛ ولأن الضرورة داعية إليهما للدلالة على المسجد والقبلة، أما وضع الهلال على ر أس المئذنة فهو بدعة لا أصل له، وينبغي أن يشار إلى القبلة بسهم بدلاً عن الهلال. 4) المسألة الرابعة: وأما إجماع علماء البلد أو المذهب فليس بإجماع مُلْزِم يُب الاحتجاج به، وكذا الإجماع الذي يذكره بعض العلماء كإجماعات ابن عبد البر وابن المنذر ؛ فإنه لا يصح منها إلا القليل؛ لأن ما يسميانه إجماعًا هو قول الجمهور. الأمر الرابع: سنة الخليفة الراشد التي لم تخالف نصًا من القرآن أو السنة. أما إذا خالفته فلا يُوز الأخذ بها، ولذا قال عبد الله بن عباس للذين عارضوا قوله بأن الن أمر بمتعة الحج بقول أبي بكر وعمر بإفراد الحجيوشك أن تنـزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر). ومما يؤكد ما تقدم ذكره، وهو وجوب أخذ العالم وطالب العلم المتمكن بالكتاب والسنة، وترك التمذهب - هو: أن السلف الصالح (وهم الصحابة والتابعون وتابعو التابعين، ومن التابعين وتابعيهم الأئمة الذين لهم أتباع ، وبقية الأئمة الذين لم يكن لهم أتباع) لم يكن لهم مذهب يتمذهبون به سوى الكتاب والسنة، وكان العامي ومن قل علمه يستفتي العالم فيفتيه بما علمه من الكتاب والسنة، وكانوا لا يرون الإفتاء بالرأي. بل إن الإمام أحمد هجر الذين ينظرون في كتب الرأي ، التي سبق إلى تأليفها أحد الأئمة وكبار تلامذته، ولم يؤلف كتاباً جامعًا في المسائل الفقهية، وإنما جمع كتابه العظيم الذي أخذ أهل السنة منه أكثر ما في كتبهم، وكان يحتوي على أكثر من ثلاثين ألف حديث كلها صحيحة بعد حذف الضعيف وهو قرابة عشرة آلاف حديث ؛ ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ١٦