المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أيام من حياتي

غير معروف

صفحة ٨ من ١٩

112 عن تفصيل ما حدث .. فلم أحدثها .. كنت متعبة وكان عل ي أن أهيئ نفسي للقاء الليلة الآتية .. وفهمت علية ذلك فأسكتت غادة وانقضى النهار. وجاء الليل الذي أصبحت أخافه وأخشاه، وأخذت علية وغادة تدعوان لي وللإخوان جميعا، وفتحت الزنزانة وأخذت، ول كني وجدت رجلا آخر لم أره من قبل ومعه صفوت، ذهبا بي إلى مكاتب التعذيب. أمر الرجل صفوت بالانصراف وأمرني بالجلوس على مقعد بجوار المكتب. ثم بدأ حديثه قائلا: يا ست زينب أنت أتعبت الناس الذين يريدون خدمتك. وأنا اليوم مقطوع لخدمتك، وأرجو أن يعينني ربنا وتنهدي بالل ه وتتركي حكاية الإخوان المسلمين، وكفاية أنهم أوقفوك هذا الموقف الحر ج .. أنت مخدوعة فيهم. فاكرة إنهم صحيح يريدون الإسلام. هؤلاء طلاب حكم نحن نريد أن تفتحي لنا قلبك. الهضيبي قال كلاما معناه الحكم عليك بالإعدام وأيده سيد قطب في ذلك .. نحن لا نصدق كلامهم ونريد إخراجك من القضية نهائيا واعتبارك شاهد ملك .. كما أننا نريد أن تذهبي الآن إلى منزلك، وعندما نحتاج إليك في الشهادة نرسل لك أو نذهب نحن إليك في منزلك، إذا وافقت على

عدد الصفحات ١١٣

113 هذا ستقابلين المشير عامر والرئيس عبد الناصر، وسيصدر قرار من الرئيس بإلغاء قرار حل جماعة السيدات، وقرار بإعادة صدور المجلة، ليس هذا فحسب بل إن الرئيس ينوى أن يعطيك مركزا كبيرا في الدولة يجعلك صاحبة السيطرة على كل الجمعيات في الجمهورية .. وكفى ما حدث لك من غدر الإخوان .. كل المصائب يريدون وضعها على رأسك ليخرجوا هم سالمين" .. كان يتحدث وأنا صامتة لا أنطق بكلمة، وكان وهو يتحدث يتفرس في ملامحي. ثم دق جرسا على المكتب دخل بعده صفوت فطلب لنفسه شايا ثم التفت إلى يقول: أنت تشربين القهوة فهل أطلب لك فنجان قهوة. فقلت: "شكرا .. لا أريد شيئا". قال:" اسمعي يا زينب، سأعطيك ورقا وقلما، اكتبي فيه كل ما اتفقنا عليه فقلت:" إننا لم نتفق على شيء. ولا أدري ماذا اكتب ..!". قال وهو يناولني الورقة والقلم:" إنت للآن لم تستطيعي أن تقدري مصلحتك .. الرئيس جمال يريد خدمتك، ويريد إخراجك من القضية !!". قلت: "أي قضية؟ !! ناس اجتمعوا ليدرسوا دينهم، ويتفقهوا فيه .. هل هذه قضية أو جريمة؟ !! الأولى بالرئيس وبالمشير أن يحاكما الذين ينشرون التسيب الأخلاقي، والانحلال، بل والتسيب الإلحادي .. وينشرون الفساد في كل مكان .. إذا كتبت فسأكتب الحقيقة الواقعة في هذا البلد المسكين .. الحق الذي أعلمه سأكتبه.

عدد الصفحات ١١٤

114 قال أنا عارف إنك سيدة فاضلة على علم، وعقلك كبير، ولن ترتضي أن تزيدي موقفك سوءا اكثر مما أنت فيه !! .. أنا سأتركك مع الورق والقلم .. قبل الكتابة ضعي أمام عينيك أن الرئيس يريد إخراجك من القضية .. القضية وضحت معالمها تماما .. الهضيبي وسيد قطب كانا يدبران لاغتيال عبد الناصر والاستيلاء على الحكم. ويقولان إن زينب الغزالي هي التي كانت تدبر وتخطط. يريدان إلقاء كل المسئولية فوق رأسك ويلتمسان البراءة لهما فقط. بل إنهما يقولان إنك أنت السبب في كل ما حدث، وأنت التي سببت لهما الأذى والضرر .. اكتبي .. اكتبي .. ل كن فكري طويلا في موقفك وموقف الإخوان منك .. إنهم يريدون إلصاق القضية كلها بك .. وإخراج أنفسهم منها .. إننا نعلم أنهم حرضوك ثم تخلوا عنك .. هل هذه شجاعة؟!! إنها نذالة" .. وتركني وحدي مع الورق والقلم .. وآه من الورق والقلم مع سج ين في زنزانة ! ! .. وكتبت " ... كنا نجتمع مع شباب الإخوان ندرس في كتب الفقه والسنة والحديث والتفسير. كنا ندرس كتاب المحلى لابن حزم، وزاد المعاد لابن القيم، والترغيب والترهيب للحافظ المنذري، وفى ظلال القران لسيد قطب، وملازم من كتاب معالم في الطريق .. كنا ندرس سيرة الرسول والصحابة. وكيف قامت الدعوة الإسلامية .. وكان ذلك بإذن وإرشاد الأستاذ الهضيبي .. كان الغرض

عدد الصفحات ١١٥

115 من الدراسة هو إيجاد لبنات سليمة من الشباب المسلم، علنا نستطيع إعادة مجد الإسلام وقيام أمته الفعالة في الأرض. وبعد دراسة طويلة قررنا أن نعيد تنظيم الإخوان المسلمين في كل مواقعها وأن نعمل بدأب ومثابرة على جمع كل من نستطيع من لبنات صالحة من شباب الأمة الضائع في المجتمع الجاهلي المحيط بالبشرية كلها .. وقررنا أن يستغرق هذا العمل ثلاثة عشر عاما. بعدها نقوم بمسح للجمهورية، فإن وجدنا الفئة المؤمنة بمبادئ الإسلام تقل نسبتهم عن 25% جددنا فترة الدراسة المصحوبة بالتربية لثلاثة عشر عاما أخرى ثم نعيد التقييم ثانية وثالثة ورابعة حتى تصل النسبة75 % من مجموع الشعب .. عندها ننادى بالدولة الإسلامية .. فماذا يخيف عبد الناصر، وماذا يخيفكم أيها الحاكمون؟ ربما تمض أجيال قبل أن يتحقق هذا الذي نرجوه، فما الذي يخيفكم؟!! ليس في حسابنا -بالمرة- قتل عبد الناصر، فقتله ليس أمرا واردا في قضيتنا .. القضية أكبر من قتل شخص أو أشخاص وفكرة القتل مرفوضة ولـكنكم تتعللون بها لتقتلوا المؤمنين .. !! من الذي أمركم بتعذيبنا وقتلنا؟ الصهيونية أم الشيوعية؟!! إن الأمر الذي ترتعد منه الشيوعية الملحدة، ويخيف الغرب المنحرف، المرتد عن مسيحيته .. إن الأمر الذي ترتجف منه الصهيونية العالمية ويجعلها لا

عدد الصفحات ١١٦

116 تنام ولا تهدأ .. الأمر الذي يرعب كل هؤلاء جميعا، هو عودة الإسلام بعقائده وشرائعه ومعاملاته إلى المسلمين .. !! نعم عودة الإسلام تقلق كل هؤلاء ولذلك هم يتربصون بنا ويتجسسون علينا، ثم يأمرون عملاءهم بالقضاء على المؤمنين .. ولـكن الل ه متم نوره، ومخزي الكافرين .. إن قتلتمونا اليوم فسيأتي من بعدنا من يرفع راية الإسلام .. أما مجلة السيدات المسلمات أو المركز العام للسيدات المسلمات أو الدنيا كلها إذا جاءتنا لتكون لغير الل ه فنحن نرفضها ولا نريدها .. إننا لا نطلب إلا الل ه وطريقه وشريعته". وذيلت هذه الكلمات بتوقيع "زينب الغزالي الجبيلي"!!. ودخل صفوت الروبي وطلب منى الأوراق فأعطيتها له وخرج .. ومرت فترة. عاد إلي الرجل الذي كان أعطاني الأوراق والقلم. ومعه أوراق - ليست هي التي كتبتها- ثم مزقها وقذفني بها في وجهي ليوهمني بأنه مزق ما كتبت!! .. وقال لصفوت:" خذوها يا صفوت .. إنها لا تستحق إلا الإعدام كما قرروا .. أنا كنت أريد أن أخدمها ل كنها رفضت يدي الممدودة إليها .. دعهم يعدمونها!!" .. وانصرف .. إنني في دهشة -بل في حيرة- إن كانوا يقولون ويزعمون أن القضية وضحت كل معالمها وتكشفت كل عناصرها، فلماذا لم يقدموني إلى المحاكمة العلنية، ولا

عدد الصفحات ١١٧

117 داعي للترغيب والترهيب والتعذيب؟!! أم أن القضية هي الموت البطيء تنفيذا لمخطط مرسوم؟ حقا لقد وضحت القضية .. ووضحت كل معالمها .. وتكشفت كل عناصرها .. بل وبان هدفها والغرض منها .. أنهم يريدونها جاهلية .. جاهلية!! أغلق باب الزنزانة فانتقلت إلى عالم آخر .. !! كان الإرهاق والجهد والألم قد سطر كل منها سطورا عميقة في نفسي وجسدي!! .. وتكورت في مكاني أحاول النوم فلم أستطع فقد كنت كأنني أتقلب على مسامير محمية .. فالسياط والركل والصفع قد مزقت جسمي، والسب بأبشع الأ لفاظ وأقذرها قد مزق نفسي.. !! وهكذا ظللت أتقلب حتى سمعت أذان الفجر فاستيقظت علية وغادة وتيممتا وأدينا الصلاة .. كان حالي يغني عن أي سؤال فنظرت إلي علية وقالت:" الدكتور أعطاني حبوبا مهدئة أتأخذين قرصا يا حاجة؟ !!" . قلت: "لا بأس يا علية!!".

عدد الصفحات ١١٨

118 تناولت القرص واستسلمت للنوم .. ول كن هيهات للنوم أن يجمع أشلاء جسد ممزق، وشتات نفس ممزقة !! ففزعنا إلى الل ه .. نقرأ القرآن .. ونصلى ما استطعنا .. كانت غادة تحفر على حائط الزنزانة تاريخ كل يوم منذ مجيئها إلى السجن .. قالت:" اليوم 8 أكتوبر فقلت:"ربنا يفوته على خير ..". قالت علية: "إن شاء الل ه". وفى الضحى فتحت الزنزانة وظهر- صفوت ومعه جنديان يحملان حقيبة كبيرة عرفت من النظرة الأولى أنها من منزلي!! فتح صفوت الحقيبة وهو ينادى:" يا زينب! هذه ملابس طلبناها لك من البيت وأخذ يخرج ما في الحقيبة ويعرضه علي ثم أعاد ما أخرجه إلى الحقيبة ثانية وأقفلها .. كانت الحقيبة كأنها أعدت لرحلة طويلة .. فسألته:" من طلب كل هذه الملابس ومن أحضرها"؟ فقال صفوت: نحن طلبناها وأختك حياة أحضرتها .. ثم أمر الجنديين بالانصراف بالحقيبة !! ولبث قليلا ثم أغلق الزنزانة!! انصرف الزبانية فأغمضت عيني ورحت في إغماءة شديدة؟ على إثرها هرعت إلي علية وغادة تدلكان يدي وقدمي تحاولان إفاقتي، وأخذتا تهونان على الأمر .. هم اعتقدوا إنك محتاجة إلى ملابس فطلبوها .. الأمر بسيط وعادي جدا ..". قلت:" لا يا علية إنها مصيبة كبيرة، فقالت علية:" لماذا يا حاجة؟ انهم رأوا ثيابك قد تمزقت وأنك في حاجة إلى ملابس. فقلت:" لا .. لا .. يا علية.

عدد الصفحات ١١٩

119 هذه فتنة !! لماذا أنا بالذات التي تأتيها ملابس؟ إنني منقبضة وغير مستريحة إلى هذا .. إنني مقبلة على اختبار أكبر مما أنا فيه! .. وأخذت أدعو الل ه أن يثبتني على الحق. وانتظمنا في صلاة العصر. ونحن في الركعة الأخيرة دخل صفوت وجذبني بوحشية وقال:"تعالى معي !!". وأغلق الزنزانة على غادة وعلية. سار بي إلى آخر الممر. ثم قذفني في زنزانة حال كة الظلام، كريهة الرائحة، رطبة تمرح فيها فئران متوحشة !! جلست في رعب شديد وجسمي يرتعد من شدة البرد وبرودة الإسفلت بقسوة، وظلمة الزنزانة تضاعف خوفي ورعبي وآلامي! ولجأت إلى الل ه لأتغلب على هذا الظرف. فتيممت وأخذت أصلي وأصلي وأناجى ربي .. (ألا بذكر الل ه تطمئن القلوب) الرعد: 128. وفجأة أضيء النور. ودخل صفوت ومد يده قائلا: "أقرئي هذا الخطاب يا بنت! نظرت في الخطاب .. فوجدت مكتوبا في أعلاه "مكتب رئيس الجمهورية" ثم مكتوب في صلبه بالآلة الكاتبة - "بأمر جمال عبد الناصر ر ئيس الجمهورية تعذب زينب الغزالي الجبيلي فوق تعذيب الرجال!". التوقيع (جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية، ومختوم بخاتم شعار الدولة الخاص برئاسة الجمهورية).

عدد الصفحات ١٢٠

120 قرأت الخطاب ثم أعدته إلى صفوت قائلة:" الل ه أكبر منكم جميعا .. نحن معنا الل ه ..". فأخذ يرميني صفوت بنظرات شرسة ويقذف من فمه بقذارات من السب المقذع .. ولم أنطق بكلمة واحدة فأغلق الزنزانة. بعد فترة قصيرة سمعت صفوت يصيح بأعلى صوته "انتباه"!! وفتحت الزنزانة ودخل حمزة البسيوني تتراقص الشياطين في عينيه وقال:" آخر فرصة لك .. ساعة واحدة فكري فيها جيدا وقدري مصلحتك، لقد أحضرت لك ثيابا لتقابلي المشير عبد الحكيم عامر والرئيس جمال. ثم يتغير موقفك في القضية". ونظر إلي صفوت قائلا: "اقرأ عليها الخطاب يا صفوت !!". ف رفع صفوت عقيرته وقرأ "بأمر جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية تعذب زينب الغزالي الجبيلي فوق تعذيب الرجال". إمضاء جمال عبد الناصر .. أخذ حمزة البسيوني الخطاب من صفوت وقال وهو يناوله لي:" خذي .. خذي يا مجنونة الخطاب واعرفي ما فيه جيدا .. ". فقلت له:" لقد قرأته" !! فقال: "أقرئيه مرة أخرى" .. ثم اتجه إلى صفوت وقال: أين السوط يا صفوت؟!! فأخذت الخطاب وقرأته ثم قذفت به إلى الأرض وقلت له:" ربنا أكبر منكم يا فجرة .. اخرجوا يا كفرة!!".

عدد الصفحات ١٢١

121 نادى حمزة البسيوني على بعض الجنود خارج الزنزانة، فدخل جندي يحمل حقيبة الملابس. وقال في وحشية: "سنمنحك فرصة لمدة ساعة .. وهذه ملابسك .. فكري جيدا ولمصلحتك فقط .. حل المشكلة في يدك أنت !!". ثم أغلقوا الزنزانة وانصرفوا. أخذت أستغفر الل ه وادعوه الثبات على الحق. ومضت الساعة الممنوحة لي. فدق أذني صوت صفوت "انتباه !!". ثم دخل حمزة البسيوني ونظر إلي ثم قال:" ألم ترتدي ثيابك؟!! أتريدين الموت؟!". لا بأس! لقد بعت نفسك! حسنا خذها يا صفوت .. بنت الكلب ... تريد أن تقدم نفسها فداء لسيد قطب والهضيبي، إنهم يريدون التخلص منها ويخرجون هم أبرياء. جذبني صفوت بعنف وخرج بي من الزنزانة وسار بي في الممر، وأثناء مروري على زنزانتي قلت "الل ه أكبر" بصوت مرتفع حتى تسمع "علية وغادة فكنت أعتقد أنها اللحظة الأخيرة في حياتي، كما قال حمزة البسيوني !! .. الل ه أكبر منكم يا فجرة .. اخرجوا يا كفرة!!".

عدد الصفحات ١٢٢

122 واستمر صفوت في سيره حتى مكتب ضابط يدعىهاني، وأخذني هاني إلى مكتب شمس بدران .. شمس بدران وما أدراك ما شمس بدران !! إنه وحش غريب عن الإنسانية وأكثر وحشية من وحوش الغاب !! إنه أسطورة في التعذيب والقسوة !! كان ينطلق في لذة غريبة يضرب الموحدين المؤمنين، بأعنف ما يمكن أن يتصوره العقل البشرى. ظنا منه أن القسوة والعنف في التعذيب يرد المسلمين عن دينهم وعقيدتهم !! وقد خاب ظنه .. وسألني شمس بدران في غطرسة كأنه جامع رقاب الخلق بين أصابعه : هو أنت بقى ست زينب الغزالي؟ قلت : نعم ! كان مكتب حمزة البسيوني يتصل بمكتب شمس. وكان يقف خلفي الجلاد صفوت الروبي واثنان آخران وبيد كل منهم سوط كأنه لسان من لهب!!

عدد الصفحات ١٢٣

123 قال شمس بدران وهو ما زال في غطرسته:" يا بنت يا زينب! خلي بالك وتكلمي بعقل وشوفي فين مصلحتك، خلينا نخلص منك ونشوف غيرك وإلا بعزة "عبد الناصر" أجعل السياط تمزقك. قلت:" يفعل الل ه ما يشاء ويختار". فقال:" ما هذه الرطانة العجيبة يا بنت ..؟!". فلم أرد عليه فقال:" ما هي صلتك بسيد قطب والهضيبي؟". قلت في هدوء:" أخوة في الإسلام". فقال في استنكار بليد: "أخوة ماذا؟". فأعدت:" أخوة في الإسلام". فقال:" ما مهنة سيد قطب؟". قلت:" الأستاذ الإمام سيد قطب مجاهد في سبيل الل ه، ومفسر لكتاب الل ه، ومجدد ومجتهد". فقال في بلادة: ما معنى هذا الكلام؟ فقلت وأنا أضغط على مخارج الألفاظ تأكيدا له معناه: إن الأستاذ سيد قطب زعيم، ومصلح، وكاتب إسلامي، بل من أعظم الكتاب الإسلاميين، ووارث محمدي. وبإشارة من إصبعه انهال علي الزبانية.

عدد الصفحات ١٢٤

124 وقال هو: إيه يا ست؟ ولم أجبه – قال: ومهنة الهضيبي إيه كمان؟ فقلت:" الأستاذ الإمام حسن الهضيبي إمام مبايع من المسلمين المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين، الملتزمين بتنفيذ أحكام الشريعة، والمجاهدين في سبيل الل ه حتى تعود الأمة الإسلامية كلها إلى كتاب الل ه، وسنة رسوله". وما فرغت من كلامي حتى عاود الزبانية التعذيب بالسوط! فقال:" هراء، وكلام فارغ .. ما هذا يا بنت الــ...". وقال حسن خليل:"دعها يا باشا .. توجد نقطة مهمة!!" ثم تقدم إل ي وامسكني من ذراعي وقال:" هل قرأت كتاب "معالم الطريق" لسيد قطب؟ فقلت: "نعم قرأته". فقال رجل آخر من الجا لسين–وكان يدخل بعض ا لضباط أثناء الاستجواب ويجلسون للمشاركة في الاستجواب من جهة. ومن جهة أخرى كنوع من الإرهاب- ممكن تعطينا موجزا لهذا الكتاب؟ فقلت:" بسم الل ه الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ...". فقاطعني شمس بدران في صفاقة غريبة: أنت واقفة على منبر مسجد يا بنت الــ...؟! إننا في كنيسة يا أولاد الــ...!".

عدد الصفحات ١٢٥

125 وقال حسن خليل: معذورة يا باشا .. أكملي يا زينب. ماذا فهمت من كتاب معالم في الطريق؟ فقلت: كتاب معالم في الطريق في فهم المجتهد المفسر سيد قطب يدعو المسلمين لمراجعة أنفسهم مع كتاب الل ه، وسنة رسول الل ه، وتصحيح تصورهم لعقيدة التوحيد. فإذا وجدوا أنفسهم – وهذا هو الواقع الآن – منقطعين عن كتاب الل ه، وسنة رسوله سارعوا بالتوبة. وعادوا إلى دينهم وك تابهم، وسنة رسولهم !. ثم يدعوهم للمفاصلة بينهم وبين الجاهلية المتفشية في الأمة، فطمست وضوح الرؤية في فهم القرآن. وتصور أوامره تصورا سليما. فإذا راجعت الأمة الكتاب ومراميه، ومقاصده، والتزمت بدينها صحت عقيدتها. فالسيد قطب يرى ضرورة تبصير الأمة بمراجعة عقيدتها لتقرر صدقا من قلبها وضميرها، أنها ملتزمة بكل ما تكلفها به شهادة أن لا إله إلا الل ه، وأن محمدا رسول الل ه .. ولزمت الصمت بضع لحظات، فقال حسن خليل في تهكم أبله "إنها خطيبة. وقال آخر: "إنها كاتبة كذ". وأخرج مجموعة من مجلة السيدات المسلمات كانوا قد استولوا عليها مع ال كتب يوم القبض علي. وأخذ يقرأ منها بعض جمل من مقال افتتاحي لأحد أعداد المجلة.

عدد الصفحات ١٢٦

126 لكن شمس بدران قاطعه ونظر إلى الحيوانات المفترسة التي تحيط به. وقال جاهلية: أنا لم أفهم شيئا مما قالته هذه البنت !! فنزل على الزبانية بسياطهم: قائلين وضحي يا بت للباشا. فقال حسن خليل - ويبدو وكأنه ينسج شبكة لاصطيادي -: لا بأس يا باشا .. لحظة أخرى .. ثم قال كأنه: أريد أن أفهم معنى ما تلزم به لا إله إلا الل ه محمد رسول الل ه، فقلت: إن محمدا صلى الل ه عليه وسلم، جاء ليخرج البشرية كلها من عبادة البشر، وعبادة الوثن، إلى عبادة الل ه الواحد القهار هذا معنى لا إله إلا الل ه. وأما معنى محمد عبده ورسوله، فكل ما جاء به محمد صلى الل ه عليه وسلم من الوحي، وهو القرآن ال كريم والسنة الصحيحة، هو حق واجب التنفيذ اعتقادا وعملا، وهذا هو التصور السليم لكلمة التوحيد". فقال شمس بدران وقد أخذته العزة بالإثم "كفى سخافات!" ثم نزل علي وحوشهم بال كرابيج. وقال حسن خليل:" لحظات أخرى يا باشا - من أجلى. ونظر إلي وقال: هل نحن مسلمون أم كفار؟!! قلت: اعرض نفسك على كتاب الل ه وسنة رسوله، وستعرف أين أنت من الإسلام.

عدد الصفحات ١٢٧

127 فقال شمس بدران:" يا بنت الــ..، وانطلقت القاذورات من فمه تكشف أخلاقيات هذا المخلوق العجيب !! أما أنا فلم أرد من هول السياط. وبدأ شمس بدران يمارس عملية وحش الغاب المفترس .. إن غابة عبد الناصر لا تعرف تقاليد أو عادات. بل تسودها جاهلية حمقاء، يظلها طغيان أهوج، وتسرح في دروبها ذئاب خبيثة جائعة إلى نهش البشر!! نظر شمس بدران إلى صفوت وقال: علقها يا صفوت، الضرب ده مش نافع !! فخرج صفوت وأتى بعامود من الحديد وقاعدتين من الخشب. وجاء ثلاثة من الزبانية يحمل كل منهم سوطا. وأعدوا الآلة ليعلقوني عليها. فقلت لهم: "أعطوني بنطلونا من فضل كم.. أرجوكم !!". فقال حسن خليل لشمس بدران:" لا بأس يا باشا". فقال شمس بدران: "هاتوا لها بنطلونا". وفى سرعة عجيبة أحضر أحد الجنود بنطلونا كأنما انتزعه من تحت رجليه !! وقال حسن خليل لشمس بدران:" عفوا يا باشا ثم التفت إلي وقال: "أدخلي هذه الحجرة البسي فيها البنطلون ..".

عدد الصفحات ١٢٨