المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أيام من حياتي

غير معروف

صفحة ٩ من ١٩

128 كانت حجرة فاخرةالأثاث، مكيفة الهواء، بها جهاز تليفزيون وجهاز راديو!! ولبست البنطلون وخرجت إليهم !! وعلقت بأمر شمس بدران في هذه الحديدية .. ولا أدري كيف ربطوا يدي مع رجلي، ولا كيف علقت !! ويخرج الأمر من فم شمس بدران كضابط عظيم في ساحة الوغى: اجلدها يا و ل ه خمسمائة جلدة!! وتنهال السياط تسطر على قدمي وجسدي أبشع ما عرفته الجاهلية من قسوة وحيوانية .. ويشتد الجلد .. ويشتد الألم. يعز علي أن أضعف أمام هؤلاء الوحوش. احتملت. احتملت وأنا أضرع إلى الل ه في سري. ويتضاعف الألم، ويتضاعف، ولما فاض الكيل، ولم يعد [ طاقة على ال كتمان علا صوتي يرفع شكواي للذي يعلم السر وأخفى. أخذت أردد: يا الل ه يا الل ه، والسياط تشق في قدمي مجاري الألم. وفى قلبي ومشاعري مجاري الرضا، والتعلق بالل ه .. حتى فقدت الوعي. ولم أشعر بنفسي، ورقدت جثة هامدة فوق الأرض وهم يحاولون تنبيهي ويحاولون إيقافي فلا أستطيع. فكلما وقفت سقطت. كان الألم فوق الاحتمال والدم ينزف من قدمي ويأمر شمس بدران صفوت بإيقافي. كنت في غاية الألم والجهد فحاولت أن أستند إلى الحائط فيبعدني صفوت عن الحائط بسوطه !!

عدد الصفحات ١٢٩

129 فأقول لهم: دعوني أجلس على الأرض فيقول شمس بدرانلا .. لا .. أين ربك ادعيه لينقذك من يدي .. نادي عبد الناصر وانظري ماذا يحدث .. ولم أرد عليه، فيستمر في جاهليته: ردى علي! أين ربكم؟!! فلزمت الصمت، فقال: ردي!! فقلت بصوت خافت لشدة ما أنا فيه:" الل ه سبحانه الفعال ذو القوة المتين". وأخرجوني من مكتب شمس بدران إلى المستشفى. خرجت من مكتب شمس بدران .. وتنفست الصعداء، فإني أتلهف إلى الراحة وأكاد أشعر أن أعضائي تتمزق !! .. وسرت مع جلادي صفوت الروبي إلى حيث يريد أن يسوقني .. وما كدت أشرف على نهاية الممر حتى نادى حسن خليل بكلمات كأنها الحمم تخرج من بركان ثائر: ارجع يا صفوت. الباشا يريد زينب مرة أخرى! ومرة أخرى دخلت مكتب شمس بدران، وكانت المفاجأة!! إذ رأيت حميدة قطب أمامي!! .. عرفتها، وهى لم تعرفني، فالسياط، والكلاب،

عدد الصفحات ١٣٠

130 والإجهاد، والجوع، والعطش، والتمزق في جسدي .. كل هذا قد غير ملامحي وغير صورتي !! وسأل شمس بدران الابنة الفاضلة حميدة قطب: هل هذه زينب الغزالي؟ فدققت حميدة النظر وأجابت: نعم .. كنت في قمة الإجهاد والألم. فلم أتابع الأسئلة التي كانت توجه. إن شمس بدران يسأل عن الأخت الفاضلة فاطمة عيسى، التي كانت تنزل في زنزانة مقابلة لزنزانتي. أخذت الابنة حميدة قطب تجيب عن أسئلة شمس بدران الذي أمر بخروجي. وما كدت أخرج حتى سقطت على الأرض. فأمر صفوت جنديا أن ينادي الممرض عبد المعبود، حضر عبد المعبود ومعه زجاجة نزع غطاءها. ومررها أمام أنفى فأفقت، ثم أوقفوني .. وأمرني الجلاد صفوت بالسير. بل وأخذ يضربني بسوطه لأسرع الخطأ !! فاسقط على الأرض .. فيأمرني بالوقوف والسير. وسوطه المجنون يصب على جسدي المكدود نارا حامية!! وهكذا دخلت الممر أسير فاسقط، ثم أنهض لأسير فأسقط، وسوط الجلاد المجنون لا يرحم!! يا إلهي !! هل هذا إنسان؟ أم مخلوق آخر يمشى على رجلين وسوط. وسمعت صوتا ينادي: دخلها يا صفوت سجن رقم (5) وصوتا آخر اذهب بها إلى الماء يا صفوت !!".

عدد الصفحات ١٣١

131 أدخلني صفوت سجنا وأمرني بالجلوس على الأرض. ثم أمر الجندي التمورجي عبد المعبود أن يضمد جراحي !! .. وفتح باب زنزانة، فرأيت خلف الباب سدا حديديا يرتفع لأكثر من متر. أمرني صفوت أن أخلع ملابسي وأن أقفز هذا السد الحديدي! جمدني الخوف ووجدت نفسي لا أقوى على الحركة فلم أتقدم شبرا واحدا. وتركزت عيناي على بئر من الماء خلف السد. وجمعت كل قوتي في فمي وقلت: لن أخلع ملابسي أبدا !! فقال في جاهلية ماجنة عابثة: ستنزلين الماء بثوب واحد .. فقلت: أنا لابسة جلبابا واحدا. فقال صفوت في غرور: سأمزقه !! .. ومزق جلبابي الأوحد بمشرط شرائح ؟؟ .. وقال: اخلعي البنطلون يا بنت الــ ... البنطلون خسارة وأنت ستموتين بعد ساعة !! قلت: عندما أدخل الحجرة سأعطيك البنطلون ... فقال في صلف وحماقة: حجرة إ يه يا بنت ال .. إننا سنقذفك في البئر ونخلص منك. قلت: إذن، أدر ظهرك لأخلع البنطلون ... وأدار صفوت ظهره. وخلعت البنطلون الذي أعطوه لي عندما جلدوني في مكتب شمس بدران !!

عدد الصفحات ١٣٢

132 ووقفت في الثوب الممزق، لا أد رى ماذا أفعل !! .. وعندما أمرني صفوت أن أقفز إلى الماء امتنعت وقلت: لا، أنا لا أرمى نفسي في الماء، إذا كنتم ناويين على قتلي فتحملوا أنتم مسئولية هذا الأمر .. أما أنا فلن أنتحر أبدا ... كنت أعتقد أنهم قد اعتزموا قتلى والخلاص مني حقا، فظروف الحال كانت تؤكد ع ندي هذا الاعتقاد .. فالغلظة والفظاظة التي فاقت كل تصور والبئر التي أمامي والتي يطلبون مني أن أقفز فيها، كل هذا أكد عندي أن النية اتجهت فعلا إلى قتلي!! فليرموني إذا شاءوا في البئر، فالموت في سبيل الل ه أسمى أماني .. ومرحى بالشهادة في سبيلك يا إلهي. وجاء الز بانية يسوقونني بسياطهم لأقفز إلى الماء فأتمنع، فترتفع جاهليتهم. وتزداد حمية سياطهم فأسقط على الأرض، فقد كان العذاب فوق طاقتي بكثير.. تفنن فيه صفوت، والجندي سعد، وجندي ثالث يدعى سامبو، هكذا سمعتهم ينادونه، وحملني الثلاثة وقذفوا بي إلى البئر!! وأفتح عيني فإذا بأنني أقف على أرض صلبة!! .. وعرفت أن الماء لم يكن بئرا وإنما هو زنزانة من الماء!! .. فاتجه إلى الل ه سبحانه وأقول: باسمك اللهم، سلمت لك آمري، وأنا أمتك، وعلى عهدك ما استطعت .. ألبسني أردية حبك، وأغدق علي من صبرك يا الل ه ...

عدد الصفحات ١٣٣

133 ويريد صفوت أن يزيد طوفان العذابفيقول، وسوطه ينزل على جسدي حيثما اتفق: اقعدي يا بنت الــ.. !! فأقول: كيف أقعد في هذا الماء؟ إن هذا مستحيل .. فيقول الجلاد بلسانه وسوطه: اجلسي كما تجلسين في الصلاة .. أظن تعرفين هذا جيدا .. أرينا مهارتك وأقعدي .. إنك لم ترى شيئا بعد .. فما زال في جعبة أبى خالد ال كثير .. جمال عبد الناصر هو الذي عرف كيف يتعامل مع الإخوان المسلمين .. هيا اجلسي يا بنت الــ... وجلست فصارت المياه إلى أسفل ذقني، وقال صفوت: إياك أن تتحركي ولو حركة واحدة .. جمال عبد الناصر أمر بجلدك كل يوم ألف جلدة بالسوط .. أحب أعرفك التسعيرة هنا .. الحركة بعشرة سياط !! لشدة الهول، نسيت أقدامي الممزقة. بل نسيت كل جندي. غير أن المياه أخذت تفعل بالجراح ما لم أستطع وصفه من آلام، لولا عناية الل ه ما احتملتها .. وشغلتني آلامي عن صفوت، وسعد، وسامبو، ول كن أعادني صفوت بسوطه إلى الواقع ال كثيف المرارة! وقال صفوت: أعلمي - يا حلوة - لو نمت فالسوط يوقظك. هذه الجلسة فقط .. نعم تجلسين هكذا .. هل ترين الفتحة المحفورة بالباب؟ إنها للمراقبة .. إذا وقفت، أو نمت أو حركت يدك أو رجلك فالسياط موجودة ومستعدة ..

عدد الصفحات ١٣٤

134 إننا وضعناك في وسط الحجرة، فإياك أن تفكري أن تزحفي لتسندي رأسك مثلا إلى الحائط. إذا سولت لك نفسك أن تفعلي هذا فعشرة سياط .. إذا وقفت فعشرة سياط .. ومد رجلك خمسة سياط .. مد ذراعك خمسة سياط .. علمت – يا حلوة – هذه التسعيرة؟ فلينفعك الهضيبي أو سيد قطب .. أنت هنا في جهنم عبد الناصر .. إذا قلت يا رب فلن ينقذك أحد، ويا سعادتك لو قلت يا عبد الناصر .. فستفتح لك الجنة. جنة عبد الناصر أيضا .. أتفهمين؟!! أنت يا حلوة - ما زال أمامك ال كثير. وما سيأتي اكثر وأكثر .. يا ليتك تعقلين .. إنني مستعد أرجو لك معالي الباشا وتذهبين إليه .. وتقولين ما يريده .. هل أنت م جنونة؟ من أجل من تفعلين في نفسك كل هذا؟ من أجل الإخوان؟ كلهم اعترفوا ولم يبقوا عليك .. ولفوا الحبل حول عنقك ... ظللت صامتة وإن كانت نظراتي إليه تقول ال كثير .. ول كنه جاهل أحمق وحيوان مغرور!! فاستأنف سخفه، أو بالأحرى استأنف إغراءه: أطيعيني، واستمعي إلى .. وأنقذي نفسك .. أنت في الصباح ستكونين مع الأموات. وظللت على حالي من الصمت والسكون فقال:" ردي يا بنت الــ.. فصمت .. فقال: الأمر بسيط جدا. سآخذك إلى معالي شمس بدران باشا، وتقولين له كيف اتفق سيد قطب مع الهضيبي على قتل جمال عبد الناصر!

عدد الصفحات ١٣٥

135 فصرخت بكل قوتي .. كل الإخوان أبرياء. وربنا سينتقم منكم ليست الدنيا غايتنا، نحن نطلب رضاء الل ه، وبعده فليكن ما يكون!! فانطلقت القذارة من فمه بأبشع ما يمكن أن يسمعه إنسان. وانطلق سوطه بأعتى ما يمكن أن يتحمله بشر من حقد وكراهية!! واستمرت قذارته واستمر حقده وكراهيته أكثر من نصف ساعة!! ثم انصرف وهو يقول: أنت عارفة التعليمات والتسعيرة يا بنت الــ... لم أستطع أن أظل في مكاني بلا حركة. فليس في مقدور أي إنسان مهما كانت طاقته ومهما بلغت قوة احتماله أن يجلس هذه الجلسة ولا يتحرك .. إنه تعذيب. وعذاب!! الضرب بالسوط أهون من التجمد في هذه الجلسة دون حركة. فلهيب السوط أهون من عذاب الماء!! .. أخذت أفكر كيف أتحرك .. لو مددت رجلي سيصل الماء إلى فمي. فلم يكن بد من الوقوف وأتحمل عشرة سياط .. !! وفوضت الأمر لل ه. وقلت: يا رب أنت معي!! ووقفت !! خيل إلي أن الجند نائمون .. وسمعت أذان الفجر، فتيممت على الحائط، لأن الماء كان قذرا جدا لا يصلح للوضوء.. وأديت ركعتي السنة، ودخلت في ركعتي الفرض وهنا فتحت الزنزانة، وهوى السوط على جسمي. فجلست كما كنت فاغلق الباب ..

عدد الصفحات ١٣٦

136 وأخذت أردد: حسبنا الل ه ونعم الوكيل. حتى تأخذني سنة من النوم فيوقظني الماء الذي يصافح ذقني. كانت زيارة سامبو وسوطه لا تقل عن خمس مرات في الليلة الواحدة!! .. فكان لابد من الحركة، وكان لابد من السوط!! مع الضحى، جاء صفوت وأخرجني إلى زنزانة أخرى بجوار زنزانة الماء .. ابتلعتني هذه الزنزانة .. وتكورت في ركن من جوفها مستندة إلى حائط .. كان الحائط بالنسبة إلي كأنه وسادة ناعمة محشوة بريش النعام !! كانت آلامي عاتية متنوعة .. آلام الجوع تفري أمعائي .. وآلام جروحي تمزقني .. جروح جسدي وجروح نفسي.. لقد صرت كتلة آلام .. كل جزء منها يئن ويصرخ !! .. ويدخل صفوت ومعه مارد أسود !! أخذ يتحسس سوطه بيده اليسرى ثم يضرب الأرض والحائط، وكأنه يستحث لهي به، أو يستنفر حميته !! وقف صفوت وألقى أوامره وتعليماته إلى هذا المارد بأن يرتكب أبشع جريمة ممكن أن يقترفها بشر .. !! وترك له السوط وهو يقول في صلف وغرور: إذا وجدت

عدد الصفحات ١٣٧

137 منها أي معارضة فالسوط معك ... انشغلت عن هذا السفه بالل ه سبحانه وسألته متوسلة إليه:" اللهم إني أمتك، وعلى عهدك ما استطعت .. أدعوك بضعفي، وقلة حيلتي، وانكساري، وهواني على الناس، أن تدفع عني شر الأشرار، وتحميني بقدرتك، وتعينني على ظلمهم ..". أخرجني من إغراقتي في مناجاة ربي صوت هذا الإنسان المأمور بإيذائي بأبشع جريمة .. يناديني "يا خالة!!". ونظرت إليه ودهشت .. فقد تغير وجهه وارتسمت عليه ملامح إنسان !! قال بصوت منخفض فيه شفافية: لا تخافي يا خالة .. لن أؤذيك، ولو قطعوني .. فقلت بصعوبة بالغة: ربنا يهديك يا بنى .. ربنا يكرمك. فتح باب الزنزانة في عنف وانطلق صفوت يضرب الرجل بالسوط ويقول: يا ملعون، يا ابن الكلب، لقد أوردت نفسك مورد الهلاك، ستقدم إلى مجلس عسكري .. هذه أوامر جمال عبد الناصر يا ابن الكلب .. أنت تكسرها؟! أنقذ نفسك فورا قبل أن أذهب بك إلى شمس باشا يحولك إلى مجلس عسكري .. ثم أعاد عليه الأوامر الفاجرة والتعليمات الفاحشة بكلمات صريحة صارخة لا يمكن أن تخرج من فم إنسان وأغلق الزنزانة وأطل من الفتحة وقال:" أنا سأتركك س اعة، ثم أعود إليك لأنظر ماذا فعلت .. أنقذ نفسك، ونفذ الأوامر!!".

عدد الصفحات ١٣٨

138 حيا الجندي صفوت تحية عسكرية من داخل الزنزانة وقال:" حاضر يا أفندم !!". كنت أستمع إلى هذه الجاهلية وذلك الفجور، فأناجي ربى بتلك الكلمات، " إنها دعوتك، ونحن جندها، وشهداؤها .. فغيرتك على جندك، وأعراضهم يا الل ه! اجعلنا أقوى من ظلمهم وألوان تعذيبهم". وأخذت أدعو لهذا الرجل بالهداية ، ظننت أن هذا الرجل - بعد الأوامر الجديدة - سيخشى البشر، فيسلك مسالك الوحوش .. ول كنه كان رائعا وشجاعا. وقال كأنه في براءة الأطفال: لماذا يعذبونكم هكذا يا خالة؟ فقلت: إننا –يا بنى– ندعو لل ه، ونريد حكم الإسلام لهذا البلد. ولا نطلب لأنفسنا سلطانا. وسمعت أذان الظهر فتيممت على حائط الزنزانة وأديت الصلاة، فقال في رجاء:" ادعى لي يا خالة. فدعوت له بالهداية وقمت لصلاة السنة، فقال: ادعى لي أن يكرمني الل ه بالصلاة يا خالة .. أنتم لستم بشرا. ربنا يخرب بيتك يا عبد الناصر! فقلت له: هل تعرف الوضوء؟

عدد الصفحات ١٣٩

139 فقال : طبعا، أنا كنت مواظبا على الصلاة .. ل كن جيش حليمة لو رأوني أصلى يسجنونني ... فقلت له: صل ولو سجنوك، فالل ه معك. فقال ونور الإيمان يملأ وجهه .. "سأصلى". وفجأة ضرب أحد الجنود باب الزنزانة بعنف وقال: يا ابن الكلب .. ماذا تفعل؟!! فقال الرجل: الست لم تفرغ من الصلاة. فقال الجندي في صفاقة: صفوت آت إليك. وأرسلني أنظر ماذا فعلت. وجاء صفوت كحيوان مجنون وهجم على الرجل بوحشية شرسة، وظل ينهال بسوطه على الرجل حتى أفقده حتى الأنين !! وجاء مساعدو الجلاد وحملوا المسكين إلى مصيره، وأغلقت الزنزانة على آلامي وهمومي .. آلمني ما نال هذا الرجل بسببي، أو لأن الل ه أضاء بصيرته فلم يطع الظالم !! كانت السياط التي مزقت جسده تمزق جسدي وتحفر أخاديد في نفسي!! وهربت من همومي وآلامي إلى صلاة العصر ..

عدد الصفحات ١٤٠

140 وغربت الشمس، فنشط جلادو السجن الحربيوزبانيته، وبدأت عجلة التعذيب تدور !! أخذوني في ستر الليل، إلى زنزانة الماء .. كانت أمعائي تصرخ من الجوع وحلقي يكاد يتشقق من العطش، وآلام جراحي تضرب كل جزء من جسمي بعنف وشراسة. أخذتني سنة من النوم، وأنا على هذا الحال، فإذا بخَ لْ ق جميل، يرتدون حُ للا من الحرير، مزركشة، داخل مخملات مطرزة بالذهب، ويحملون صحافا من الذهب والفضة عليها ما طاب من الأطعمة من لحوم وفاكهة لم أر مثيلا لها!! .. فأخذت آكل من هذه، وتلك، واستيقظت من سنة النوم هذه، فوجدت نفسي في شبع وري، فلا جوع، ولا عطش!! بل إن مذاق ما أكلته من طعام كان لا يزال بفمي!! فأخذت أشكر الل ه وأحمده .. مكثت في الماء طول الليل إلى ضحى اليوم الثالث، عندما دخل صفوت وشمر بنطلونه، ونزل إلى الماء وقال وهو يهزني بقسوة: إلى متى تظلين على عنادك؟ أنقذي نفسك واكفينا أمرك .. أحكي الحكاية .. كيف اتفق سيد قطب مع الهضيبي على قتل عبد الناصر؟ ومتى قال لك أن تأمري عبد الفتاح إسماعيل بقتل عبد الناصر؟

عدد الصفحات ١٤١

141 فقلت: كل هذا لم يحصل .. فخرج يسب و يلعن .. ثم عاد صفوت مرة أخرى بعد ساعة تقريبا، وأخرجني من الماء، وأدخلني في الزنزانة الأخرى التي تجاور زنزانة الماء وانصرف وارتعدت .. فقد اتجه تفكيري إلى ما حدث في هذه الزنزانة فاتجهت إلى الل ه بكل إيماني أن يحفظني مما يدبرون .. ورجع صفوت وضابط بملابسه الرسمية يدعى إبراهيم .. وقال صفوت: سيادة الضابط سيتكلم معك يا .. فقال الضابط: اخرج أنت يا صفوت ثم اتجه إلي وقال: أليس من الأفضل أن تقدري مصلحتك وتعملي لها فقط؟ .. هؤلاء القوم ليس لهم إله حتى يخشونه! هل تعلمي ماذا فعلوا بالجندي الذي لم ينفذ الأوامر معك بالأمس؟ لقد أعدم رميا بالرصاص .. إنهم اليوم يعدون لك فرقة من أعتى المجرمين .. اعملي كل ما يطلبونه منك وأنقذي نفسك من أنيابهم .. حسن الهضيبي وسيد قطب وعبد الفتاح رجال، يتحملون مسؤولية خطئهم .. والتزمت الصمت، فقد سئمت أسلوب المساومة والإغراء والتهديد، ولا أظن أنني سألاقى من التعذيب أكثر ولا أبشع مما أنا فيه .. فقال الضابط لصفوت وكأنه عز عليه أن يفشل في مهمته: اعمل معها ما شئت، إنها تستاهل كل اللي يحصل ليها ... ودخل صفوت وأطلق سبابه الصارخ: عبد الناصر أرسل في طلب شياطين من النوبة سينهشونك نهشا .. إلى

عدد الصفحات ١٤٢

142 أين تفرين منهم؟ الوقت يمضي، وكل دقيقة تقربك من النهاية ثم أغلق الباب خلفه .. وبعد العصر، نقلوني إلى زنزانة الماء حيث مكثت فيها طول الليل .. وجاء ضحى اليوم الرابع، ولم أر أحدا غير صفوت الذي أخرجني من الماء وأدخلني الزنزانة الأخرى .. وبعد العصر أعادوني إلى زنزانة الماء فمكثت فيها إلى ضحى اليوم الخامس !! وهكذا كل يوم من زنزانة إلى زنزانة بألوان من العذاب مختلفة!! لم يبق موضع في جسمي إلا وفيه أثر عذاب وموضع جراح !! ولم تبق ذرة في نفسي إلا وفيها جرح عميق ينزف ألما وحسرة .. هل كل ما يحدث هنا في السجن الحربي يخرج من بشر، من إنسان؟!! غير معقول أن هؤلاء المخلوقات بشر!! إنهم مخلوقات تسمع وترى وتنطق وتمشى على رجلين، ولها ذراعان وهيكل بشرى .. لا .. لا.. إنها مخلوقات غريبة .. من تركيبة عجيبة !!

عدد الصفحات ١٤٣

143 وأخرجوني من الماء إلى الزنزانة المجاورة .. وحياني صفوت بعدةضربات ملتهبة بسوطه المجنون .. وقال وهو يضربني: إن ما سيحصل لك اليوم لم يحصل لكلب أجرب في طاحونة!! وأغلق باب الزنزانة ثم انصرف .. وما مر إلا دقائق قليلة حتى فتح باب الزنزانة مرة أخرى وامتلأت بحمزة البسيوني وصفوت وجندبين آخرين .. وانطلقت القذارة من فم حمزة البسيوني بأبشع ما يمكن أن يتخيله إنسان .. سب فاضح صارخ وقال:" يا بنت الــ ... أنقذي نفسك وقولي كل شيء. اعترف الهضيبي، واعترف سيد قطب، واعترف عبد الفتاح إسماعيل، ووضعنا أصابعنا على كل شيء من واقع اعترافاتهم .. عرفنا منهم أن الهضيبي أمرك أن تقولي لعبد الفتاح إسماعيل بأن دم عبد الناصر مباح لأنه كافر .. كل واحد منهم تكلم، وأنقذ نفسه وأنت ضيعت نفسك .. . ثم قال مهددا والشرر يتطاير من عينيه: ستعرفين كيف أنتزع منك كل ما نريده .. ستتكلمين أم لا؟ ثم التفت إلى صفوت وقال: نفذ الأوامر يا صفوت ... ومن يعص الأمر من أولاد الكلب – مشيرا إلى الجنديين حوله إلى المكتب فورا .. وتولى صفوت إفهام ال جنديين مهمتهما البشعة بأسلوب داعر صارخ الفجور، بعيد كل البعد عن الحياء .. مغمور في الانحطاط إلى أبعد ما يكون .. فقال لأحدهما في مجون: نفذ التعليمات – يا ابن الكلب – بعد إغلاق

عدد الصفحات ١٤٤