المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أيام من حياتي

غير معروف

صفحة ٧ من ١٩

96 جسمي واقترحت علي أن تغير ملابسي بما معها هي ولما رفعت الملابس الممزقة عن جسدي فوجئنا بآثار السياط تمزقه وكانت صيحة استنكار وألم، فهذا مما لا يمكن أن يحدث مع النساء في نظرهما .. وحاولت أن أخفف عنهما ما رأتا فحمدت الل ه على أن كان هذا في سبيله سبحانه وتعالى، لا في سبيل أي دعوة دنيوية أو إلحادية، حمدته على أن أكرمنا بالإسلام وحمدته على أن شرفنا بمظلة: أن لا إله إلا الل ه وحده لا شريك له وأن محمدا عبد لل ه ورسوله". وحاولت علية بدورها أن تخفف عنى، فنقلت لي أحاديثهم عني. حديث أختها السيدة خالدة الهضيبي عن أن السجن لن يضيرها بشرط أن يدعوها فيه معي في زنزانة واحدة. لقد هزني هذا الحديث كثيرا. ول كن لو رأت خالدة جسمي لغيرت رأيها وطلبت من الل ه أن يعافيها .. ودعوته سبحانه أن يعفي جميع الأخوات وجميع المسلمين والمسلمات من جور وظلم أهل الباطل.

عدد الصفحات ٩٧

97 وفتح باب الزنزانة فجأة فانقطع ما ب يننا من حديث ودخل الشيطان الأسود و بيده ثلاثة أرغفة من الخ بز و"قروانة" صفيح بها فاصوليا مسلوقة. أخذتها منه علية. وأغلق الباب. كنت لا أطيق رائحة هذا الطعام. وكانت علية حاملا ويبدو عليها الإجهاد. وكأنها أحست بما في نفسي فقربت الطعام مني وهي تقول: الأكل حلو يا حاجة! وناولتني رغيفا، وناولت غادة رغيفا آخر وابتدأت تأكل وتبعتها غادة. قالت علية: يجب أن آكل من أجل الضيف الذي هنا !! وأشارت إلى حملها ولما رأتني متوقفة توقفت وكذلك فعلت غادة. قالت علية: نحن نأكل ونقول مع كل لقمة بسم الل ه الرحمن الرحيم. ولم أستطع أن أبتلع الطعام. فقالت علية: يا حاجة أنا معتقدة أنك أصبحت في نصف وزنك طبعا من عدم الأكل، وقد أصبح الأكل في هذا الوقت عبادة؛ فالجلادون سيسعدهم أن تموت زينب الغزالي. والامتناع عن الأكل حرام.

عدد الصفحات ٩٨

98 حاولت دون جدوى أن أناقشها بأني آكل ما يمسك علي الحياة، وإرادة الل ه قد أعطتني الصبر عن الطعام والقدرة على الاكتفاء بملعقة سلاطة. ومازالت بي تلح حتى أكلت. ويعلم الل ه أنه كان عذاباً لا طعاماً. وفى صبيحة اليوم الثاني لحضور علية وغادة، استطعت أن أشركهما معي في لقائي اليومي بالمرشد العام عن طريق ثقب الباب، وحدثتهما عما بعثه في نفسي من طمأنينة وراحة. واستطاعت علية أن ترى أباها في ذهابه إلى دورة المياه وإيابه وكذلك غادة. وجلسنا باقي النهار تحكى لنا فيه غادة كيف قبضوا عليها وكيف التقت بحميدة قطب بعد القبض علي، وأبلغتني أنهم قبضوا على آل قطب جميعا. ومرت ساعات اليوم ثقيلة بطيئة تقطع وحشتها ركعات الصلاة الجماعية. وعند صلاة العشاء فتح باب الزنزانة ودخل الشرير صفوت الروبي ومعه جندي آخر وأخذاني إلى المكتب الذي سبق أن دخلته مرتين من قبل ذلك. وجدت رجلا يجلس على المكتب، ألقيت عليه السلام فلم يرد. وأخذت نظراته الوحشية تتفرسني وهو يقول: أنت زينب الغزالي؟ قلت: نعم. أشار إلى مقعد

عدد الصفحات ٩٩

99 أمامه لأجلس عليه ثمقال: إذن أنت زينب الغزالي!! لماذا أسأت إلى نفسك إلى هذا الحد؟ أكل هذا لأجل الإخوان المسلمين؟ كل واحد منهم يحاول تخليص نفسه. وهم جميعا يرمونك أنت في البئر وحدك. أنت صعبانة علينا. أنا ألفيت على نفسي أن أنتشلك من البئر. وسأتفاهم معك على بعض الأمور. تذهبين بعدها إلى البيت. ليس هذا فقط. أنا أقول لك باسم جمال عبد الناصر: إن تم التفاهم وعقلت فسيصدر الرئيس قرارا بإعادة المركز العام للسيدات المسلمات وسيرجع لك مجلتك، وسيعطيك إعانة للمجل ة ألفي جنيه شهريا وسيصرف لك مبلغا كبيرا للجمعية ويعيدها أحسن مما كانت. إن تفاهمت معي سأرسل في إحضار ملابسك وبعد ساعة سنقابل جمال عبد ا لنا صر .. أنت صعبانة علينا والإخوان الذين أوقعوك في داهية. ربنا يسامحهم. الريس قلبه كبير! .. كان يتكلم وأنا صامتة لا أجيب .. فقال: ما تردى يا ست زينب؟ والل ه الريس ناوي يقيل حكمت أبو زيد ويجيبك مكانها. نحن نريد أن تتعاوني معنا. افتحي قلبك وقولي كل شيء وستعرفين أنني أخوك وأحب لك الخ ير. وناس طيبون كثيرون في الخارج أيضا يحبونك ويتوسطون من أجلك. وقد قلبوا الدنيا لأجلك.

عدد الصفحات ١٠٠

100 قلت: أنا لا أر يد أن كون وزيرة، ولم يجل بخاطري هذا الأمر في يوم من الأيام، أما جماعة السيدات والمجلة كذلك .. فقد فوضت أمري فيهما لل ه، وليس من الضروري للمسلمين أن يعملوا تحت راية مجلة أو جماعة فهم يعملون تحت راية لا إله إلا الل ه. قال: إذن فلم كنتم ترتبون لإعادة الإخوان المسلمين؟ يا ست زينب؟ قلت: نحن مختلفون في فهم كل شيء. أنا مثلا أعتقد أن جماعة السيدات التي أسستها لم تحل. وعبد الناصر يتوهم أنه حلها باستيلائه على أموالها ودورها وممتلكاتها. فالمسلمون تعقد راياتهم بيد الل ه، وما يعقده الل ه لا يحله البشر. وجماعة الإخوان مثل جماعة السيدات المسلمات لم تحل أيضا. ودعوة الل ه ماضية في طريقها وكلمة الحق قائمة. وسيفنى عبد الناصر ودولته وتبقى كلمة الل ه. وعندما تنقضي آجالنا ونلقى الل ه، سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. إن دين الل ه قائم، ولا تزال طائفة من أمة الإسلام قائمة على الحق مدافعة عن دين الل ه، مجاهدة في سبيل الل ه، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الل ه وهم على ذلك. وأدعو الل ه تبارك وتعالى أن نكون من الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، مبينين للأمة طريقها إلى الل ه تعالى .. هؤلاء الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر خلفا ء رسول الل ه صلى الل ه عليه وسلم وهم المجددون لأمر الإسلام.

عدد الصفحات ١٠١

101 إن تأسيس جماعة الإخوان المسلمين لم يكن خبط عشواء من حسن البنا ولـكنه كان تنفيذا لأمر أراده الل ه لتجديد هذا الدين بإقامة دولته وتنفيذ شريعته ولذا فليس من حق جمال عبد الناصر حل جماعة الإخوان. قلت هذا وسكت. فقال لي: والل ه إنك خطيبة فعلا. ل كنى لم آتك لآخذ منك درسا في الإخوان ولتجتذبيني لأكون واحدا منهم. أنا آتيك لأصل معك إلى حل ينقذك من المصيبة التي أوقعت نفسك فيها .. لقد رمى الإخوان كلهم المسئولية عليك .. عبد الفتاح إسماعيل يقول: إنك أنت التي جندتيه .. الهضيبي خلص نفسه ورمى المسئولية عليك فقال: أنت أسست التنظيم. سيد قطب تخلص وشبكك أنت .. أنت إما طيبة جدا أو مجنونة .. عبد الناصر يريد أن يخلصك مما أنت فيه، عبد الناصر (اللي البلد في خنصره) يريد أن يسامحك عما مضى ويفتح صفحة جديدة. هو عارف انك خطيبة، لك تأثير على الناس والناس تحبك وجماهيرك كثيرة .. أنت يا زينب خسارة وأنت ورقة رابحة .. أهناك أحد يريد عبد الناصر أن يقربه ويرفض؟ أنت مجنونة صحيح! لا مؤاخذة. أنا أقول هذا لأني أريد مصلحتك وأنت طول عمرك تربين اليتامى وتعملين الخ ير. اعقلي يا حاجة وشوفي مصلحتك واسمعي كلامي ... قلت: ألا يكفيك ما قلت؟

عدد الصفحات ١٠٢

102 قال: أمر بسيط جدا سترين الخ ير بعده: أن تذكري لي جميع أسماء الإخوان الذين كانوا يحضرون إليك في المنزل، والطريقة التي كانوا سيقتلون بها عبد الناصر، ومتى أخذتم الأمر من الهضيبي بقتل الريس. كما نريد أن نعرف موقف سيد قطب، وكيف أعدت الخطة وما هي تفاصيلها، وأنا أحلف لك برأس عبد الناصر أنك ستخرجين هذه الليلة من السجن ولتتسلمي وزارة الشئون الاجتماعية. دى فرصة لا تضيعيها، أنا حلفت لك بشرفي وشرف الريس. اعقلي وفكري جيدا في مصلحتك، كل الإخوان الآن لا يفكرون إلا في أنفسهم .. وهنا دخل الحجرة رجل غليظ الجثة لا تقع عيني عليه إلا ورأيت شيطانا في وجهه. قال: يا سيادة العقيد لقد أحضرنا كل التسجيلات التي كنا نضعها في منزلها بالزيتون ومصر الجديدة. إذا أمرت نحضرها حتى تسمعها لها. قال محدثي: اذهب أنت الآن يا رياض! ثم عاد يكلمني قال: شوفي يا زينب، أنا عارف أن زوجك رجل طيب وأريد أن أخدمك من أجلك وأجله. واخوتك منهم أصدقاء لي أعزاء علي. أنا أريد أن أخدمك، والرئيس حريص على أن تتفاهمي معنا وهو يريد خدمتك، وأنا أعدك بشرفي وشرف الرئيس عبد الناصر أن أحرق الأشرطة أمامك إذا تفاهمنا، نحن نريد أن نخلصك من الورطة التي أوقعك فيها الإخوان، والل ه العظيم نحن مسلمون أحسن منهم. ما هو الإسلام؟ الإسلام أن لا يضر الإنسان أخاه !!

عدد الصفحات ١٠٣

103 قلت و كلى سخرية: والذي تشهده هنا، أليس إضرارا بأخيك وبالناس جميعا. قال في بلاهة: نحن طيبون جدا والنبي بس تفاهمي معنا وستدركين طيبتنا .. قلت: أدعو الل ه أن يتوب عليكم وتكونوا مسلمين. وهنا أخرج ورقا من درج مكتبه وأمسك بالقلم وقال: يا ست زينب قولي من الذي كان يأتي عندك؟ قلت: لا أتذكر لأني لا أحفظ الأسماء ولا أسأل أحدا عن اسمه. قال: طيب! نترك هذا الموضوع لنعود إليه بعد قليل. نتكلم في موضوع حسن الهضيبي وسيد قطب. قلت: أي موضوع هذا؟ قال: موضوع قتل عبد الناصر والاستيلاء على الحكم! قلت: يا أستاذ! القضية أكبر من قتل عبد الناصر والاستيلاء على الحكم. قتل عبد الناصر أمر تافه لا يشغل المسلمين، القضية قضية الإسلام، الإسلام غير قائم ونحن نعمل لقيام الإسلام ونعمل على تربية نشء للإسلام. وإذا كان عبد الناصر يحارب الإسلام في أشخاص المسلمين وينكر الحكم بشريعة الإسلام مدعيا أن هذا رجعية وتعصب وتأخر فأمر لا يشغلنا.

عدد الصفحات ١٠٤

104 قال أنت مجنونة! هذا الكلام خطير. ألا تعلمين أنك لو قتلت هنا الآن ودفنت ما علم بك أحد. الظاهر أنك تستحقين ما أنت فيه. لو تركتك الآن فستقتلين بعد ساعة. قلت: يفعل الل ه ما يشاء ويختار. ولم أكد أقول هذا حتى انقلب كالوحش الذي أخذه الصرع، وأخذ يهذي في هستيريا بالسب واللعن والشتم. ثم نادى أحد الجنود وأعطاه إشارة جاء على إثرها رياض إبراهيم. قال له: ودي التسجيلات للمحكمة. هذه مجنونة. اعرف شغلك معها وهات لها سعد وانصرف ذلك الذي كان يساومني. وحضر العسكري سعد وهو يقول نعم يا باشا. قال له: سويها يا سعد. وسأله سعد: كم جلدة يا باشا؟ قال: خمسمائة جلدة. وأنا راجع بعد قليل. وأخذ سعد يضربني بالسوط على يدي ورجلي وظهري وكل مكان في جسدي. ثم يتركني واقفة ووجهي للحائط ويغيب مقدار ساعة يعود بعدها لضربي بالسوط مرة أخرى. ثم جاءوا بجماعة من شباب الإخوان وأخذوا يجلدونهم ويلقنونهم ألفاظا قبيحة وسبابا مشينة ليوجهوها لي. وكان الشبان يرفضون ذلك فيزيدونهم جلدا. وكان منهم الطيار ضياء الطوبجي ا لذي قبض عليه يوم زفافه.

عدد الصفحات ١٠٥

105 بعد جلد شباب الإخوان وجلدي أخذوني إلى حوش السجن الذي فيه زنزانتي. وأوقفني المدعو سعد ووجهي للحائط ما يقرب من ساعة. كان البرد قارسا وآلام الركل والسياط شديدة. وجاء حمزة البسيوني، كنت قد بدأت أحفظ بعض الأسماء. وكان معه رياض الذي قال: يا بنت اعقلي وفكري في مصلحتك. نحن لا نريد إلا نفعك. انصحها يا حمزة باشا! حاتعقلى وتعترفي كما اعترف كل الرجال أم لا؟! قلت: ليس لدى ما أعترف به. الخ ير الذي كنا نجتمع من أجله هو بعث عقيدة التوحيد في نفوس الشباب. التفت حمزة لصفوت وكان يقف خلفه. فقال صفوت: أوامرك يا باشا. قال حمزة: هات لي كرسيا ولها كرسيا. زوجها صاحبي. ولذا سأتعب نفسي معها. جاء ال كرسي فأمرني بالجلوس ليعرف كيف يكلمني موضحا أنه يفعل ذلك من أجل زوجي. حاولت أن أجلس فلم أستطع. كانت السياط قد أخذت من جسدي مما أعجزني عن الجلوس. أعاد حمزة الأمر بالجلوس فقلت: كلمني وأنا واقفة. فقال لي: أنت التي فعلت هذا في نفسك وحقرت نفسك بهذا الشكل.

عدد الصفحات ١٠٦

106 لقد أصبح شكلك قبيحا، وأصبحت رجلاك مثل رجلي الرجلالوحش. إن زوجك سيغتم حين يراك بهذا الشكل. لقد أصبح سنك ستين سنة. وزوجك صاحبي وصعبان علي انظري إلى يديك، كأنهما يدا عمال البناء. قال صفوت: إنت بتقول يا باشا: سنها ستون سنة، دي شكلها كما لو كان سنها مائة وعشرين سنة. وشكلها أصبح قبيحا، زوجها يسبها ويلعنها وستصلها ورقة الطلاق في البريد وأخذ يقهقه. قال حمزة: أنت صعبانة علي، أنا أريد أن أخدمك. ظللت صامتة لا أتكلم، بل أنظر نظرات فيها احتقار له وازدراء لما يقول، ولا أدري أكان يحس بهذه النظرات أم أنه كان غبيا؟ كنت أراه غبيا جبانا .. كالحشرة الملوثة. كان يظن أنه يخيفني، ول كنى كنت أحس أنه يفرق مني رعبا. هكذا كنت أحس عندما كان يهذي بتهديداته. صرخ كالوغد يأمر صفوت أن يضع وجهي للحائط، وأسرعت أنا بنفسي أنفذ الأمر وأرفع يدي إلى أعلى، وما لبث السوط في يد صفوت أن بدأ يهوى على ظهري في وحشية، ثم استدعى عسكريا اسمه سعيد أوقفه بجانبي وبيده سوط يضرب به في الأرض. وجاء آخر بصفيحة زيت مغلي وضعوا فيها عددا من السياط. وانصرف حمزة البسيوني وصفوت. وتركوا هذا الشقي سعيد يغمس تلك السياط في الزيت المغلي ويأمرني أن أنظر. ثم دخل الحوش أكثر من عشرة

عدد الصفحات ١٠٧

107 عساكر أخذ كل واحد منهم سوطا أخذوا يضربون بها في الأرض ويقولون يا بنت الـــ .. بنسن لك ال كرابيج. وأنا لا التفت إليهم. كنت مشغولة عنهم بذكر الل ه. كنت أتلو قول الل ه تعالى (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لـكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الل ه ونعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من الل ه وفضل لم يمسسهم سوء). ودخل السفاح الروبي بعد فترة وقال: اخرجوا يا أولاد. انتظروني. أجلنا قتلها الليلة .. وجذبني من ذراعي وأخذني إلى الزنزانة. فتح الباب وابتلعتني الزنزانة. كانت علية وغادة نائمتين فجلستا وأزعجهما الدم الذي ينزف من قدمي. سألتني علية عما فعلوه في رجلي، قلت: الحمد لل ه. وطلبت منهما العودة إلى النوم وأنا أردد حديث الرسول عليه السلام:" بسم الل ه، أعوذ بعزة الل ه وقدرته من شر ما أجد وأحاذر". ومرت ليلتان وآلام الجلد تأخذ مني كل مأخذ، وأنا أكتم آلامي داخل نفسي إشفاقا مني على علية وغادة، وكانتا تحرصان كل الحرص على ألا تسألاني

عدد الصفحات ١٠٨

108 عما حدث في تلك الليلة ولا عن سبب استدعائي، لقد اكتفتا بما رأتا من آثار التعذيب على جسدي وبمنظري عند العودة. وفى صبيحة يوم سألتني غادة عما حدث فأسكتتها علية وشعرت أنا بأن في سؤال غادة نذيرا بفصل جديد فانقبضت نفسي وانقضى اليوم. وبعد صلاة العشاء فتح باب الزنزانة وسدته جثة صفوت المظلمة الذي نادى بوحشية: يا بنت يا زينب قفي؟ وسحبني من يدي وهو يقول تعالي. اختل توازني وكدت أسقط على الأرض من شدة الإعياء! .. وفى الطريق قابله رجل قال له: خليل بك ينتظرك يا صفوت! قال وهو يسب ويلعن .. أنا آخذ له البلوى دي سأل الآخر هي دي زينب الغزالي؟ فأجاب صفوت: نعم هي دي زين ب ا لغزالي .. وأخذ يسب ويلعن وأدخلني حجرة بها مكتب عليه رجل كأن وجهه الليل المظلم المخيف. انتفض الرجل واقفا كأن جنا مسه وقال لصفوت: روح انته هات الرجل. وتركني واقفة وأخذ يذرع الحجرة ذهابا وإيابا كالملدوغ. عاد صفوت

عدد الصفحات ١٠٩

109 ومعه رجل دخل وجلس علىالمكتب. أخذ يقول: من أنت يا بنت؟ قلت: زينب الغزالي الجبيلي! قال: ولم أنت هنا؟ قلت: لا أعلم. قال: لازم تعرفي. أنت هنا لأنك والهضيبي وسيد قطب وعبد الفتاح إسماعيل دبرتم لقتل جمال عبد الناصر. قلت: لم يحدث هذا! قال: اعتدلي في كلامك! .. الليلة قتل لا جلد ككل مرة. أتعرفين من أنا؟ أنا وحش السجن الحربي .. أنت فاهمة. قلت .. ليس هنا إلا الوحوش والكلاب .. لم أر أحدا من الآدميين منذ دخلت السجن إلا هؤلاء المظلومين من الإخوان حملة الأمانة وزعماء الحق. فقام وركلني برجله ودفعني بكلتا يديه فأوقعني، ثم أخذ يرفصنى برجليه، ثم أوقفني وكان الضر ب قد أتعبني فاستندت إلى الحائط. فنظر إلي وقال: لا نريد هذه الفلسفة اعتدلي وتكلمي! .. وضربني بكلتا يديه على وجهي .. وأخذني صفوت بيديه .. وأجلسني على مقعد وخرج وأغلق باب الحجرة .. وبعد فترة دخل رجل وقال:" إيه يا زينب ماذا تفعلين بنفسك .. أنت تشتمين الناس وتسخرين بهم .. الريس قلبه كبير ويريد أن يخدمك. نحن نريدك شاهدا في القضية فقط وسنخرجك من الجريمة التي ألبسها إياك الإخوان المسلمون ".

عدد الصفحات ١١٠

110 قلت" ليس هناك جريمة لدى الإخوان المسلمين .. الجريمة أنكم أنتم أيها الأوغاد تحكمون هذا البلد الطيب". قال:"أنت إما مجنونة أو حالتك النفسية سيئة سأتركك وأبعث لك من يعرف كيف يتفاهم معك". وتركني وخرج، وحمدت الل ه على أنه لم يأمرني بالوقوف لشدة تعبي. وبعد فترة دخل رجل وبيده سوط وكان ما يميزه أن حب الشباب يملأ وجهه. قال: قفي يا بت .. من أنت؟ قلت: زينب الغزالي الجبيلي .. قال: يا نهار أسود. تبقى دي ليلتك الأخيرة ما دمت حضرت هنا. ودخل رجل آخر فقال للأول: أخرج أنت سأقعد معها قليلا. هذا حرام. دي فعلت خيرا كثيرا، ل كن أوقعها الإخوان .. قال الأول: صحيح يا بيه لازم تكون عملت طيب لأنك لحقتها. كان فاضل لها دقائق وعمرها ينتهي .. قال الثاني: اذهب أنت. سأقعد أتفاهم معها ما تريدون منها بالضبط؟ قال الأول: الريس والمشير يريدان أن تكون شاهد ملك في القضية وتعترف على الإخوان .. والإخوان كلهم اعترفوا يا بيه. ثم خرج وبقى الثاني. قال: يا زينب ما هذا الذي تعملينه في نفسك؟ ملابسك متقطعة ومتبهدلة .. ثم جلس على المكتب وهو يقول:" إنت باين عليك

عدد الصفحات ١١١

111 الإعياء خالص .. تقدري كمان تجاوبي على أسئلتي، أو نتفاهم غدا"؟ لم أجبه .. قال: "أنا كنت مع أخيك عبد المنعم وسيف ومع زوجك هذا الصباح .. زوجك رجل طيب جدا إنت صعبانة علي ق و ي .. وأنا أريد إخراجك من هذه القضية، وموضوع إنك تصبحين شاهدة ملك موضوع جيد جدا ..". ثم نادى صفوت وأمره أن يأخذني كي أنام وأرتاح وأفكر لنلتقى غدا .. وأخذني صفوت .. وابتلعتني الزنزانة، وكانت علية وغادة نائمتين، وتنبهت علية إلى دخولي فقالت: أجئت يا حاجة؟ قلت: الحمد لل ه. حاولت أن أنام فلم أستطع .. وأذن الفجر فصلينا، وأخذت غادة تسألني عما حدث. قلت الأمر لل ه. أدعو الل ه أن يثبتنا على الحق، إنهم يريدونها فتنة. إنهم يطلبون مني المستحيل. قالت علية: ربنا يعينك يا حاجة. وأعادت غادة السؤال

عدد الصفحات ١١٢