المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أيام من حياتي

غير معروف

صفحة ٦ من ١٩

80 غير أنى ظللت أقاسي من آلام شديدة بجسديكله. ناهيك عن قدمي كان بهما نار موقدة. ولجأت إلى ذكر الل ه والصلاة له، أروض نفسي بالانصراف إليه على احتمال ما بي. ومرت ليال قاسية وأنا على هذه الحال: آلام مبرحة ولا طبيب ولا علاج إلا هذا الشيطان الأسود الذي يفتح الباب مرة كل يوم ليرم ي بقطعة من الخ بز وأخرى من الج بن. وكما يضع هذا الشيء يأخذه فقد كنت لا أطيق رائحة ما يقدمونه من طعام. وفى يوم أحسست بمن يجذبني إلى باب الزنزانة. كان صوت أقدام أحسست أن قلبي ينجذب إليها. وأمسكت بباب الزنزانة ووضعت عيني عالي الثقب الذي يراقبونني منه بين الح ين والح ين. ورأيت صاحب هذه الخطى. كان الإمام حسن الهضيبي المرشد العام. وأدركت أنهم قبضوا عليه. ووضعت فمي على الثقب وقرأت قوله تعالى:( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون

عدد الصفحات ٨١

81 إن كنتممؤمنين، إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله) آل عمران: 139 - 140. وصرت أترقب هذه الخطىالغالية. وكان الل ه يرزقني رؤيته كل يوم. فكنت أقف وأردد الآية ويجيب بإيماءة خفيفة لا يلحظها الشيطان الذي يرافقه. كان هذا اللقاء يؤنسني كثيرا ويشغلني عن جل آلامي. وهذا أمر لا يحس بجلاله غير المؤمنين المتآخين في الل ه؛ فالإسلام يربط بين قيادته وجنده برباط يعلو بالنفوس حتى تؤثر مرضاة الل ه على نفسها. وعشت يغمرني الاطمئنان بذلك. لم يطل بي الاطمئنان. فذات مساء فتحت الزنزانة وفاجأني الشيطان صفوت بالسوط يضرب به كل شيء ويضرب به الحائط. ثم أخذني بوحشية من ذراعي وأخرجني من الزنزانة إلى حوش السجن. فإلى مكتب يواجه السجن رقم (2)، وأجلسني على مقعد تجاه مكتب وتركني وخرج، وما لبث أن جاء شيطان آخر سألني عما إذا كنت زينب الغزالي ولما أجبت بالإيجاب خرج كما دخل.

عدد الصفحات ٨٢

82 وبعد فترة دخل ثلاثة جنود كأنهم خارجون لتوهم من جهنم. طول أجسامهم مرعب وعرض أجسامهم كذلك. وجوههم تعكس غلظة قلوبهم. وبعدهم بقليل دخل رجل فسألهم عما إذا كانوا قد عرفوني ورأوني، وأجابوا بنفس واحد بالإيجاب، وقالوا بأن موعد موتى قد حل. ثم خرجوا ليعودوا بالأخ فاروق المنشاوي فيجلدوه بعد أن قيدوه وصلبوه على عود من الخشب. وبين الجلدة والجلدة كانوا يسألونه عن عدد المرات التي زار ني فيها. ويطلبون منه أن يسبني فيرفض فيزيدونه جلدا، وأنا أتمزق مما أرى وأسمع حتى طرحوه أرضا واعتقدت أنه يحتضر. ول كن إرادة الل ه شاءت له أن يعيش وبحاكم ليحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة. يدعو في السجن للإسلام وللحق الذي آمن به حتى امتدت إليه يد آثمة وبتعليمات من عبد الناصر لتقتله في سجن ليمان طره فيفوز بالشهادة. ولم يكتف الآثمون بجلد الأخ فاروق، بل أتوا بأخ آخر علقوه على أعوادهم وأعادوا عليه ما سألوا فاروق عنه ورفض الأخ كما رفض أخوه من قبل. واشتد العذاب وتعب الشاب وظنوا أنه يموت. فأنزلوه أرضا ورفعوه على نقالة وانصرفوا به لا يدرى أحد إلى أين ...

عدد الصفحات ٨٣

83 ويبدو أنهم اعتقدوا أن ما رأيت وما سمعت .. سيدفعني إلى بعض ما يريدون فأرسلوا لي رجلا يتصنع أنه من أهل النصيحة والخ ير. حياني وقدم لي نفسه على أنه عمر عيسى وكيل النيابة (وعرفت فيما بعد أنه أحد شياطينهم). ثم بدأ نصيحته قائلا: أنا يا حاجة زينب أريد أن أتفاهم معك لأنقذك من بين أنياب وبراثن هذه البلاوي. كيف ترمين بنفسك في هذا "القرف " وأنت زينب الغزالي. المحترمة المصونة. شوفي الإخوان المسلمين، كلهم بمن فيهم الهضيبي اعترفوا بكل شيء. وقالوا عنك كلاما يحكم عليك بالإعدام. حموا أنفسهم ورموك أنت. أنا رأيي يا حاجة أن تدركي نفسك قبل فوات الأوان وتقولي الحقيقة وتقولي لنا: ماذا كان هؤلاء ينوون فعله، وتوضحي موقفك وأنا متأكد إن موقفك سليم. وصمت ولم أجبه. قال:" جاوبي يا ست زينب في هدوء وروية. نحن نريد أن نصل إلى الحقيقة". فأجبت: أعتقد أن الإخوان المسلم ين وأنا معهم ومنهم لم نفعل شيئا يغضب البشر السوي المدرك للحقيقة. ماذا فعلنا؟ كنا نعلم الناس الإسلام فهل في هذا جريمة؟

عدد الصفحات ٨٤

84 وصمت فقال:" ل كن أقوالهم تثبت أنهم كانوا يتآمرون على حاجات كثير منها قتل جمال عبد الناصر وتخريب البلد، وأنك أنت اللي كنت تحرضينهم على ذلك. وأنا وكيل نيابة ليس لي مصلحة إلا الوصول للحقيقة. فما رأيك بعد هذا؟ ". قلت: ليس من أهداف الإخوان المسلمين قتل عبد الناصر أو غيره أو تخريب البلد، الذي خرب البلد فعلا هو جمال عبد الناصر. إن غايتنا أكبر من ذلك. إنها الحقيقة ال كبرى قضية التوحيد في الأرض، توحيد الل ه، عبادة الل ه وحده، إقامة القرآن والسنة. إنها قضية (إن الحكم إلا لل ه) الأنعام: 57. وعندما نحقق غايتنا إن شاء الل ه ستهدم هياكلهم وتنتهي أسطورتهم. إن أهدافنا الإصلاح لا التخريب. البناء لا الهدم". فابتسم ابتسامة باهتة وقال:" يعنى فعلا أنتم ت تآمرون على عبد ا لناصر وحكمه. هذا ثابت من أقوالك يا ست زينب". قلت:" الإسلام لا يعرف لغة التآمر، ولـكن يجابه الباطل بالحق ويوضح للناس الطريقين: طريق الل ه تعالى وطريق الشيطان". الذين يسل كون طريق الشيطان مرضى بؤساء نقدم لهم الدواء في إشفاق وعطف، والدواء في أيدينا: دعوة الل ه، دين الل ه، شريعة الل ه (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا) الإسراء: 182.

عدد الصفحات ٨٥

85 وانقلب وجه الشيطان الذي كان يدعي أنه وكيل النيابة، والحق أنه كان سعد عبد ال كريم. وخرج وهو يقول: أنا أردت أن أخدمك. ول كن يظهر أنك مازلت مخدوعة بما صوره لك الإخوان المسلمون .. وجاء صفوت الروبي فأوقفني ووضع وجهي إلى الحائط وتركني ساعات أتمزق بما أسمع من تعذيب الإخوان، وجلدهم واحدا بعد الآخر، يحضرني من أسمائهم: مرسى مصطفى. فاروق الصاوي. طاهر عبد العزيز سالم. وعاد و كيل النيابة المزعوم ومعه حمزة البسيوني وصفوت الروبي. وقال حمزة: لماذا لا تريدين أن تتفاهمي مع وكيل النيابة؟ نحن نريد أن نخلصك من الورطة التي أنت فيها. أنا أعرف زوجك. هو رجل طيب وأنت حا توديه في داهية !! حسن الهضيبي قال كل حاجة. والإخوان قالوا كل حاجة. وأنت لم لا تخلصين نفسك مثلهم؟ قلت: صحيح! الإخوان قالوا كل حاجة، ولذا تجلدونهم وتصلبونهم على الخشب. أنا لا أكذب على الإخوان ولا على نفسي .. نحن مسلمون ونعمل للإسلام وهذا هو عملنا !! كان يقف خلفهم أربعة من زبانيتها يضربون بسياطهم الأرض التي كانوا يجلدون عليها الإخوان.

عدد الصفحات ٨٦

86 نظرت إلى وكيل النيابة المزعوم وقلت: وهذه السياط يا وكيل النيابة؟ هل هي من مواد القانون في كلية الحقوق؟ وضربني حمزة البسيوني على وجهي وهو يقول: هو أنت يا بنت الــ ... حا تجننينا! أنا اقدر أدفنك زي ما با دفن عشرة كل يوم منكم ! فنظرت ثانية لوكيل النيابة المزعوم وقلت له: لماذا لا تكتب هذا الكلام في محضرك؟ إذا كان معك محضر !! فنظر إلى حمزة البسيوني وقال: خلاص تصرفوا أنتم، أنا كنت أريد أن أخدمها ل كن هي لا تريد. وكانت هذه الكلم ة بمثابة أمر لصفوت وزبانيته الذين يضربون الأرض والحائط بالسياط، وتحولت السياط إلى جسدي فأغمضت عيني خوفا من أن يصيبها السوط، وظلت السياط نازلة على جسدي بوحشية، وأنا أشكو إلى الل ه وكنت كلما اشتد الألم رفعت صوتي قائلة: يا رب ! يا الل ه ! وتركوني بعد أن ألصق صفوت جسدي بالحائط ورفع يدي إلى أعلى وأنا أردد يا لطيف ! يا الل ه، أنزل بي عونك ! ألبسني سكينتك !! بعد ساعات جاء صفوت ومعه شيطان أسود يدعى سامبو. ضربوني على وجهي عدة ضربات وأخذوني إلى الزنزانة وأغلقوها.

عدد الصفحات ٨٧

87 بعد دقائق من إغلاق الزنزانة سمعتآذان الفجر فصليت ودعوت الل ه: "إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ول كن عافيتك هي أوسع لي . أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك أو يحل على سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك"!! تركوني في الزنزانة ثلاثة أيام، أخذوني بعدها لنفس المكتب حيث كان يجلس رجل أبيض طويل القامة .. قال: اجلسي يا ست زينب، نحن عرفنا أن الجماعة هنا أتعبوك. أنا أعرفك بنفسي: أنا من مكتب السيد رئيس الجمهورية، ونريد أن نتفاهم معك يا ست زينب !! البلد كلها تحبك ونحن أيضا نحبك. ل كن أنت متباعدة عنا ومخاصمانا ولا تريدين أن تتفاهمي معنا. ل كن والل ه لو تتفاهمي معنا يا ست زينب سنخرجك اليوم من السجن الحربي، كلنا نقول: هذا الوضع ليس لك أنت. أنا لا أعدك أن تخرجي من السجن فقط. بل أعدك أيضا أن تكوني وزيرة للشئون الاجتماعية بدل حكمت أبو زيد ...

عدد الصفحات ٨٨

88 قلت له: هل جلدتم حكمت أبو زيد قبل أن تصبح وزيرة وأطلقتم عليها الكلاب؟ قال: ما هذا الكلام؟ هوده حصل؟ نحن متألمون لمجرد وجودك هنا. قلت: وماذا تريدون منى؟ قال: الإخوان المسلمون لبسوك كل التهمة. والهضيبي لبخ في الموضوع وعبد الفتاح إسماعيل قال كل حاجة، وسيد قطب قال كل حاجة. ل كن نحن أحسسنا أنهم يحاولون تخليص أنفسهم وتحميلك أنت المسئولية كلها. ولذا جئت النهاردة بنفسي بأمر من الرئيس عبد الناصر حتى نتفاهم وتخرجي معنا. وسأوصلك إلى بيتك بعربيتي، وأحب أعرفك أن من أقوال الإخوان أصبح معروفا ومعلوما لدينا أنهم كانوا يريدون الاستيلاء على الحكم، وإنك أنت التي رسمت الخطة للاستيلاء على السلطة وقتل عبد الناصر وأربعة وزراء معه. ونحن نريد فقط توضيح موقفك ودور سيد قطب والهضيبي في الموضوع. ومن هم الوزراء الأربعة المطلوب قتلهم: تفضلي تكلمي! واشرحي لنا الموقف بالتفصيل. قلت: أولا الإخوان المسلمون لم يدبروا خطة للاستيلاء على الحكم ولا لقتل عبد الناصر والوزراء الأربعة المزعومين ولا لقتل واحد. الموضوع هو دراسة للإسلام ولمعرفة أسباب تأخر المسلمين والحالة التي وصلوا إليها .. عند ذلك قاطعني قائلا: يا ست زينب أنا قلت لك: هم قالوا كل حاجة.

عدد الصفحات ٨٩

89 قلت: جائز جدا وقطعا قالوا ما أراده الجلادون منهم. فترخصوا لأنفسهم وقالوا شيئا لم يحدث ... القضية كلها أننا كنا ندرس الإسلام ونعمل على أن نربى له جيلا يعيه ويفهمه. فإن كانت هذه جريمة فأمرنا لل ه". فأقسم بالل ه العظيم أنه يريد خدمتي وأنه حضر خصيصا لخدمتي. قلت له: شكرا أنا لم أفكر يوما أن أكون موظفة حتى ولا وزيرة، أنا قضيت عمري في خدمة الإسلام وموضوع وزارة الشئون لا يعنيني في قليل أو كثير لأني لا أصلح للوظيفة، فعملي كله التطوع لخدمة الإسلام. وقام الرجل وتركني في الحجرة بعد أن قال: أنت حرة، نحن عرضنا خدماتنا وأنت ترفضين ... وبعد خروجه بساعة دخل الحجرة رياض ومعه صفوت وكان رياض قد هددني أكثر من مرة بأنه سيقتلني إذا لم أقل له ما يريد، وتكررت عملية الضرب السابقة التي لم يمر عليها أكثر من ثلاثة أيام وبعد الضرب المؤلم أعادوني إلى الزنزانة. كان ذلك أيضا مع طلوع الفجر.

عدد الصفحات ٩٠

90 في عصر اليوم التالي سمعت أصوات أعرفهاوأحبها، قمت بصعوبة إلى الباب ونظرت من الف تحة الضيقة، فرأيت الشيطان حمزة البسيوني وتابعه صفوت يسدان علي الفتحة، إلا أني سمعت أصواتا أعرفها، وما لبث الشيطان وتابعه أن تحركا فرأيت بعض الوجوه الغالية: علية حسن الهضيبي، وغادة عمار. وجلست حتى لا يراني أحد من الطغاة وأنا أنظر من فتحة الباب، غير أن الألم أخذ بي فغطى كل مشاعري وأحاسيسي، وأخذت أدعو الل ه سبحانه وتعالى وأسأله أن يدفع عن بناتي وأخواني شرور الطغاة. كنت مستغرقة أفكر: علية حامل في شهورها الأخيرة؟ كيف اعتقلها الطغاة؟ وغادة؟ ماذا فعلوا برضيعتها الصغيرة؟ كيف تركتها؟ إنها لقسوة وفجور ووحشية !! يا للبشر من حكامهم عندما يرتدون أردية الجاهلية، فتغطى كل مشاعرهم وتضيع ضمائرهم فيصبحون جلادين لرعاياهم! ويلك يا عبد الناصر! أيها الطاغوت كم خدعت قومك !! وينفتح الباب ويرمى الشيطان الأسود ببطانية ووسادة، وكان قد مر علي ثمانية عشر يوما وأنا أفترش الإسفلت، وأعود بعد لحظات ووسادتي يرمى بهما على الأرض وأنا في دهشة مما يحدث.

عدد الصفحات ٩١

91 ولم تلبث دهشتي أن زالت حين فتح الباب ثانيه ليدخل صفوت وحمزة البسيوني مصطحبين علية الهضيبي وغادة عمار يدخلانهما ويخرجان ويغلق باب الزنزانة. وتقبل علي علية تأخذني بين ذراعيها تقبلني وأنا منصرفة عن نفسي والدنيا وتتساءل في ألم: أنت الحاجة؟ والتفت إلى غادة فأرى عينيها ممتلئتين بالدموع تغرقان وجهها. وأسأل علية في ألم .. ألم تعرفيني؟ فتجيب: لا .. لا .. يا حاجة لقد تغيرت كثيرا نقص وزنك إلى حد مخيف، وأصبح وجهك كأنه وجه شقيقك سعد الدين. قلت: هذا أمر طبيعي، أنت لا تعرفين الهول الذي أعيش فيه. وفوق ذلك فأنا لا أتناول من الطعام إلا ملعقة من السلاطة في اليوم والليلة يرمى بها الجندي وهو مرعوب يخشى أن يضبط متلبسا بجريمته. وتحاول أن ترتب المكان بما أصبح فيه من بطاطين ووسادات. وتجد وتسألني عن مصحف، مسكينة علية لقد حسبت أننا نتعامل مع "آدميين" بل نسيت علية أننا هنا مع أعداء المصحف؟". أأنتظر منهم أن يسمحوا لي به وتعرض علي غادة مصحفا صغيرا كان معها وكذلك تفعل علية. ونجلس، ولما مددت رجلي المكسورة التماسا للراحة ظهرت آثار التعذيب وضرب السياط، وتسألني علية عما ترى فاتلوا عليها الآية ال كريمة عن أصحاب

عدد الصفحات ٩٢

92 الأخدود (النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالل ه العزيز الحميد)، وتبكي غادة في صمت وتتساءل علية في عجب: أيمكن أن يحدث هذا مع النساء، علية طيبة القلب لم تستطع أن تصل بخيالها إلى المدى الذي يمكن أن يبلغه حكم عبد الناصر من عداوة لل ه ثم للدعاة. وأرادت علية أن تغير الموضوع وأن تخرج بي خارج الأسوار، ونقلت لي نبأ وفاة مصطفى النحاس باشا. وخنقتني عبارات الوفاء وأنا أدعو ربي " اللهم إنك غني عن عقابه وهو فقير إلى رحمتك، اللهم فارحمه ". وعرفت منها أنه مات بعد دخولي السجن بيومين أو ثلاثة. وحدثتني عن جنازته، وعن الألوف المؤلفة التي التي كانت تسد جميع الطرقات، عن المظاهرات، عن خطف النعش حتى مسجد الحسين، عن الهتافات بألا زعيم بعد النحاس، عن بعض شعارات الإخوان وسط مسيرة الجنازة، عن محاولة أجهزة الدولة الوقوف أمام هذا الطوفان، عن تعليق الإعلام الخارجي على ما حدث .. وكان حديثاً طويلاً مطمئناً صريحاً.

عدد الصفحات ٩٣

93 لقد انتهزت جماهير الشعب فرصة وفاة النحاس لتبدي رأيها صريحاً واعتقادها سليماً فهتفت مع لنة مدوية تشق بهتافها سماء مصر:" لا زعيم بعدك يا نحاس". فكأنها بتلك الصرخات المدوية تعبر عن حرمان مكبوت في النفوس والقلوب والمشاعر. والوجدان فكأنها تقول: "أيتها الزعامات الباطلة أسقطي". "أيتها الأقنعة الزائفة انكشف الغطاء ووضح خداعك وغشك". "أيها المنقذ أغرقك السراب والوهم". "يا حبيب الملايين أمرت الفجار فزيفوها فصدقتهم وما أنت إلا وليد إعلام مأجور وكاتب مأمور" . " أيتها الخشب المسندة ستحرقك النار .. نار الحق فتصبحوا رماداً تذروه الرياح يا سراباً وأهل الحق ظمأى ". وسألت علية وماذا بعد ذلك؟ قالت يتهامس الناس على اعتقال عشرين ألفاً م ن المشيعين. نعم لقد كانت جنازة النحاس أذان حق وإعلان صدق عن سريرة مصر والمشاعر الحبيسة في نفوس أبنائها والحرية المكبوتة. وشدني الحديث إلى ذكريات كثيرة عن مصطفى النحاس، ذلك الرجل الذي لم يحقد يوماً على أعدائه، وكان لا يعز ع ليه أن يعترف بالخطأ إذا أخطأ،

عدد الصفحات ٩٤

94 لقد كان زعيماً وطنياً. وسألت محدثتي هل اعتقل أخي "سيف الغزالي" الوفدي فلم تؤكد علية ولم تنف، وساد الصمت فظنت بي خوفاً على أخي فربتت على كتفي قائلة: يا حاجة كل شيء عنده بمقدار. لم يكن بي خوف ول كن كان انشغالي بهذه الصورة الرائعة للجنازة. فقد كانت صورة التشييع كما نقلتها لي علية تعطي إشارة صريحة وقوية إلى أن نبض هذه الأمة لم يتوقف رغم كل إيحاءات أجهزة الإعلام التي خدعت الناس وبخاصة خارج مصر فظنوا الطاغوت إنساناً أو كما علقت عليه علية ظنوه المنقذ - ما حدث كان يعني أنه بإذن الل ه سيأتي اليوم الذي تكشف فيه الحقائق ليعلم الناس حقيقة حكامهم وما يبيعون وما يشترون، يبيعون شعوبهم وضمائرهم ويشترون مقاعد للحكم مقابل سحق الإسلام والمسلمين، إنه لتخطيط رهيب! وانصرفت إلى غادة أسألها عن زوجها وأولادها ووالديها. ومن بين دموعها عرفت أن الزوج هرب لاجئا إلى السودان، وأن الأم مريضة تائهة بين سمية المريضة وهالة الرضيعة. وأنها ما كانت لتهتم بشيء لولا الطفلتين. هدأتها ودعوت للجميع ثم سألتها عن ضياء الطوبجي وهل تم زفافه؟ وكان الجواب أنهم قبضوا عليه ويده في يد عروسته والمأذون، وقبضوا على عروسته وه ي في ملابس الزفاف وعلى أخته منى وأخيه الدكتور.

عدد الصفحات ٩٥

95 وهزني نبأ القبض على الفتياتوتساءلت: إذن كان القصد هو القبض على كل من له اتصال بالإخوان. وتدخلت علية لتقول: بل على كل من ي رى مؤديا للصلاة. وبدأت غادة تحدثني عن الاعتقالات والوحشية في تفتيش المنازل ليلا ونهارا ولم أكن بحاجة إلى هذا الحديث فقد حدث هذا معي وأكثر. قلت: أعتقد أن التتار حين حاربوا الإسلام لم يفعلوا ما فعله عبد الناصر وزبانيته، ولا الرومان حين كانوا في مصر قبل الفتح الإسلامي. لقد أنسانا الحكم الناصري فجور المجرمين في التاريخ الإنساني كله. إنه مارد أصم عن سماع الحق أعمى عن رؤية النور. فلا عجب أن يجلد النساء ويسجنهن ويقتل الرجال وييتم الأطفال ويرمل النساء !! والحديث بمرارته وما فيه من شجون وأسى كان الواقع يحكى ذلك كله. والتفتت إلي تحدق بي وتغوص بعينيها في قدمي المنتفختين وساقي المتورمة، وقالت: أظن أن دورنا في التعذيب قد جاء يا حاجة، ربنا يعيننا ويصبرنا. وسآتيك بفوطة من حقيبتي أغطى بها رجليك، أليس معك حقيبة ملابس يا حاجة؟ ظللت: ثمانية عشر يوما وأنا في هذه الملابس الملوثة بدماء النزيف كما ترين يا ابنتي. وأخذت غادة تبكى وهى تنظر إلى ملابسي المجمدة بالدم والصديد فوق

عدد الصفحات ٩٦