64 بالأخ الشهيد عبد الفتاح إسماعيل، كان يخرجها في حل قات القر آن ونحن نتدارس ويدون بها بعض ملاحظاته، فعرفت أنه اعتقل وبعض الإخوان إذ كان عنده اجتماع بهم في ذلك الوقت، وأحدث ذلك رعدة في نفسي خشيت أن يلاحظها بعض الشياطين، وكان أذان العصر يخ ترق سمعي، وترك الشيطان رقبتي ول كن ظللت في مكاني فصليت إلى الل ه ،وما أن انتهيت من الصلاة حتى انكب الشيطان علي في وحشية، قيل له: اذهب بها إلى 24. خرج بي الشيطان وهو ممسك بذراعي، وسار معنا اثنان من الشياطين سود الوجوه ممسكان بال كرابيج، ساروا بي في أنحاء متعددة من السجن الحربي .. ورأيت الإخوان المسلمين معلقين على الأعواد والسياط تلهب أجسادهم العارية، وبعضهم سلطت عليه الكلاب الضالة لتمزق جسده بعد السيا ط. وبعضهم يقف ووجهه إلى الحائط في انتظار دوره من التعذيب والتنكيل. كنت أعرف عددا كبيرا من هؤلاء الشباب المؤمنين الأتقياء الأنقياء، أبنائي وأحبائي في الل ه، أصحاب مجالس التفسير والحديث والحياة الندية الذكية في داري، في دارهم، في دار ابن أبى الأرقم، في هدأة السحر، في أنوار الفجر.
عدد الصفحات ٦٥65 عرفت منهم ال كثير، رأيت العجب، هذه الأنماط البشرية الفريدة في إنسانيتها، المترفعة بإسلامها، الموصولة بالسماء المرموقة بعين القدرة المنزهة المتمتعة بحضرة الل ه سبحانه وتعالى، شباب الإسلام، شيوخ الإسلام، هذا مصلوب على خشبة، هذا منكفئ على وجهه للحائط، والسياط تنزل عليه تأكل من ظهره، هذا ينزف من جبينه الذي لم ينحن إلا لل ه والنور يغمر وجهه المنساب من رأسه المرتفع المعتز بالل ه، وذاك ظهره للحائط، كل الوجوه يجرى فيها نور التوحيد .. ول كن نزيف الدم من الوجوه والظهور شيء مخيف. وصرخ شاب مصلوب على خشبة: أماه! ثبتك الل ه! قلت: والنور قد غطى المكان فلمع لون الدم فيه: أبنائي، إنها بيعة، صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة. ورفع الشيطان يده وهو يهوى بها على صدغي وأذني، فأخذت عيني تدور وأذني كذلك كأن ماسا كهربيا قد مسها، وانكشف النور عن أجسام ممزقة وأشلاء متناثرة تملأ المكان، فقلت: في سبيل الل ه، وسمعت صوتا كأنه يأتي من الجنة: اللهم ثبت الأقدام، اللهم احفظهم من الفجرة. لولاك ربى ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا .. فثبت الأقدام إن لاقينا.
عدد الصفحات ٦٦66 وارتفعت أصوات السياط وتزاحمت، ول كن صوت الإيمان أقوى وأوضح. وكانت برهة، وخرج صوت آخر كأنه مقبل من السماء يقول: "لا إله إلا الل ه وحده لا شريك له ". وقلت ثانية: "صبرا يا أبنائي إنها بيعة، صبرا إن موعدكم الجنة". وأخذت يد الفاجر ظهري بضربة موجعة أليمة ساخنة، فقلت:" الل ه أكبر ولل ه الحمد، اللهم صبرا ورضا، اللهم شكرا وحمدا على ما أنعمت به علينا من الإسلام والإيمان والجهاد في سبيلك ". وفتح باب لحجرة مظلمة فدخلتها ثم أغلقوا بابها. ابتلعتني الحجرة فقلت: باسم الل ه السلام عليكم. وأغلق الباب وأضيئت ال كهرباء قو ية! إنها للتعذيب! الحجرة مليئة بالكلاب! لا أدرى كم!! أغمضت عيني ووضعت يدي على صدري من شدة الفزع، وسمعت باب الحجرة يغلق بالسلاسل والأقفال وتعلقت الكلاب بكل جسمي، رأسي ويدي، صدري وظهري، كل موضع في جسمي، أحسست أن أنياب الكلاب تغوص، فتحت عيني من شدة الفزع وبسرعة أغمضتهما لهول ما أرى ووضعت يدي تحت إبطي
عدد الصفحات ٦٧67 وأخذت أتلو أسماء الل ه الحسنى مبتدئة ب "يا الل ه ، يا الل ه " وأخذت أنتقل من اسم إلى اسم، فالكلاب تتسلق جسدي كله، أحس أنيابها في فروة رأسي، في كتفي، في ظهري، أحسها في صدري، في كل جسدي، أخذت أنادى ربى هاتفة: "اللهم اشغلني بك عمن سواك، اشغلني بك أنت يا إلهي يا واحد يا أحد يا فرد يا صمد، خذني من عالم الصورة، اشغلني عن هذه الأغيار كلها، اشغلني بك، أوقفني في حضرتك، اصبغني بسكينتك، ألبسني أردية محبتك، ارزقني الشهادة فيك والحب فيك والرضا بك والمودة لك وثبت الأقدام يا الل ه، أقدام الموحدين ". كل هذا كنت أقوله بسري، فالكلاب ناشبة أنيابها في جسدي. مرت ساعات ثم فتح الباب وأخرجت من الحجرة. كنت أتصور أن ثيابي البيضاء مغموسة في الدماء، كذلك كنت أحس وأتصور أن الكلاب قد فعلت. ل كن يا لدهشتي، الثياب كأن لم يكن بها شيء، كأن نابا واحدا لم ينشب في جسدي. سبحانك يا رب، إنه معي، يا الل ه هل أستحق فضلك وكرمك، يا الل ه يا إلهي لك الحمد.
عدد الصفحات ٦٨68 كل هذا أقوله أيضا في سرى، فالشيطان ممسك بذراعييسألني: كيف لم تمزقك الكلاب؟ والسوط في يده وخلفي شيطان ثان بيده سوط أيضا. كان الشفق الأحمر يكسو السماء ينبئ بأن الشمس قد غربت، وأننا أوشكنا على العشاء إذن فقد تركت مع الكلاب أكثر من ثلاث ساعات. لك الحمد يا إلهي على كل حال. اخترقوا بي طريقا توهمته طويلا، فتح باب: ابتلعتني الساحة المخيفة خلفه. ثم ابتلعني ممر طويل مخيف على جانبيه أبواب مغلقة. أحد الأبواب منفرج بعض الشيء يطل منه وجه منير، خرج منه بعض النور فبدد بعض ظلام الممر، عرفت فيما بعد أنه باب الزنزانة رقم 2 التي تسبق زنزانتي رقم3 ويسكنها الضابط ال كبير محمد رشاد مهنا الذي كان يوما وصيا على عرش مصر الذي توهم الفجرة أن الإخوان سينصبونه رئيسا للجمهورية فاعتقلوه. وفتح باب الزنزانة رقم 3 ..فابتلعتني
عدد الصفحات ٦٩69 وفتح بابالزنزانة 3 ... فابتلعتني واختطفتني ظلمتها وأغلق الباب خلفي في اللحظة التي أشعل فيها مصباح معلق في سقف الزنزانة، كان الضوء مخيفا مرعبا لشدته لا تستطيع أن تفتح عينك فيه. فعرفت للتو أنه للتعذيب أو الإرهاق. وبعد فترة طرقت الباب، وجاء مارد أسود في غلظته سألني عما أريد، فاستأذنت في الذهاب إلى دورة المياه للوضوء، فأجاب في وحشية ممنوع طرق الباب - ممنوع دورة المياه - ممنوع الوضوء - ممنوع الشرب. إذا طرقت الباب سأجلدك خمسين جلدة، وفرقع بالسوط في الهواء لير يني أنه على استعداد لتنفيذ تهديده. لم يكن في الزنزانة شيء، وكنت قد تعبت من الوقفة الطو يلة بين الكلاب في "الحجرة 24" فخلعت معطفي وفرشته على أرضها وتيممت وصليت المغرب والعشاء، وجلست القرفصاء، ول كن ساقي المكسورة لم ترحني فوضعت حذائي تحت رأسي وتمددت على إسفلت الحجرة. ل كن الطغاة لم يمهلوني. كان بأعلى الزنزانة نافذة تطل على فناء السجن، جاءوا بصليب من الخشب على ارتفاع النافذة ثم جاءوا بشباب من المؤمنين يصلبونهم الواحد تلو الآخر على
عدد الصفحات ٧٠70 هذا الصليب، ويأخذون في جلد المصلوب بالسياط، والشاب يذكر اسم الل ه ويستنجد به، وبعد نصف ساعة من الجلد المستمر المتواصل يقولون لهذا الشاب الذي قد يكون مهندسا أو مستشارا أو طبيبا: "يا ابن الكلب متى جئت هنا؟". فيقول: "اليوم أو البارحة"، فيعودون إلى السؤال:" متى ذهبت إلى منزل زينب الغزالي آخر مرة؟". فإن قال لا أذكر، عادوا إلى الجلد وطلبوا من ه أن يسب زينب الغزالي بأبشع ما يتصور الإنسان من الألفاظ الفاحشة، الكلمات البذيئة. طبعا يرفض هذا الشاب المؤمن ويعودون لجلده مرة أخرى، وربما قال أحد الشباب: إننا لا نرى فيها إلا الصدق والفضيلة فيزيدونه ضربا وجلدا حتى يفقد الوعي، فيأتوا بآخر طالبين منه نفس الشيء ظنا منهم أن ذلك يضعف من عزيمتي. وهكذا، شاب يعقب أخاه، وقلبي يتمزق على هذا الشباب المؤمن. أخذت أناجى الل ه وأتضرع إليه طويلا. سألت الل ه أن يجعلني فداء لهذا الشباب فأتلقى التعذيب بدلا منهم، فقد تصورت أن هذا أهون علي، فأخذت أدعو الل ه أن يجعلني مكانهم أو يصرف عني وعنهم هذا الجلاد. تمنيت أن يقولوا ما يريده هؤلاء الفجرة عن زينب الغزالي حتى ترفع عنهم السياط، ول كنهم لم يقولوا، والسياط تتضاعف وتتعالى صيحاتهم والألم يمزقني.
عدد الصفحات ٧١71 وأنا أناجي ربي فأقول: "اللهم اشغلني بك عنهم واشغلهم بك عن ي. اللهم ألهمهم الخ ير الذي يرضيك، اللهم احجب عنى أصوات تعذيبهم، اللهم إنك تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك، إنك أنت علام الغيوب، تعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، فرحمتك اللهم بعبادك ". ولا أدرى كيف أخذني النوم وأنا أذكر الل ه، وكان في هذا النوم خير وفضل وعطاء، كان فيه رؤيا مباركة هي إحدى رؤاي الأربع لحضرة النبي عليه الصلاة والسلام في محنتي: "رأيت بحمد الل ه صحراء مترامية وإبلاً عليها هوادج كأنها صنعت من النور، وفى كل هودج أربعة من الرجال كأنهم أيضا وجوه نورانية، رأيتني خلف هذا السيل من الإبل في هذه الصحراء المترامية التي لا يحدها البصر، أقف خلف رجل عظيم مهيب وهو يأخذ بخطام امتد في أعناق هذا السيل الجارف من الإبل التي لا يحصى عددها. أخذت أردد في سرى: أتكون حضرة محمد صلى
عدد الصفحات ٧٢72 الل ه عليهوسلم. فإذا به يجيبني:" أنت يا زينب على قدم محمد عبد الل ه ورسوله". سألت:" أنا يا سيدي يا رسول الل ه على قدم محمد عبد الل ه ورسوله؟". قال عليه الصلاة والسلام:" أنتم يا زينب على الحق، أنتم يا زينب على الحق، أنتم يا زينب على قدم محمد عبد الل ه ورسوله". وقمت من النوم وكأنني مل كت الوجود بهذه الرؤيا، وأدهشني – بعد ما نسيت ما أنا فيه وأين أنا – أني لا أجد ألم السياط ولا الصلبان القريبة من النافذة، فقد نقلت إلى مكان بعيد وأصبحت الأصوات تأتيني عن بعد. ثاني ما أدهشني أن اسمي في شهادة الميلاد زينب غزالي واسم الشهرة المعروف لدى الناس "زينب الغزالي" والرسول عليه الصلاة والسلام يناديني بأسمي في شهادة الميلاد وفعلا نقلتن ي الرؤيا عن الزمان والمكان فت يممت، وأخذت أصلي ركعات شكرا ل ل ه على هذا العطاء. وفى إحدى سجداتي وجدتني أقول:"ربى بم أشكرك؟ إني لا أجد ما أشكرك به إلا أن أجدد بيعتي لك. اللهم إني أبايعك على الشهادة في سبيلك. اللهم أنا أبايعك على ألا يعذب أحد بسببي. اللهم ثبتني على الحق الذي يرضيك وأوقفني في دائرة الحق الذي يرضيك!". وانتهيت من صلاتي، وأخذت أكرر ما دعوت به في سجودي وكأنني أعيش في عالم غير الذي أنا فيه وأحسست براحة وسكينة واطمئنان قلب ..
عدد الصفحات ٧٣73 وسمعت ضجة شديدة في الخارج وأصوات عربات كثيرة تتزاحم إلى الداخل وأخرى خارجة من الجحيم، عرفت فيما بعد أن هذا الوقت انتهاء وردية من الزبانية وبدء ورديه أخرى للتعذيب .. وسمعت المؤذن يؤذن لصلاة الفجر فرددت الأذان ثم تيممت وصليت .. أمضيت على هذه الحال ستة أيام على التوالي من مساء الجمعة 20 أغسطس إلى الخميس26 أغسطس لا يفتح باب الزنزانة فلا أكل ولا شرب ولا دورة مياه ولا صلة بالخارج، غير تلصص هذا الشيطان الذي يضع عينه على فتحة باب الزنزانة الصغيرة بين الح ين والح ين. ولك أن تتصور أيها القارئ العزيز كيف تستطيع أن تعيش هكذا، وإذا استطعت أن تعيش بلا طعام ولا ماء كيف يستغني الإنسان عن قضاء حاجته الضرورية؟ كيف يعيش الإنسان بغير أن يذهب إلى دورة المياه ولو مرة واحدة في اليوم؟ ولا تنس أننا كنا في شهر أغسطس! فهل تج يز اليهودية أو الوثنية ذلك! فما بالك بالذين يدعون أنهم مسلمون .. وهل يفعل ذلك أي كائن ينتمي للجنس البشرى؟!
عدد الصفحات ٧٤74 يا الل ه! ل كم جنى الطغاة المستبدون على كرامة الإنسان، وتحللوا من كل دين وخلق، ول كن اليقين بالل ه واعتقاد الحق، وأن يرى الإنسان ربه ويعايش أمره كل ذلك قد يصنع شيئا كبيرا فوق طاقة الب شر. فلا تدهش أيها القارئ: لأنني استطعت أن أعيش هذه الأيام بغير ماء، أو طعام، أو قضاء ضرورة، أو صلة بإنسان. اللهم إلا هذه الطرقات من الشيطان الأسود الذي ربما فتح الباب يسأل في غلظة ووحشية: يا بنت الــ .. أنت لسة عايشة؟! .. نعم أيها القارئ لقد عشت هذه الأيام بأمرين .. الأول: هو فضل الل ه علينا بالإيمان به. إنه الإسلام الذي يمنح صاحبه قوة يغالب بها الصعاب والمشقات أيا كانت هذه الصعاب. إنه فضل الل ه. فالإيمان يعطي قوة وطاقة احتمال هائلة، تعلو قوة الطواغيت الفجرة الذين ظنوا أنهم فعلا يحكمون. والحق أن المؤمن يعيش متصلا بالل ه سبحانه. مستغنيا عن الصورة والأغيار. والأمر الثاني: هو تلك الرؤيا المباركة التي كانت بمثابة تخف يف وزاد ودفعة حياة من الل ه تعالى، عشت بها مشغولة به عن الأغيار المحيطة بي، وجعلتني أحتمل في رضا وسكينة جحيم هؤلاء الطواغيت .. وفى صبيحة اليوم السابع فتح باب الزنزانة ودخل الشيطان الأسود وبيده ربع رغيف ملوث بقذارة من فضلات الإنسان وقطعة من الج بن الأصفر
عدد الصفحات ٧٥75 كذلك. ورمى بهما إلى الأرض وقال يا بنت ال .. ده أكلك ما دمت عايشة. لم أمس الخ بز ولا الج بن وأخذت الماء وأغمضت عيني لشدة قذارة إنائه وسددت أنفى، ورفعت الماء إلى فمي وأنا أقول: " بسم الل ه الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم". "اللهم اجعله غذاءً وريا، وجهادا وعلما، ومعرفة وصبرا ورضا". وشربت من ال كوز وأغلقت الزنزانة. ومكثت على حالي إلى ما قبل غروب الشمس. حين فتحت الزنزانة ودخل الشيطان الأسود. وقال وهو يضرب بالسوط الذي في يده – على الحائط وعلى أرض الزنزانة: قومي يا بنت ال .. روحي المراحيض .. وعندما خرجت كدت أن أسقط على الأرض لشدة إعيائي فأمسك بذراعي ومشى بي حتى أدخلني المرحاض، ولما أردت إغلاق باب المرحاض قال: ممنوع إغلاقه، فخرجت من المرحاض وقلت له: أرجعني إلى الزنزانة لا أريد شيئاً. قال في وحشية والجاهلية تغطي عليه وعلى المكان ، أدخلي يا بنت ال .. أمال إحنا حانحرسكم إزاي يا أولاد ... أريد من القارئ أن يتصور معي هذا الموقف؟! أي جاهلية وأي إلحاد يبيح ذلك؟
عدد الصفحات ٧٦76 عدت إلى الزنزانة وأنا أتمنى الموت إن كان الموت خيرا لي. حتى لا أضطر مر ة أخرى إلى الذهاب إلى دورة المياه مع هذا الشيطان. أغلقت الزنزانة فتيممت وصليت المغرب. وما أن انتهيت حتى فتح باب الزنزانة ودخل الوحش الذي أدخلني من قبل حجرة الكلاب ويدعى صفوت الروبي، ومعه شخصان. ثم قال أتفضل يا دكتور. تولى أحدهم ال كشف عل ي وأنا على إسفلت الزنزانة. قال واحد من الواقفين للذي يكشف علي: إيه يا شعراوي؟ أجاب: لا شيء قلبها سليم. ذلك القلب الذي أصيب بجلطة من التعذيب. وخرجوا وأغلقت الزنزانة. وبعد دقائق فتحت الزن زانة وأخذوني إلى حوش مرعب مظلم مخيف وتركوني ساعتين تقريبا. وجهي للحائط بعد أن أمروني بعدم التحرك. وقالوا لي وهم يغلقون على باب الحوش: أجلك انتهى النهاردة! يا بنت الــ .. أخذت أفكر فعلا فيما يقولون وأطلب من الل ه السكينة والأمن وأن ألقاه على الإسلام، وأخذت أتلو فاتحة الكتاب وسورة البقرة وأنا أحس وك أني أقرأها للمرة الأولى. واصلت بالتلاوة حتى أيقظتني من استغراقي صفعة من يد غليظة قاسية وصعق ال كهرباء، وأخذ هذا الوحش يضربني بقسوة بالسوط على جسدي حيثما وقع، ثم أعطاني ثلاث ورقات بيضاء وقال والظلمة تتساقط من وجهه كأنما في عينيه شيطان: إكتبى هذه الأوراق !
عدد الصفحات ٧٧77 ودخل ثلاثة رجال يأمرونه أن يعيد ضربي ويعلقون:" حتى لا تنسي أن تكتبي ما نريد يا بنت الــ ...". ثم أمروه بعد فترة بإيقاف الضرب وأمسك بي أحدهم في غلظة ورمى بي إلى الحائط. عرفت فيما بعد أنه حمزة البسيوني. وتلقفني آخر، ويدعى سعد خليل فأخذ يهزني هزا عنيفا حتى أسقطني على الأرض وأمر العسكري أن يركلني بقدمه. ثم جاءوا بمقعد أجلسوني عليه وأعطوني الأوراق وأنا لا أستطيع أن أمسكها لشدة ما بي، وقاومت وأمسكتها والألم يعتصرني. وصاح بي أحد هؤلاء الأقزام: اكتبي أسماء كل من تعرفين في السعودية، في السودان، في لبنان، في الأردن. في أي مكان في العالم. اكتبي كل معارفك على وجه الأرض، إذا لم تكتبي فسنضربك بالرصاص في هذا المكان الذي تقفين فيه. اكتبي كل معارفك من الإخوان المسلمين وكل شيء عن صلتك بهم. وقدموا لي قلما ثم أغلقوا الباب وخرجوا. وجلست إلى الأوراق وكتبت فيها: إن لي في كثير من البلاد أصدقاء عرفوني عن طريق الدعوة الإسلامية. فحركتنا في الأرض هي لل ه سبحانه،
عدد الصفحات ٧٨78 والل ه يسوق إلينا من يختار وجهته وطريقه. الطريق الذي سل كه من قبلنا أصحاب محمد صلى الل ه عليه وسلم والسلف الصالح ... كتبت ذلك مستعينة بالل ه واثقة أنى أديت رسالة الل ه. وعدت إلى تلاوتي، وجاء المدعو صفوت الروبي فأخذ الأوراق وتركني في هذا المكان المرعب بعد أن أطفأ النور. ولم تمض فترة حتى فتح باب الحوش وأوقدت ال كهرباء ودخل أربعة جنود ومعهم صفوت يصيح بكل ما في قاموسه البشع من ألفاظ السباب والشتائم. يا بنت الــ .. و .. و .. إحنا بنهزر؟ إيه الكلام الفارغ اللي أنت كاتباه ده؟ ثم صاح قائلا: انتباه !! حمزة باشا البسيوني، مدير عام السجون الحربية. ودخل مدير عام السجون الحربية تسبقه كلمات يقذف بها، لا تساويها في سفالتها أي كلمة أو لفظة سمعتها من قبل، على قذارة ما سمعت.
عدد الصفحات ٧٩79 أخذت أنظر إليه باحتقار شديد وازدراء. وكانت في أيديهم أوراق قالوا كذبا إنها الأوراق التي كتبتها ومزقها أحدهم وهم يعيدون ما قاله صفوت من أنهم لا يهزلون وأنهم يستنكرون الكلام الفارغ الذي كتبته. وقال البسيوني: خذوها. دي ما فيش فايدة فيها. ثم خرج، إلا أنه لم يلبث أن عاد صفوت ومعه جند طرحوني أرضا بقسوة ووحشية ولا أدري كيف وضعوا يدي ورجلي في قيد وعلقوني على خشبة كما يعلق ال جزار ذبيحته وجلدت وحشيا من أناس تمرنوا وتمرسوا في الجريمة. كنت أردد اسم الل ه تعالى حتى أغمى علي. أفقت فوجدت نفسي على نقالة مثل نقالة المستشفيات. كنت عاجزة عن الحركة والكلام. غير أنى كنت أحس بما يقع. وذهبوا بي إلى الزنزانة. ولما أفقت من إغمائي وجدت نفسي مصابة بنزيف شديد. طرقت الباب أستغيث بأن يسعفوني بشيء أجفف به الدماء المتدفقة. وطلبت الطبيب فجاء الجواب سبابا ولعنات. وعدت إلى ربى أساله - وهو الذي بيده كل شيء - أن يرفع عنى ما بي. وتذكرت حديث رسول الل ه صلى الل ه عليه وسلم:( اتق دعوة المظلوم فليس بينها وبين الل ه حجاب) ودعوت الل ه أن يوقف الدم. واستجاب الل ه دعائي كرما وفضلا.
عدد الصفحات ٨٠