48 المسلمات .. وهذا حق، ول كن الناس في أغلبهم يعتقدون أني أدين بمبادئ الوفد السياسية، وهذا غير صحيح .. الأمر الذي أومن به وأعتقده هو رسالة الإخوان المسلمين .. ما يربطني بمصطفى النحاس هو الصداقة الشخصية، ل كني على بيعة مع حسن البنا على الموت في سبيل الل ه، غير أني لم أخط خطوة واحدة توقفني داخل دائرة هذا الشرف ا لرباني، ول كني أعتقد أني سأخطو هذه الخطوة يوماً ما بل وأح لم بها وأرجوها، ويومها إذا تعارضت مصلحتك الشخصية وعملك الاقتصادي مع عملي الإسلامي ووجدت أن حياتي الزوجية ستكون عقبة في طريق الدعوة وقيام دولة الإسلام فسنكون على مفرق طريق، ويومها أطرقت إلى الأرض ثم رفعت رأسك والدموع محبوسة في عينيك لتقول: أنا أسألك لتقول: أنا أسألك ماذا يرضيك من المطالب المادية فلا تسألين ولا تطلبين أي شيء من مهر أو مطالب زواج، وتشترطين علي ألا أمنعك عن طريق الل ه .. أنا لا أعلم أن لك صلة بالأستاذ البنا، والذي أعلمه أنك اختلفت معه بشأن انضمام جماعة السيدات المسلمات إلى الإخوان المسلمين. قلت: الحمد لل ه، اتفقنا أثناء محنة الإخوان سنة 1948 قبل استشهادالبنا، وكنت قررت أن ألغي أمر الزواج من حياتي، وأنقطع للدعوة انقطاعاً كلياً .. وأنا لا أستطيع أن أطلب منك اليوم أن تشاركني هذا الجهاد، ول كن من حقي
عدد الصفحات ٤٩49 أن اشترط عليك ألا تمنعني جهادي في سبيلالل ه، ويوم تضعني المسئولية في صفوف المجاهدين فلا تسألني ماذا أفعل ولتكن الثقة بيننا تامة، بين رجل يريد الزواج من امرأة وهبت نفسها للجهاد في سبيل الل ه وقيام الدولة الإسلامية وهي في سن الثامنة عشرة، وإذا تعارض صالح الزواج والدعوة إلى الل ه، فسينتهي الزواج وتبقى الدعوة في كل كياني .. ثم توقفت عن الكلام برهة ونظرت إليه قائلة: هل تذكرت؟ قال: نعم. قلت: اليوم أطلب منك أن تفي بوعدك .. لا تسألني بمن ألتقي. وأدعو الل ه أن يجعل أجر جهادي قسمة بيننا فضلاً منه سبحانه إذا تقبل عملي .. أنا أعلم أن من حقك أن تأمرني ومن واجبي أن أطيعك ول كن الل ه أكبر في نفوسنا من أنفسنا، ودعوته أغلى علينا من ذواتنا. ونحن في مرحلة خطيرة من مراحل الدعوة .. قال: سامحيني، أعملي على بركة الل ه. يا ليتني أعيش وأرى غاية الإخوان قد تحققت، وقامت دولة الإسلام .. يا ليتني كنت في شبابي فأعمل معكم … وكثر العمل، والن شاط وتدفق الشباب على بيتي ليلاً و نهار ا، وكان الزوج المؤمن يسمع طرقات الباب في جوف الليل فيقوم من نومه ويفتح للطارقين ويدخلهم إلي حجرة المكتب، ويذهب إلي حجرة السيدة التي تدير أعمال البيت
عدد الصفحات ٥٠50 فيوقظها ويطلب منها أن تعد للزائرين بعض الطعام والشاي، ثم يأتي إلي فيوقظني في إشفاق وهو يقول: بعض أولادك في المكتب وعليهم علامات جهد أو سفر، وأرتدي ملابسي وأذهب إليهم ويأخذ هو طريقه إلى مكان نومه وهو يقول لي: إذا صليتم الفجر جماعة فأيقظيني لأصلي معكم إن كان ذلك لا يضر، فأجيب إن شاء الل ه. فإن صلينا الفجر أيقظته ليصلي معنا ثم ينصرف، وهو يحيي الموجودين تحية أبوية مملوءة بالشفقة والحب والحنان. في عام 1962 التقيت بشقيقاتالإمام الفقيه والمجاهد الـكبير الشهيد سيد قطب بالاتفاق مع الأخ عبد الفتاح إسماعيل وبإذن من الأستاذ حسن الهضيبي، المرشد العام للإخوان المسلمين، للاتصال بالإمام سيد قطب في السجن لأخذ رأيه في بعض بحوثنا والاسترشاد بتوجيهاته. طلبت من حميدة قطب أن تبلغ الأخ سيد قطب تحياتنا ورغبة الجماعة المجتمعة لدراسة منهج إسلامي في الاسترشاد بآرائه .. وأعطيتها قائمة بالمراجع التي ندرسها وكان فيها تفسير ابن كثير، والمحلي لابن حزم، والأم للشافعي وكتب
عدد الصفحات ٥١51 في التوحيد لابن عبد الوهاب وفي ظلال القرآن لسيد قطب، وبعد فترة رجعت إلي حميدة وأوصت بدراسة مقدمة سورة الأنعام .. الطبعة الثانية وأعطتني ملزمة من كتاب قالت: إن سيد يعده للطبع واسمه معالم في الطريق .. وكان سيد قطب قد ألفه في السجن وقالت لي شقيقته، إذا فرغتم من قراءة هذه الصفحات سآتيكم بغيرها. وعلمت أن المرشد اطلع على ملازم هذا الكتاب وصرح للشهيد سيد قطب بطبعه .. وحين سألته قال لي: على بركة الل ه .. إن هذا الكتاب حصر أملي كله في سيد، ربنا يحفظه، لقد قرأته وأعدت قراءته وأعدت قراءته، إن سيد قطب هو الأمل المرتجى للدعوة الآن، إن شاء الل ه. وأعطاني المرشد ملازم الكتاب فقرأتها فقد كانت عنده لأخذ الإذن بطبعها وقد حبست نفسي في حجرة بيت المرشد حتى فرغت من قراءة "معالم في الطريق". وأخذنا نعيد الدراسة والبحث من جديد في صورة نشرات قصيرة توزع على الشباب ليدرسوها ثم تدرس بتوسع في حلقات، وكانت الأفكار متفقة والغايات غير مختلفة فانسجمت الدراسة مع الوصايا والصفحات التي كانت تأتينا من الإمام الشهيد سيد قطب رحمه الل ه وهو داخل السجن، وكانت ليالي طيبة
عدد الصفحات ٥٢52 وأياماً خالدة ولحظات قدس مع الل ه، يجتمع عشرة أو خمسة من الشباب ويقرؤون عشر آيات تراجع أحكامها وأوامر السلوك فيها وكل غاياتها ومقاصدها في حياة العبد المسلم. وبعد تفهمها واستيعابها يتقرر الانتقال إلى عشر آيات أخرى إقتداء بأصحاب النبي صلى الل ه عليه وسلم. ومرت أيام حلوة طيبة ونعمة من الل ه تحتوينا ونحن ندرس وندرس ونربي أنفسنا ونهيئ للدعوة رجالها بشباب اقتنع بضرورة الإعداد لقيام دعوة الحق العادل .. وقرر وجوب حتمية إعداد أجيال في شخوص هذا الشباب الذي نرجوه أساتذة في التوجيه والإعداد للأجيال المقبلة. قررنا فيما قررنا بتعليمات من الإمام سيد قطب وبإذن الهضيبي أن تستمر مدة التربية والتكوين والإعداد والغرس لعقيدة التوحيد في النفوس، والقناعة بأنه لا إسلام إلا بعودة الشريعة الإسلامية وبالحكم بكتاب الل ه وسنة رسوله لتصبح شريعة القرآن مهيمنة على كل حياة المسلمين، قررنا أن يستغرق برنامجنا التربوي ثلاثة عشر عاماً، عمر الدعوة في مكة، على أن قاعدة الأمة الإسلامية الآن هم الإخوان الملتزمون بشريعة الل ه وأحكامه فنحن ملزمون بإقامة كل الأوامر والنواهي الواردة في الكتاب والسنة في داخل دائرتنا الإسلامية .. والطاعة واجبة علينا لإمامنا المبايع، على أن إقامة الحدود مؤجلة
عدد الصفحات ٥٣53 ـ مع اعتقادها والذود عنها ـ حتى تقوم الدولة .. وكنا على قناعة كذلك بأن الأرض اليوم خالية من القاعدة التي تتوفر فيها صفات الأمة الإسلامية الملتزمة التزاماً كاملاً .. كما كان الأمر في عهد النبوة والخلافات الراشدة، ولذلك وجب الجهاد على الجماعة المسلمة التي حكم الل ه والتمكين لدينه في الأرض حتى يعود جميع المسلمين للإسلام فيقوم الدين القيم، لا شعارات ول كن حقيقة عملية واقعة. ودرسنا كذلك وضع العالم الإسلامي كله بحثاً عن أمثلة لما كان قائماً من قبل بخلافة الراشدين والتي نريدها نحن في جماعة الل ه الآن، فقررنا بعد دراسة واسعة للواقع القائم المؤلم، أن ليس هناك دولة واحدة ينطبق عليها ذلك، واستثنينا الممل كة العربية السعودية مع تحفظات وملاحظات يجب أن تستدركها الممل كة وتصححها، وكانت الدراسات كلها تؤكد أن أمة الإسلام ليست قائمة، وإن كانت الدولة ترفع الشعارات بأنها تقيم شريعة الل ه ! … وكان فيما قررناه بعد تلك الدراسة الواسعة، أنه بعد مضي ثلاثة عشر عاماً من التربية الإسلامية للشباب والشيوخ والنساء والفتيات، نقوم بمسح شامل في الدولة فإذا وجدنا أن الحصاد من أتباع الدعوة الإسلامية المعتقدين بأن الإسلام دين ودولة، والمقتنعين بقيام الحكم الإسلامي قد بلغ 75% من أفراد الأمة رجالاً ونساءً، نادينا بقيام الدولة الإسلامية، وطالبنا الدولة بقيام حكم
عدد الصفحات ٥٤54 إسلامي، فإذا وجدنا الحصاد25 % جددنا التربية والدراسة لمدة ثلاثة عشر عاماً أخرى وهلم جرا، حتى نجد أن الأمة فد نضجت لتقبل الحكم بالإسلام. وما علينا أن تنتهي أجيال وتأتي أجيال، المهم أن الإعداد مستمر، المهم أن نظل نعمل حتى تنتهي آجالنا ثم نسلم الراية مرفوعة "بلا إله إلا الل ه، محمد رسول الل ه" إلى الأبناء الـكرام الذين يأتون من بعدنا. وكنا على اتصال بالأستاذ محمد قطب، بإذن من المرشد العام، كان يزورنا في بيتي بمص ر الجديدة ليوضح للشباب ما غمض عليهم فهمه وكان الشباب يستوضحونه ويسألونه أسئلة كثيرة يجيب عليها.
عدد الصفحات ٥٥55 وخرج الأستاذ الشهيد سيد قطب منالسجن، وسبق خروجه بشهور ٍعملية محاولة اغتيالي التي لم تنجح، والتي تحدثنا عنها في أول هذه المذكرات، وانتقلت إلينا أخبار بأن إخراج الشهيد سيد قطب من السجن تخطيط من المخابرات ليسهل اغتياله، وأن في خطة الاغتيالات القضاء على عبد الفتاح عبده إسماعيل.. وعشنا متوكلين على الل ه نعمل وخلف ظهورنا ما يدبر الفجار، غير أننا أخذنا ندرس ما وصلنا من أخبار عن رعب الفجار الحاكمين، فقد أصبحوا يتوهمون أن هناك حركة فكر ية يقودها سيد قطب من داخل السجن، وتقودها وتعمل على تنفيذها جماعة من الإخوان المسلمين، على رأسها الشهيد عبد الفتاح إسماعيل وزينب الغزالي الجبيلي خارج السجن .. وقد تأكدت لدينا الأخبار بأن المخابرات الأمريكية والمخابرات الروسية ووليتهم الصهيونية العالمية قد قدموا تقارير مشفوعة بتعليمات لعبد الناصر بأخذ الأمر منتهى الجد للقضاء على هذه الحركة الإسلامية، وإلا فسينتهي كل ما
عدد الصفحات ٥٦56 فعله عبد الناصر في المنطقةمن تحويل عن الفكر الإسلامي وبث اليأس في النفوس من إمكان أي إصلاح أو بعث عن طريق الإسلام .. وخلاصة المخاوف: أن هذه الحركة الإسلامية ستقضي على كل فكر مغاير للإسلام. هذا ما وصلنا إجمالا عما تحويه تقارير المخابرات الأمريكية والروسية لعبد الناصر، ومن ناحية أخرى فإن عبد الناصر اعتبر أن البعث الإسلامي بمثابة قضاء تام على حكمه الدكتاتوري الغاشم .. وفى أوائل أغسطس 1965 وصلتني أخبار عن إعداد قائمة من المطلوب اعتقالهم من رعيل رسالة التربية الجديدة والفكر الذي أقام من الشباب جواهر نورانية تتحرك بالإسلام، كما كان يتحرك به رجال من الصدر الأول في فجر الرسالة إلى دار ابن أبى الأرقم، ويتصدر القائمة الأستاذ الشهيد سيد قطب، زينب الغزالي الجبيلي، عبد الفتاح عبده إسماعيل، محمد يوسف هواش. وفى الخامس من أغسطس وصلتني أخبار اعتقال الشهيد سيد قطب. كنت مجتمعة مع بعض الأخوات حين جاءتني مكالمة هاتفية قيل لي فيها: إن منزل سيد قطب قد فتش وبحث فيه عنه. وكان شقيق ه الأستاذ محمد قد اعتقل في مرسى مطروح قبل أيام، فطلبت زوجي في رأس البر ورجوته أن يطمئنني على سيد قطب وجاءت مكالمة زوجي بعد ساعة تؤكد اعتقاله.
عدد الصفحات ٥٧57 وقررنا تأجيل الاجتماع بالأخوات حتى نرى ماذا بعدالاعتقالات، وكان اعتقال سيد قطب كالصاعقة بالنسبة لجميع الشباب، فضلا عنا نحن، فقد كان الهضيبي قد أوكل كل المسئوليات لسيد قطب، وكانت اتصالاتنا كلها به حسب أمر الهضيبي، وكان علينا بعد اعتقاله أن نرجع إلى المرشد العام، نستأذنه فيمن يتولى المسئولية بدلا من سيد. كنت أنا وعبد الفتاح، نفكر فيما حدث قبل أن يحدث بخمسة أيام، فلما حدث، زارني عبد الفتاح وكلفني بالسف ر لرؤية المرشد في الإسكندرية وقدم لي أحد أبنائنا من الشباب على أنه سيكون حلقة الاتصال بيننا إذا اعتقل هو .. ول كن بعد ساعات أرسل إلي يطلب منى أن ألزم بيتي، وألغى سفري للإسكندرية - غير أني كنت قد اتصلت بالمرشد، وجاءت السيدة حرمه من الإسكندرية - ورتب الأمر على أن نكون على اتصال دائم بالهضيبي، هذه المرة قدم لي أخا كريما ليكون حلقة الاتصال بيننا .. مرسي مصطفى مرسي. واتصلت بالمرشد العام وأخبرته بواقع الأمر، وأقرنا على ما اتفقنا عليه وتأثر تأثرا عميقا لأخبار الاعتقالات وبخاصة اعتقال سيد قطب. وأخذت الأخبار تتوالى بالقبض على العشرات والمئات، وارتفع إلى الآلاف، وقد أقسم لي شمس بدران بعد اعتقالي برأس عبد الناصر اعتقلوا مائة ألف من الإخوان
عدد الصفحات ٥٨58 في عشرين يوما، ملئوا بهم السجن الحربي وسجن القلعة وسجن أبي زعبل وسجن الفيوم والإسكندرية وطنطا وسجوناً أخرى. وفى يوم الخميس 19 أغسطس، علمت أن سيدة فاضلة تناهز الخامسة والثمانين تدعى أم أحمد من شبرا قد قبضوا عليها، وهي من المناصرين للدعوة من يومها الأول، وسارت في الطريق مع الإمام الشهيد حسن البنا خطوة خطوة، وكان لها جهد كبير مبارك في مساعدة الأسر التي فقدت العائل بالسجن والمعتقلات الناصرية .. وكانت على اتصال دائم بنا .. كان خبر اعتقالها مفزعا ومؤثرا بالنسبة لي، ول كنى قلت لابن أختها بعد دقائق صمت أغرقتني بالألم :" إنه شيء جميل .. ما دام في الأرض التي ضاعت معالمها امرأة مؤمنة تعتقل في سبيل الل ه، وفى سبيل دولة القران، وهي في الخامسة والثمانين، فمرحى مرحى يا جنود الل ه" .. ! وأرسلت لابنتي في الإسلام غادة عمار وقلت لها:" اليوم اعتقلت مجاهدة جليلة فاضلة تدعى الست أم أحمد، وتقطن بناحية شبرا ولدي أموال لحساب أسر المسجونين وشؤون الدعوة فها هي إليك يا غادة، فإذا اعتقلت فسلميها للمرشد أو لآل قطب، وسلمتها مظروفا فيه أموال الجماعة التي كانت أمانة عندي، وهى اشتراكات من الإخوان المسلمين.
عدد الصفحات ٥٩59 وعلمت بعد ذلك وأنا في السجن أن هذا المبلغ أودعته غادة عند ابنتي في الإسلام فاطمة عيسى وعندما قبض عليها الطغاة استولوا على هذا المال الذي كان ثمن الطعام وأجر المساكين ومصاريف التعليم والعلاج لأبناء المسجونين وأسرهم، تلك الأسر التي لا ذنب لها ولا جريمة، وما قررت دولة الانقلاب العسكري لتبيدهم إلا لأنهم من القاعدة الخالدة على التاريخ لتجديد أمر الأمة الإسلامية. علمت بذلك عندما جيء بغادة عمار وعلية الهضيبي إلى زنزانتي في السجن الحربي فقلت:" حسبنا الل ه ونعم الوكيل، الدنيا ساعة، أما الآخرة فهي دارنا والحساب هناك". ومرت ساعات رهيبة تحمل لي أخبار اعتقالات جديدة، ومرة أخرى جاءني رسول طلب منى أن أسافر إلى الإسكندرية لمقابلة المرشد. كان ذلك في مساء الخميس 19 أغسطس، وبينما كنت أستعد للسفر جاء آخر وطلب منى تأجيل السفر لح ين صدور أوامر أخرى.
عدد الصفحات ٦٠60 وفى فجر الجمعة20 أغسطس1965 اقتحم رجال الطاغوت منزلي، ولما طلبت منهم إذنا بالتفتيش، قالوا: إذن! أي إذن يا مجانين؟ نحن في عهد عبد الناصر، نفعل ما نشاء معكم يا كلاب .. ! وأخذوا يقهقهون في صورة هستيرية وهم يقولون: الإخوان المسلمون مجانين، قال إيه، يريدون إذن تفتيش في حكم عبد الناصر! ودخلوا البيت وأتلفوا ما فيه بالتمزيق تارة وبالتكسير تارة أخرى حتى لم يتركوا شيئا سليما. وكنت أنظر إليهم باحتقار وهم يمزقون فراش المنزل. وأخيرا قبضوا على ابن أخي الطالب في كلية المعلمين محمد محمد الغزالي، وكان يقيم معي كابني وقال وا لي: لا تغادري البيت. قلت: أفهم من ذلك أن إقامتي محددة. قالوا: إلى حين صدور أوامر أخرى، واعلمي أن البيت تحت الحراسة فإذا تحركت فسيقبض عليك. وظننت أن الأمر سيقف عن د تحديد الإقامة، وجاء لزيارتي شقيقتي وأولادها وزوجها، وكنت أعد حقيبتي استعدادا للقبض علي.
عدد الصفحات ٦١61 ورجوت زوج شقيقتي مغادرة المنزل حتى لا يقبضوا عليه إن عادوا ووجدوه كما فعلوا مع ابن أخي. ول كنه أصر على البقاء رغم محاولاتي المتكررة في إفهامه أن الوقت ليس وقت مجاملة أو نحوه. وبينما كنا نتناول الغداء اقتحم المنزل زبانية الطاغوت وأتوا على البقية الباقية وا ستولوا على ما في الخزانة. واستولوا على ما يزيد على نصف مكتبتي، ولم تفلح محاولاتي في إنقاذ بعض المؤلفات القديمة في التفسير والحديث والفقه والتاريخ مما يعود تاريخ طبعه إلى أكثر من مائة عام، كما لم تفلح محاولاتي في الاحتفاظ بمجموعات ثلاث من مجلة السيدات المسلمات التي أوقفت بأمر عسكري سنة 1958، فقد صادروا كل ما أرادوا وللخزانة وقتها قصة عجيبة. فقد كانت الخزانة لزوجي إلا أن بها أشياء تخصني أيضا. فلما طلبوا المفتاح قلت لهم: إنه مع زوجي وهو مسافر في مصيفه، فإذا بهم يهتفون برجل منهم يأمرونه بفتح الخزانة، وتقدم هذا الرجل وفتح الخزانة بآلات ومفاتيح كانت معه، كأي لص متمرس !! ولما طلبت منهم إيصالا بما أخذوه قالوا في سخرية:" أنت مجنونة. أنت فاكرة نفسك شاطرة، إخرسي بلاش دوشة". وقبضوا علي وأدخلوني عربة وجدت فيها ابن أخي الذي قبضوا عليه في الفجر، وشابا من شباب الدعوة، سألت ابن أخي: إيه يا محمد؟ فلم يجبني ففهمت
عدد الصفحات ٦٢62 أن التعليمات إليه أن لا يتكلم، وكانوا قد أتوا به ليرشدهم إلى المنزل لأن هؤلاء كانوا غير زوار الفجر .. وأخذت العربة تنهب بنا الطريق حتى وصلت إلى السجن الحربي، عرفت ذلك من اللوحة الموجودة على بوابته، واقتحمت السيارة البوابة المرعبة، وبعدما ابتلعت البوابة السيارة ومن فيها. أنزلت منها واتجه بي وغد غليظ إلى حجرة استجوبني فيها وغد آخر، وأدخلت منها إلى حجرة أخرى. ووقفت أمام رجل ضخم الجثة مظلم الوجه قبيح اللفظ، فسأل الذي يمسك ذراعي عني فأجابني بسباب غلف فيه اسمي، ومع ذلك التفت هو إلي في غلظة وسألني من أنت ! قلت:" زينب الغزالي الجبيلي". فانطلق يسب ويلعن بما لا يعقل ولا يتصور. وصرخ الذي يمسك بذراعي قائلا:" ذا رئيس النيابة يا بنت الــ . . . ردي على سعادته"، وكان الآخر قد صمت. قلت: لقد اعتقلوني أنا وكتبي وكل ما في الخزانة، فأرج و حصر هذه الأشياء وتسجيلها فمن حقي أن تعاد إلي. أجاب رئيس النيابة المزعوم الذي وضح فيما بعد أنه شمس بدران، أجاب في فجور وجاهلية متغطرسة:" يا بنت الـــ ... نحن سنقتلك بعد ساعة، كتب إيه؟ وخزنة إيه؟ ومصاغ إيه؟ أنت ستعدمين بعد قليل، كتب إيه وحاجات
عدد الصفحات ٦٣63 إيه اللي بتسألي عليها يا بنت الـــ ... ، إحنا سندفنك كما دفنا عشرات منكم يا كلاب هنا في السجن الحربي". لم أستطع أن أجيب، لأن الكلمات كانت بذيئة الألفاظ سافلة، والسباب والشتائم منحطة إلى الحد الذي لا يستطيع فيه الإنسان أن يسمعها فضلا عن أن يجيب عنها. وقال هذا المتغطرس للذي يمسك ذراعي: خذها ... قال: إلى أين؟ أجاب؟ هم عارفون. وجذبني الفاجر في وحشية وهو يقول: يا بنت ال ... وعند الباب نادى صاحب الجثة الغليظة المظلمة على الشيطان الممسك بذراعي فالتفت إليه، فكأني أرى ظلمة من دخان غليظ أسود تغرقه، قلت في سري: أعوذ بالل ه من الشيطان الرجيم، ثم تضرعت إلى الل ه قائلة: اللهم أنزل علي سكينتك وثبت قدمي في دوائر أهل الحق، واربط على قلبي بذكرك وارزقني الرضا بما يرضيك. وقال الممسك بذراعي للشيطان: نعم يا معالي الباشا. قال له: تروح رقم 24 وبعد ذلك تأتوني وانصرف بي الشيطان الشقي الممسك بذراعي وأدخلني حجرة، فرأيت رجلين يجلسان إلى مكتب في يد أحدهما مفكرة كنت أعرفها، وهى خاصة
عدد الصفحات ٦٤