المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أيام من حياتي

غير معروف

صفحة ٣ من ١٩

32 وأحسست أن حسن البنا كان أقوى مني وأكثر صراحة في نشر الحقيقة وإعلانها. وإن هذه الشجاعة والجرأة هي الرداء الذي يجب أن يرتديه كل مسلم. وقد ارتداه البنا ودعا إليه. ثم وجدت نفسي أهتف بالسكرتير ليوصلني بالأخ عبد الحفيظ الصيفي الذي كلفته بنقل رسالة شفوية للإمام البنا يذكره فيها بعهدي في آخر لقاء لنا … وحين عاد بتحيته ودعائه استدعيت أخي محمد الغزالي الجبيلي وكلفته بإيصال وريقة صغيرة بواسطته أو بواسطة زوجته إلى الإمام المرشد وكان في الوريقة: " سيدي الإمام حسن البنا … زينب الغزالي الجبيلي تتقدم إليك اليوم وهي أمة عارية من كل شي إلا عبوديتها لل ه وتعبيد نفسها لخدمة دعوة الل ه، وأنت اليوم الإنسان الوحيد الذي يستطيع أن يبيع هذه الأمة بالثمن الذي يرضيه لدعوة الل ه تعالى. في انتظار أوامرك وتعليماتك سيدي الإمام …". وعاد شقيقي ليحدد لي لقاءً سريعاً في دار الشبان المسلمين، كان المفروض أن يحدث وكأنه مصادفة. ولم أكن أعدم مبرراً لتواجدي هناك، فقد كنت ذاهبة إلى صالة دار الشبان لإلقاء محاضرة، والتقيت بالأستاذ البنا فقلت له ونحن نصعد الدرج:" اللهم إني أبايعك على العمل لقيام دولة الإسلام وأرخص ما أقدم في سبيلها دمي، والسيدات المسلمات بشهرتها". فقال:" وأنا قبلت البيعة وتظل السيدات المسلمات على ما هي عليه".

عدد الصفحات ٣٣

33 وافترقنا على أن يكون اتصالنا بواسطة منزل أخي وكانت أول رسالة من الإمام الشهيد تكليفاً بالوساطة بين النحاس والإخوان، وكان رفعة مصطفى باشا النحاس خارج الحكم حينذاك وحدد النحاس المرحوم أمين خليل للقيام بإزالة سوء التفاهم ورضي به الإمام الشهيد وكنت حلقة الاتصال. وفي ليلة من ليالي فبراير سنة 1949 جاءني أمين خليل ليقول لي:" يجب اتخاذ إجراءات ليسافر البنا من القاهرة، فالمجرمون يأتمرون به ليقتلوه". ولم أجد وسيلة للاتصال به مباشرة فقد اعتقل أخي، فحاولت الاتصال بالإمام الشهيد شخصياً ، وأنا في طريقي للاتصال بلغني خبر الاغتيال ونقله إلى المستشفى ثم تواترت الأخبار بسرعة بسوء حالته وذهب شهيداً إلى ربه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالح ين وحسن أولئك رفيقاً . وكان ألمي كبيراً وكانت ن قمتي على المجرمين مرة لم أحاول كتمها. وجاءت حكومة اتحاد الأحزاب وأصدرت أمراً بحل جماعة السيدات المسلمات واعترضت أمام القضاء الذي حكم لنا في عهد حكومة حسين سري باشا سنة 1950 بالعودةللنشاط. وكان المحامي في هذه القضية الأستاذ عبد الفتاح حسن "باشا" وجاءت حكومة الوفد وعاد الإخوان إلى نشاطهم وهم على بيعتهم للإمام المرشد حسن الهضيبي.

عدد الصفحات ٣٤

34 وأحببت في اليوم الأول لافتتاح المركز العام للإخوان المسلمين أن أعلن ولائي للدعوة بطريق غير مباشر إلى أن يقضي الل ه في الأمر بما يريد، فتبرعت بأغلى شيء كنت أعتز به في أثاث منزلي وهو طاقم صالون أرابيسك مطعم بالصدف ليؤثث به مكتب المرشد العام. وسارت الأمور هادئة مطمئنة، وزارني الشهيد عبد القادر عودة وشكرني على التبرع وقال:" يسعدنا إذا أصبحت زينب الغزالي الجبيلي من الإخوان المسلمين". قلت:" أرجو أن أكونها بإذن الل ه". فقال:" قد كانت والحمد لل ه". وصارت الأمور في هدوء ومودة بيني وبين كثير من أعضاء الجماعة حتى حكومة الانقلاب العسكري بقيادة اللواء محمد نجيب الذي كان قد زارني قبل الانقلاب بأيام بصحبة الأمير عبد الل ه الفيصل وليس سراج الدين والشيخ الباقوري وشقيقي علي الغزالي بمناسبة وجود الأمير عبد الل ه الفيصل في مصر. وقد تعاطف الإخوان مع الانقلاب وكذلك السيدات المسلمات لفترة أحسست بعدها أن الأمور لا تسير كما كنا نأمل وأنها ليست الثورة المنتظرة تتويجاً لجهود سبقت على أيدي العاملين لإنقاذ هذا البلد … وأخذت أنقل رأيي لمن ألقاه من الإخوان.

عدد الصفحات ٣٥

35 وحين عرضت مناصب وزارية على بعض الإخوان، وضحت رأيي في مجلة السيدات المسلمات، فما كان لأحد من الإخوان أن يقسم يمين ولاء لحكومة لا تحكم بما أنزل الل ه .. ومن يفعل منهم ذلك يجب فصلهم من الإخوان وواجب الإخوان أن يحددوا موقفهم بعد أن اتضحت نوايا الحكومة. وزارني الشهيد عبد القادر عودة طالباً مني تأجيل الكتابة في هذا الموضوع، وأمسكت عددين، ثم عدت إلى الكتابة إلى أن زارني الشهيد عبد القادر عودة للمرة الثانية حاملاً في هذه المرة أمراً من المرشد العام بعدم الكتابة في هذا الموضوع، وتذكرت بيعتي للبنا - رحمه الل ه - واعتقدت أن الو لاء قائم بها للهضيبي، وامتثلت للأمر. ومنذ ذلك الوقت والبيعة تحكم تصرفاتي حتى ما يبدو منها خاصاً كرحلة مؤتمر السلام في فيينا التي لم أقم بها إلا بعد أن حصلت على إذن الإمام المرشد الهضيبي …

عدد الصفحات ٣٦

36 ومرت الأيام وجاءت أحداث1954 ونكباتها ومخازيها التي أسقطت القناع عن وجه جمال عبد الناصر لتظهر عدائه للإسلام ومحاربته له في شخوص دعاته وقيادات نهضته، وصدرت أحكام الإعدام البشعة على قمم القيادات الإسلامية: الشهيد المستشار عبد القدر عودة، صاحب الفضيلة العالم الأزهري الورع الذي رصدت القيادة البريطانية في القنال عام 1951 عشرة آلاف جنيه لمن يأتي به حياً أو م يتاً: الشيخ محمد فرغلي الذي أُهدي للاستعمار ميتاً دون أن تخسر الخزينة البريطانية مبلغ المكافأة، وباقي الشهداء ال كرام. حتى المجاهد الـكبير الإمام حسن الهضيبي حكموا عليه بالإعدام، ولم ينفذ، فقد أصيب فجأة بذبحة شديدة بالقلب نقل على أثرها للمنزل وقرر الأطباء أنه لن يعيش إلا ساعات، وهنا ظهر عبد الناصر فأصدر عنه عفواً، متوقعاً أن يقرأ نعيه في الصحف صباح اليوم التالي. ول كن قدرة الل ه أحبطت كيده، وعاش الإمام. فلكل أجل كتاب، نعم عاش، ليؤدي بعد ذلك خدمات للمسلمين ويقود الدعوة الإسلامية في أحلك أيام شهدتها الدعوة، وقد أظهر قوة الصلابة في الحق وهو المريض بعدة أمراض مما أذهل الجلادين وجعلهم يقودونه إلى السجن الحربي مرة أخرى ويعذبونه بأبشع أنواع التعذيب، ول كنه ظل متمسكاً بالح ق سائراً على طريق أصحاب

عدد الصفحات ٣٧

37 الدعوات إلى أن شهد هو نهاية عبد الناصر وزبانيته وهو صامد، رافع أعلام الحق والتوحيد الذي أعتقده، متلبس بكل حبات وجوده، وأخذ بالعزيمة ولم يتسرب إلى نفسه ضعف أو وهن في دين الل ه ورفض أن يأخذ بالرخص فيقيم في بيته وينكر بقلبه كما يفتي ويأ خذ بذلك بعض العلماء. بل إني لأذكر له هذا الموقف ال كريم الشجاع حينما أراد بعض من طالت عليهم المدة واعتراهم بعض الضعف أن يأخذوا بالرخصة ويكتبوا للطاغية مؤيدين وملتمسين العفو منه، وسألوا الإمام حسن الهضيبي أن يأذن لهم في ذلك فقال قولته المشهورة:" أنا لا أكره أحدا على الأخذ بالعزيمة والوقوف معنا، ولـكني أقول لـكم: إن الدعوات لم تقم يوماً بالذين يأخذون بالرخص". قال ذلك وهو الشيخ ال كبير ذو الثمانين عاماً، وظل بسجن مزرعة طره إلى آخر الأفواج التي أفرج عنها بعد موت عبد الناصر … ولنا عودة أخرى إلى تفاصيل أحداث 1965.

عدد الصفحات ٣٨

38 وفي عام1955رأيت نفسي مجندة لخدمة الدعوة الإسلامية بغير دعوة من أحد فقد كانت صرخات اليتامى الذين فقدوا آباءهم بالتعذيب ودموع النساء اللاتي ترملن وأزواجهن خلف قضبان السجون، والآباء والأمهات من الشيوخ الذين فقدوا فلذات أكبادهم. كانت هذه الصرخات والدموع تنفذ إلى أعماقي، ووجدت نفسي وك أني من المسئولين عن ضياع الجياع وجراح المعذبين، وأخذت أقدم القليل. ول كن أعداد الجياع تزداد يوماً بعد يوم. وأعداد العرايا كذلك. وأخبار الشهداء الذين يقضى عليهم تحت سياط الفجرة المارقين القساة الجاحدين. والمدارس والجامعات تتطلب مصاريف وأدوات وملابس. وأصحاب المنازل يطالبون بإيجار منازلهم. وزادت المشكلة تعقيداً وثقل الحمل على حامله. واتسع الخرق على الراقع وبخاصة بعد عام ونصف. وبالتحديد في منتصف 1956 حينما خرج بعض أعداد من المعتقلين الذين لم يحكمعليهم. كان البعض منهم في أشد الحاجة لمن يزوده بالمال والطعام والملابس والمأوى. كل هذا والمسلمون في هذا البلد الطيب في مصر التي نكبت بمن قاد الانقلاب ليس فيهم من يعي واجبه. بل على العكس من ذلك وجدنا كثيراً من علماء وشيوخ الدين يتبرؤون من المجاهدين …

عدد الصفحات ٣٩

39 كان الجميع من المتفرجين على ما يحدث. حتى الذين يبكون للمأساة ويتألمون كانوا يكتمون آلامهم ويخفون دموعهم خشية أن يتهمهم الطاغية بأنهم مسلمون. ولما اشتد بي الألم على ما وصلت إليه الأمور. ولم أجد لنفسي مخرجاً. ذهبت لزيارة أستاذي الجليل صاحب الفضيلة الشيخ محمد الأودن. وهو من القلة القليلة التقية النقية من رجال الأزهر. وكنت أستشيره في كل ما يعرض لي من أمور الدعوة وعلوم الإسلام. وكان يعتقد معي أن عدم اندماج السيدات المسلمات ربما يخدم الإخوان في فترة مقبلة. وقد كان يعلم ببيعتي للبنا ويباركها ويؤيدها كما كان يعلم ولائي للدعوة بعد استشهاد البنا وقبله. وجلست إليه أحدثه عن مأساة الأسر. كان يستمع إلي في ألم شديد. وأنهيت حديثي بعرض ما فكرت في عمله في حدود إمكانياتي. وكنت أرى أنه لا يكفي أن نتألم وجراح الجوع وجراح السياط وجراح العرايا وتشرد النساء والأطفال يجري بقسوة وشدة في دوائر حياة الدعاة والملبين والمجاهدين لتكون كلمة الل ه هي العليا. وأرى أني أستطيع كرئيسة للسيدات المسلمات أن أقدم العون إن شاء الل ه لأسر الإخوان بما يمكني الل ه فيه. فقبل فضيلته رأسي وهو يبكي قائلاً لي: لا تترددي في أي عون. والل ه هو المبارك للخطى. وعدت لأوضح له موقفي في الجماعة والثقة المطلقة في شخصي من

عدد الصفحات ٤٠

40 السيدات المسلمات أعضاء الجماعة فقال لي فضيلته: قد أصبح فرضاً حتمياً عليك أن لا تبخلي بجهد في هذا الطريق وما تقومين به اجعليه بينك وبين الل ه تبارك وتعالى. ثم أضاف: إن المنقذ الوحيد بأمر الل ه للإسلام هم هؤلاء المعذبون "الإخوان المسلمون". لا أمل لنا إلا في الل ه ثم في إخلاصهم وما يبذلون في سبيل الدعوة. اعملي يا زينب كل ما تستطيعين عمله. وعملت فعلاً ما أستطيع. وبذلت جهدي في أن أقدم شيئاً ولم يشعر أحد أني أفعل شيئاً. فقد كان فرد أو فردان هما اللذان أُسلمهما ما أستطيع على أنها أشياء مرسلة لي وأنا مكلفة بنقلها إليهم فقط. ثم علمت أن الوالدة الفاضلة المجاهدة ال كبيرة حرم الأستاذ الهضيبي تبذل هي أيضاً مجهوداً كبيراً مع بعض الفضليات ال كريمات من الأخوات المسلمات مثل: المجاهدة آمال العشماوي حرم الأستاذ منير الدلة وكانت هي بنفسها على رأس الأخوات المسلمات. ومثل خالدة حسن الهضيبي وأمينة قطب وحميدة قطب وفتحية بكر والمجاهدة أمينة الجوهري وعلية الهضيبي وتحية سليمان الجبيلي. واتسعت اتصالاتي رويداً رويداً فاتصلت بخالدة الهضيبي في سرية شديدة ثم بحميدة قطب وأمينة قطب. وكل ذلك من أجل المعذبين والأطفال واليتامى.

عدد الصفحات ٤١

41 كان أول لقاء لي به في عام 1957 وفي موسمالحج. كنت في ميناء السويس على رأس بعثة الحج لجماعة السيدات المسلمات، وكان معي في المودعين شقيقي محمد الغزالي الجبيلي فوجدته مقبلاً علي في صحبة إنسان يكسو وجهه نور ومهابة يغض بصره، قدمه لي أخي قائلاً: الأخ عبد الفتاح إس ماعيل، كان من أحب شباب الإخوان إلى الإمام الشهيد حسن البنا، كان فضيلة المرشد يحبه ويؤثره وله فيه ثقة مطلقة، وقد طلب مني أن أقدمه لك بهذه الصورة حتى تعرفيه، وحياني الأخ وهو يقول سأكون إن شاء الل ه معكم في الباخرة، فرحبت به وانصرف. وصعدنا إلى الباخرة وتحركت بعيداً عن الشاطئ وانشغلت ب مطالب البعثة، بعثة حج السيدات المسلمات. وعندما ذهبت إلى حجرتي بعد تناول الغداء، سمعت طرقات على الباب، أذنت بالدخول فتكرر الطرق ثانية ول كن الطارق كان يذهب بعيداً عن فتحة الباب، ولما سمع صوتي يأذن بالدخول للمرة الثالثة. دخل فوجدته الأخ الذي قدمه لي شقيقي على رصيف الميناء .. قال في إخبات وهو يطرق إلى الأرض بعد أن ألقى علي السلام .. أنا أعلم بحمد الل ه أن بينك وبين

عدد الصفحات ٤٢

42 الإمام الشهيد حسن البنا بيعة بعد طولخلاف، ولما سألته عن مصدر معلوماته أجاب: الإمام الشهيد نفسه طيب الل ه ثراه .. فسألته عما يريد، أجاب: أن نلتقي في مكة لوجه الل ه نتحدث فيما كان البنا يريده منك إن شاء الل ه. كانت كلمات سهلة العبارات طيبة النوايا لينة، ل كنها مع بساطتها قوية صادقة ثقيلة التكاليف تحمل معنى الأمر ولا تترك مجالاً للتفكير. قلت إن شاء الل ه في دار بعثة السيدات المسلمات بمكة أو بجدة، ولما سأل عن العناوين حدثته عن أخوين في جدة قال إنه يعرفهما وهما الشيخ العشماوي ومصطفى العالم وكلاهما يستطيع أن يرشده إلى مكان إقامتي بمكة وجدة. حياني الأخ وانصرف. وفي ليلة من ليالي ذي الحجة كنت على موعد بعد صلاة العشاء مع فضيلة المرحوم الشيخ الإمام محمد بن إبراهيم المفتي الأكبر للملـكة العربية السعودية حينذاك .. وكنا نبحث معاً مذكرة قدمتها لجلالة الملك أشرح له فيها ضرورة تعليم البنات في المملـكة، وأطلب منه الإسراع في تنفيذ هذا المشروع، مبينة مصلحة المملـكة في ذلك، وحولت المذكرة على فضيلة ال مفتي الذي طلب مقابلتي.

عدد الصفحات ٤٣

43 وقضيت ساعتين أبحث المشروعمعه. وعند انصرافي من مجلسه، أخذت طريقي إلى باب السلام وكان في نيتي أن أطوف حين أوقفني صوت يناديني باسمي محييا بتحية الإسلام، والتفت فإذا به عبد الفتاح إسماعيل وسألني عن وجهتي ولما عرف أنها الطواف ثم دار البعثة صحبني إلى المسجد وطفنا بالبيت معاً وبعد صلاة سنة الطواف جلسنا تجاه ال ملتزم وأخذ يتحدث فيما يريد. سألني عن رأيي في قرار حل الإخوان. أجبت أنه قرار باطل شرعاً. قال: هذا الأمر الذي أر يد بحثه معك .. ولما سألته أن يزورني في دار البعثة استبعدها كمكان لمثل هذه الأمور خوفاً من أجهزة التجسس الناصرية، واتفقنا على أن نجتمع في مكتب عمارة الحرم المكي .. في مكتب معالي الرجل الصالح الشيخ صالح القزاز. واجتمعنا هناك ول كنه أسر إلي أن الأفضل أن نلتقي في الحرم وانصرف هو على أن نلتقي خلف مقام إبراهيم. وبعد ركعتي الطواف جلس نا خلف مبنى زمزم بالقرب من مقام إبراهيم، وأخذ يتحدث عن بطلان قرار حل جماعة الإخوان المسلمين ووجوب تنظيم صفوف الجماعة وإعادة نشاطها، واتفقنا على أن نتصل بعد العودة من الأرض المقدسة بالإمام حسن الهضيبي المرشد العام لنستأذنه في العمل.

عدد الصفحات ٤٤

44 وقال عندما هممنابالانصراف: يجب أن نرتبط هنا ببيعة مع الل ه على أن نجاهد في سبيله، لا نتقاعس حتى نجمع صفوف الإخوان ونفاصل بيننا وبين الذين لا يرغبون في العمل أيا كان وضعهم ومقامهم، وبايعنا الل ه على الجهاد والموت في سبيل دعوته. وعدت إلى مصر … ومع أوائل 1958 كانت لقاءاتي قد تعددت بعبد الفتاح إسماعيل في منزلي وفي دار المركز العام للسيدات المسلمات. كنا نبحث في أمور المسلمين محاولين بكل جهدنا أن نفعل شيئاً للإسلام يعيد لهذه الأمة مجدها وعقيدتها، مبتدئين بسيرة الرسول عليه الصلاة والسلام والسلف الصالح ومن بعدهم، جاعلين منهجنا مستمداً من كتاب الل ه وسنة رسوله صلى الل ه عليه وسلم. وكانت خطة العمل تستهدف تجميع كل من يريد العمل للإسلام لينضم إلينا .. كان ذلك كله مجرد بحوث ووضع خطط حتى نعرف طريقنا، فلما أردنا أن نبدأ العمل كان لا بد من استئذان الأستاذ الهضيبي باعتباره مرشداً عاماً لجماعة الإخوان، لأن دراساتنا الفقهية حول قرار الحل انتهت إلى أنه باطل لأن

عدد الصفحات ٤٥

45 عبد الناصر ليس له ولاء ولا تجب له طاعة على المسلمين حيث أنه يحارب الإسلام ولا يحكم بكتاب الل ه تعالى .. والتقيت بالأستاذ الهضيبي لأستأذنه في العمل باسمي وباسم عبد الفتاح إسماعيل. وأذن لنا في العمل بعد لقاءات عديدة شرحت له فيها الغاية وتفاصيل الدراسات التي قمت بها وعبد الفتاح. وكان أول قرار لبدء العمل هو أن يقوم الأخ عبد الفتاح عبده إسماعيل بعملية استكشاف على امتداد مصر كلها. على مستوى المحافظة والمركز والقرية، والمقصود من هذا أن نتبين من يرغب في العمل من المسلمين ومن يصلح للعمل معنا، مبتدئين بالإخوان المسلمين لجعلهم هم النواة الأولى لهذا التجمع .. وبدأ الأخ عبد الفتاح إسماعيل جولته بادئاً بالذين خرجوا من الس جون من الإخوان والذين لم يدخلوا لتختبر معادنهم وهل أثرت المحنة في عزيمتهم، وهل دخول من دخل السجن جعلهم يبتعدون عما يعرضهم للسجن مرة أخرى أم أنهم لا يزالون على ولائهم للدعوة مستعدين للتضحية بكل غال ورخيص في سبيل الل ه ونصرة دينه .. كانت عملية استكشاف لابد منها حتى نبدأ العمل على أرض صلبة، وحتى نعرف من يصلح فعلاً، وكنا ندرس معاً التق ارير التي يقدمها عبد الفتاح

عدد الصفحات ٤٦

46 إسماعيل عن كلمنطقة، وكنت أزور المرشد العام وأبلغه مجمل ما اتفقنا عليه وما وصلنا إليه .. وكنا إذا عرضنا عليه صوراً من الصعوبا ت التي نلاقيها، قال: استمروا في سيركم ولا تلتفتوا إلى الوراء، لا تغتروا بعناوين الرجال وشهرتهم. أنتم تبنون بناء جديداً من أساسه. وكان تارة يقر ما يعرض عليه وتارة يعطي بعض التوجيهات. ومن هذه التوجيهات أنه أوصانا بأن نضم إلى مراجع بحوثنا "المحلي لابن حزم". وفي سنة 1959 انتهت بحوثنا إلى وضع برنامج للتربيةالإسلامية، وأشهد الل ه على أنه لم يكن في برنامجنا غير تربية الفرد المسلم الذي يعرف واجبه تجاه ربه وتكوين المجتمع المسلم الذي سيجد نفسه بالضرورة مفاصلاً للمجتمع الجاهلي. ولما كانت جماعة الإخوان المسلمين معطلاً نشاطها بسبب قرار الحل الجاهلي لسنة 1954 كان ضرورياً أن يكون النشاط سرياً.

عدد الصفحات ٤٧

47 لم يكن عملي في هذا النشاط يعطلني عن تأدية رسالتي في المركز العام لجماعة السيدات المسلمات ولا يجعلني أقصر في واجبي الأسري، غير أن زوجي الفاضل المرحوم محمد سالم سالم لاحظ تردد الأخ عبد الفتاح إسماعيل وبعض لبنات طاهرة زكيه من الشباب المسلم على منزلنا. فسألني زوج ي: هل هناك نشاط للإخ وان المسلمين؟ أجبت: نعم .. فسألني عن مدى النشاط ونوعيته .. قلت: إعادة تنظيم جماعة الإخوان .. ولما أخذ يبحث الأمر معي قلت له: هل تذكر يا زوجي العزيز عندما اتفقنا على الزواج .. ماذا قلت لك؟ قال: نعم اشترطت شروطاً، ول كني أخاف عليك ا ليوم من تعرضك للجبابرة. ثم صمت وأطرق برأسه. فقلت له: أنا أذكر جيداً ما قلت لك: لقد قلت لك يومها: إن هناك شيئاً في حياتي يجب عليك أن تعلمه أنت لأنك ستصبح زوجي، وما دمت قد وافقت على الزواج فيجب أن أطلعك عليه على ألا تسألني عنه بعد ذلك، وشروطي بخصوص هذا الأمر لا أتنازل عنها .. أنا رئيسة المركز العام لجماعة السيدات

عدد الصفحات ٤٨