المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أيام من حياتي

غير معروف

صفحة ١٨ من ١٩

272 وانتهت أيام السجن الحربي، والإخوان المسلمون كالطود الشامخ شرفا ورجولة ومجدا. أما عبد الناصر فسجل خزيه يوم حملتنا عرباته وعساكره في الخامس من يونيه من السجون الحربية إلى السجون المدنية لتفسح المجال لمن امتلأت بهم السجون من طغمته، يستر بهم عاره ويخفى بهم عمالته، ليستطيع أن يكمل المشوار إلى حيث يتم تنفيذ خطة الأسياد. نعم جاء الخامس من يونيو بخزيه وعاره اللذين سيكبلان فرعون القرن العشرين، ذلك الذي طغى في البلاد. فأكثر فيها الفساد. سيكلله بخزيه وعاره يوم يبعث للحساب.

عدد الصفحات ٢٧٣

273 قبل هذا اليوم لن ينساه أحد. في يومي3،4 يونيو تكرر فتح الزنزانة علينا بغير سبب وبدون مناسبة. وليوجه إلينا سؤال إن كنا نريد شيئا .. ثم تدور أحاديث موجهة عن الحرب والحديث عن عظمة المنادى بتحرير فلسطين والعرب!! وكنا نظل في صمتنا وسكوتنا .. وذات مرة كان المتح دث هو الطبيب. فتساءلت: هل سنحرر فلسطين؟! فاحمر وجهه غضبا لغير الل ه وسأل: يعنى إيه؟ قلت: ما دامت الصهيونية العالمية توجه أساليب الحكم للقوتين العظميين فلن يكون على الحاكمين بأمر هاتين القوتين إلا التنفيذ .. ولن تحرر فلسطين إلا بالإسلام، يوم يحكم بالإسلام ستحرر فلسطين! وجاء صباح الخامس من يونيو ولم تفتح الزنزانات .. وفجأة فتح باب الزنزانة مارد أسود من العساكر وصاح: لقد انتصر عبد الناصر يا ولاد الــ..

عدد الصفحات ٢٧٤

274 وخرج كما دخل ليأتي غيره بعد مهلة يشتمنا وينقل إلينا أخبار الانتصار وإسقاط الطائرات بأعدادها، ويخرج ليدخل ثالث بعد فترة فيروي أخبار الزعيم الهمام وانتصاراته .. ورابع .. وخامس .. ونحن في صمت لا نجيب. ومع أذان العصر فتحت الزنزانة ودخل صفوت الروبي في وحشية وأخذ يضربني بحذاء غليظ فقد كان بملابس الميدان، كان يأخذني بيديه و يرميني إلى الحائط ثم ينزل بحذائه الغليظ على جسدي ركلا وهو يقول: إحنا انتصرنا يا بنت ال .. ووقفت حميدة وهي تقول: ليه..؟! والمجرم لا يكف عن ضربي حتى الإغماء فتركني وأخذ يأمر العساكر المصاحبين له برمي حاجياتنا خارج الزنزانة، ثم عاد إلى ضربي. بعد ذلك أخرجنا من الزنزانة وساقنا وهو يكيل لي السباب قائلاً: انتصرنا. انتصرنا غصب عنك وموتك حل دلوقت (كان ذلك عصر 5 يونيو سنة 1967). وأصعدوني وحميدة عربة جيش مصفحة مملوءة بالحرس من ضباط وعسكر. وخرجت السيارة من السجن الحربي، وكان أركان حرب السجن بجانب سائق السيارة، وصرت في غير وعي ومن غير تفكير من قسوة الضرب أردد: حسبنا الل ه ونعم الوكيل، كنت أرددها بصوت مرتفع جدا. وأحسست أن السماء والأرض وكل ال كون ينطق معي ويشكو إلى الل ه.

عدد الصفحات ٢٧٥

275 وكنت كلما نبهتني حميدة لأصمت أخذتني غي بوبة وصرت أردد: حسبنا الل ه ونعم الوكيل. وكنت أحس وأسمع ال كون ينطق بها معي .. كنت على يقين من أنني مسوقة إلى الإعدام كما ذكر صفوت وهو يفهمني في الزنزانة، فانصرفت إلى الل ه بكل مشاعري وأنا أتلو (إن الل ه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) التوبة، وقوله تعالى:( وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد) [الأنبياء34]. وأتمثل قول القائل: ولست أبالي حين أقتل مسلما \\ على أي جنب كان في الل ه مصرعي وقول القائل: أقول لها وقد طارت شعاعا \\ من الأبطال ويحك لن تراعى فإنك إن طلبت بقاء يوم \\ على الأجل الذي لك لم تطاعي فصبرا في مجال الموت صبرا \\ فما نيل الخلود بمستطاع وفجأة وقفت العربة وأخذت حميدة تهزني وفتحت عيني، فإذا نحن أمام سجن القناطر للنساء.

عدد الصفحات ٢٧٦

276 وابتلعتنا بوابة السجن وأُدخلنا حجرة المأمور. وفتشت حقائبنا تفتيشا دقيقا. كان الوقت ليلا. وأخذتنا امرأة يقال لها (باش سجانة) تدعى عنايات إلى حجرة بجوار حجرة المأمور، وهناك فتشونا مرة أخرى وألبسونا ملابس السجن وأدخلنا حجرة ليس لها باب غير أعمدة حديدية متفرقة، بها سرير من طابقين: الطابق الأول تالف، والثاني عليه وسادة مهلهلة. وكانت الحجرة مطلة على صالة بها ثلاثة عنابر فيها نساء، علمت بعد ذلك أن أحكاما قد صدرت عليهن بسبب السرقة وتجارة المخدرات والسلوك المنحرف .. والقتل .. وكان النوم يداعب جفوننا وما يكاد يلامسها حتى يفارقها .. الليل ضارب أطنابه .. والظلام يكسو المكان بوحشته، والنفوس أشربت الرذيلة، والعنابر أغلقت بما فيها من سوء، فظهر الانحطاط الخلقي وظهرت المستنقعات الآسنة بالرذائل، فهوت البشرية إلى أبعاد سحيقة انحدرت بالإنسان عن آدميته. وهكذا مر الليل بساعاته الطويلة ونحن نرى ونسمع ما يؤذى النفوس ويجرح المشاعر. وقضينا تلك الساعات الطويلة في ذكر الل ه تعالى نذكره ونسبحه ونتلو آياته (ألا بذكر الل ه تطمئن القلوب) [الرعد128].

عدد الصفحات ٢٧٧

277 وما كاد يبزغ ويشرق النهار بضوئه حتى سرت طمأنينة إلى نفوسنا، وتضرعنا إلى ربنا سبحانه سائلين متوسلين أن يجعل لنا فرجا ومخرجا. ولن أنسى هذه الليلة فقد كانت ليلة شديدة وقاسية وإن لم يكن بها سياط. وظلت ابنتي حميدة تبكي حتى أغمي عليها وكنت أحاول التخفيف عنها. وأقول لها إننا حملة أمانة، وأصحاب رسالة، فلابد من الصبر والتحمل .. تحمل مشاق الطريق والصبر على ما نرى وما يجرى علينا، وأجرنا على الل ه .. إن كل ما أصابنا في السجن الحربي من إهانة للنفس، وضرب بالسياط وتمزيق الأبدان، وتنكيل وبطش بل وقتل وتجويع وعطش و .. إن كل ذلك لا ي ساوى ما رأينا وسمعنا في هذه الليلة التي عشناها وأمامنا ذلك القطيع الضال من عالم البشر التائه في سراديب الجاهلية. ذلك القطيع من عالم المرأة المسكينة التي يقال لها إنها تحررت، فصارت عبدا للشهوات والأهواء وأصبحت الجريمة حرفتها فأغرقتها، فنسيت إنسانيتها وط هرها وع فافها وم كارمها فغدت حيوانا لا يعرف معنى للحياة إلا لشهوة الفم والفرج!!،كبهيمة عمياء قاد زمامها أعمى على عوج الطريق، فضلت وأصبح هواها يقودها إلى مهاوي الرذيلة وساعدها في ذلك المفسدون في الأرض أهل الباطل والإلحاد، وقوى الشر والإجرام ..

عدد الصفحات ٢٧٨

278 وفى هذا الجو المشحون بالأهواء والمفاسد والظلم والظلمات، انطلق نداء الفجر، فبدد بإشراقة الصباح تلك الغيوم السوداء فتوجهنا إلى الرحمن الرحيم فصلينا ودعوناه راجين فرجه ورضوانه .. وجاء وقت فتح العنابر بعد ساعات وطلبت من السجانة مقابلة المأمور وعادت بعد ساعة تدعونا إلى مكتب المأمور .. صراع من نوع جديد. دخلت أنا وحميدة على المأمور فقال لنا: الكانتين ممنوع والزيارة ممنوعة، وليس ل كما أي حق من حقوق المساجين. أنتما (تكدير) حتى نؤمر بأوامر أخرى. فاهمين! قلت له: إننا لم نطلب مقابلتك لهذا الأمر ول كن جئنا لنسألك .. فقال مقاطعا: أنتم طلبتم مقابلتي؟ قلت: نعم، إننا نطلب تغيير الزنزانة. وطلبت حميدة: حجرة لها باب لا قفص حيوانات. قال: إيه الكلام ده؟ حا نرجعكم إلى السجن الحربي تاني وتشوفوا اللي شفتوه؟! قلت: نحن لا نستطيع البقاء في هذا المكان الذي لا يليق بالحيوان.

عدد الصفحات ٢٧٩

279 قال المأمور: أنا مأمور وده سجن. وأنتم مسجونون. وما فيش غير كده. ثم وقف وصاح اتفضلوا اخرجوا! قلت: سنظل في فناء السجن ولن نعود إلى هذه الحجرة أبدا .. وليكن ما يكون .. قال: السجن سجن وإذا ما كنتوش حا تنفذوا الأمر سنطلق عليكم الرصاص فورا. قلت: القتل أهون من هذا العيش والآجال بيد الل ه سبحانه، وقتل كم لنا شهادة. فأخرجنا من مكتبه وتركنا في حوش السجن. وبعد فترة نادى المأمور الباش سجانة قائلا لها: وديهم يا سعاد على الملاحظة. وقالت سعاد: ألف مبروك حا تقعدوا في الملاحظة. وصعدنا درجات لسلم الملاحظة، ودخلنا إلى عنبر واسع به عشرون سريرا للسجينات، وبعد ساعة جاءت السجانة المختصة بالملاحظة وقالت تعالوا، الإيراد جه ، ولم نفهم مقصدها، غير أنها أخذتنا وأوقفتنا في صف من النساء يسمى الإيراد. والإيراد هو قطيع من البشر الحائر في مجتمع ضاعت فيه القيم والمعاني فهوى إلى الرذيلة، إلى هوة سحيقة، فجيء به إلى السجون ..

عدد الصفحات ٢٨٠

280 وسمعت السجانة تقف على باب حجرة وتصيح: الإيراد النهاردة خمسة وأربعين، خمسة وعشرين تسول، خمستاشر دعارة، وثلاثة سرقة واثنين سياسيين .. تعنى بالسياسيين أنا وحميدة. خرجنا من ذلك الطابور، وأخذت حميدة معي فقالت السجانة رايح ين فين؟! انتظروا لما ييجي دوركم. قلت لها: سنقف وحدنا، ولسنا من هذا الإيراد. قالت: بتقولي إيه يا ادلعدي؟ قلت: سنقف وحدنا. قالت: معلهش، ودول مش خلق الل ه زيكم؟! لم أجبها ولزمنا الصمت، أخذت السجانة في إدخال البشرية الضالة إلى حجرة ثم جاءت إلينا تقول: الست الدك تورة أمرت أن تجلسوا حتى تنتهي وتدخلوا إليها. ولما فرغت الطبيبة استدعتنا ودخلنا فسألتنا عن الاسم والسن وما نشكو منه، ثم أخذونا إلى حجرة وأغلقوا علينا بابها. ولم يمض وقت طويل حتى ارتفع الصراخ وعلا البكاء وساد الجميع حزن ووجوم وتحسسنا الخ بر[ : حدث؟ قالوا: النكسة!

عدد الصفحات ٢٨١

281 وحدثتني نفسي حديثا طويلا: وأي نكسة تلك يا ترى؟! من لك أيها الشعب المسكين! ما أكثر نكساتك! لقد تعددت فما أعظمها! وما أعمقها وما أقساها! لقد أصابت شعبنا نكسات ونكسات: نكسة في الخلق. نكسة في الرجال. نكسة في ..، وأخيرا نكسة 5 يونيو وكانت طامة كب رى، جعلت عبدة القردة والخنازير وأذلاء الأرض المغضوب عليهم من السماء إخوة الشياطين، جعلتهم النكسة يستعمرون أرضا عربية ويحكمون أهلها ويذيقونهم من العذاب أصنافا، ومن ألوان البطش والتنكيل ما تمتلئ به نفس يهودية حقيرة ذليلة .. واستطرد حديث نفسي: ما هذا الذي نعيشه ونحياه؟! الإسلام – القوة والعزة وال كرامة – ي قتل، وي قتل أبناؤه ولا ي سمح لهم بالحياة ولا حتى أن يتنسموا نسيمها أو ينبتوا ولو رويدا رويدا. قتلوا الإسلام وأصحابه فقتلوا الرجال والعزة والمنعة. هؤلاء الرجال. حقا هم الذين بفضل الل ه تعالى يقهرون الباطل وأهله، مهما تعددت أنواعه وتغيرت أشكاله واختلفت صوره وأسماؤه. بهم تعلو الأرض العزة وال كرامة، وتغدو البشرية لربها خاضعة عابدة تتنسم عبير الطاعة وتسلم البشرية لربها راضية، تسلك طريق العبودية ذللا، وتستجيب لنداء الحق مهما كانت تكاليفه ومهما كانت تضحياته.

عدد الصفحات ٢٨٢

282 أسمعمن حولي يتهامسون، لا تتهامسوا ولا تتناجوا وكونوا صرحاء أقويا ء. إن النكسة بما كسبت أيديكم، واتخذتم كتاب الل ه تعالى وراءكم ظهريا. والل ه لو ن ص ر نا الل ه لن ص ر ن ا .. لو نصرناه بإسلام وجوهنا وقلوبنا إليه، لو نصرناه باتباع شرعه القويم ونهجه المستقيم، لو نصرناه بالمسارعة إلى محابه ومراضيه واجتناب نواهيه. لو نصرناه .. والل ه لو نصرناه لنصرنا: لنصرنا برضوانه علينا. لنصرنا بالتمكين في الأرض والخلافة عنه سبحانه. لنصرنا على قوى الأرض الباطلة الحائدة عن طريقه المستقيم، فبكتاب الل ه وسنة رسوله تنصرون وتمكنون في الأرض، وتسعدون في الدارين دنيا وآخرة. ففي طاعة الل ه العزة والسعادة والنصر والغلبة والتمكين وجنات النعيم في الفردوس الأعلى عند رب العالمين. (إن تنصروا الل ه ينصركم ويثبت أقدامكم) [محمد17] .. ومن قول سيدنا عمر".. وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لل ه. ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة ..". وببعدكم عن الكتاب والسنة: تهزمون وت ش ق و ن ، وتزلون وتكون النكسة. بل ونكسات؛ ففي معصية الل ه الذل والبؤس والهوان والضعف والجحيم والعذاب المقيم.

عدد الصفحات ٢٨٣

283 (فمن اتبع هداي فلا يضل ولايشقى، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى، قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا، قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى، وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى) [123-127] .. وتجول نفسي في معان كثيرة، ويساعدها على ذلك الواقع المر والحاضر الأليم يساعدها على استرسالها ويحز ذلك في نفسي إشفاقا ولوعة، وحزنا وأسى. وتستيقظ نفسي من حديثها على نداء ابنتي حميدة، فأجد نفسي أجلس بجوارها في حجرة مغلقة علينا، ويصل إلى سمعي ذلك الصياح والبكاء على حامى الإسلام!! عشنا في هذه الحجرة مغلقا بابها إلا لماما، لا ندرى شيئاً مما حولنا. وفى ذات يوم استطعنا أن نحصل على حين غفلة من الحارسة على علبة سجائر، فكانت هذه العلبة مفتاحا سحريا لقلب السجانة الغليظة القلب. وبها فتح لنا باب الزنزانة مدة أطول فتمكنا أن نتبين ما يدور حولنا .. كان بجوار حجرتنا حجرة تسكنها امرأة مع طفلها الذي لا يعلم له أبا، وأمامنا امرأة أخرى تقضى أيامها الأخيرة في مرض السل نتيجة سلوكها المشين، وبجوار هذه الحجرة عنبر فسيح يحوي ألوانا من الأمراض المزمنة المعدية، وفى نهاية المبنى

عدد الصفحات ٢٨٤

284 من ناحية تقع دورة مياه صرح لنا بالذهاب إليها مخالطين لهذه البشرية المريضة بمرض الجاهلية والأمراض البدنية المعدية. وفى الناحية الأخرى من المبنى توجد بعض النساء اللائ ي لم نعرف جنسيتهن في حجرات نظيفة مفروشة مزينة وتوجد في هذه الناحية أيضا دورة مياه صحية. علمنا ذلك كله لأن كل من هنا يسمون ذلك الجانب "الهيلتون". كان الجوع قد أخذ منا مأخذا شديدا حين أهدتنا إحدى المسجونات قليلا من الطعام، كان لإهدائه أثر جميل جدا في قلوبنا. فقد أحسسنا بأن الغابة على وحشيتها وحيوانيتها لم تخل من إنسانية. طلبنا من السجانة السماح ل نا بالذهاب إلى دورة المياه الثانية لنظافتها وخلوها من الألفاظ الجارحة والعبارات النابية، فقالت السجانة: دورة المياه الثانية خاصة بالست الدكتورة واليهود .. فسألها متعجبة مستفسرة تقولين: يهود؟!! قالت: نعم ستات يهود. مدام مرسيل، مدام لوسي، وهم كثير .. قاعدين ومتنزهين، لا أحد يقول لهم كلمة ولا يؤخر لهم طلبا. زي البيت وأحسن شوية، كلهم جايين في تجسس. ثم قالت: كلموا الست الدكتورة يمكن يسمحوا ل كم بالذهاب إليها.

عدد الصفحات ٢٨٥

285 وبعد أخذ وردفي هذا الأمر بيننا وبين المأمور انتهى برفض طلبنا متعللا بأن ذلك خاص باليهود! .. أسلمنا أمرنا لل ه تعالى وانشغلنا به سبحانه وبتلاوة آياته ال كريمة. وبينما أعيش مع ابنتي حميدة تلك اللحظات الربانية دخلت سيدة طويلة القامة شقراء، وألقت علينا التحية فرددنا التحية، ثم قالت حضرتك زينب الغزالي. قلت: نعم. قالت: أنا مرس يل مسجونة سياسية وطبعا - بيننا وبينكم خلاف في العقيدة، فأنا يهودية وأنتم مسلمون، ول كن النفس لا تخلو من إنسانية، خاصة وقت الشدائد والمحن - فلا مانع أن تكون بيننا وبينكم معاملة طيبة في السجن. أما خارجه فبيننا الحرب والقتال أو الخلاف في الأهداف، أما الآن فنحن جميعا في شدة وقسوة. ولقد جئت إليكم في غفلة من المسئولين لأعرض عليكم تعاوني لخدمة بعضنا لبعض. فشكرناها على ذلك.

عدد الصفحات ٢٨٦

286 ثم قالت: نحن لدينا إمكانيات للأكل وإن كانت قليلة فسنقتسمها معكم وسأتحرى أن لا يكون في الأكل ما هو محرم عندكم، ونحن اليهود لا نأكل لحم الخ نزير مثل كم. ومرت أيام كانت مرسيل اليهودية تحضر لنا بعضا من المأكولات. وكان أهم من ذلك كله أن هذه اليهودية دبرت لنا أمر استعمال دورة المياه الخاصة بهم .. أحست ابنتي حميدة الحرج من تلك الأمور فقلت: إن الل ه سبحانه وتعالى يسوق الخ ير لعباده على يد من يشاء، والل ه تعالى لا يعنت عباده ولا يديم عليهم العسر، وليس لنا حيلة إلا أن نتعايش مع الإنسانية أينما وجدت ما دام ذلك في دائرة الإسلام. ورأينا في تلك الغابة الموحشة والصحراء الجرداء القاحلة إنسانية متمثلة في طبيبة مسيحية تقدم لنا عونها بين الفينة والفينة، فعجبنا لهذا الطابع الإنساني النادر وجوده في مثل هذه الظروف ... وقدمت لنا أيضا مسجونة لم تخل من قلب رقيق كيف نعيش ونتعامل في هذا المكان مع تلك الإنسانية المهدرة. كل شيء يشترى بالمال، فتح باب الزنزانة لمدى أطول بالمال .. وكذلك نسمة الهواء ولقمة العيش وما يستر الجسد !! ... كل شيء هنا فاغر فاه ليبتلع

عدد الصفحات ٢٨٧

287 الكل هنا سواء في ذلك المسجونات والسجانات. وذلك يتطلب من الإنسان المال والجهد. فهل كان ذلك أمرا ميسورا؟! قد ينسى الطواغيت المستبدون أو يتناسون أنهم لابد سيشربون من الكأس: كأس المنية. كأس الرجوع إلى الل ه تعالى، يتناسون ذلك فيتجبرون ويطغون ويبطشون ويعذبون، والزمن عجلته تسير بمشيئة الواحد القهار، وبتعاقب الليل والنهار، وتولد أجيال وتنقضي أعمار، وتبلى أجساد وتنزع أرواح انتزاعا فلا يستطاع ردها. (فلولا إذا بلغت الحلقوم، وأنتم حينئذ تنظرون، ونحن أقرب إليه منكم ولـكن لا تبصرون، فلولا إن كنتم غير مدينين، ترجعونها إن كنتم صادقين) [الواقعة: 83-87]. وفى وسط حياتنا المزدحمة بما نرى ونشاهد من صور تعكس حقيقة البشرية من حولنا، وانحدارها وهبوطها إلى أعماق سحيقة من الرذيلة والانحطاط، تناقل الناس في سجن القناطر نبأ موت عبد الناصر وهم حزانى يبكون.

عدد الصفحات ٢٨٨