240 الحصول على نصف كوب ماء من المعجزات، كنت مريضة جدا وحالتي الصحية سيئة، فسمحوا لي بدخول بعض الماء، وكان بجواري أخ كريم في الزنزانة المجاورة فكنت أقسم معه هذا القليل من الماء، ولن تصدق أيها القارئ إذا ذكرت لك الطريقة التي كنت أوصل بها الماء إليه، لن تصدق أنني كنت أضع الماء في كيس نظارتي وأناوله إياه من فرجة بين الحائط الورقي وجدار الزنزانة، ليطفئ ظمأه ولو قليلاً! كان جسمه ممزقة من سياطهم وكان أحوج ما يكون إلى هذا القليل .. لقد تفنن الظالمون في وساثل التعذيب .. لم تبق طريقة قديمة أو حديثة إلا استعملوها وأضافوا إليها ... وسأقص عليك، أخي القارئ، قصة حدثت وأنا بالمستشفى تجعلك تزداد يقينا بأن في هذا الشعب خامات طيبة وقلوبا طاهرة؟ لو وجدت التوجيه السليم لأتت ثمارها وعبدت ربها، ودافعت عن عقيدتها بكل ما تملك من جهد ومال.. كان معنا في المستشفى عسكري ممرض اسمه: صلاح، وكان مكلفا ب إعطاء الحقن للمرضى ومراقبة الزنزانات. وذات يوم كنت ذاهبة إلى دورة المياه،
عدد الصفحات ٢٤١241 وإذا بالهواء يرفع بطانية كانوا يستعملونها بابا لزنزانة الأستاذ الإمام الشهيد سيد قطب، لأنها كانت بغير باب خشبي، وتصادف مع رفع البطانية مروري أمام الزنزانة، وقامت الدنيا في المستشفى، كيف تحدث هذه الجريمة البشعة، وترى زينب الغزالي سيد قطب وهو جالس في ز نزانته! وقام المدعو صلاح يشتم ويسب. ومما زاد الموضوع بشاعة أن صفوت الروبي كان داخلا إلى المستشفى في هذه اللحظة فأراد العساكر أن يثبتوا له أنهم حريصون على تنفيذ الأوامر، ولا يسمحون لأحد أن يرى أخاه؟ ولو كان ذلك صدفة بسبب بطانية رفعها الهواء! كان صلاح أشبه بوحش كاسر لا إنسانية ولا عقل ولا دين، وكان الأستاذ سيد قطب يلاطفه ويخ بره بأنه لا دخل له ولا ذنب في رفع البطانية، وظل يكلمه بكلام هادئ حلو حتى جعل هذا الوحش يلين ويستحي .. ثم يأتيني بعد أيام نادما يقول: إنه يريد أن يسلم من جديد، يسألنى ماذا عليه أن يعمل حتى يكون مسلما صحيحا .. وسألته: هل تستطيع أن تحتمل مثل ما ترى مع الإخوان؟ قال: إذا أسلمت إسلامهم فسيصبرني الل ه إن شاء ويقويني. سألته تقول: لا إله إلا الل ه محمد رسول الل ه؟ قال: نعم، ثم رددها أمامي..
عدد الصفحات ٢٤٢242 فقلت: إذن، لا تفعل إلا ما يأمرك الل ه به ولا تطع أمر الطواغيت من البشر؟ مادام ذلك في معصية الل ه. قال: أنا أريد أن أفهم الإسلام الحقيقي، الإسلام الذي جعل كم تتحملون كل هذا العذاب بصبر لا يستطيعه بشر. فطلبت منه أن يرجو الأستاذ سيد قطب أن يفهمه الإسلام حين يذهب إليه ليعطيه الحقن وأرسلت معه تحية للأخ العزيز .. وانقضت أيام، وجاءت عريضة الاتهام بموعد المحاكمة، وكانت مهزلة لم يشهد لها التاريخ مثيلا، ولقد أخبرونا أن الأحكام في درج شمس. وقد حرمونا حق الدفاع ومقابلة المحامين، فح ين طلبت انتداب الأستاذ أحمد الخواجة قيل لي: إنه ممنوع من الدفاع في هذه القضية. فقلت: إذن لا أريد محاميا، سأدافع أنا عن نفسي. فانتدبوا لي محاميا مسيحيا ليتولى الدفاع عني وصرحوا لأهلي بزيارتي قبل المحاكمة. فجاءت والدتي وأختاي اللائي كدن يغمى عليهن لما رأين من تغير صورتي وضعف ي الشديد، وشجعتهن وجلست معهن، ومعنا صفوت وحمزة البسيوني مشرفين على الزيارة.
عدد الصفحات ٢٤٣243 وطلبت من أهلي ألا يوكلوا محاميا عني، ول كني علمت منهم أنهم وكلوا الأستاذ حسين أبو زيد واتفقوا معه على ألف جنيه نصفها قبل المحاكمة. فأوصيتهم بعدم إنفاذ الاتفاق، إلا أني فوجئت يوم المحاكمة بالمحامي أبو زيد يدافع عني. وفى مساء اليوم السابق للمحاكمة أخذت إلى مكتب شمس بدران الذي قال لي: المطلوب منك ألا تعترضي على أي شيء جاء في التحقيقات، وأن تصدقي على كل كلمة وردت في الأوراق، وإذا اعتذرت إلى المحكمة بأن الإخوان خدعوك وأظهرت ندمك على ما فعلت فإن المحكمة ستخفف عنك الحكم .. إياك أن تعترضي على أي كلمة جاءت في التحقيقات، نحن نريد أن نخدمك. فإذا قررت أنك تتبرئين من الإخوان المسلمين وأنهم خدعوك فإننا سنخدمك خدمة عظيمة. قلت له: يفعل الل ه ما يشاء ويختار. ما كان لهم الخ يرة من أمرهم. قال: كلميني بالعربي .. ما "ترطنيش".. أنا لا أفهم ما تقولين .. الظاهر أنك لا تنوين الخ ير، نحن نريد أن نخدمك. قلت له:" وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين " [59].
عدد الصفحات ٢٤٤244 قال: خذها يا حمزة وهى حرة تفكر في مصلحتها أولا تفكر قال حمزة: اتركها يا بيه، أنا سأتفاهم معها وخرجت من مكتب شمس بدران إلى مكتب مجاور له، وأخذ حمزة البسيوني يقنعني بأن يكون موقفي في المحكمة البراءة من الإخوان المسلمين، ويعيد على مسمعي ما سبق أن كرروه مرات ومرات من أن الهضيبي وسيد قطب وعبد الفتاح إسماعيل قد غرروا بي. وبذل لي الوعد بأنهم سيسلموني النقود التي صودرت مني كهدية بسيطة أولى لي على قدر كلامي في المحكمة عن تغرير الإخوان بي ستكون هدية جمال عبد الناصر لي! ونصحني أن أتعقل وأعود معه إلى شمس باشا لأعده بتنفيذ رغباته ويكفيني ما حدث. سمعت كل ما قاله ولم أجب، لم أملك حين كرر أنه يريد تخليصي من الحكم بالإعدام إلا أن قلت له: أنت لا تستطيع أن تستخرج من جسمك البول إذا أتحبس منك يا مسكين .. أرجعني إلى الزنزانة .. وأخذت أفكر في أمر هؤلاء الطواغيت وف ي استعداد المحكمة لتنفيذ كل ما يريدون!! ولم أستطع أن أفهم - والأمر بيدهم والمحكمة بيدهم - هذا الحرص على ألا نتكلم في المحكمة أو نغير أقوالنا! يبدو لي - يا عزيزي القارئ - أن التمثيلية لا
عدد الصفحات ٢٤٥245 تتم إلا بهذا الفصل الأخير وهو مهزلة المحكمة التي يريدون عرضها أمام الشعب المكبل بالقيود. وكأنهم يريدون أن يقولوا له: انظر، ها هم الإخوان يريدون قتل الرئيس وقد شهدوا على أنفسهم بذلك، ول كن خيب الل ه ظنهم فجاءت النتيجة عكس ما يتوقعون .. لقد كانت مهزلة. وأي مهزلة أكبر من أن يأتوا بأمثال الفريق الدجوي ليجلس في منصة القضاء؟! وفى غمرة تلك الأحداث رأيت – فيما يرى النائم – أني أقف في ساحة قيل إنها المحكمة التي سنحاكم فيها، وبينما أنا واقفة إذا بالحوائط تزول وإذا بي وسط ساحة كبيرة مساحتها الأرض كلها، وإذا بالسماء تظلل الأرض وتنطبق عليها كأنها خيمة أطبقت على الأرض، وإذا بالنور يغمر الأرض كلها، نور يصل ما بين السماء والأرض، وإذا بي أرى رسول الل ه صلى الل ه عليه وسلم يقف أمامي وأنا خلفه وأسمعه يقول: استمعي يا زينب لصوت الحق، وسمعت صوتا يخ ترق أقطار السماوات والأرض يقول: ستنعقد هنا محاكم الباطل وستصدر أحكام الطواغيت وسيحكم عليكم ظلما وعدوانا أنتم حملة الأمانة ورواد الطريق:(اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الل ه لعلـكم تفلحون)[200].
عدد الصفحات ٢٤٦246 كانت هذه بعض الكلمات التي سمعتها تخ ترق أقطار السماوات والأرض ببلاغة لم أستطع أن أعيها لقوتها وشدة تأثيرها وأخذها بالنفس والقلب والجوارح. وعندما انتهى هذا الصوت، التفت إلى حضرة النبي صلى الل ه عليه وسلم وأشار إلى جهة اليمين، نظرت فإذا بجبل تقارب قمته عنان السماء، غير أنه كالبساط الأخضر تكسوه أرض خضراء. فقال لي حضرة النبي (صلى الل ه عليه وسلم): يا زينب! اصعدي هذا الجبل فستجدين عند القمة حسن الهضيبي، بلغيه هذه الكلمات. ونظر إلى نظرة عميقة أخذت بكل كياني غير أنه صلى الل ه عليه وسلم يتحدث بكلمات منطوقة، ول كنى أحسست أنى حملت الكلمات فعلا، وفهمت ما يريده منى، ورفع الرسول ال كريم صلوات الل ه وسلامه عليه يده إلى الجبل، فوجدت نفسي وأنا صاعدة التقيت في طريقي بخالدة الهضيبي وعلية الهضيبي فسألتهما: هل أنتم معنا في الطريق؟ أجابتا: نعم. وتركت هما وواصلت السير وعلى بعد أمتار التقيت بأمينة قطب وحميدة قطب وفاطمة عيسى فسألتهن: أنتم معنا على الطريق؟ قلن: نعم.
عدد الصفحات ٢٤٧247 وأخذت طريقي في الصعود حتى وصلت إلى القمة. فوجدت أرضا مبسوطة فوق قمة الجبل وفى وسطها ساحة مفروشة بالبسط وعليها الأرائك والمساند والهضيبي يجلس في الوسط. فلما رآني وقف وأقبل علي يحييني وهو فرح بقدومي عليه، فلما صافحته قلت له: أنا مكلفة من حضرة الرسول أن أبلغك كلمات أمانة من الرسول. أمانة منه عليه الصلاة والسلام. قال لي: إنها بلغتني والحمد لل ه. وجلسنا وكأن هذه الكلمات تنقل عن طريق الأرواح لا عن طريق لفظ مصور في كلمة منطوقة. ولما جلست إلى الهضيبي رأيت على الأرض في سفح الجبل قطارا فيه امرأتان عاريتان، فنبهت الهضيبي، فنظر إلى ما في القطار. وكنت متألمة جدا لما أرى فقال لي: أتعترضين عليهما؟ قلت: نعم. قال: هل تعتقدين أن الذي وصلنا إليه بأيدينا وبأنفسنا. إنه بفضل الل ه علينا فلا تشغلي نفسك بهما. قلت: علينا أن نقاوم حتى نقومهما! قال: هل بنفسك تستطيعين؟ قلت: بالل ه. قال: فلنحمد الل ه على ما أعطانا.
عدد الصفحات ٢٤٨248 ورفع يديه وكأنه يحمد الل ه، ورفعت يدي وحمدت الل ه معه ونحن نكرر الحمد لل ه استيقظت من النوم. ولم يعد هناك ما أخشاه. وأكاد أحس ببرد وسلام وراحة واطمئنان، وغسلت تلك الرؤية ما بي من ألم وأذهبت ما بقلبي من حزن :( فالذين هاجروا واخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الل ه والل ه عنده حسن الثواب) [195] ..( لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد[196] ..( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الل ه لعلـكم تفلحون ) [آل عمران: 200]. ◼ القضية الأولى من سبع قضايا قدمت للمحاكمة. استيقظنا يوم المحاكمة وأخرجونا إلى المكاتب في انتظار العربات التي ستقلنا إلى المحكمة. وفى حوالي الثامنة امتلأت ساحة السجن الحربي برجال البوليس ضباطا وجنودا وكأنهم ذاهبون إلى ساحة القتال، وجاءت عربة وصعدنا فيها وتكدس
عدد الصفحات ٢٤٩249 حولنا الحراس من ضباط وجنود وذهبنا إلى المحكمة وهناك أدخلونا القفص: كنا ثلاثة وأربعين: 1 - سيد قطب إبراهيم 2 - محمد يوسف هواش 3 - عبد الفتاح عبده إسماعيل 4 - أحمد عبد المجيد عبد السميع 5 - صبري عرفة إبراهيم ال كومي 6 - مجدي عبد العزيز متولي 7 - عبد المجيد يوسف عبد المجيد الشاذلي 8 - عباس سعيد السيسي. 9 - مبارك عبد العظيممحمود عياد. 10 – فاروق أحمد على المنشاوى 11- محمد إسماعيل يوسف 12 - ممدوح درويش مصطفى الديري 13 - محمد أحمد محمد عبد الرحمن 14 – جلال الدين بكرى ديساوي 15 - محمد عبد المعطى إبراهيم الجزار
عدد الصفحات ٢٥٠250 16 - محمد المأمون يحيى زكريا 17 - أحمد عبد الحليم السروجي 18 - صلاح محمد محمد خليفة 19 – السيد سعد الدين السيد شريف 20 - محمد عبد المعطى عبد الرحيم 21 – إمام عبد اللطيف عبد الفتاح غيث 22- عبد العزيز العرفي سلام 23 - فؤاد حسن علي متولي. 24 - محمد أحمد البحيري 25 - حمدي حسنصالح. 26 - مصطفى عبد العزيز الخضيري 27 - السيد نزيلي محمد عويضة 28 - مرسى مصطفى مرسى 29 - محمد بديع عبد المجيد محمد سامي 30 - محمد عبد المنعم شاهين 31 - محمود أحمد فخري 32 - محمود عزت إبراهيم
عدد الصفحات ٢٥١251 33- صلاح محمد عبد الحق 34 - حلمي محمد صادق حتحوت 35 - إلهام يحيى عبد المجيد بدوي. 36 - عبد المنعم عبد الرءوف يوسف عرفات. 37 - محمد عبد الفتاح رزق شريف 38 - زينب الغزالي الجبيلي 39 - حميدة قطب إبراهيم 40 - محيى الدين هلال 41 – عشماوي سليمان 42 - مصطفى العالم وليعلم القارئ أن المكمل للعدد هو "علي عشماوي" الذي اعتبر شاهد ملك ببيعه دينه بحياة ذليلة. فلما دخلنا القفص وحضر من يسمونهم القضاة، نادى الدجوي أسماءنا واحدا واحدا سائلا كلا منا: هل لك اعتراض على المحكمة؟ ويجيب الأخ: ليس لي اعتراض على الأشخاص، ول كنى أعترض على القانون الذي نحاكم به لأنه قانون جاهلي، ونحن لا نحتكم إلا لشرع الل ه.
عدد الصفحات ٢٥٢252 ولما فرغ منسؤالنا جميعا، قال: قررت المحكمة أن تحاكم زينب الغزالي وحميدة قطب محاكمة خاصة فأخرجونا من القفص، ثم أشرنا إلى بعض أهالينا الموجودين بالقاعة بالتحية، ثم أدخلونا حجرة أغلقوها علينا حتى انتهت الجلسة فأخرجونا إلى العربة ومنها إلى السجن الحربي. كان ذلك يوم 10/4/1966 ومكثنا في الزنزنات حتى يوم 17/5/1966. لتعاد مسرحية المحكمة. كما سبق أن ذكرت من أن تلك "المحاكمة هي الفصل الأخير الذي يريدون عرضه أمام الشعب.
عدد الصفحات ٢٥٣253 في يوم17/ 5/ 1966، أخذونا إلى المحكمة، وأدخلونا القفص. هيئة المحكمة يتقدمها الفريق الدجوي منتفخ الأوداج، وجلس أعضاء النيابة في مكان عن يمينه. تلي منصة النيابة منضدة عليها عدد من الصحفيين، كانوا قد حضروا قبل هيئة المحكمة، وأخذوا يصوروننا. وكان معهم صحفي يدعى عبد العظيم؟ طا لما جاء ليلتقط بعض الصور لنشاط المركز العام للسيدات ال مسلمات فقلت له: يا عبد العظيم احتفظ بهذه الصور لعلنا نحتاجها يوما ما، ولعله أن يكون قريباً . قال: حاضر. وكانت هذه شجاعة منه ول كنه ارتعش واصفر وجهه وتغير لونه وهو يجيب. وبعد دقائق لم أره في القاعة، والتفت إلى الصحفيين أسألهم: ماذا تفعلون؟ وابتدأ الدجوي المحاكمة بأن نادى اسمي فخرجت من القفص لأرد على أسئلته، وكانت كل الأسئلة التي وجهها لا تمت بصلة لكلامي في التحقيق. فكنت أقول له: هذا الكلام لم أقله في التحقيق .. وأكتفي هنا بسؤالين أجبته عنهما:
عدد الصفحات ٢٥٤254 قال لي: إن حسن الهضيبي قال: إن الأربعة آلاف جنيه التي أعطيته إياها سرقتها من زوجك. قلت: الأربعة آلاف جنيه اشتراكات وتبرعات من الإخوان المسلمين لحساب أسر المسجونين لإطعامهم وكسوتهم وتعليمهم. آلاف الأسر التي شردها جمال عبد الناصر بعد محاكمات 1954 وهو ما قلته في التحقيق فارتبك وارتعد وكأن عقربا لدغه وسأل: عندما كسرت رجلك ك نت خائفة على هذا المبلغ فلماذا؟! ولما جاءك عبد الفتاح إسماعيل في المستشفى أرسلته ليأخذ المبلغ من الخزنة في منزلك ويسلمه للهضيبي فلماذا؟ قلت: لأنها أموال الدعوة الإسلامية، حق المسجونين المجاهدين الذين شردتم أسرهم وخفت عليها ولو مت سيأخذها الورثة وهي ليست مل كي، ل كنها ملك الدعوة. قال: هي ملك التنظيم حتى تشتروا بها سلاحا. والهضيبي قال إنه لا يعرف مصدر هذه الأموال، إلا أنك أخذتها من زوجك. وتدخلت النيابة وقال: سيد قطب يقول إنه قال لحميدة بأن الضربة تكون شاملة وعلى أوسع مدى. أجبت: هذا لم يحدث. قال وكيل النيابة: وهل يكذب سيد قطب؟
عدد الصفحات ٢٥٥255 قلت: حاشا لل ه أن يكذب فانفتح وكيل النيابة كالمجرور القذر، وأخذتني الدهشة فلم أكن أتوقع أن أسمع هذه الألفاظ القذرة من النيابة في قاعة المحكمة. وهكذا استطاع الطاغوت أن يقضى على الـكرامة والأخلاق في مصر؟! انتهى الدجوي من سؤالي ومناقشتي فعدت إلى القفص، وخرجت حميدة لتجيب على أسئلته. ولما فرغت من الأجوبة وعادت إلى القفص، ابتدأت مرافعة النيابة ولست أدرى إذا كان يجوز أن أسميها مرافعة؛ فقد هبطت فيها النيابة إلى درك أسفل من انحطاط اللفظ وقبحه، وشنيع ما نطقت به من عبارات القذف في الأعراض والسباب للأبرياء. وكانت ظلمة تخيم على وجه المتكلم باسم النيابة وتمتد لتطمس المحكمة كلها .. وضاق صدري بالباطل المجسم في النيابة والمحكمة، فرفعت يدي أطلب الكلمة. فظن الدجوي المدعي أنه قاض، وأني سأعتذر خوفا من باطلهم وتهديدهم وما طلبته النيابة من إعدامي لأن الأشغال الشاقة المؤبدة لا تكافئ جريمتي .. ونظر الدجوي نحوي والجهل يغطى وجهه وقال: تكلمي. وقفت وقلت: "بسم الل ه الرحمن الرحيم .. نحن أمناء أمة وورثة كتاب وحماة شريعة، ولنا في رسول الل ه أسوة حسنة. وإننا لثابتون على الطريق حتى نرفع راية لا إله إلا الل ه وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وحتى تلتزم بها
عدد الصفحات ٢٥٦