224 قلت الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويصومون رمضان ويحجون البيت إن استطاعوا إليه سبيلاً ويلتزمون بأحكام الكتاب والسنة. لا يشرعون من عند أنفسهم ولا يحكمون بغير ما أنزل الل ه". قال: هل تعتبرين جمال عبد الناصر وحكومته والمجتمع من أهل القبلة. قلت: عبد الناصر نفسه لا؛ لأنه حاكم يستطيع أن يحكم بكتاب الل ه لو أراد إلا أنه عمل على تعطيله، فهو يشرع للناس من عنده ويعطل كتاب الل ه. وقد قال عبد الناصر صراحة: أنه لا يقيم حكومة دينية. قال: أنا أريد أن تقولي لي بصراحة: عبد الناصر والحكومة كافرين. ولا رأيك إيه؟ قلت : لقد أجبت، ومن شاء أن يعلم حقيقته مع الل ه فليعرض نفسه على كتاب الل ه. وكان قد كتب حوالي خمس صفحات فولسكاب. ثم عاد يسألني سؤالاً آخر فقال: أنتم كنتم تريدون قتل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ. قلت: إن المشغولين بالدعوة لدين الل ه وعودة الأمة الإسلامية إلى حياة الناس لا ينشغلون بهذه الأمور السخيفة. ثم يوم يعود المسلمون لدينهم فستنتهي كل هذه الرذائل، وستتخلص الأمة من هذا التسيب المقيت، وعبادة الشيطان
عدد الصفحات ٢٢٥225 في هذه الصور المختلفة التي فتنت الأمة وانهارت بها هذا الانهيار الذي جعلها غثاء كغثاء السيل. كان وكيل النيابة محمد القناوي يسمع مني كلاماً ويكتب غيره أو يحرفه أو ينقل كلاماً آخر من الملفات المرصوصة أمامه. وهكذا كانت خيمة النيابة على هذا النمط الغريب العجيب عشرة أيام. وكان المستشار محمد عبد السلام يتردد على الخيمة ويسأل القناوي عن الوضع ويقول له: أبذل جهدك .. وينصرف. وفي الخيمة قلت للقناوي: إني أرى شيئاً عجباً. أرى رجال القانون والقضاء في غابة يتعايشون مع وحوشها، يلقون عن أنفسهم ثياب القضاء ويرمون من فوق أكتافهم أردية القانون والعدل. قال: نحن نحرص على تخليصك وإنقاذك من الإخوان ليس لك بعد أقوال الهضيبي وسيد قطب وعبد الفتاح إسماعيل إلا شيء واحد هو الإعدام. وما رأيك في كلام الهضيبي وسيد قطب وعبد الفتاح إسماعيل؟ قلت: أنتم تختلقون عليهم الـكذب وهؤلاء هم طليعة الجماعة المسلمة. قال: وهل نكذب على أحد؟ أنت لا تقولين الحقيقة وتكذبين. قلت: أكذب على من؟ قال: على الحكومة، وعلينا نحن رجال النيابة.
عدد الصفحات ٢٢٦226 قلت: أنت مصدق أنك من رجال النيابة ومن رجال القانون. قال: سأقفل التحقيق وأعيدك إلى مكاتب التعذيب .. وبعد ذلك تحضرين لنا مرة أخرى .. وطلب قهوة وأخذ يشربها. وبعد ما شرب القهوة قال: إيه يا زينب؟ أتريدين الرجوع إلى المكتب؟ إن عبد الناصر مستعجل أوراقك ليطلع عليها .. أمرني بالتوقيع على ما كتب فرفضت. فأعادني مرة أخرى إلى المكاتب وجلدت من جديد وأعادوني مرة ثانية إلى مكاتب التحقيق .. وانتهت مهزلة التحقيق ول كن.. بعد يومين طلبت للنيابة مرة أخرى. وهناك وجدت عدداً من الشباب أفناهم التعذيب وكساهم ثوب عذاب. فسألني قناوي: متى التقيت بهؤلاء؟ ومتى تعرفت إليهم؟ وما هي أسماؤهم؟ وأنظر إلى الشباب وأقول سائلة: متى رأيتكم ؟ هل التقيتم بي حقاً؟ هل تعرفونني قبل اليوم؟ ما أسماؤكم؟ ويصرخ وكيل النيابة معترضاً مدعياً أنني أوجههم بأسئلتي، فأرد عليه طالبة منه أن يسألهم متى التقوا بي لا أن يسألني متى التقيت بهم؟ ويسألهم الواحد بعد الآخر وتكون الإجابة واحدة لم نلتق بها.
عدد الصفحات ٢٢٧227 فيقول القناوي: ول كنكم قلتم في التحقيقات انكم التقيتم بها. فيجيبون: تحت سياط التعذيب كنا نقول أي شيء. ثم نعاد جميعاً إلى المكاتب!! مكاتب التعذيب!! عشرات وعشرات المرات ع رض علي الشباب الصابر ما بين خيام النيابة ومكاتب الألم والعذاب والقهر. لقاءات جديدة في مكاتب شمس بدران وأعوانه. كانوا يأخذونني ليلاً إلى مكتب شمس بدران أو أحد زبانيته، ويهددوني أولاً بإعادة التعذيب، ثم يعرضون علي شباباً في سن الزهور ورجالاً وشيوخاً ويسألونني متى: التقيت بهم؟ ويكون الجواب: من هؤلاء الذين تسألونني أين التقيت بهم؟ اسألوهم هم إن كانوا قد التقوا بي؟ اسألوهم إن كانوا يعرفونني؟ وتنتهي المواجهة بصورة جديدة من التعذيب: كالوقوف في مكان مظلم وأحد العساكر خلفي يضرب بال كرباج على الأرض ويأمرني أن أستمر في خطوة "مكانك سر"، فإذا بلغت الإعياء ولم أستطع الاستمرار في تلك الحركة، وأقدامي ممزقة ومربطة بأربطة الشاش عاجلني بعشرة أو عشرين سوطا على جسدي كيفما اتفق .. ثم إلى زنزانة المستشفى!
عدد الصفحات ٢٢٨228 وسأضرب أمثلة للتعذيب بعد انتهاء النيابة من التحقيق لتعرفوا ماذا كان عبد الناصر وماذا كان أنصاره وأعوانه. أخذوني في منتصف ليلة من لياليهم السوداء إلى مكتب مجاور لمكتب شمس بدران، كان يجلس فيه أحد شياطينه "جلال الديب". الذي أخذ يسألني .. قال: اشرحي يا زينب يا غزالي اتصالاتك بخالدة الهضيبي وأحمد ثابت زوجها وما دورهما في التنظيم؟ قلت: نشاط خالدة الهضيبي معي كان محصورا في مساعدة أسر المسجونين. قال: أي نوع من المساعدات؟ قلت: مساعدات مالية أو عينية، وشرحت له نوعية العينية – بعد سؤاله – أنها كالأقمشة والدقيق والقمح والأرز والسمن والفاصوليا. وعاد يسألني عن زوجها أحمد ثابت. ولما أوضحت له أنه لم يكن له من عمل إلا الحضور إلى المركز العام للسيدات المسلمات ليوصل الأشياء التي أرسلها لخالدة لتسلمها للأسر – دون أن ينزل من العربية – رفض تصديقي وأسلمني
عدد الصفحات ٢٢٩229 إلى صفوت فأوقفني ليتصرف، وتصرف صفوت فأوقفني ووجهي للحائط مكررا السؤال عن صلة خالدة الهضيبي بالتنظيم. ولما مضت ساعة دون أن أغير من موقفي بدأ يهددني بالكلاب وبالضرب وأصررت على أقوالي. ودخل حمزة البسيوني فطلب منه جلال الديب أخذي إلى الكلاب. وأخذوني إلى حجرة مظلمة وأدخلوا كلبا معي وتركوني أكثر من ساعتين مع الكلب ثم أعادوني إلى المستشفى. وفى الليلة الثانية أعادوا استجوابي عن علاقة خالدة بالتنظيم وأصررت على موقفي السابق، وتركني جلال الديب في الغرفة، وخرج ليرسل لي صفوت فيضربني بقدميه وبيديه حيثما اتفق، ثم يغلق علي الحجرة ويخرج ليعود بعد ساعتين فيعيدني إلى المستشفى! ومرة أخرى طلبوني لمكتب شمس بدران وقال شمس: لقد أتينا بالزيني من غزة. وقد تعرف عليه المرشد ومأمون الهضيبي. وهو الذي أتاك بالمال وإذا لم تتعرفي عليه سيتم إعادتك للتحقيق من الألف للياء! إنت فاهمة؟ والمهم يا بنت يا زينب أن الزيني قد اعترف.
عدد الصفحات ٢٣٠230 وأخذونيإلى حجرة وجدت فيها رجلا في صورة لا يمكن معها أن يتعرف عليه أحد، وأخرجوني وأعادوني إلى شمس. وقال شمس: من هذا؟ قلت: لا أعرفه. قال: لقد تعرف الكل عليه .. إنه صادق الزيني، يا بنت الــ.. وتدخل جلال الديب ليطلب من شمس أن يسألني عن المال لأي غرض هو؟ وسألني شمس وأجبته بأنه للأسر: للأكل، للتعليم، للعلاج. لأسر الأسود خلف قضبان سجونكم. وجن جنون شمس فصاح بحمزة: خذها وألقها للثعابين لا للكلاب. وخرجت مع حمزة وصفوت، وأخذوني إلى المستشفى وطلب حمزة كرسيا فجلس عليه ثم قال: إنت صعبانة علي يا زينب، لن آخذك إلى الثعابين، قولي لي لأي غرض كان المال؟ قلت: لقد حققتم معي بخصوص هذا الموضوع. وكان جلال الديب قد وصل ليسأل: هل اعتدلت أم لا؟ وكان جواب حمزة: اتركها لي يا جلال يبدو أنها اشتاقت للكلاب. الكلاب، لقد كانت في نظري أرق منهم شعورا وأسمى وأكثر إدراكا. كنت كلما حبسوني مع الكلاب أحسست عمق بشاعتهم وازداد احتقاري،
عدد الصفحات ٢٣١231 وأصبح الأمر لا يشغلني كثيرابل أصبحت أفضل أن أظل مع الكلاب على أن أبقى ثواني مع شمس أو حمزة أو جلال .. وذات ليلة أخذوني إلى مكتب شمس بدران بعد العشاء جلست لا أدرى كم، ول كنى أغمى علي، فأسعفوني بالحقن وأعادوني إلى المستشفى وبعد ثلاثة أيام أخذوني ثانية إلى مكتب شمس بدران الذي أقسم برأس عبد الناصر إنه سيعيد تعذيبي من رقم 1إلى رقم34 إن لم أجب بصراحة على ما يوجه إلي من أسئلة. وكانت هذه الأرقام قد مرت عل ي بصنوف من التعذيب مختلفة الصور، متعددة الألوان. وابتدأ حديثه بقوله: يا بنت يا زينب، أنا سأذكر لك حادثتين حصلوا معك: حادثة فيها محمد قطب والهضيبي وأخوات محمد قطب وكان فيها علي عشماوي ومأمون الهضيبي. وبنقول لك إن هذه الحاجات اعترف بها حسن الهضيبي ومحمد قطب .. راح تكذبينا ل كن من أين كنا سنعرفها؟ الحادثة التي فيها علي عشماوي ستقولين: إن علي كذاب .. ل كن الثانية ليس فيها علي .. قال شمس بدران: في يوم كلمت محمد قطب ونزل لك من حلوان بالليل، فأعطيته مصاغك وخمسمائة جنيه، وقلت له: الخمسمائة جنيه سلمهم للوالدة
عدد الصفحات ٢٣٢232 "تقصد حرم الهضيبي" ومصاغي هذا أنا متبرعة لأسر الإخوان، خذهم يا محمد .. أعطهم للست الوالدة في الوقت المناسب. قلت: نعم، هذه الحادثة حصلت وما الذي يصيبني فيها؟ مصاغي أتبرع به كما أشاء، وقد تبرعت إلى أكرم وجه للخير، لجماعة الإخوان المسلمين إعانة للأسر. أما المال فقد كان للإخوان وكان عل ي أن أرده لأصله عندما أخشى عليه. قال شمس: الخمسمائة جنيه كانوا للتنظيم لا للأسر. قلت: لا، للأسر. قال: علي عشماوي قال لي: إنها للتنظيم. قلت: علي عشماوي كذاب. قال: محمد قطب قال إنه لا يعرف الغرض من الخمسمائة جنيه. ل كن أنت بعثت بها مع المصاغ. وقلت له: أعطها لحرم الهضيبي. قلت: واجهوني بمحمد قطب. لقد قلت له: إن الخمسمائة جنيه مساعدة للأسر. قال: طيب، وكيف جاءت هذه الخمسمائة جنيه؟ قلت: في يوم جاءني علي عشماوي يطلب منى ورقة لأخ من السعودية ليتمكن من مقابلة المرشد أو مأمون ، وأفهمته أن الأخ مأمون لا يحتاج إلى واسطة وأن المرشد في الإسكندرية، إلا أن مأمون موجود وبإمكانه أن يقابله.
عدد الصفحات ٢٣٣233 وعاد إلي عشماوي بعد ذلك وقال لي: إن هذا الأخ قابل مأمون وتبرع بهذا المبلغ وإن مأمون طلب منه إعطاء المبلغ للحاجة زينب الغزالي، فكلف الأخ الذي من السعودية - حسب رواية علي عشماوي - أن يوصل علي عشماوي المبلغ إليك وأن المبلغ مساعدة للأسر. قال شمس بدران: المبلغ لم يكن للأسر، لأن محمد قطب قال ذلك. فقلت مؤكدة: إنني وحدي القادرة على تقرير الحقيقة، وإنه لابد أن يكون الأمر قد التبس على الأستاذ محمد قطب إن كان قد قال ذلك. قالوا: سنعيدك للتعذيب .. هتتكلمي ولا يأخذك صفوت؟! قلت: واجهوني بمحمد قطب. ولما واجهوني بالأستاذ محمد قطب. قال: إنني سلمته المال والمصاغ ليوصله إلى الوالدة وحاولت أن أذكر حضرته بما قلته له من أن المبلغ كان للأسر وكان عندي أمانة، لم يستطع أن يتذكر، إلا أنه قال: ما دامت الحاجة متأكدة أنها قالت لي هذا فإن قولها صحيح. وأوقفوني إلى الصباح ووجهي للحائط ثم أعادوني للمستشفى. وبعد يومين أخذوني إلى مكتب شمس بدران الذي بادرني بقوله: نحن نريدك يا زينب أن تعترفي بالتنظيم الذي كان محمد قطب قد أسسه. وأجبت: لقد سئلت من قبل في هذا وأجبت بأن محمد قطب لم يؤسس تنظيما.
عدد الصفحات ٢٣٤234 فقاللصفوت: علقها يا صفوت! وعلقني صفوت وجلدوني على قدمي .. ثم أُ خذت لمكتب مجاور لمكتب شمس بدران، وقال لي رجل من رجاله - لا أعرف اسمه - كان يجلس بجانب حسن خليل دائما: ووجهي يا بنت يا زينب: إنت عبيطة! أنت لا تعرفي تخلصي نفسك؟! الإخوان كذبوا عليك كثيرا، فلماذا لا تتفاهمي معنا وتعطينا بعض المعلومات عن محمد قطب؟ ونحن سنحفظ لك هذا الجميل ونبدأ نتفاهم معاك! قلت: كيف أتفاهم معكم؟ أنا أحتقر طرقكم وباطل كم! أنتم عملاء للشيطان، لن تستطيعوا أن توقعوا بيننا نحن عباد الرحمن! نحن لا يصدق الأخ منا في أخيه شيئا مهما حاولتم الوقيعة والدسيسة .. أريحوا أنفسكم. قال: سنعيد التعذيب من جديد. وستحقق النيابة معك مرة أخرى. قلت: النيابة منكم وأنتم منها .. أنتم جميعا لا تعرفون طريق الل ه. أنتم من الضالين المغضوب عليهم .. ودخل حمزة البسيوني وفى يده ورقة وضعها أمامه وسأله: هي لسه مغلباك يا باشا؟ وخرج حمزة وابتدأ هو يتكلم في موضوع محمد قطب ثانية. وخرج وجاء صفوت وضربني بالسوط حيثما اتفق ثم خرج ووجهي للحائط ..
عدد الصفحات ٢٣٥235 بعد ساعة تقريبا دخل شيطان آخر أخذ يشرح لي ما سيترتب على تعاوني معهم بإعطائهم معلومات عن التنظيم الخاص بمحمد قطب من نتائج في صالح زوجي وأشقائي وصالحي شخصيا. ولما لم يتغير معي أخذوني إلى حجرة الكلاب. وفى هذه المرة كان مع الكلب في الزنزانة رجل قال له حمزة البسيوني: إن لم يأكلها الكلب فكلها أنت يا ولد! وأغلقت الزنزانة لساعتين لم اكف فيهما عن قول:" حسبنا الل ه ونعم والوكيل " أما الرجل والكلب فكأن خرسا لحق بهما حتى فتح الباب وأخذ ت إلى المستشفى. وفى اليوم التالي أخذت إلى مكتب رياض إبراهيم الذي سألني عمن قابلت من كرداسة. أجبت: أنا لا أعرف شيئا عن كرداسة هذه. قال: ألم يقابلك أحد منها أبدا؟ أجبت: لا .. فذكر أن أحمد عبد المجيد من كرداسة. ثم قال مهددا بأنه ذاهب إلى الباشا ليرسل لي من يتفاهم معي وخرج. ودخل عسكري أمرني بالوقوف وأن أدير وجهي إلى الحائط وضربني على ظهري بالسوط! وبعد مرور وقت طويل أخذوني إلى المستشفى. كل هذا أيها القارئ العزيز بعد تحقيق النيابة!!
عدد الصفحات ٢٣٦236 وبعد أيام طلبوني لمكتب رياض- ثانية - وواجهني بسيدات لم أرهن من قبل، وسألني عمن تكون زوجة السيسي من بينهن قلت لا أعرفها، وإذا بهم يدخلون شابا صغير السن والعسكري خلفه بالسوط ويسألون: أين هي زينب الغزالي؟ فنظر الشاب وقال: لا أعرف. ولما سألوه ثانية عن زوجة عباس السيسي أجاب ثانية: لا أعرف. فسألوه عمن قابلته من السيدات الموجودات فأجاب: لم يقابلني أحد [ فأخرجوه كما أدخلوه بالسوط يلسع ظهره ثم فوجئت بحميدة قطب تدخل وخلفها صفوت. وسألوها عن زوجة السيسي قالت: "لا أعرفها". ثم أخرجوا السيدات الأربع وأخرجوا حميدة وبقيت مع رياض. قال: اسمعي يا بنت يا زينب .. ألا تعرفين واحدا من الإخوان متزوجا من أربعة؟ قلت: لا .. قال: هل تعتقدين أني أقول لك فزورة؟! هناك واحد من الإخوان متزوج أربعة. إن لم تقولي من هو ستضربين. قلت: افعل ما تشاء. أمروا أن أضع وجهي في الحائط وقام وضربني عدة كرابيج وتركني في الحجرة وخرج .. وبعد ساعتين عاد ومعه صفوت الروبي الذي أخذني إلى المستشفى.
عدد الصفحات ٢٣٧237 قرر الأطباء أن حالتي الصحية متدهورة، وان لم يسمحوا لي بأكل من المنزل فإن حياتي يخشى عليها، ولا أستطيع الذهاب إلى المحكمة. فسمحوا لي بدخول الأكل وكان عبارة عن فاكهة ولبن زبادي فقط. وفى يوم احتالت أختي لتدخل لي لحما، فأفرغت علبة لبن جافة وملأتها لحما مفروما وأدخلتها على أنها لبن جاف. ولم يكشفها أحد حتى أنا. وكان معها بعض الزبادي والبرتقال .. أخذت نصيبي وأخذ عبد المعبود التمرجي يوزع الباقي على الإخوان المرضى في المستشفى. وكان معنا الأستاذ عبد العزيز عل ي – وزير البلديات السابق – وكنا نتقاسم كل واحد برتقالة وكل اثنين سلطانية زبادي. وبعد التوزيع ناديت الممرض ورجوته أن يوزع هذه العلبة على الإخوان، كل واحد كوب لبن فخرج بها ثم عاد إلي مرة ثانية وهو يقول: هذا ينفعك أنت يا حاجة، دي فيها لحم مفروم ، فرجوته أن يوزعها: كل واحد يأخذ ملعقة. ففعل وعاد وفى العلبة اللحم المفروم، ورجوته أن يوصله إلى الأستاذ عبد العزيز ومعه علبة زبادي، وسأل عبد المعبود لم أختص بهذا؟ فأجبت من زنزانتي: الحمد لل ه الذي يرزق عباده! فأجابني: الحمد لل ه، إنه هو الرزاق ذو القوة.
عدد الصفحات ٢٣٨238 ولما انصرف الممرض سألني: كيف صرح بدخول الطعام؟ وأوضحت له ما فعله الطبيب ونصحته أن يطلب من الطبيب أن يدخل له طعام. وطلب فعلا من الطبيب. وكان الإخوان يدخرون من ضر ورياتهم القليلة ما يعاونون به إخوة لهم تمزقت أجسامهم من التعذيب، فهم يحتاجون إلى غذاء خاص وعناية خاصة، مما جعلنا نفرح لأي شيء يصلنا من الخارج؟ ولو كان ذلك شيئا عاديا في حياة الناس. مر ما يقرب من عام على اعتقالي ولم يسمح لي بالأكل من الخارج إلا قبل المحاكمة بثلاثة أشهر؟ خوفا من أن أموت قبل أن يحاكموني بأباطيلهم. وتلك كانت طريقتهم في الحياة: الخداع والبهتان. أبشع من هذا ما عرفته بعد ذلك عندما زارتني أختي ووالدتي قبل المحاكمة بأيام وقالت لي: إن صفوت الروبي كان يطلب منهم في الأيام الأولى لاعتقالي أكواما من الطلبات من الأدوية والفاكهة والملابس. وكان يشترط أن تكون الملابس جديدة.
عدد الصفحات ٢٣٩239 لقد كانت خطة مدبرة لاستنزاف قدراتنا- معاشر المجاهدين - بإرهاق أسرنا في الخارج. أرادوا أن يقولوا للناس الذين سيسمح لهم بدخول محكمتهم: إن معاملتنا للمتهمين على أحسن ما يرام بدليل أنهم بصحة جيدة وأن الأكل دخل لهم من الخارج وهكذا من مفترياتهم التي لا تنتهي .. أما التعذيب والتنكيل والتهديد فحدث ولا حرج، لئن لم يكن فيما ذكرته ال كفاية مما لقيت فإني سأضرب لك - أيها القارئ - بعض الأمثلة على ما كان يعانيه المسجونون من الجوع وخاصة المرضى. ذات يوم دخل شاب من الإخوان، جسمه ممزق من التعذيب، وحضروا به إلى المستشفى لعلاجه وأخذ الطبيب يبحث عن قطعة سكر. ول كنه لم يجد في المستشفى وسمعت الهرج والسؤال عن قطعة السكر. فطرقت باب زنزانتي ولما فتحوا رجوتهم أن يأخذوا برطمانا صغيرا كان به عسل نحل جاءني مع الطعام من الخارج، أخذ الممرض العسل وأمره الطبيب أن يعطى ملعقة للمريض .. وهذا يحدث بطبيعة الحال بعيدا عن أعين الزبانية؟ فمثل هذا من الممنوعات في المستشفى!! ومرت الأيام. ووصلت بهم الحال إلى تعذيبنا بمنع الماء عن المريض. فيظل طوال الليل لا يشرب نقطة ماء – ونحن في أشهر الصيف – حتى أصبح
عدد الصفحات ٢٤٠