المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الاحتساب في مجتمعات الأقليات المسلمة

هيثم بن جواد الحداد

صفحة ٣ من ٥

الاحتساب في مجتمعات الأقليات المسلمة 36 وكثير من شرائع الإسلام أو أكثرها لم يكن دخلثم يقول: فيها لعجزه عن ذلك، فلم يهاجر، ولم يجاهد، ولا حج البيت، بل قد رُوِيَ أنه لم يكن يُصلي الصلوات الخمس، ولا يصوم شهر رمضان، ولا يؤدي الزكاة الشرعية لأن ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه، وهو لا يمكنه مخالفتهم، ونحن نعلم قطعاً أنه لم .)1(يكن يمكنه أن يحكم بينهم بحكم القرآن والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم ثم يضيف شيخ الإسلام: بحكم القرآن، فإن قومه لا يقروه على ذلك، وكثيراً ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضياً - بل وإماماً - وفي نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه ذلك، بل هناك من يمنعه ذلك ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. ثم ينتهي ابن تيمية إلى اعتبار النجاشي وأمثاله من أهل فالنجاشي وأمثاله سعداء في الجنة وإن كانوا لم الكتاب ويقول: يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه، بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها، ولهذا جعل الله ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﴿هؤلاء من أهل الكتاب، قال تعالى: ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ .113-111/5 منهاج السنة )1(

عدد الصفحات ٣٧

الاحتساب في مجتمعات الأقليات المسلمة 37 ﯚ ﯛ ﯜ ﯝﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﯤ ﯥ ﯦ .]199[ ﴾ﯧ ﯨ ﯩ وهذه الآية قد قال طائفة من السلف إنها نزلت في النجاشي، ويُروى هذا عن جابر، وابن عباس، وأنس، ومنهم من قال فيه وفي أصحابه، كما قال الحسن وقتادة، وهذا مراد الصحابة لكن هو .أهـ من )2(»)1(المطاع، فإن لفظ الآية لفظ الجمع، لم يُرَد بها واحد كلام العودة بتصرف يسير. وبصرف النظر عن قبولنا لتحليل شيخ الإسلام ابن تيمية لعدم قيام النجاشي بأركان الإسلام، وما قرره من عذر له في ذلك، إلا أنه من المتفق عليه أنه لم يحتسب على قومه في شركهم وكفرهم، مع كونه ملكا عليهم، وذلك لعدم مقدرته على ذلك، لكن ذلك لا يجيب على أسئلة أخرى، فلم لم يهاجر النجاشي إلى النبي بعد أن تأسست دولة الإسلام في المدينة؟ هل خاف القتل؟ أم رأى أن مصلحة بقائه على رأس نظام كافر يحقق بعض المصالح، خير من الفرار بدينه؟ إن سلمنا بذلك، فإن هذا لا يعني استقرار هذه النتائج كأحكام فقهية عامة، لمخالفتها لعدد من النصوص الشرعية الأخرى، وهذا ليس مجال تحقيق الأمر في ذلك. .114/5 منهاج السنة )1( .95-94 مرويات الهجرة )2(

عدد الصفحات ٣٨

الاحتساب في مجتمعات الأقليات المسلمة 38 لكن قد يقال إن هذا كله، يتفق مع قاعدة الاحتساب الكلية التي سنقررها لاحقًا، وهي أن إزالة المنكر لا تجوز بمنكر أكبر منه، والأمر بمعروف لا يكون بمنكر مساو له، أو أكبر منه. هذا، وهناك واقعة أخرى تعيننا كذلك على مزيد من الفهم لمختلف أحوال الاحتساب في بلاد الأقليات، وهي قصة ردة عبيد الله بن جحش. فقد كادت كتب السيرة تجمع على ردة عبيد الله بن جحش، أنّ وخلاصتها كما ذكر ابن اسحق عبادة قريش للأصنام، وهم: ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان ابن الحويرث، وزيد بن عمرو بن نفيل، قال بعضهم لبعض أبيهم إبراهيم، ما حجر نطيف بــه؛ لا يسـمع ولا يبـصر، ولا يضـرّ ولا ينفع؟! التمسوا لأنفسكم؛ فإنكم والله! ما أنتم على شيء. فتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية، دين أبيهم إبراهيم، فأما ورقة بن نوفـل فاستحـكم في النصـرانيــة... وأمـا عبيـد الله بن جحش فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم، ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان مسلمة، فلما قدمها تنصّر وفارق الإسلام، حتى هلك هناك

عدد الصفحات ٣٩

الاحتساب في مجتمعات الأقليات المسلمة 39 نصراني كان عبيد الله بن جحـش ـ حين تنصَّر ـ يمر بأصحاب رسول الله وهم هنالك من أرض الحبشة، فيقول: فقّحنا وصأصأتم؛ أي  .)1(أبصرنا، وأنتم تلتمسون البصر ولم تبصروا بعد لقد أنكر بعض الباحثين المعاصرين ردة عبيد الله بن جحش، لكن يبدو أنّ هذا القول غير صحيح، وأن الصواب هو ما تواتر عليه ، وبكل حال )2(نقل علماء السيرة وبعض علماء الحديث من ردته فإنه لم ينقل أبدًا أن أحداً من الصحابة من مهاجرة الحبشة حاول إقامة حدّ الردة عليه، أو احتسب عليه بما دون ذلك، أو كتب للنبي علم بذلك فور حصوله،  بذلك، مع أن الظاهر أن النبي  وذلك لأنه خطب زوجته السابقة أم حبيبة وتزوجها، وكان النجاشي في الزواج كما هو معروف عند أهل السير.وكيل النبي زوجته، وربما يحسن بنا أن ننقل موقف أم حبيبة ، وقد ساقها ابن إسحاق دون إسناد، وانظر 285-284/1 السيرة لابن هشام )1( .)347 / 2الروض الأنف، فقد روى القصة من غير مرسل ابن اسحق الزبير بن بكار في المنتخب من )2( ، وقال ابن حزم: (لأن أهل التاريخ أجمعوا على50كتاب أزواج النبي ص أن أم حبيبة كانت تحت عبيد الله بن جحش وولدت له وهاجر بها وهما مسلمان إلى أرض الحبشة ثم تنصر وثبتت أم حبيبة على دينها).

عدد الصفحات ٤٠

الاحتساب في مجتمعات الأقليات المسلمة 40 من ردته، لنرسم صورة أكثر وضوحًا من أحداث مشابهة قد تمر بالأقلية المسلمة تكشف عما يجب أن يكون عليه موقفهم من منكرات كبار تقع من بعضهم مثل الردة. رأيت في النوم عبيد الله زوجي بأسوأ صورة تقول أم حبيبة: وأشوهها، ففزعت وقلت: تغيرت والله حاله! فإذا هو يقول حيث أصبّح: إني نظرت في الدين فلم أرَ ديناً خيراً من النصرانية وكنت قد دنت بها، ثم دخلت في دين محمد، وقد رجعت، فقلت: والله ما خيرٌ لك، وأخبرته بالرؤيا فلم يحفل بها، وأكبَّ على الخمر حتى مات، فأرى في النوم كأن آتياً يقول: يا أم المؤمنين، ففزعت، فأولتها أن يتزوجني، قالت: فما هو إلا أن انقضت عدتي فما رسول ا شعرت إلا برسول النجاشي على بابي يستأذن فإذا جارية له يقال لها أبرهة كانت تقوم على ثيابه ودهنه فدخلت علي فقالت: إنّ الملك كتب إلي أن أزوجكه، فقالت: بشرك يقول لك: إنّ رسول ا الله بخير قالت: يقول لك الملك: وَكِّلي من يزوجك فأرسلت إلى .)1(خالد بن سعيد بن العاص فوكلته ... الحديث (وقد أنكر الذهبي هذه الرواية قال الشيخ سليمان العودة: ، والحاكم: 98-97/8 انظر الرواية بطولها عند ابن سعد: الطبقات )1( .22-20/4المستدرك

عدد الصفحات ٤١

الاحتساب في مجتمعات الأقليات المسلمة 41 ، ولم يبين لنا) 2(، وسكت عنها في تلخيصه للمستدرك) 1(في السير الذهبي سبب إنكاره لها، وهل يقصد بالنكارة بقية القصة أم القصة بكاملها؟ كما يلاحظ أنه سبق للذهبي ذكر القصة في موضع آخر .)3(بأطول مما ذكر هنا ولم يعلق عليها بصحة ولا نكارة وعلى كل حال فثبات أم حبيبة على الإسلام حين ارتد زوجها مؤشر على عدم تأثر – كما قلت – ثابت بغير هذه الرواية وهو المهاجرين بتنصر عبيد الله بن جحش. وإذا كان هذا من دلالات الحدث، فيمكننا أن نستشف من في هذه الفترة – دلالات الحدث كذلك قوة النصرانية في الحبشة وكثرة النصارى وقلة المسلمين إلى درجة أغرت عبيد الله بن – جحش وشجعته على الالتحاق بالنصرانية، والسخرية بالإسلام .)4(والمسلمين الأول إقامة الحدود وما في حكمها وهنا يعترض النظر أمران: من أنواع الحسبة في غير دولة الإسلام، أما النظر الثاني فهو إقامة الحدود وما في حكمها من أنواع الحسبة لغير الإمام أو نائبه، ولو .221/2 سير أعلام النبلاء )1( .21/4 تلخيص مستدرك الحاكم للذهبي )2( .443-441/1 سير أعلام النبلاء )3( .111 مرويات الهجرة الأولى ص )4(

عدد الصفحات ٤٢

الاحتساب في مجتمعات الأقليات المسلمة 42 كان ذلك في دار الإسلام أما عدم إقامة الحدود من قِبَل غير الإمام، أو من يقوم مقامه كجماعة المسلمين في دولة الإسلام، فله شواهد عديدة تجعله حكما مستقرًا، ولا نريد أن ننفخ هذا البحث بإيراد أقوال العلماء وشواهد الشريعة القاضية بذلك، وإنما نذكر نتفًا منها. « :قال النووي . )1(أو من فوَّض ذلك إليه « « في وقال القرطبي .)2(فِي الْقَتْلِ لا يقيمه إلا أولو الأَْمْرِ «« في وقال أبو إسحاق الشيرازي الحدود على الأحرار إلا الإمامُ، أو من فوَّض إليه الإمام؛ لأنه لم إلا بإذنه، ولا يُقَم حدٌّ على حر على عهد رسول ا في أيام الخلفاء إلا بإذنهم؛ ولأنه حقٌ لله تعالى يفتقر إلى الاجتهاد، .)3(ولا يُؤْمَن في استيفائه الحيفُ، فلم يجز بغير إذن الإمام « « في وقال فخر الدين الرازي ). 193 / 11 شرح مسلم )1( .)245 /2 تفسير القرطبي )2( .)34 /20 المجموع شرح المهذب )3(

عدد الصفحات ٤٣

الاحتساب في مجتمعات الأقليات المسلمة 43 .)1(الأُْمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لآِحَادِ الرَّعِيَّةِ إِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى الْجُنَاةِ في حاشيته على  وقال أبو الحسن العدوي المالكي « « الإِْمَامِ لَوَقَعَ مِنْ النِّزَاعِ مَا لاَ يُحْصَى، إذْ لاَ يَرْضَى أَحَدٌ بِإِقَامَةِ الْحَد .)2(عَلَيْهِ أما إن خَلت بلاد المسلمين من سلطانٍ يقيم الحدود والتعزيرات، فإن جماعة المسلمين تقوم مقام الإمام، في جميع وظائفه، لأن الإمام أصلا يقوم مقام جماعة المسلمين، فإذا غاب رجع الأمر إلى نصابه الأول، ونصوص أهل العلم في هذا كثيرة « في أيضا، منها ما قاله أبو المعالي الجويني « قَرْيَةٍ، أَنْ يُقَدِّمُوا مِنْ ذَوِي الأَْحْلاَمِ وَالنُّهَى وَذَوِي الْعُقُولِ وَالْحِجَا ; مَنْ يَلْتَزِمُونَ امْتِثَالَ إِشَارَاتِهِ وَأَوَامِرِهِ، وَيَنْتَهُونَ عَنْ مَنَاهِيهِ وَمَزَاجِرِهِ فَإِنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، تَرَدَّدُوا عِنْدَ إِلْمَامِ الْمُهِمَّاتِ، وَتَبَلَّدُوا عِنْدَ .)3( ”إِظْلاَلِ الْوَاقِعَاتِ ).356 /11 تفسير الرازي )1( .)120 /1 حاشية العدوي على كفاية الطالب الربا )2( .)387 غياث الأمم في التياث الظلم (ص )3(

عدد الصفحات ٤٤

الاحتساب في مجتمعات الأقليات المسلمة 44 « « في وقال ابن قدامة ، )1(”الْكِفَايَاتِ؛ لأَِنَّ أَمْرَ النَّاسِ لاَ يَسْتَقِيمُ بِدُونِهِ، فَكَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ وقال أبو يعلي الحنبلي قلدوا عليهم قاضيا نظرت فإن كان الإمام موجودا بطل التقليد وإن .)2(كان مفقودا صح ونفذت أحكامه قال في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير في باب أسباب « النفقة الْعُدُولِ يَقُومُونَ مَقَامَ الْحَاكِمِ فِي ذَلِكَ وَفِي كُلِّ أَمْرٍ يَتَعَذَّرُ الْوُصُولُ .)3(فِيهِ إلَى الْحَاكِمِ أَوْ لِكَوْنِهِ غَيْرَ عَدْلٍ «« في قال ابن حجر الهيتمي السُّلْطَانُ لَزِمَ أَهْل الشَّوْكَةِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ أَنْ يُنَصِّبُوا .)4(قَاضِيًا، فَتَنْفُذَ حِينَئِذٍ أَحْكَامُهُ لِلضَّرُورَةِ الْمُلْجِئَةِ لِذَلِكَ وقد جمع ابن تيمية خلاصة هذا المسألة، وقررها بعبارة قوية « :وصريحة إذ قال ﴾ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﴿خطابا مطلقا، كقوله تعالى ).32 /10 المغني لابن قدامة )1( .73 الأحكام السلطانية ص )2( .)519 /2 حاشية الدسوقي على الشرح الكبير )3( .)261 /7 تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي )4(

عدد الصفحات ٤٥

الاحتساب في مجتمعات الأقليات المسلمة 45 النور﴾ﭛ ﭜ ﭝ ﴿المائدة، وقال تعالى: ، لكن قد علم أن ﴾ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﴿وكذلك قوله: المخاطب بالفعل لابد أن يكون قادرا عليه، والعاجزون لا يجب عليهم، وقد عُلِمَ أن هذا فرض على الكفاية، وهو مثل الجهاد، بل هو نوع من الجهاد. ﴾ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﴿، وقوله: ﴾ﭑ ﭒ ﭓ ﴿فقوله ونحو ذلك هو فرض على الكفاية﴾ ﮓ ﮔ ﮕ ﴿وقوله: من القادرين. وجب إقامة الحدود على ذي و السلطان ونوابه، والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد، والباقون نوابه، فإذا فُرِضَ أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها، وعجز من الباقين، أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة. لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود، ويستوفي الحقوق، ولهذا قال العلماء إن أهل البغي يَنْفُذ من أحكامهم ما ينفذ من أحكام أهل العدل، وكذلك لو شاركوا الإمارة وصاروا أحزابا لوجب على كل حزب فعل ذلك في أهل طاعتهم، فهذا عند تفرق الأمراء وتعددهم، وكذلك لو لم يتفرقوا، لكن طاعتهم للأمير الكبير ليست طاعة تامة، فإن ذلك أيضا إذا أسقط عنه إلزامَهم بذلك لم يسقط عنهم القيامُ بذلك، بل

عدد الصفحات ٤٦

الاحتساب في مجتمعات الأقليات المسلمة 46 عليهم أن يقيموا ذلك، وكذلك لو فرض عجز بعض الأمراء عن إقامة الحدود والحقوق، أو إضاعته لذلك: لكان ذلك الفرض على القادر عليه، وقول من قال: لا يقيم الحدود إلا السلطان ونوابه إذا كانوا قادرين فاعلين بالعدل كما يقول الفقهاء: الأمر إلى الحاكم، إنما هو العادل القادر، فإذا كان مُضَيِّعاً لأموال اليتامى، أو عاجزا عنها: لم يجب تسليمها إليه مع إمكان حفظها بدونه، وكذلك الأمير إذا كان مضيعا للحدود أو عاجزا عنها لم يجب تفويضها إليه مع إمكان إقامتها بدونه، والأصل أن هذه الواجبات تُقام على أحسن الوجوه، فمتى أمكن إقامتها مع أمير لم يحتج إلى اثنين، ومتى لم يقم إلا بعدد ومن غير سلطان أقيمت إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها، فإنها من المنكر . )1(على إضاعتهـا لم يدفــع بأفسـد منه. والله أعلم أعني مسألة من يقيم الحدود في بلاد هذا نهاية هذه المسألة، الإسلام، ويبقى النظر الثاني وهو إقامة الحدود في غير دار الإسلام، والأصل الذي تبنى عليه المسألة أن غير دار الإسلام ما كانت كذلك إلا لأن السيادة فيها لغير شريعة رب العالمين، هذا هو مناط المسألة، وهو حكم مشتهر ومستقر عند أهل العلم، لكن يبقى .176،175 /34 مجموع فتاوى ابن تيمية )1(

عدد الصفحات ٤٧

الاحتساب في مجتمعات الأقليات المسلمة 47 النظر في حكمه، ولنلتقط نتفًا من أدلة المسألة وأقوال العلماء فيها، ثم ننظر في علتها. أخرج أبو داود عن بشر بن أبي أرطاة أنه أتي برجل في الغزو قد يقول: لا تقطع الأيدي سرق فقال: لولا أني سمعت رسول ا ، أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما، وهذا )1(في الغزاة لقطعتك في هذا الباب، وقال هو أشهر ما روي من كلام رسول ا الترمذي عقبه: (هذا حديث غريب، وقد روى غير ابن لهيعة بهذا الإسناد نحو هذا، ويقال: بسر بن أبي أرطاة أيضًا، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم منهم الأوزاعي، لا يرون أن يقام الحد في الغزو بحضرة العدو مخافة أن يلحق من يقام عليه الحد بالعدو، فإذا خرج الإمام من أرض الحرب ورجع إلى دار الإسلام أقام اهـ.)2(الحد على من أصابه كذلك قال الأوزاعي قال ابن القيم جامعًا الكلام على هذه المسألة في كتابه الماتع « إعلام الموقعين عن رب العالمين ، نهى أن تقطع الأيدي في الغزو، في الغزو، المثال الثاني أن النبي رواه أبو داود، فهذا حد من حدود الله تعالى وقد نهى عن إقامته في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو ).309 /9 انظر: المغني لابن قدامة )1( .)53 /4 سنن الترمذي )2(

عدد الصفحات ٤٨

الاحتساب في مجتمعات الأقليات المسلمة 48 تأخيره من لحوق صاحبه بالمشركين حمية وغضبا، كما قاله عمر وأبو الدرداء وحذيفة وغيرهم، وقد نص أحمد وإسحاق بن راهويه والأوزاعي وغيرهم من علماء الإسلام على أن الحدود لا تقام على أرض العدو، وذكرها أبو القاسم الخرقي في مختصره، فقال: لا يقام الحد على مسلم في أرض العدو، وقد أتى بشر بن أرطاة برجل من الغزاة قد سرق مجنة فقال لولا أني سمعت رسول الله يقول لا تقطع الأيدي في الغزو لقطعت يدك، رواه أبو داود. وقال أبو محمد المقدسي وهو إجماع الصحابة، روى سعيد ابن منصور في سننه بإسناده عن الأحوص بن حكيم عن أبيه أن عمر كتب إلى الناس أن لا يجلدن أمير جيش ولا سرية ولا رجلاً من المسلمين حدا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلا لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار وعن أبي الدرداء مثل ذلك . كنا في جيش في أرض الروم ومعنا حذيفة بن وقال علقمة: اليمان وعلينا الوليد بن عقبة فشرب الخمر فأردنا أن نحده فقال حذيفة أتحدون أميركم وقد دنوتم من عدوكم فيطمعوا فيكم بما كان من أمره. وأتي سعد بن أبي وقاص بأبي محجن يوم القادسية وقد شرب الخمر فأمر به إلى القيد فلما التقى الناس قال أبو محجن:

عدد الصفحات ٤٩

الاحتساب في مجتمعات الأقليات المسلمة 49 كفوأت فقال لابنة حفصة امرأة سعد أطلقيني ولك والله علي إن سلمني الله أن أرجع حتى أضع رجلي في القيد فإن قتلت استرحتم مني، قال: فحلته حتى التقى الناس، وكانت بسعد جراحة فلم يخرج يومئذ إلى الناس، قال: وصعدوا به فوق العذيب ينظر إلى الناس، واستعمل على الخيل خالد بن عرفطة، فوثب أبو محجن على فرس لسعد يقال لها البلقاء، ثم أخذ رمحًا ثم خرج، فجعل لا يحمل على ناحية من العدو إلا هزمهم، وجعل الناس يقولون هذا ملك لما يرونه يصنع، وجعل سعد يقول الصبر صبر البلقاء، والظفر ظفر أبي محجن، وأبو محجن في القيد، فلما هزم العدو رجع أبو محجن حتى وضع رجليه في القيد، فأخبرت ابنة حفصة سعدا، فقال سعد لا والله لا أضرب اليوم رجلا أبلى للمسلمين ما أبلاهم، فخلى سبيله، فقال أبو محجن: قد كنت أشربها إذ يقام علي الحد وأطهر منها، فأما إذ بهرجتني فو الله لا أشربها أبدًا. «ثم ختم ابن القيم هذا البحث بقوله نصًا، ولا قياسًا، ولا قاعدة من قواعد الشرع، ولا إجماعا، بل لو ادعي أنه إجماع الصحابة كان أصوب، قال الشيخ في المغني: وهذا اتفاق لم يظهر خلافه، قلت: وأكثر ما فيه تأخير الحد لمصلحة

عدد الصفحات ٥٠

الاحتساب في مجتمعات الأقليات المسلمة 50 راجحة إما من حاجة المسلمين إليه أو من خوف ارتداده ولحوقه بالكفار، وتأخير الحد لعارض أمر وردت به الشريعة، كما يؤخر عن الحامل والمرضع، وعن وقت الحر والبرد والمرض، فهذا .)1(تأخير لمصلحة المحدود فتأخيره لمصلحة الإسلام أولى وظاهر مما تقدم أنّ أهل العلم اعتبروا أنّ علة الحكم هي « الحكم تقريرًا أنّه ليس للمسلمين إذا كانوا تحت حكم الكافرين إقامة الحدود، ولا ما يضاهي إقامة الحدود من الاحتساب باليد ونحوه. فإن قال قائل، فربما كانت علة الحكم غير هذا، أو أنّ ثمت صورًا لا تتحقق فيها هذه العلة، فهل يبقى حكم النهي عن إقامة الحدود في الغزو أو في سلطان غير سلطان الإسلام قائما؟ محل بحث الإعراض عنه في هذه الرسالة أولى، لأننا لا نعرف دولة غير إسلامية تسمح للمسلمين بإقامة الحدود الشرعية، فهو بحث افتراضي. أنّ المسلمين الذين لا يعيشون في ظل دولة وخلاصة الأمر ولا يمكنهم – لا حسا، ولا شرعا – إسلامية، لا يمكنهم إقامة الحدود ).14-13/3 إعلام الموقعين )1(

عدد الصفحات ٥١

الاحتساب في مجتمعات الأقليات المسلمة 51 كذلك الاحتساب حسبة تضاهي إقامة الحدود على من يقع منهم منكرات مثل الردة، وشرب الخمر، والزنى ونحو ذلك. ومع ذلك يبقى النظر فيما لو منحت بعض الأقليات المسلمة ما يسمى بالحكم الذاتي، كمسلمي الفلبين، أو وجدوا مساحة قانونية، وواقعية، لإقامة بعض الحدود على المسلمين في تلك البلاد، فهل لهم أن يطبقوا تلك الحدود، أو يحتسبوا على أنفسهم احتسابا يضاهي إقامة تلك الحدود؟ مسألة تحتاج إلى نظر وتأمل، لا تتسع هذه الرسالة لبحثها. 

عدد الصفحات ٥٢