المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المجتمع السعودي والتغيير

محمد بن عبدالله السلومي

صفحة ٢ من ١٠

17 حينما سَجَّلَت الإحصائيات بعمومها التطور المشهود لهذا التعليم المستقل المحافظ، حتى أصبح تجربة فريدة على مستوى العالم من حيث قوته ونتائجه ومخرجاته، وقد تُوِّج هذا التعليم الخاص بالمرأة بكليات أشبه ما تكون (جامعات ذات تخصصات مختلفة ) كلية تقريباً) في جميع مدن المملكة، وهو ما 120بلغت حوا سهَّل التعليم الجامعي للمرأة ووفَّر على المجتمع عناء إيفاد بناتهم خارج نطاق الأسرة إلى مدن بعيدة أو ما شابهها، وما يترتب على ذلك من سلبيات على الحياة الأسرية والاجتماعية، إضافةً إلى ما وفَّرته معاهد إعداد المعلمات -سابقاً- والكليات فيما بعد ذلك من وظائف للمرأة تجاوزت مئات الآلاف من الوظائف النسائية، بل إن مخرجات هذا التعليم تُعدُّ المصدر الوحيد -تقريباً- في توظيف المرأة عبر أكثر من أربعة عقود من الزمن خاصة التعليمية منها، حيث إن هذا التوظيف للخريجات فاق ما يماثله من قطاعات أخرى -كما هو معلوم-، إضافة إلى مخرجات هذا التعليم من الفقيهات والأديبات والطبيبات والداعيات وبحصول شريحة كبرى منهن على الشهادات العليا، كما أن تطور هذا التعليم ونتائجه المذهلة كإحصائيات ربما فاقت في بعض جوانبه تعليم البنين في بعض السنوات، وأصبح بضوابطه الشرعية وبتميزه عن غيره من تجارب العالم مقبولاً لدى جميع فئات المجتمع ومرحَّباً به إلى حدٍّ كبير، بل إنه بما سبق يُعدُّ من عوامل الإسهام في تقوية السيادة التعليمية للدولة. المقدمة

عدد الصفحات ١٧

18 المجتمع السعودي والتغي ولذلك فعندما اجتهدَت الجهة المعنية مشكورة في العزم على طباعة هذا الملخص عن موضوع تعليم البنات ونشره، وطلبوا مني إضافة بعض العناوين حول المنهج السلفي ومدى قدرته على الإسهام في التغيير والتحديث، وهل هو قادر عملياً على استيعاب التنمية بجوانبها المتعددة؟ وهل هذا المنهج لديه القدرة على إحداث الإصلاح في ميادين العلم والمعرفة ونهضة الأمة الإسلامية وإصلاح أوضاعها الاجتماعية والسياسية في عصر العولمة؟؟ كان هذا الطلب وهذه التساؤلات باعثاً للاستجابة بإضافة موضوع المنهج السلفي وهو (القسم الأول) من هذا الكتاب إتماماً للفائدة، والكتابة فيه لا تعدو أن تكون من زوايا معرفية وتاريخية فقط -وليس لها علاقة في جوانب التأصيل أو الردود- وأن تكون كذلك معظم هذه الإضافات نقولات من بعض الكتابات الغربية ، وليس من أقوال أتباع هذا )1(المنصفة بحق المنهج السلفي وعقيدته المنهج وأنصاره، بالرغم من الأحقية في ذلك، لا سيما أنني اطلعت على بعض كتابات كثير من المنصفين عن ما قدَّمه هذا المنهج للأمة الإسلامية من نهضة وسيادة في سابق عهدها ولاحقه، والاستدلال - الكتابات الغربية المنصفة كثيرة عن ما يُسمى السلفية والوهابية والحنبلية، وعن مدرسة ابن تيمية، وما شابه 1 ذلك من تسميات يُراد بكثير منها الانتقاص، ومن أحدث الكتابات المُنصفة وأبرزها كتاب المفكر الفرن شارل سان برو بعنوان: (الإسلام- مستقبل السلفية بين الثورة والتغريب)، وكتاب الباحثة الأمريكية ناتانا دي لونج باس بعنوان: (دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب- من الإحياء والإصلاح إلى الجهاد العالمي)، ففيهما حقائق علمية وتاريخية ننصح بقراءتهما والاستفادة منهما، كما أن نشر نتائج هذه الدراسات الأجنبية بلغات متعددة على نطاق واسع فيه خدمة للحقيقة عن المنهج السلفي، ويُعد هذا النشر من الأهمية بمكان لا سيما في ظل تشويه الحقيقة!!

عدد الصفحات ١٨

19 بالأقوال من غير المسلمين عن هذا المنهج للابتعاد عن ما هو مظنة الانتصار من أتباعه، لا سيما مع حالات الهجوم الشرس عليه من بعض أبنائه -مع الأسف-، ولا سيما أن الباحثين الغربيين -خاصةً المنصفين منهم- ببحوثهم العلمية الحيادية، فَهِموا أكثر من بعض المسلمين عن مفاهيم ومصطلحات تُعدُّ من صلب الدين الإسلامي، بل وأسهموا بالدراسات التاريخية التحليلية عن المنهج الصحيح الذي هو موطن المعركة المُفتَعلة من الخصوم الإيديولوجيين لهذا الدين، ومما يجدر التنبيه إليه أن بعض كلمات الغربيين المنقولة بنصها في هذا الكتاب تحتاج أحياناً إلى توضيح أو تصحيح بإضافة عبارة، وقد وُضِعت بين قوس ومن المهم التنبيه على أن الاستدلال هنا بالمنهج السلفي كعنصر نجاح لهذا التعليم لا يعني عدم قدرة الآخرين من غير المسلمين مثلاً في تطبيق ما يماثل هذه التجربة الفريدة! كما أن هذا الاستدلال لا يعني مثلاً أن الفشل سيكون من نصيب المخالفين في العقيدة أو المنهج من المسلمين، وكذلك فإن هذا لا يعني أن هؤلاء المخالفين لا يتفقون مع هذه التجربة أو أنهم يعارضونها أو أنها لا تعنيهم، بل قد يتفوق المسلمون المخالفون أو غير المسلمين في تطبيقات هذه التجربة وما يماثلها على غيرهم، لا سيما حينما تكون الاستفادة من قيم الشريعة وضوابطها مأخوذة بعين الاعتبار حتى مع عدم الإيمان بها من قبل هؤلاء، ولهذا فإن التجربة ليست حكراً على المنهج، وإن كانت قد نجحت به. المقدمة

عدد الصفحات ١٩

20 المجتمع السعودي والتغي ومن المهم التأكيد على أن هذه الدراسة التلازمية فيما بين المنهج والنموذج معنية بشكل أكبر بإيضاح الحقيقة عن المنهج، وبالتالي إسقاط الاتهامات غير المبررة عن الإسلام ومنهجه الصحيح، وتأكيد قدرته على التعاطي مع مستجدات العصر ومعطياته، كما أن الحديث عن المنهج في هذا الكتاب لا يعني إخراج الآخرين من الإسلام ممن لا ينتهجون هذا المنهج في الاستدلال، بقدر ما يعني أنه قادر على استيعاب قدر كبير من المسلمين والنهضة بهم، باختلافٍ فيما بينهم في القرب والبعد من المنهج الصحيح حسب قوة وضعف الاستدلال. وفي عناوين القسم المعني بالمنهج ما يساعد القارئ في الحكم على دَور الدين ذاته في التغيير والتحديث من خلال الثقة بهذا المنهج وعلمائه وفتاويهم، وليس من جرَّاء فرض برامج ومشاريع التغيير التي تتصادم مع قِيَم المجتمع وتشريعات الدين وفتاوى العلماء، ومن يطالع مفردات القرار الملكي الصادر بخصوص تأسيس تعليم البنات يُدرك أهمية التغيير بالدين، كما يُدرك حجم الرفض أو الممانعة لهذا المشروع التغييري، ولكن في الوقت ذاته يعي معنى قبول ذلك التغيير والتحديث، مما يلفت انتباه كل باحث وراصد عن أثر المنهج وفتاوى العلماء وقوَّتها، وتفاعل المجتمع مع المواقف العملية الصائبة للعلماء، لا سيما في عصر ازدهار مكانتهم وقوتهم التي استمدوها من المرجعية الرئيسية (الكتاب والسنة). ]11[ إِنَّ اللهََّ لاَ يُغَيرُِّ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيرُِّوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ

عدد الصفحات ٢٠

21 المنهج السلفي والتغي تنتمي الوهابية التي شهدها القرن الثالث عشر الميلادي، أي أن هذه الإصلاحات التي كانت إذا صح القول بالنسبة إلى الإسلام هي ما تشبه عصر النهضة بالنسبة إلى أوربا العودة إلى الأصول. الدكتور شارل سان برو الإسلام - مستقبل السلفية بين الثورة والتغريب (القسم الأول) المنهج السلفي والتغيير

عدد الصفحات ٢١

22 المجتمع السعودي والتغي المنهج السلفي والتغيير حينما نتحدث عن السلفية والمنهج السلفي فإنما نقصد بذلك تفسير النصوص وفهمها وَفق منهج الاستدلال القائم على الكتاب والسنة، ومن ذلك تقديم النقل على العقل وَفق فهم سلف الأمة، فالمنهج السلفي هو منهج أهل السنة والجماعة في العقيدة والعبادة، وهو ليس حِكْراً على بلد دون آخر، أو ملازماً لزمن دون زمن، كما أنه ليس محصوراً بالحنبلية والتيمية والوهابية كما قد يُفهم، والمنهج بهذا يُعدُّ أكبر من المجتمع السعودي ودولته وعلمائه، كما أنه أكبر من كل الجماعات المنتسبة للسلفية، أو الأحزاب المتسمية بذلك، والسلفية بهذا ليست عقيدة أو أيديولوجية أو جماعة معيَّنة أو مذهباً محدداً، أو تحزباً مُصنفاً على أساس المنهج، ولهذا فليس المقصود بالسلفية: تلك الصورة النمطية التقليدية المشوهة من خصومها وأعدائها، أو من بعض أتباعها وأدعيائها من بعض المحسوبين على العلم والعلماء، أو جماعات شرك الطاعة للولاة ومن في حكمهم، وبهذا المفهوم فقد يكون من لا ينتسب للسلفية هو سلفي حقيقي ما دام على منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال وغيره، وقد يكون من يزعم الانتساب للسلفية هو أبعد ما يكون عنها. إن القصور الموجود لدى بعض أتباع هذا المنهج في الاجتهاد والتجديد، أو في الجوانب التطبيقية الخاطئة ليس ناتجاً عن قصور المنهج بقدر ما هو ناتج عن ممارسات بعض أتباعه من الشرعيين

عدد الصفحات ٢٢

23 المنهج السلفي والتغي والسياسيين، فالخصومة يجب أن تكون مع الممارسات الخاطئة بحق المنهج، وليس للمنهج ذاته، بل ولا يجب أن تكون بسبب الانتساب للسلفية أو للمنهج كما هو واقع الحملات المغرضة والتشويهات المُحدَثة. ومن المهم التنبيه إلى أن المستجدات العالمية والتحولات الثقافية لا تبرر طبعةً جديدة للإسلام بتفسير قاصرٍ أو مشوَّهٍ يتنكَّر لمنهج السلف من خصومه أو المنتسبين إليه على حدٍّ سواء، وتحت أي مُسمَّىً كان. ووَفْقَ الدراسات التحليلية التي قام بها كثير من الباحثين المنصفين، أن السلفية لا تعدو )1(ومنهم الباحث الفرنسي الدكتور شارل سان برو - المفكر الفرنسي شارل سان برو: دكتور في العلوم السياسية، وفي إدارة أبحاث القانون، ومدير معهد 1 الدراسات الجيوسياسية الفرنسي بباريس، وهو محامِ متخصص بالعلوم السياسية، ومحلل سياسي، حيث تركز أبحاثه على الجغرافيا السياسية، وهو أستاذ في الدراسات الإسلامية والعربية في جامعة القانون باريس ديكارت، وجامعة القانون في ستراسبورغ، وفي جامعة كتلونيا في بارشلونا، قدَّم العديد من المحاضرات في مختلف المعاهد والجامعات، وهو أيضاً المستشار الدبلوماسي لكثير من السياسيين والمؤسسات الفرنسية، وقد صفحة)، 484أجاد وأفاد في كتابه القيِّم: (الإسلام - مستقبل السلفية بين الثورة والتغريب) بعدد صفحات والكتاب يتناول الإسلام وتلازم المنهج السلفي منهج أهل السنة والجماعة معه، ويناقش الكتاب مستقبل السلفية وأنها رائدة في الإصلاح والتجديد والتطوير، ويكشف اللثام عن بعض الاتهامات الموجهة إليه حول الجمود والتقليدية، كما يؤكد على أن المنهج السلفي مقاوم قوي لمشاريع التغريب، وذلك من خلال التحليل الموضوعي للوقائع والمقارنة بين الأحداث، وهو تحليل علمي تاريخي بمعزل عن الهوى أو الأفكار المسبقة، وتُشكر مكتبة الملك عبدالعزيز بالرياض على ترجمتها لهذا الكتاب من الفرنسية إلى العربية والانجليزية، وهو كتاب تتأكد الحاجة إليه والقراءة فيه، لا سيما في ظل الهجمات الدعائية العدائية على السلفية، ومحاولات تكريس الصور النمطية الخاطئة عن المنهج السلفي (منهج أهل السنة والجماعة)، والتي تحدث نتيجة بعض الممارسات السياسية باسم الدين، وبسبب بعض الاجتهادات الخاطئة بحق هذا المنهج من بعض أتباعه، ويُعدُّ هذا الكتاب بلغته العلمية الوثائقية وبحيادية مؤلفه من الكتب التي تعزز الثقة بالمنهج الصحيح ورموزه من سلف الأمة، كما أن الكتاب بعرضه التاريخي عن المنهج السلفي وتطبيقاته عبر التاريخ يُعدُّ من أقوى الردود العلمية على المشككين في إمكانية تطبيقه وتجديد حياة الأمة به، والإصلاح به كذلك، بل ونهضة الأمة به إلى ذرى المجد، خلافاً لرأي المنهزمين والمنافقين وكُتَّاب الشهرة والإثارة الذين يكتبون عن السلفية بمزاعم الدراسات النقدية، أو بمزاعم الإصلاح للمنهج السلفي، لكنه إفساد فيه، وليس إصلاح به!!.

عدد الصفحات ٢٣

24 المجتمع السعودي والتغي أن تكون الإسلام ذاته، فالإسلام بصفاء عقيدته وكمال تشريعاته لا يتحقق إلا بالمنهج السلفي، والإسلام بالمنهج السلفي هو بذاته الوسطية حسب نتائج هذا الباحث في بحثه العلمي ودراسته التحليلية عن السلفية، كما يشاركه غيره من الباحثين في النتيجة نفسها. ويؤكد برو هذه الحقيقة حينما قال من المسلمين بقي متمسكاً بالسلفية، التي استمرت إصلاحية، إنها الوسطية المرتكزة على تحاشي التجاوزات، والجمع بين إسهامات العالم المعاصر وأصول الدين، وهي أخيراً تهدف إلى تعزيز خاصية البقاء عبر التوفيق بين الشأنين الروحي والزمني إحباط تحايلات الماضي والاستجابة لمقتضيات الحاضر، إن السلفية هي جوهر الإسلام أكثر من كونها عنصراً مهماً في الموروث التاريخي والثقافي للأمة الإسلامية برمتها، إنها ليست الإسلام النابض بالحياة .)1(فقط، بل أيضاً معركة دائمة التجدد، لرفع تحديات العالم المعا كما أن من المهم التنبيه إلى أن الحديث عن المنهج السلفي هنا هو عن مدرسته وخطابه، وليس عن أفرادٍ أو جماعاتٍ أو علماءٍ منتسبين لهذا المنهج ممن تحُمَّل أخطاؤهم أو مفاهيمهم القاصرة على هذا المنهج، وكذلك ليس عن الإيجابيات أو السلبيات أو عن الممارسات الخاطئة بحق المنهج السلفي، والحق لا يُعرف بالرجال، بل الرجال يُعرفون بالحق، لأن الحق أكبر. ، نشر مكتبة 464 – 463مستقبل السلفية بين الثورة والتغريب) ص– - انظر: شارل سان برو (الإسلام 1 ) ترجمة: وجيه جميل البُعيني113م (سلسلة الأعمال المحكَّمة 2010هـ1431الرياض– الملك عبدالعزيز

عدد الصفحات ٢٤

25 المنهج السلفي والتغي والإشكالية المزمنة والمتلازمة حول هذا المصطلح (السلفية) أن ضخامة الممارسات الخاطئة بحقها من بعض الدول والجماعات والأفراد صرف الانتباه عن حقيقة المنهج السلفي -بقصدٍ وبغير قصد-، فأصبحت الأحكام الجائرة، والحملات المغرضة على المنهج ذاته، وليست على الممارسات. من يقرأ في تاريخ الأمة الإسلامية وهزائمها في كثيرٍ من العصور التاريخية الماضية يُدرك بالحقائق والوثائق أن الإصلاح -غالباً- كان بهذا المنهج بقيادة رموزٍ إصلاحية دعوية مثل إمام أهل السنة أحمد بن حنبل، وشيخ الإسلام ابن تيمية في عصور استحكمت فيها العقائد الفاسدة على الأمة الإسلامية والضياع السياسي لها، ومثل شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب ودعوته التي نهضت بالأمة ونقلتها من الجهل والخرافة إلى العلم والحداثة، كما أنها وحَّدت الجزيرة العربية -سياسياً- فوُلدت من رحمها الدولة السعودية، والحقيقة العلمية والعقدية تقول: أن المنهج السلفي لايزال قادراً على إصلاح أحوال الأمة الإسلامية، ومن ذلك جوانب التحديث والتجديد والتطوير في كل زمان ومكان. ومن يتأمل المنهج السلفي بتجردٍ يجد التلازم بين المنهج والإصلاح، بل إن هذا التأمل يكشف إلى حدٍّ كبير عن مدى الارتباط الوثيق بين المنهج ودوره في التطوير والتحديث، وهذا ما ورد في الكتابات الغربية المنصفة مما يستحق التدوين عن حقيقة المنهج وتعاطيه الإيجابي مع الحداثة والتحديث المتفقة مع عقيدة الأمة وقيمها، ومع معطيات

عدد الصفحات ٢٥

26 المجتمع السعودي والتغي العصر الحديث ومستجداته وضغوطاته الدولية. ولهذا فإن إيراد تعليم البنات كأنموذج للتغيير والتحديث بالمنهج السلفي مما يكشف الكثير من الحقائق عن المنهج وعن هذا التعليم على حدٍّ سواء، لا سيما أن المنهج يتعرض إلى حملات مسعورة من التشويه والانتقاص بعدم أهميته في عصر العولمة والعالمية، واتهامه بالعجز عن المواكبة في عصر الحضارة المادية الغربية -كما سبق-، وما يصحب تلك الدعاوى والمزاعم من الهزيمة النفسية والفكرية، وهذا أو بعضه يؤكد -ما سبق إيضاحه في المقدمة- عن طبيعة المنهج ومدى قدرته على التغيير والتطوير، والإسهام في الإصلاح الاجتماعي والثقافي، بل والنهوض بالأمة إلى ذُرَى المجد في شؤونها التنموية والسياسية. كتب المفكر الفرنسي شارل سان برو عن المنهج السلفي والإصلاح به، وعن النهضة الفكرية والثقافية لدعوة الـمُجدد الشيخ محمد بن عبدالوهاب وما فيها من الحداثة والتحديث، وأُسس الإصلاح والنهضة للمصلحين، فقال لحركة الإصلاح في الإسلام؛ لأنه طرح مسبقاً تساؤلات طوَّرَها لاحقاً أولئك الذين أُطلقت عليهم تسمية إصلاحيين وأحياناً حداثيين، وبعيداً عن كونه مذهباً جديداً، تحُدَّد فكرة محمد بن عبدالوهاب بأنها حركة إصلاحية: تنتمي الوهابية إلى جملة الإصلاحات الإسلامية التي شهدها القرن الثالث عشر الميلادي، أي أن هذه الإصلاحات التي كانت إذا صح القول بالنسبة إلى الإسلام هي ما تشبه عصر

عدد الصفحات ٢٦

27 المنهج السلفي والتغي .)1(النهضة بالنسبة إلى أوربا العودة إلى الأصول ويؤكد الباحث نفسه عكس ما يُثار عن الحنبلية والسلفية ومزاعم الجمود الفقهي لدى المنهج السلفي بقوله وقت الأزمات في إصلاح الأوضاع (لاوست الإسلامية، ومع الرغبة في الحسبان أن المذهب الحنبلي بشخص مُؤسِّسِه وأهم أتباعه أصبح أحد العناصر المكونة للثقافة الإسلامية، وأصبح من الضروري التعرف بشكل أفضل إلى فكر ابن حنبل [ المسلمين، وبخاصة الطليعيين كالشيخ محمد بن عبدالوهاب، وأهم .)2(روَّاد التيار الإصلاحي الذي اشتهر في نهاية القرن التاسع ع وحقاً إن المنهج السلفي خير تعبير عن وسطية الإسلام وقدرته على التوفيق بين الإيمان والانفتاح المشروع. ولذلك يَرِد التساؤل عن هدف الهجوم -قديمه وحديثه- على هذا المنهج ورموزه التجديدية والإصلاحية عبر التاريخ! فهل هذا التشويه المنظَّم للمنهج يكشف حجم التخندق لمواجهة الإسلام بصورة مباشرة؟؟ إن إلصاق تهم التشدد والتكفير والظلامية ومنبع الإرهاب .267 - انظر: المرجع السابق، ص1 LAOUST ،Henri. نقلاً عن: لاوست هنري،147 - انظر: المرجع السابق، ص2

عدد الصفحات ٢٧

28 المجتمع السعودي والتغي والجمود والتقليدية بالسلفية أو المنهج السلفي تُعدُّ من الجناية بحق الإسلام وبحق أتباعه، فالقدح في المنهج -تحت أي مُسمَّىً كان- مما يصبُّ في محاولات إجهاض نهضة الأمة الإسلامية، كما أن هذا القدح والانتقاص لهذا المنهج مما يُضعف أساس وحدة الوطن السعودي وشرعيته، وهو ما يُعدُّ خدمةً لأعداء رسالة الوطن، حيث أن هذه الوحدة السياسية تمَّت على أساس ما قدمه الإسلام بمنهجه الصحيح للوطن من وحدةٍ فكرية وحصانةٍ دينية وقِيَمٍ اجتماعية. السلفية والمنهج (جدلية المصطلح): عن مصطلح السلفية أو مفهومها كتب المفكر الفرنسي شارل سان برو، في كتابه (مستقبل السلفية بين الثورة والتغريب)، فقال: بشهرة ما لبثت أن فقدتها نظراً salafisme« للتحريف المذهل في معناها الذي وقعت ضحية له، فالمعلوم أن ومن أتوا بعدهم ﷺالعودة إلى السلف الصالح أي صحابة النبي مباشرة (القرون الثلاثة المفضلة) هي إحدى ثوابت السنة التي (خيركم قرني ثم الذين يلونهم ﷺتستند إلى حديث النبي محمد ، هذا المستند موجود عند سائر مفكري أهل )1(ثم الذين يلونهم السنة والجماعة، أي الغالبية من السنة، إنها أحد مرتكزات الإصلاح الذي كان محمد بن عبدالوهاب أحد أهم رواده، لكن محمد بن عبد ).6428 - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرِّقاق، حديث رقم 1

عدد الصفحات ٢٨

29 المنهج السلفي والتغي الوهاب هو الذي أطلق عبارة (سلفية) في القرن التاسع عشر، وبدأ الحديث عن مذهب سلفي شكَّل أحد مرتكزات الإصلاح والتقدم، والجدير ذكره أن المذهب السلفي ليس أيديولوجيا، بل منهجية، أي وسيلة لفهم الدين بالعودة إلى الأصول واستبعاد التفسيرات غير اليقينية والإضافات والخرافات، وأيضاً عوامل الجمود التي تراكمت عبر الزمن، فالسلفية التي لا تنفصل عن الإصلاح وعن ممارسة الاجتهاد ونبذ التقليد الأعمى، هي ضمان للأصالة وصفاء المنشأ والتقيد بأصول الإسلام، ولا علاقة للسلفية بأي تطرف، ولا . )1(حتى بالنزعة المحافظة كما قال في موضع آخر عن هذا المصطلح سَلَفِي تُعبرِّ أكثر عن ميل نحو السلفية وبعض الانكفاء نحو الماضي، فإن السلفي هو الذي يعرف السلفية والنصوص والأخبار والعقيدة والمعارف المتوارثة عن الأسلاف الأقدمين، إنه عارف مُطَّلع يرنو لأن يعيش السلفية، وأن يعمل على نشرها، ناسجاً علاقة بين الماضي .)2(والحاضر والمستقبل وعن السلفية وأنها منهج في الاستدلال يؤكد الباحث خوان جوسي اسكوبار ستيمان ما ذكره غيره من الباحثين، ففي بحثه المتشنج في عمومه ضد السلفية ناقش ما سماَّه (الإيديولوجية السلفية)، ولكنه ختم بحثه بنتيجة علمية مفادها قوله .424 - انظر: شارل سان برو. مستقبل السلفية بين الثورة والتغريب، ص1 .147 - انظر: المصدر السابق، ص2

عدد الصفحات ٢٩

30 المجتمع السعودي والتغي للبحث عن الحقيقة الدينية، والرغبة في ممارسة الإسلام كما كان عليه ، وأنها منهج ديني انتشر تأثيرها في العالم العربي وكذلك في ﷺالنبي أوروبا، بفضل الدعم الذي تلقته من المملكة العربية السعودية ودول الخليج، والتي ساعدت على نشر هذه الرؤية المتفردة عن الإسلام، .)1(وهي رؤية قريبة من الوهابية ووفق هذه المفاهيم عن المصطلح، فالمنهج السلفي أو السلفية أو الحنبلية أو التيمية أو الوهابية كما يُقال أو يُكتب من بعض الخصوم ليست عقيدة بقدر ما هي منهج أو طريقة علمية لتفسير نصوص القرآن والسنة وفهمها وفق منهج السلف في التفسير والفهم. وبهذا المفهوم فإن المنهج لا يمكن حصره في المؤسسات الدينية الرسمية وعلمائها في السعودية مثلاً -حسب ما قد يرد إلى الأذهان-، بل إنه ليس محصوراً بالدولة السعودية وتاريخها، كما أنه ليس مقتصراً على جماعات أو توجهات تنظيمية سلفية محددة، فالمنهج السلفي أكبر من ذلك كله، ومن الخطأ الفادح أن تكون الهزيمة النفسية أو الفكرية أمام خصوم السلفية بعدم القبول لهذه الصفة أو بهذا التوصيف حتى وإن قُصد به الذم، ما دامت السلفية منهجاً في الاستدلال لفهم النصوص وتفسيرها. رؤية – - انظر: الأستاذ الدكتور محمد بن سعود البشر، كتاب: (السعودية السلفية في الكتابات الغربية 1 ، نقلا عن بحث بعنوان: (الشرق الأوسط وتأثير السلفية وتحويل المجتمعات المسلمة48تصحيحية) ص Middle East Salafism’s Influence and the Rradicalization ofفي أوروبا إلى مجتمعات متطرفة ، للباحث خوان جوسي اسكوبار ستيمان.Muslim Communities in Europe

عدد الصفحات ٣٠

31 المنهج السلفي والتغي لم يكن يعيب العلماء أو الدولة السعودية أن توُصف أو تُسمى بالحنبلية أو الوهابية أو السلفية مادامت هذه التسمية لا تُغيرِّ من الحقيقة شيئا، بل كان بعض العلماء أو المؤرخين يعتز بها ويُسمي كتبه بها، ومن ذلك العلماء نشاطاً في خدمة الدعوة النجدية كتابين يُعتبران من أهم كتبه، أحدهما بعنوان: (الهدية السنيَّة والتحفة الوهابية النجدية)، والثاني بعنوان: (الصَّواعق المرسلة الوهابية على الشُّبَه الداحضة الشاميّة). أما في أعماله الأخرى فقد تعدَّد استخدامه لهذا الاسم، ويمكننا أن نقرأ في إحدى قصائده أحد الأبيات الشعرية التي توضح هذا الأمر: نَعَـم نَحـنُ وهَّابِيَّـةٌ حَنَفيَّـةٌ حَنِيفيَّةٌ نَسْقِي لمَِن غَاظَنَا الـمُرَّا والمقام هنا هو عن خطأ الهزيمة أمام أعداء المنهج السلفي، وعن أهمية الاعتزاز بالمنهج بغض النظر عن أي اعتبار آخر مما قد يرد إلى الذهن عن هذين الكتابين أو مؤلفهما. وعلى كل حال فإن الثابت أن علماء آخرين استخدموا هذه التسمية بطريقة إيجابية، ومنهم على سبيل المثال محمد بن عبداللطيف، وهو أحد أحفاد محمد بن عبدالوهاب، وقد كان يردد مراراً عبارته: (يُسمع بنا معاشر الوهابية، ولا يُعرف حقيقة ما نحن عليه، ويُنسب إلينا، ويُضاف إلى ديننا ما لا ندعو إليه). كما أن الجريدة الرسمية السعودية أم القرى كانت تستخدم هذا المصطلح أيضاً حتى أواخر

عدد الصفحات ٣١

32 المجتمع السعودي والتغي العشرينيات (من القرن العشرين الميلادي). وبنفس المنطق استعمل المدافعون عن المملكة العربية السعودية الوليدة في أوائل القرن العشرين الميلادي مصطلح الوهابية في كتاباتهم التمجيدية، فقد خصص محمد رشيد رضا الإصلاحي الأكثر م 1904تأثيراً في زمنه بفضل الانتشار الواسع لمجلة المنار منذ سنة عدداً من المقالات للدعوة النجدية قبل أن يتم جمع بعضها في كتاب بعنوان: (الوهابيون والحجاز)، كما نَشر الإصلاحي محمد حامد الفقي كتابه: (آثار الدعوة الوهابية في الإصلاح الديني والعمراني في .)1(جزيرة العرب ومع ما سبق، فمما لا شك فيه أن بعض مخرجات أتباع المنهج السلفي -سواءً في بعض ما كَتب علماؤه، أو من خلال بعض المواقف الدعوية أو السياسية أو العسكرية الجهادية- وُجد فيها ما يجَْرَح المنهج أو يحُرجُه، أو ما قد يُصنِّفه في دوائر التشدد أو التطرف، وهو ما لا ينكره إلا متعصب، فالتشدد الموصوف في بعض كتب التراث أو المواقف المتشددة عبر التاريخ قد يكون لها ما يُبررها في عصر دون عصر، وفي مكان دون مكان، وقد تكون مما يسع الاجتهاد فيه، وكذلك ما ورد عن ما يُسمَّى الوهابية كإحدى الحركات الدعوية الإصلاحية الفاعلة في المنهج السلفي مما هو - انظر: د/محمد نبيل مُلين. (علماء الإسلام- تاريخ وبنية المؤسسة الدينية في السعودية بين القرنين الثامن 1 م. نشر الشبكة2011عشر والحادي والعشرين)، ترجمة: محمد الحاج سالم، وعادل بن عبدالله، الطبعة الأو ، نقلاً عن: مجموعة من المصادر والمراجع.25 -24العربية للأبحاث والنشر- بيروت، ص

عدد الصفحات ٣٢