المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التكبر والبغي في ضوء سورة القصص

نعيم الله شاه سيد

صفحة ٣ من ٤

32 الأَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِ ينَ لا يُرِيدُونَ عُلُو اً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادا ً 0، فتجد أن السياق القرآني يتواصل معك في استقرار نفسي يجعلك تنبذ في ذاتك ( إن كان فيك ذرة من كبر ، أو طغيان ) . وهذا من بدائع إعجاز النص القرآني في سورة القصص . وذلك لأن سياق بعض الآيات في سورة القصص ـ وخاصة ما ورد منها في شان مادتي الطغيان (مفهوماً ) والتكبر والبغي ( لفظاً ) على حد سواء ـ يجعل القارئ والسامع والمخاطب بها يستشعر في نفسه أن كل ذلك التكبر والبغي والطغيان مما يستحي منه لا مما يتفاخر به لان قوله تعالى فيهانَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُو اً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً 4 المطلب الاولعلو فرعون في الأرض وتكبره قال تعالى (انَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ اهْلَهَا شِيَعا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنـْهُمْ يُذَبِّحُ ابـْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ ي نِسَاءَهُمْ انَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ )3 تحليل الألفاظ ) عَلاَ ( قال الراغب: ( العُلوُ ضِدَّ السُّفلِ والعُلُوُّ الارتفاع ، وقد عَلا يَعلُو عُلُوا وهو عالٌٍٍ . وقيل : إنَّ علا تق ال في المحمود والمذموم "2 وقال ابن منظور : " العُلُوُّ العَظمة والتجَبُّر والتكبر في الأرض ، وقال الحسن : والفساد المعاصي ، يقال : علا في الأرض استكبر "5 فجاء كلامهما دالاً على استلهام المعنى اللغوي والاصطلاحي . شِيـَعً ا : قال ابن منظور : " الشَّيعُ مِقدارٌ من العدد ، والشيعة القوم الذين يجتمعون على الأمر ، وقيل : الذين يتبع بعضهم بعضاً ، وليس كلهم متفقين .وقيل : الشَّيَعُ الفِرًقُ 6 يَسْتَضْعِفُ : "من الضَّعفُ والضُعفُ خلاف القوة . وقيل : الضُعفُ في الجسد والضَّعف بالفتح في الرأي 1 سُوْرَة الْقَصَصي : الآية 83. 5 سُوْرَة الْقَصَصي : الآية 83. 3 سُوْرَة الْقَصَصي : الآي ة4 . 4 معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 326 2 ليسَان العَرَب : مَادة ( علا ) 12 /82 . 7 المصدر نفسه : مادة ( شيع18 /188

عدد الصفحات ٣٣

33 والعقل استَضعَفَه وتَضَعَّفَه وجده ضعيفاً فركبه بسوء . قال ابن الأثير : يقال تَضَعَفتُه واستَضعَفتُه بمعنى للذي يتضعفه الناس ويتجبَّرون عليه في الدنيا للفقر ورَثاثَةِ الحال0 يُذَبِّح: "أصل الذبح شق حَلقِ الحيوانات ، المراد هنا في هذه الآيات التكثير أي يَذبَح بَعضُهم اثـَرَ بَعضٍ 4 الحالة الأخلاقية : إن الذي يقرأ قوله تعالى عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيـَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنـْهُمْ يُذَبِّحُ أَبـْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِ نَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ ) ، تتجسد أمامه أخلاقية فرعون الفاسدة ، والتي كانت سبباً في هلاكه وهلاك ملكه ، فقد بينت الآيات جملة من الصفات الفاسدة التي كان يتصف بها فرعون والتي كانت السبب في هلاك ملكة وهي : 0ـ الكِبرُ : قال تعالى ( إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ ) ، والكِبرُ " والتَكبـُّرُ والاستكبار تتقارب ، فالكِبرُ الحالة التي يختص بها الإنسان من إعجابه بنفسه ، وذلك أن يرى الإنسان نفسه أكبر من غيره "3 والكبر مولودُ من ( العُجبِ ) وذلك " إنَّ ذا العُجب إذا مر نظره إلى أدنى منه تبين له أنه ممتاز عنه بما سما به في نظرة نفسه ، فيرى ذلك الغير في درجة منحطة عن درجته ، فيعتقد أن مستواه فوق مستوى غيره ، فالمتكبر يعتقد في قرارة نفسه أنه أكبر وأعظم من غيره ، فيرى غيره بعين الصغر والحقارة ويرى نفسه بعين العظمة والفخامة 2 ومعنى العُلو في الآيات الكِبْر ، وهو المذموم من العُلو المعنوي كالذي في قوله تعالى الدَّارُ الاخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُو ا فِي الأَ رْضِ وَلا فَسَاداً 5 وللكبر آثار تظهر على الجوارح فتراه إذا مشى مع الناس يريد التقدم عليهم ، وتراه إن جالسهم يصدر نفسه في المجلس ، يسره أن يتكلم ويسمعوا له ، وأن لا ينطق غيره بحرف ، ثم هو ينتظر 1 المصدر نفسه : مَادة ( ضعف6 /564 . 5 المصدر نفسه : مَادة ( ذبح5 /466 . 3 مفردات ألفاظ القران : ص 438 . وينظر: ليسَان العَرَب : مَادة ( ك2/156. 4 أمراض القلوب وشفاؤها . أحمد بن تيمية ص278 . 2 سُوْرَة الْقَصَصي : الآية 83 .

عدد الصفحات ٣٤

34 من الناس أن يتلقوا كل كلمة يقولها بالقبول والتصديق . كقولة تعالىبِهِ قـَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ0 فالمتكبر يحتقر الناس ويستضعف حقوقهم ، ويسيء معاشرتهم ، ويبث عدوانه فيهم ، ويزداد الأمر سوءً إن كان ذلك المتكبر ولي أمرهم وراعيهم ، فتنتج صفة الكبر في الحالة سوء رعايته لهم ، والاعتداء على حقوقهم ، وينظر إليهم بعين الاحتقار ، ويرى دائماً أنه صاحب الفضل عليهم . 4ـ العُجبُ : وهو الزَّهُوَّ ورجل مُعجَبٌ مزهُو بما يكون منة حسناً أو قبيحاً . وقيل : العُجب فضلةٌ من الحمق صَرَفَتهَا إلى العُجب4، وقيل لمن يروقه نفسه فلان مُعجبٌ بنفسه وهو من أمراض القلوب المهلكة أعاذنا الله منها . وأيضاً هو " نظر الإنسان إلى ما حباه الله به من كمال نظر استعظام وتفخيم وفرحة به باعتباره أثراً من آثاره ونتيجة من نتائج ما بذل من مجهود في تحصيله ، ولا يخطر على باله أنه يزول عنه يوماً من الأيام "3 وهذا ما يتضح من قول فرعون إلى قومه وَهَذِهِ الأَنـْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تـُبْصِرُونَ2، فقد وهم فرعون بوحدانيته بملكه وقصوره وعبيده ، فظن أن هذه النعم هي ملكه وحده ، وهو أحق بها ن فقد أضاف إلى نفسه ملك مصر وأنهارها ، وظن أنها لن تبيد ، فأداه عُجبُه بنفسه ومُلكه أن أدعى الربوبية لنفسه . ولكن شاءت إرادة الله تعالى وسنته في خلقه بهلاك المتكبرين من الأمم والأفراد أن ينزع عنهم النعمة التي لم يشكروها ، قال تعالىتٍ وَعُيُونٍ *وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيم * كَذَلِكَ وَأَوْرَثـْنَاهَا بَنِي إِسْرائيلَ )5 إن العاقل هو الذي إذا ما انعم الله عليه أن يبادر بشكرها ، والمجنون هو من إذا ما حباه الله بنعمة تخيل إنها جاءته بجهده وعقله وذكائه ، فالنعم كلها لا يمكن أن تكون إلا من بعد أن يهبها الله لمن شاء من عباده كما يقول عز وجل : ( وَمَا بِكُمْ مِنْ نِ عْمَةٍ فَمِنَ اللَّ ه)6. 1 سُوْرَة الأَعْرَافي : الآية 153 5 ليسَان العَرَب : مَادة ( عجب1 /285 . 3 أمراض القلوب : ص268 . 4 سُوْرَة الزُّخْرُفي : الآية 21 2 سُوْرَة الشُّعَرَاءي : الآيات26 –26 . 7 سُوْرَة النَّحْلي : الآية 25

عدد الصفحات ٣٥

35 المعنى العام ( انَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قـَوْمِ مُوسَى فـَبـَغَى عَلَيْهِمْ ) ( فـَبـَغَى عَلَيْهِمْ ) فيه وجوه : أولاً ـ إنه بغى بسبب ماله ، وبغيه إنه استخف بالفقراء ولم يرع لهم حق الإيمان ولا عظمهم مع كثرة أمواله . الثاني ـ إنه من الظلم ، قيل : ملكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم . الثالث ـ بغى عليهم ، أي : طلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده0 الرابع ـ قال الضحاك : طغى عليهم واستطال ، فلم يوفقهم في أمر . الخامس ـ قال ابن عباس : تجبر وتكبر عليهم وسخط عليهم . السادس ـ قال شهر بن حوشب : بغيه عليهم إنه زاد عليهم في الثياب شبراً ، وهذا يعود إلى التكبر . السابع ـ أخرج ابن أبي شيبة في المصنف ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم والحاكم وصححه ، وابن مردويه عن ابن عباس (- رضي الله عنه -) قال : " كان ابن عمه ، وكان يبتغي العلم حتَّى جمع علماً ، فلم يزل في أمره ذلك حتَّى أبقى على موسى (عليه السلام) وحده ، وقال له موسى (عليه السلام) :إن الله أمرني أن آخذ الزكاة فآبي ، فقال : إن موسى (عليه السلام) يريد أن يأكل أموالكم جاءكم بالصلاة و جاءكم بأشياء فاحتملتموها ، فتحملوه إن تعطوه أموالكم ؟ قالوا : لا نحتمل ، فما ترى ؟ فقال لهم :أرى أن أرسل إلى بغي من بغايا بني إسرائيل فنرسلها إليه فترميه بأنه أرادها على نفسها ، فأرسلوا إليها فقالوا لها : نعطيك حكمك على أن تشهدي على موسى (عليه السلام) إنه فجر بك ، قالت : نعم ، فجاء قارون إلى موسى (عليه السلام ) قال : اجمع بني إسرائيل فأخبرهم بما أمرك ربك ، قال : نعم ، فجمعهم ، فقالوا له : بم أمرك ربك ؟ قال : أمرني ربي أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ، وأن تصلوا الرحم كذا وكذا ، وقد أمرني في الزاني إذا زنى وقد أحصن بالرجم قالوا : وإن كنت أنت ؟ قال : نعم ، قالوا : فإنك قد زنيت ، قال :أنا ، فأرسلوا إلى المرأة فجاءت فقالوا : ما تشهدين على موسى (عليه السلام) ؟ فقال لها موسى (عليه السلام) : أشهدك بالله آلا ما صدقت ؟ قالت : آما إذ أنشدتني بالله ، فإنهم دعوني وجعلوا لي جعلاً على 1 نقل الطبري عنابن جريج : هو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب كان من قوم موسى يقول كان من عشيرة موسى بن عمران النبي وهو ابن عمه لأبيه وأمه . جامع البيان : 16 /66 وأخرج ابن أبِ حاتم عن قتادة " :كان قارون ابن عم موسى أخي أبيه ، وكان قطع البحر مع بني إسرائيل ، وكان ي سمى المنور من حسن صوته بالتوراة ، ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري فأهلكه الله لبغيه

عدد الصفحات ٣٦

36 أن أقذفك بنفسي ، وأنا أشهد أنك بريء وأنك رسول الله . فخر موسى (عليه السلام ) ساجداً يبكي ، فأوحى الله إليه : ما يبكيك ! قد سلطناك على الأرض فمرها فتطيعك ، فرفع رأسه فقال :خذيهم ، فأخذتهم إلى أعقابهم ، فجعلوا يقولون : يا موسى ! يا موسى ! ، فقال :خذيهم فأخذتهم إلى أعناقهم ، فجعلوا يقولون : يا موسى ! يا موسى ! فقال :خذيهم فانطبقت عليهم ، فأوحى الله : يا موسى سالك عبادي وتضرعوا إليك فلم تجبهم ، وعزتي لو أنهم دعوني لأجبتهم . قال ابن عباس : وذلك قوله 0 ( وَآتـَيـْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ) قال أبو السعود : " أي : الأموال المدخرة "4 ونقل الرازي رواية عن سعيد بن المسيب ، والضحاك " بأن سيدنا موسى( عليه السلام ) أنزل عليه علم الكيمياء من السماء ، فعل م قارون ثلث العلم ويوشع ثلثه ، وكالب ثلثه ، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه فكان يأخذ الرصاص فيجعله فضه والنحاس يجعله ذهباً " وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله تعالى كنوز يوسف (عليه السلام (3 ( مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتـَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُ وَّة) قيل في معنى المفاتح وجوه : المفاتح ظاهرها أنها الذي يفتح بها ، ويحتمل أن يريد أنها الخزائن والأوعية الكبار قاله الضحاك ، لأن المفتح في كلام العرب الخزانة 2 وأخرج ابن أبي حاتم عن خيثمة قال : " كانت مفاتح كنوز قارون من جلود ، كل مفتاح مثل الإصبع كل مفتاح على خزانة على حدة ، فإذا ركب حملت المفاتيح على ستين بغلاً أغراً محجلاً " 5 إن مفاتح الكنوز : إحاطة علمه بها ، حكاه ابن بحرلقول الله تعالى6، ونقل الرازي إن هناك من طعن بذلك من وجهين : أولاً : إن مال الرجل الواحد لا يبلغ هذا المبلغ ، ولو أنا قدرنا بلدةً مملوءة من الذهب والجواهر 1 المصنف في الأحاديث والآثار . أبو بكر عَبْد الله بن محَُمَّد بن أَبِي شيبة الكوفي . تحقيق : كمال يوسف الحوت .مَكْتَبَة الرشد . الرياض . ط1 .1466 ه7 /334 5 إرْشَاد العَقل السَّلييم : 6 /54 3 تفسير ابن أبِ حا6 /3666. الدَّرُّ المَنْث ُوْرُ7/436 . 4 المحرر الوجيز 15 /187 . 2 تفسير ابن أبِ حا6 /3666 . 7 سُوْرَة الأَن ْعَامي : الآية26 .

عدد الصفحات ٣٧

37 لكفاها أعداد قليلة من المفاتح ، فأي حاجة إلى تكثير هذه المفاتح . ثانياً : إن الكنوز هي الأموال المدخرة في الأرض ، فلا يجوز أن يكون لها مفاتح . وأجاب الرازي عن الأول : إن المال إذا كان من جنس ا لعروض لا من جنس النقد ؛ جاز أن يبلغ في الكثرة إلى هذا الحد . وأيضاً فهذا الذي يقال : إن تلك المفاتح بلغت ستين حملاً ليس مذكوراً في القران ، فلا تقبل هذه الرواية ، وتفسير القران إن تلك المفاتح كانت كثيرة ، وكان كل واحد منها معيناً لشيء آخر ، فكان يثقل على الصعبة ضبطها ومعرفتها بسبب كثرتها ، وعلى هذا الوجه يزول الاستبعاد . وعن الثاني : إن ظاهر الكنز وإن كان من جهة العرف ما قالوا ، فقد يقع على المال المجموع في المواضع التي عليها إغلاق ( لَتـَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ ) أي : تثقل وتميلهم (والعصبة ) : قال الطبري : فإنها الجماعة ، واختلف أهل التأويل في مبلغ عددها الذي أريد به في هذا الوضع : مبلغ عددها أربعون رجلا وعن قتادة : إن العصبة ما بين العشرة إلى الأربعين . قال آخرون : ستون رجلاً . وعن ابن عباس : العصبة (ثلاثة) ، وقال أيضاً : العصبة ما بين الثلاثة إلى العشرة وقيل : كانت تحمل على ما بين عشرة إلى خمسة عشر )أُولِي الْقُوَّةِ ( قال الطبري : أولي الشدة 0 )ٌِ إذْ قَالَ لَهُ قـَوْمُهُ لا تـَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ( أخرج ابن حاتم عن السدي في قوله تعالى يُحِبُّ الْفَرِحِينَ قال : هم المؤمنون منهم قالوا : يا قارون لا تفرح بما أوليت ، فتبطر . وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قوله : لأن الله لا يحب الفرحين المتمدحين الأشرين البطرين الذين لا يشكرون الله فيما أعطاهم . وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد أيضاً : إن الفر ح هنا البغي . وعن السدي قوله : إن الله لا يحب 1 جامع البيان16 /165 .

عدد الصفحات ٣٨

38 الفرح بطراً 0 ما يستفاد من النص "عرضت السورة في بدايتها قوة السلطات والحكم ، وكيف باءت بالبوار مع البغي والظلم والكفران بالله والبعد عن هداه ، والآن تجيء قصة قارون لتعرض سلطان المال والعلم ، وكيف ينتهي بالبوار مع البغي والبطر والاستكبار على الخلق ، وجحود نعمة الخالق "4 وسنعرض فيما يأتي بعض المعاني والعبر التي يمكن استقصائها من قصة قارون : أولا : دلت آيات على أن قارون كان من قوم موسى (عليه السلام) ولم تمنعه قرابته من عذاب الله ومقته بعد أن بغى وبطر ، واستكبر وابتعد عن منهج الله ، ولم يسمع نصيحة الناصحين . فإن ما يمر به المسلمون اليوم من ضعف وتكالب الأعداء عليهم شبيه بقصة قارون ، فكثير من الدول الإسلامية اليوم ، وأغنياء المسلمين يملكون من الأموال الكثير ، لكن هذه الأموال والموارد الكثيرة لم تستغل بالشكل الصحيح في طاعة الله ، ووفق منهج الله وسنته في المال ، وبينما يعيش قسم من دول المسلمين في حالة رفاهية مطبقة وترف كبير وبذخ في الملذات وفيما يغضب الله ، هناك من المسلمين من يصارع الموت من الجوع والمرض بسبب الفقر ، فلم تنفع المسلمين أموالهم في صد كيد الأعداء المتكالب ين ، فكثير من أثرياء المسلمين اليوم يستثمر أمواله في البنوك الغربية ، ولا يستثمرها في البنوك الإسلامية المحتاجة . ثانيا : الغنى والفقر لا يعنيان رضا الله أو سخطه على عبدة ، إن الله عز وجل يعطي المال للمؤمن والكافر . قال تعالىؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً 3 ، فالله جل وعلا رب العالمين ، وقد وعد واخبر بأنه { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقـُهَا 2 ، فكل ذي روح يدب على الأرض ، فإن الله يرزقه ويهيأ له أسباب تلقى ه ذا الرزق سواء كان كافراً أو مؤمناً. فلا يعني أبداً وجود المال عند شخص ما أن الله راضي عنه ، ولا يعني أبداً أن تضيق الرزق على عبد ما أو فقره على سخط الله على هذا العبد . فلقد أعطى الله تعالى المال الكثير والكنوز لقارون ، ولم يكن ذلك دليلاً على رضا الله عنه ، لأن الله خسف به وبداره الأرض . وقال تعالىا ابـْتَلاهُ فـَقَدَرَ 1 تفسير ابن أبِ حا6 /3666 . 5 في ظل القرآن : 7 /315 3 سُوْرَة الإيسْرَاءي : الآية56 . 4 سُوْرَة هُوْد : الآية7 .

عدد الصفحات ٣٩

39 عَلَيْهِ رِزْقَهُ فـَيـَقُولُ رَبِّي أهَانَنِ }0، فقد أنكر جل وعلا في هذه الآيات على الإنسان اعتقاده إن توسعة الرزق على الإنسان دليل على إكرام الله ، أو اعتقاده أنَّ تضيق الرزق على الإنسان دليل على إهانة الله له ثالثاً : ودلت الآيات كذلك على ذم الله للبطر والفرح بالدنيا وزهوتها ، والاغترار بالمال إثر نصيحة قوم قارون له . قال الآلوسي " :والفرح بالدنيا لذاتها مذموم ، لأنه نتيجة حبها والرضا بها ، والذهول عن ذهابها ، فإن العلم بان ما فيها من اللذة مفارقة لا محالة يوجب الترح حتماً ، كما قال أبو الطيب : أشدُّ الضم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه انتقالاً ولذلك قال تعالى فَخُورٍ }4 ، وعلل سبحانه النهي هاهنا بكون الفرح مانعاً من محبته عز وجل ، فقال تعالى اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ى أن الفرح بالدنيا مذموم شرعاً . وإنما قلنا إن الفرح بها لذاتها مذموم ، لأن الفرح بها لكونها وسيلة إلى أمر من أمور الآخرة غير مذموم . وليس المقصود هو النهي عن الفرح مطلقاً ، فالفرح والحزن فطرة فطر الناس عليها ، فالمؤمن يفرح بما يفرحه ويشكر الله على ذلك وإذ ا أصابه ما يحزنه يصبر .فالفرح المنهي عنه هو فرح البطرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم ، ولما في هذا الفرح من تفضيل الدنيا على الآخرة التي هي دار الخلود" المطلب الثاني: تجبر قارون واستكباره {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يـَعْ لَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قـَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قـُوَّةً وَأَكْثـَرُ جَمْعًا وَلاَ يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلَى قـَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِ ينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَالَيْ تَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيـْلَكُمْ ثـَوَابُ اللَّهِ خَيـْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلاَ يـُلَقَّاهَا إِلاَ الصَّابِرُونَ3 المناسبة 1 سُوْرَة الفَجْري : الآيات17 – 18 5 سُوْرَة الحَدييْد : الآية53 3 سُوْرَة الْقَصَصي : الآيات 66 –86 .

عدد الصفحات ٤٠

41 لما كان ترك الفرح في قوله تعالى نَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ إلى الله ، كأنه قيل : وازهد فيه إن الله يحب الزاهدين 0، فقال تعالى الآخِرَةَ } ومن الواضح أن كفره سول له البقاء على ذلك والعياذ بالله تعالى ، فخسف الله به وبداره الأرض جزاءً وفاقاً لكفره وتكبره على ما أخبرنا عز وجل في سورة القصص في الآيات التي نحللها هنا . تحليل الألفاظ )وَابـْتَغِ ( بـَغَى الشيءَ ما كان خيرا أو شراً يَبغِيه بُغاءٍ وبُغىً : طَلَبَه ، وبغى ضال ته وكذلك كل طَلبِة ، بُغاءً بالضم والمد وبُ غايةً . وقال اللحياني : بـَغَى الرجلُ الخير والشر وكل ما يطلبه بُغاءً وبِغيَة وبِغ ى مقصور والبـُغْيَهُ : الحاجة . وقال الأصمعي : بـَغَى الرجلُ حاجته أو ضالته يَبغْيها بُغاءً وبُغايةً إذا طلبها (وَلاَ تَنسَ ) والنسِيان بكسر النون ضد الذِّكر والحِفظ نَسِيِه نِسيْاً ونسيْاناً ونِسْوةً ونَساوة . والنسيان الترك يقال : أنسيته ، أي : أمرت بتركه ونَسيِتهُ تـَرَكْتهُ وقال ابن عاشور : " والنهي في (نَصِيبَكَ ( "الحظ والقسط وهو فيصل من النصب ، لأن ما يعطى لا حد ينصب له ويميز " (زِينَتِهِ ( الزَّيْنُ خلاف الشين ، وجمعه أزيانٌ زانه زَيْناً وأزانه وأزْيـَنَه على الأصل ، وتـَزَيَّن هو وازْدان بمعنىً ، وهو افتعل من الز ينةِ ، والَّزينة اسم جامع لكل شيء يـُتـَزَيَّن به والزَّينَةُ ما يتزين بهِ 4 المعنى العام ( وَابـْ تَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآَخِرَةَ ( أي استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة في طاعة ربك ، والتقرب إليه بأنواع القربات التي يحصل بها الثواب في الدنيا والآخرة . ) وَلا تـَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنـْيَا ( 1 نظم الدرر2 /218 . 5 ليسَان العَرَب : مَادة ( زين13 /561 .

عدد الصفحات ٤١

41 فقد اختلف المفسرون فيه ، فقال ابن عباس ، والجمهور : لا تضيع عمرك في إلا تعمل عملاً صالحاً في دنياك إذ الآخرة إنما يعمل لها في الدنيا ، فنصيب الإنسان عمره وعمله الصالح فيها ، فالكلام على هذا التأويل شد ة في الموعظة .وقال ابن عطية : فالكلام كله على هذا التأويل شدة في الموعظة وقال الحسن ، وقتادة : معناه لا تضيع حظك من تمتعك بالحلال وطلبك إياه ، ونظرك لعاقبة دنياك ( وَأحْسِنْ كَمَا أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ( فيه عدة تأويلات : أحدهما ـ أعط فضل مالك كلما زاد على قدر حاجتك ، وهذا معنى قول ابن زيد . ثانيا ـ وأحسن فيما افترض الله عليك ك ما أحسن في إنعامه عليك . قاله يحيى بن سلام . ثالثا ـ أحسن في طلب الحلال كما أحسن إليك في الحلال رابعا ـ وقال القرطبي : " أي أطع الله وأعبده كما أنعم عليك .ومنه حديث ما الإحسان ؟ قال : (( أن تعبد الله كأنك تراه )) 0. وقيل هو أمر بصله المساكين . قال ابن عربي : فيه أقوال كثيرة : جماعها استعمال نعم الله في طاعة الله (وَلا تـَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ ) قال البقاعي : " لا ترد إرادة ما بتقتير ولا تبذير ، ولا تكبر على عباد الله ولا تحقير ، ثم اتبع ذلك علته لأن أكثر المفسدين يبسط لهم في الدنيا ، وأكثر الناس يستبعد أن يبسط فيها لغير محبوب ، فقيل4 )قَالَ إنَّمَا آوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ( يقول الله عز وجل في هذه الآية مخبراً عن جواب قارون لقومه حين نصحوه وأرشدوه إلى الخير فيه خمسة أقوال : أحدها ـ على علم عندي بصنعة الذهب رواه أبو صالح عن ابن عباس . قال الزجاج :وهذا لا أصل له ، لأن الكيمياء باطل لا حقيقة له والثاني ـ يرضى الله عني . وقال ابن كثير : وقد أجاد في تفسير هذه الآية الإمام عبد الحمن بن زيد بن أسلم فإنه قال في قوله 1 صحيح البخاري : 4 /1663 ، وهو جزء من حديث طويل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه 5 نظم الدرر2 /216 .

عدد الصفحات ٤٢

42 ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا المال . وقرأ هُوَ أشَدُّ مِنْهُ قـُوَّةً وَأكْثـَرُ جَمْعاًل : هكذا يقول من قلَّ علمه إذا رأى مَنْ وس ع الله عليه لولا أن يستحق ذلك لما أعطي 0 الثالث ـ على خبرِ عَلِمَهُ ، قاله مقاتل . الرابع ـ إنما أعطيته لفضل علمي ، قاله الفراء . قال الزجاج : ادع ى أنه أُعطي المال لعلمه بالتوراة الخامس ـ على علم عندي بوجوه المكاسب ، حكاه الماوردي عن ابن عيسى . ( أوَلَمْ يـَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِنْ قـَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أشَدُّ مِنْهُ قـُوَّةً وَأكْثـَرُ جَمْعاً ) قال المراغي : في معناها " أَنسي ولم يعلم حين زعم أنه أوتي الكنوز لفضل علم عنده ، فاستحق بذلك أن يؤتى ما أوتي ؟ إن الله قد أهلك من قبله من الأمم من هم أشد منه بطشاً وأكثر جمعاً للأموال ؟ ولو كان الله يؤتى الأموال من يؤتيه لفضل فيه وخير عنده ورضاه عنه ، لم يهلك من أهلك من أرباب الأموال الذين كانوا أكثر منه مالاً ، لأن من يرضى عنه فمحال أن يهلكه وهو عنه راضٍ ، وإنما يهلك من كان عليه ساخطاً ، ألم يشاهد فرعون وهو في أبَّهة ملكه ، وحقق أمره يوم هُلْكه ، وفي هذا الأسلوب تعجيب ما من حاله ، وتوبيخ له على اغتراره بقوته وكثرة ماله مع علمه بذلك 4 (وَلا يُسْالُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ) "فأخرج أبي حاتم عن قتادة في معنى هذه الآية يقول : المشركون لا يسألون عن ذنوبهم ، يعذبون ولا يحاسبون . وأخرج أبي حاتم عن الربيع بن أنس قوله :لا يسألون عن إحصائها ، يقول : هاتوا فبينوها لنا ولكن أعطوها في كتب فلم يشكوا الظلم يومئذٍ ، ولكن شكوا الإحصاء . وهذه الآية نظير قوله تعالى { يـُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُم 3أي : سود الوجوه زرقاً ، الملائكة تسال عنهم قد عرفتهم ، (فَخَرَجَ عَلَى قـَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ) قال ابن عطية : " إن قارون خرج على قومه وقد أظهر قدرته من الملابس والمراكب وزينته الدنيا . قال جابر ، ومجاهد خرج : في ثياب حمر .وقال ابن زيد : خرج هو وجملته في ثياب معصفرة . وقيل : في ثياب الأرجوان .وقيل غير هذا . وأكثر المفسرين في تحديد زينة قارون وتعينها بما لا صحة له 2 1 ينظر تفسير القرآن العظيم 3 /461 . 5 تفسير المراغي 56 /62 . 3 سُوْرَة الرَّحمَْني : الآية41 . 4 المحرر الوجيز 15 /161

عدد الصفحات ٤٣

43 (قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنـْيَا ) أي : الذين معه تعلقت إرادتهم فيها ، وصارت منتهى رغبتهم ليس لهم إرادة في سواها ( يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أوتِيَ قَارُونُ ) من الدنيا ومتاعها وزهرتها . ( إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) وصدقوا إنه لذو حظ عظيم لو كان الأمر منتهياً إلى رغباتهم ، وإنه ليس وراء الدنيا دار أخرى ، فإنه قد أعطي منها ما به غاية التنعيم بنعيم الدنيا ، واقتدر بذلك على جميع مطالبه ، فصار هذا الحظ العظيم بحسب همتهم ، وأن همة جعلت هذا غاية مرادها ومنتهى مطالبها لمن أدنى الهمم وأسفلها ، وليس لها أدنى صعد إلى المرادات العالية والمطالب الغالية 0 (وَقَالَ الَّذِينَ آوتُوا الْعِلْ مَ ) قال أبو السعود : " أي بأحوال الدنيا واكثر المفسرون كما ينبغي وإنما لم يوصفوا بإرادة ثواب الآخرة تنبيهاً على أن العلم بأحوال النشأتين يقتضي الإعراض عن الأولى والإقبال على الثانية حتماً ، وأن تمني المتمنين إلا لعدم علمهم بها كما ينبغي 4 (وَيـْلَكُمْ ثـَوَابُ اللَّهِ خَيـْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ) قال الخازن : " أي ما عند الله من الثواب والخير لمن آمن وصدق بتوحيد الله وعمل صالحاً خيرٌ مما أوتي قارون في الدنيا 3 (وَلا يـُلَقَّاهَا إلاَّ الصَّابِرُون ) قال ابن عطية : " أي يُمكن فيها ويخولها إلا الصابر على طاعة الله وعن شهوات نفسه ، وهذا هو جماع الخيرُ كله " ما يستفاد من النص يمكن إن نستنبط من هذه الآيات المعاني الآتية : أولاً ـ اعتدال المنهج الرباني فيما يخص الإنسان وعلاقته بالدنيا والآخرة فقال تعالى آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَ ةَ } . وقال الآية توازناً يتمثل باعتدال " المنهج الإلهي القويم المنهج الذي يعلق قلب واجد المال بالآخرة ، 1 تيسير الكريم الرحمن ج 4/ص 43 5 إرْشَاد العَقل السَّلييم6 /57 . 3 لُبَاب التَأَوْييل3 /451 .

عدد الصفحات ٤٤

44 ولا يحرمه أن يأخذ بقسط من المتاع في هذه الحياة ، بل يحضه على هذا ويكلفه إياه تكليف اً كي لا يتزهد الزهد الذي يهمل الحياة ويضعفها 0 ونلاحظ أن الله عز وعلا أكد أولاً على الآخرة ، وأن يوظف الإنسان هذا المال الذي هو مال ا أصلاً في طاعة الله ، والتقرب إليه بأنواع القربات ، وأن لا يستخدم هذا المال فيما لا يحل له ، وهذا المنهج الرباني ينبغي أن تعمل عليه الدول الإسلامية في توظيف ثروات وأموال المسلمين ومواردهم التي أنعم الله بها عليهم في طاعة الله وخدمة الإنسانية . ثانياً ـ وجهت الآيات من خلال قصة قارون الأغنياء على مساعدة الفقراء عيال الله ، فقال تعالى حكاية عن نصيحة المؤمنين لقارون كَمَا أحسن اللَّهُ إلَيْكَ أحسن إلى خلقه كما أحسن هو إليك " فالمال هو مال الله ، وإحسان منه اختص به بعض عباده ، فليقابل من اختصم الله بنعمته بالإحسان إلى الفقراء قال تعالى )وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ 4 ثالثا ـكثرة المال قد توقع صاحبه في البغي والبطر ، فإن المال فتنة ، قال تعالى : { إنَّمَا أمْوَالُكُمْ وَأوْلادُكُمْ فِتـْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ3، فيمتحن الله بهذا المال عباده . " ووجه الفتنة في المال أنه يوقع صاحبه في الشح والبخل وعدم القيام بشكره بإخراج حق الله فيه ، كما أن كثرة المال تسهل عليه سبل الترف والطغيان وبطر النعمة، فيصير من المترفين الطاغين البطرين " 2 وهذا ما حصل فعلاً مع قارون ، فقد أطغاه المال فبغى على قومه وادعى أنه حصل على هذا المال بعلمه { قَالَ إنَّمَا آوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِ نْدِي مخافة أن يطغيه ، ولا بأس من أن يمتلك المسلم المال إذا أطاع به الله . فالمسلم الحقيقي هو من ينبغي أن يكون لديه المال ، فهو أمين على ما استخلفه الله فيه ، يساعد الفقراء ، ويجاهد في سبيل الله كما فعل سيد نا عثمان (- رضي الله عنه -) بتجهيزه جيش العسرة ، فامتدح اللهُ الرسولَ وأصحابَه ، قال تعالى وَأنـْفُسِهِمْ وَأولَئِكَ لَهُمُ الْخَيـْرَاتُ وَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون 5وقال تعالى{ وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوَالِهِمْ وَأنـْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ 6 1 في ظلال القرآن7 /364 . 5 سُوْرَة الن ُّوْري : الآية33 . 3 سُوْرَة الت َّغَابُن : الآية12 . 4 المستفاد من قصص القرآن 1 /233 . 2 سُوْرَة الت َّوْبَةي : الآية88 . 7 سُوْرَة الت َّوْبَةي : الآية 56 .

عدد الصفحات ٤٥

45 رابعاً ـ ودلت الآيات كذلك على أن على الدعاة واجب النصح لأهل الأموال الذين نسوا ا وشغلتهم أموالهم عن طاعته ، فشابه حالهم حال قارون ، وتذكيرهم لما جرى لقارون قـَوْمُهُ لاَ تـَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابـْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنـْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَ نَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تـَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } . المطلب الثالث هلاك قارون وماله { فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ* وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنـَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يـَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يـَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِ بَادِهِ وَيـَقْدِرُ لَوْلاَ أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيـْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يـُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * تِلْ كَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فـَلَهُ خَيـْرٌ مِنـْهَا وَمَنْ جَ اءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَ مَا كَانُوا يـَعْمَلُونَ0 المناسبة أكدت هذه الآيات صدق مقولة أهل العلم لقارون صَالِحًا وَلاَ يـُلَقَّاهَا إِلاَ الصَّابِرُونَ وأمواله وزينته . فأنزل الله عليه العذاب وهو في موكبه أمام الناس .4 وصُدِّر الكلام بحرف الفاء التي أفادت العطف على جملة وَبِدَارِهِ الأرض } تحليل الألفاظ (فَخَسَفْنَا ) "الخسف سُؤُوخُ الأرض بما عليها . خَسَفَتْ تَخْسِفُ خَسفْاً وخَسوفَاً وانْخَسَفَتْ وخَسَفَها الله ، وخَسفَ الله به الأرض خَسْفاً ، أي : غابَ به فيها وخَسفَ هو في الأرض وخُسفَ به . وقال الأزهري : وخُسِفَ بالرجل وبالق ومِ إذا أخذته الأرض ودخل فيها "3 ( فَسَادًا ) الفساد : " نقيض الصلاح ، فَسَدَ يـَفْسُدُ وَيفْسِدُ وفَسُدَ فساداً وفُسُداً فهو فاسد وفَسيِدُ فيها ، ولا 1 سُوْرَة الْقَصَصي : الآيات 81 – 84 . 5 عاقبة الطغيان والفساد في سُوْرَة الْقَصَصي . عبد الحميد طهماز ص 74 . 3 ليسَان العَرَب : مَادة ( خسف6 /67 .

عدد الصفحات ٤٦

46 يقال : انفَسَد وأفْسَدْتُه أنا وقوم فَسْدَى كما قالوا : ساقِط وسُقْطَى . قال سيبويه : جمعوه جمع هَلْكى لتقاربهما في المعنى وأفَسدَه هو وأسْتفْسَد فلان إلى فلان ، وتفاسد القوم تدابروا وقطعوا الأرحام . والمفسد خلاف المصلح ، وفَسَّدَ الشيءِ إذا أباره )0 ( الْعَاقِبَةُ ) "عَقِبُ كلَّ شيء وَعْقُبه وعاقبِتهُ وعاقِبهُ وعُقْبَهُ ، وعُقُبْاه وُعقْبانُه لآخره ، والجمع العَواقِبُ ، والعَقَبُ والعُقْبانُ والعْقبَى كالعاقبةِ والعُقْبِ والعقبى جزاء الأمر " 4 . وقال ابن عاشور عن العاقبة : " وصف عومل معاملة الأسماء لكثرة الوصف به ، وهي الحالة الآخرة بعد حالة سابقة ، وغلب إطلاقها على عاقبة الخير "3 المعنى العام ( فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ ) قال ابن عاشور في ذلك : " دلت الفاء على تعقيب ساعة خروج قارون في ازدهائه ، وما جرى فيها من تمني قومه أن يكونوا مثله ، والخسف انقلاب بعض ظاهر إلى باطنها ، والباء في قوله فَخَسَفْنَا بِهِ :خسفنا الأرض مصاحبة له ولداره ، فهو وداره مخسوفان مع الأرض التي هو عليها 2 . " ولما أمر قارون البَغيَّ بقذف موسى (عليه السلام ) غضب موسى (عليه السلام) ، فأوحى الله تعالى إليه : إني قد أمرت الأرض أن تُطيعكَ فُمْرُها فقال موسى (عليه السلام) : يا أرض خُذيه ، فأخذته حتى غيَّبَتْ سريره ، فلم ا رأى ذلك ناشده بالَّرحم فقال : خُذي ه فأخذته حتى غيَّبت قدميه ، فما زال يقول : خذيه حتى غيَّبته ، فأوحى الله تعالى إليه : يا موسى ما أفظك ، وعِزَّتي وجلالي لو استغاث بي لأغثته . وقال سمره ابن جندب : " إنه يخُسف به كلَّ يوم قامة ، فتبلغ به الأرض السفلى يوم القيامة " 5 وقال مقاتل : " لما أمرموسى الأرض فابتلعته قال بنو إسرائيل :إنما أهلكه ليرن ما له لأنه كان ابن عمه أخي أبيه ، فخسف الله تعالى به وبداره الأرض وبجميع أمواله بعد ثلاثة أيام "6 وجاء في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) : أن رسول الله (صلى الله عليه 1 ليسَان العَرَب : مَادة ( فسد3 /532 . 5 ليسَان العَرَب : مَادة ( عقب1 /711 3 التحرير والتنوير : 56 /166 . 4 المصدر السابق : 5 /182 . 2 زَاد المَسييرْ 7 /342. وذكره السيوطي في الدَّرُّ المَنْث ُوْرُ من رواية ابن أبِ حاتم من طريق قتادة عن سِرة بن جندب6 /445 7 الجَاميع لأيحْكَام القُرْآن7 /2634 .

عدد الصفحات ٤٧

47 وسلم) قال : (( بينمارجل يجر إزاره من الخيلاء خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة0 وعن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال : (( بينما رجل يتبختر يمشي في بُردته قد أعجبته نفسه ، فخسف الله به الأرض ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة )) 4 (فَمَاكَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِين َ ) أي " فما كان له جماعة يمنعونه العذاب ، وما كان من الممتنعين على خلاف ما كان يظن أن الذي يجلب إليه الخير ، ويدفع عنه الشر هو قوته وجمعه اللذان اكتسبها بعمله ، فلم يقه جمعه ، ولم تفده قوته من دون الله ، وبان أن الله سبحانه هو الذي آتاه ما آتاه " 3 ( وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنـَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يـَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يـَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِ بَادِهِ وَيـَقْدِرُ ) قال الطبري : " وأصبح الذين تمن وا مكانه بالأمس من الدنيا وغناه وكثرة ماله ، وما بسط له منها بالأمس ـ يعني قبل أن ينزل به ما أنزل من سخط الله وعقابه ـ يقولون ويكأن الله " 2 وقال سيد قطب " :وقفوا يحمدون الله إن لم يستجب لهم ما تمنوه بالأمس ، ولم يؤتهم ما أتى قارون ، وهم يرون المصير البائس الذي انتهى إليه بين يوم وليلة ، وصحوا إلى أن الثراء ليس آية على رضى الله فهو يوسع الرزق على من يشاء من عباده ويضيقه لأسباب أخرى غير الرضى والغضب ، ولو كان دليل رضاه ما أخذ قارون هذا الأخذ الشديد العنيف " 5 ( لَوْلا أن مَنَّ اللَّهُ عَلَيـْنَا لَخَسَفَ بِنَا ) قال ابن كثير " لولا لطف الله بنا وإحسانه إليه لخسف بنا كما خسف به لأنا وددنا أن نكون مثله 6 (وَيْكَأنَّهُ لا يـُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ) وروى ابن أبي حاتم عن قتادة يقول : أو لا يعلم أنه لا يفلح الكافرون . " وفي رواية أخرى عن قتادة بلفظ " أو لا يرى أنه لا يفلح الكافرون " ( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُو ا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) قال الرازي " " فتعظيم لها ، وتفخيم لشانها ، يعني تلك التي سمعت بذكرها وبلغك وصفها ، ولم 1 صَحييْح البُخَاريي : كتاب الأن بياء : 3 /1582 رقم 3566( 5 صحيح مسلم : باب تحريم التبختر في المشي مع إعجابه بثيابه3 /1724 رقم 5688 ) 3 تفسير الميزان في الَقُرْآن . محَُمَّد حسين طباطبائي . الطبعة الثانية . مؤسسة الأعلمي . بيروت ، لبنان1363 ه1663 م17 /86 4 جامع البيان 16 /115 . 2 في ظلال القرآن7 /368 . 7 تفسير القرآن العظيم 3 /461 .

عدد الصفحات ٤٨