المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الرسم العثماني وأثره في روايات القراءات

ناصر سعود القثامي

صفحة ٥ من ١٨

الجلسة الثانية 1التدبُّر عند المف الورقة الأولى: مفهوم تدبر القرآن د. مساعد بن سليمان الطيار الورقة الثانية: تحرير معنى التدبُّر عند المفسين د. فهد بن مبارك الوهبي

عدد الصفحات ٦٨

 الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن واله إلى يوم الدين، أما بعد: فإن أنفس ما تُصرف فيه الأوقات كتابُ الله تعالى، وإني -إذ أشارك في هذا الملتقى بذه الورقة- لأرجو من الله التوفيق والسداد في القول والعمل، وأقول - مستعينًاا بالله-: * التدبر في اللغة: تدلُّ مادة (دَبَرَ) على آخرِ الشيَّءِ. والتَّدبُّرُ: النَّظرُ في أدبارِ الشيَّءِ، والتفكيرُ في عاقبتِهِ. وقد استُعملَ في كلِّه تأمُّلٍ يقعُ من الإنسانِ في حقيقةِ الشيَّءِ أو أجزائه أو سوابقِهِ .)1(أو لواحقِهِ أو أعقابِهِ وجاءَ على صيغةِ التَّفعُّلِ، ليدلُّ على تكلُّفِ الفعلِ، وحصولِه بعد جُهْدٍ، والتَّدبُّرُ: حصولِ النَّظرِ في الأمرِ المُتَدَبَّرِ مرَّةًا بعد مرَّةٍ. ).92 :5) ينظر: روح المعا1( الورقة الأو د. مساعيد بن سليمان الطيار مفهوم تدبر القراآن

عدد الصفحات ٦٩

مفهوم التدبر 70 * آيات التدبر في القرآن وقد جاءَ الأمرُ بتدبُّرِ القرآنِ في أربعةِ مواضعَ من القرآنِ، والعجيبُ أنَّ آيتَينِ ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﭽنزلَتْ في سياقِ المنافقين، وهما قوله تعالى: ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﭽ ، وقوله تعالى: ]82[ ﭼﮅ ﮆ ﮇ ﮈ .]24[ ﭼﮕ ﮖ ﮗ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﭽوجاءت آيتانِ في سياقِ الكفَّارِ، وهما قوله تعالى: ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭽ، وقوله تعالى: ]68المؤمنون[ ﭼﮪ ﮫ ﮬ .]29ص[ ﭼﭷ ﭸ ﭹ ﭺ وتحتملُ آيةُ سورةِ (ص) أن يكون المؤمنونَ هم الموجه لهم بالخطاب بالأمر ، بمعنى: لتتدبَّره )1( بالتَّاء ﭼ ﭶ ﭷ ﭽبالتَّدبُّرِ، ويشهدُ لذلك قراءةُ مَن قرأ: .)2(أنت يا محمد واتباعُك وليس نزولُ الآيةِ في سياق غيرِ المؤمنينَ يعني أنَّ المؤمنينَ ل يُطلبُ منهم التَّدبُّرُ، بل هم مأمورونَ به، وداخلونَ في الخطابِ من باب أولى؛ لأنَّم أهلُ النتفاعِ بتدبُّرِ القرآنِ، وإنَّما المرادُ هنا بيانُ مَن نزلت بشأنه الآياتُ، دون بيان صحَّةِ دخولِ المؤمنينَ في الخطابِ، والله أعلمُ. ﭻ ﭽوالآياتُ الآمرةُ بالتَّدبُّرِ منها ما جاءَ على شيءٍ مخصوصٍ؛ كقوله تعالى: .]82النِّهساء[ ﭼﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ) هي قراءة أبي جعفر المدني من العشرة، وقد نُسِبَتْ إلى عاصم، ينظر: تفسير الطبري، ط: 1( :2)، والنَّشر في القراءات الع453 452 :12)، والمحرر الوجيز، ط: قطر153 :23الحلبي ).361 .)153 :23) ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي2(

عدد الصفحات ٧٠

تحرير وتاأ 71 ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶﭽومنها ما جاءَ مطلَقًاا بالتَّدبُّرِ العامِّه؛ كقوله تعالى: .]29ص[ ﭼﭷ ﭸ ﭹ ﭺ وتوجيه التدبر للمنافقين والكافرين يدلُّ على أن التدبر المطلوب منهم مما يمكنهم فعله، لكنه ليس شاملاًا لكل ما يدخل في مفهوم التدبر. ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﭽفقوله تعالى: ، يدلُّ على أن المنافقين لو أعملوا ذهنهم في تدبر القرآن ]82النِّهساء[ ﭼﮈ لوصلوا إلى نتيجة أنه من عند الله، ولزال عنهم ذلك القلق والضطراب الناتج من النفاق. يدلُّ ]24محمد[ ﭼﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﭽ وقوله تعالى: على أن سبب عدم حصول التدبر هو تلك الأقفال التي في القلب. ؛ فإن السياق يدل على أن الكفار لم يُعطوا ﭼ ﮣ ﮤ ﮥﭽوأما قوله تعالى: ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﭽأنفسهم فرصة النظر في القرآن لتبينُّ حقيقته، قال تعالى: ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ .]68-66المؤمنون[ ﭼﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ .]29[ ﭼﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭽ وأما قوله تعالى: وفي القراءة الأخرى (لتدبروا)؛ فإن الخطاب للكافرين بدللة أن السورة في أولها وآخرها تناقش الكفار ودعواهم في القرآن والبعث، ففي أول السورة قسم بالقرآن، ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ ﮞ ﮟ ﭽ، وقال: ]1ص[ ﭼﭑﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭽ قال تعالى: .]8ص[ ﭼﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ، وخبر ثم جاءت هذه الآيات ضمن ثلاث آيات فاصلة بين خبر داود

عدد الصفحات ٧١

مفهوم التدبر 72 ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭽ، قال تعالى: ابنه سليمان ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ .]29-27[ ﭼﭺ ثم توالت قصص الأنبياء، ثم خبر الجنة وأهلها، وخبر النار وتخاصم أهلها، ثم ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﭽ عاد الحديث عن القرآن الكريم في قوله تعالى: -67ص[ ﭼﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ، ثم ذكر عداوة إبليس لأبينا آدم وذريته، ثم خُتمت السورة بذكر القرآن، فقال: ]70 ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭽ .]88-86[ ﭼﭲ ﭳ وأيًّا ما كان الأمر، فإن توجيه الأمر بالتدبر لهؤلء القوم يدل على أنم يمكنهم التدبر، وأن هذا القرآن -من حيث الجملة- معلوم المعنى عندهم. * مستويات التدبر المرتبطة بالمعنى: معاني القرآن تنقسم إلى قسمين: معاني ظاهرة يدركها كل قارئ للقرآن؛ لذا فهي ل تحتاج إلى تبيين.الأول: معاني غير ظاهرة لبعض القارئين، وهم يحتاجون فيها إلى تبيين.الثاني: ويمكن أن تُعل للتدبر مستويات مرتبطة بإدراك المعنى: أن يكونَ التَّدبُّرُ لمعرفةِ المعنى المرادِ بالآيةِ، ويقع هذا في حالين: المستوى الأول: حال خفاء المعنى.الأولى: حال اختلاف المفسين في المعنى، والرغبة في الوصول إلى الرأي الأولى الثانية:

عدد الصفحات ٧٢

تحرير وتاأ 73 أو الرأي الصواب فيه ، الذي يقع )1(وفي هذين الحالين يكون المعنى -قبل معرفته- من المتشابه النسبي فيه الشتباه عند الشخص بسبب إحدى الحالتين السابقتين، فإذا عرف المعنى زال هذا التشابه النسبي، وصار من المعلوم. وأمثلة هذا القسمِ كثيرةٌ، منها ما يقعُ من بحثِ آيةٍ مشكلةٍ، ومنها نقاشاتُ المفسِّهين التي يظهرُ فيها ترجيحُهم لوجهٍ من وجوهِ التَّفسيرِ، وغيرَها مما يحتاجُ إلى اختيارٍ من أجلِ بيانِ الراجح من الأقوال. وإذا تأملت طريقة الوصول إلى المعنى في هذين الحالين وجدتها تحتاج إلى إعمال العقل والذهن، وهذا مما يشترك فيه التفسير والتدبر. أن تكونَ الآيةُ ظاهرةَ المعنى ل تحتاجُ إلى تفسيرٍ، أو تكونَ قد المستوى الثَّاني: تبينَّ المعنى الصحيحُ لها للمتدبِّهرِ -أي: بعد تفسيرِها- فيتدبَّرُ ما تحتويه من وجوه الستنباطاتِ والفوائد، وهو تدبُّرٌ لستخراجِ الحِكَمِ والأحكامِ والآدابِ وغيرِها مما يستنبطُه المستنبطُ، وهذا يعني أنَّ الستنباطات نتيجةٌ للتَّدبُّرِ. تتمة وتنبيه ومثال: إن الأصل في التدبر أن يقع في المعلوم، أما ما استأثر الله بعلمه -وهو المتشابه -1 - فلا يقع فيه تدبر لستنباط معنى أو فائدة علمية؛ لأن المتشابه الكلي ل يرج)2(الك عن نوعين: ) المتشابه النسبي: ما يفى على قوم، ويعلمه آخرون، وكل ما خفي عليك فإنه بالنسبة لك 1( متشابه نسبي، وإذا علمته كان محُكماًا؛ أي: معلومًاا ) المتشابه الكلي يقابل المتشابه النسبي، وهو: ما يفى على كل الناس، فهم سواءٌ فيه، وهو 2( يشتمل على أمرين: حقائق المغيبات (أي: كيفياتها)، وأوقات وقوع هذه المغيبات

عدد الصفحات ٧٣

مفهوم التدبر 74 كيفيات المغيبات، وهذه ل يقع فيها تدبر إل بأن يؤمن با المسلم ك الأول: جاءت عن الله تعالى. وقت وقوع المغيبات، وهذه ل يقع فيها التدبر كذلك؛ لأن علم ذلك الثاني: مختص بالله تعالى. وهذان النوعان ل يقع فيهما التدبر إل من جهة بيان الحكمة فيهما، أما من جهة الكيفية والوقت فلا يقع تدبر. وليس يعني هذا أن أمور العتقاد ل يقع فيها تدبر، بل ما كان منها في مجال المعلوم، فإنه يقع فيها التدبر كسائر آيات القرآن، سوى ما ذكرته من كيفيات المغيبات وأوقاتها التي قد يقع التدبر فيها في النظر في بعضِ حِكَمِ الله فيها. ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﭽ ومثال ذلك: قوله تعالى: ؛ فالدابة من حيث المعنى معلومة، لكنها ]82النمل[ ﭼﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ من حيث كيفيتها ووقت خروجها مجهولة، وما يمكن أن يقع فيه التدبر هو المعنى، والحكمة من خروج هذه الدابة، أما كيفيتها ووقت خروجها؛ فليس مناطًاا للتدبر. إن إدراك معاني القرآن في مقام الممكن، وليست في مقام المحال، لذا ل يوجد -2 في القرآن كلمة ل يُعرف لها معنى، فالتدبر -إذا لم يكن لمعرفة المعاني- يكون بعد ) على هذا المعنى؛ فقال 310معرفة المعاني وإدراكها، وقد نبَّه الطبري (ت حَثِّه الله عز وجل عباده على العتبار بما في آي القرآن من المواعظ والبينات بقوله ﭼﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺﭽ : ×جل ذكره لنبيه ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﭽ، وقوله: ]29[ ، وما أشبه ذلك من آي]28-27[ ﭼﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ

عدد الصفحات ٧٤

تحرير وتاأ 75 القرآن، التي أمر الله عبادَه وحثهم فيها على العتبار بأمثال آي القرآن، والتِّهعاظ بمواعظه- ما يدلُّ على أنَّ عليهم معرفةَ تأويل ما لم يحُجب عنهم تأويله من آيه؛ لأنه محالٌ أن يُقال لمن ل يفهمُ ما يُقال له ول يعقِل تأويلَه معرفةَ من القِيل والبيان والكلام ويعتبرَ به. فأما قبلَ ذلك؛ فمستحيلٌ أمرُه بتدبره وهو بمعناه جاهل. كما محالٌ أن يقال لبعض أصناف الأمم الذين ل يعقلون كلامَ العرب ول يفهمونه، لو أنشد قصيدة شعرٍ من أشعار بعض العرب ذاتَ أمثالٍ ومواعظ وحِكم بما فيها من المواعظ نبهها عليه ما فيها من الحكم. فأما وهي جاهلة بمعاني ما فيها من الكلام والمنطق؛ فمحالٌ أمرُها بما دلَّت عليه معاني ما حوته من الأمثال والعِبرَ، بل سواء أمرها بذلك وأمر بعض البهائم به، إل بعدَ العلم بمعاني المنطق والبيان الذي فيها. فكذلك ما في آي كتاب الله من العبر والحِكم والأمثال والمواعظ، ل يجوز أن يقال الأمر -لمن كان بذلك منه جاهلاًا- أَنْ يعلم معاني كلام العرب، ثم يتدبَّره بعدُ، ويتعظ بحِكَمِه وصُنوف عِبرَِه. فإِذْ كان ذلك كذلك -وكان الله جل ثناؤه قد أمر عباده بتدبُّره وحثهم على العتبار بأمثاله-؛ كان معلومًاا أنه لم يأمر بذلك مَن كان بما يدُلُّ عليه آيُه جاهلاًا. وإِذْ لم يجز أن يأمرهم بذلك إل وهُمْ بما يدلهم عليه عالمون؛ صحَّ أنم -تأويل ما

عدد الصفحات ٧٥

مفهوم التدبر 7 لم يحُجَبْ عنهم علمه من آيه الذي استأثر الله بعلمه منه دون خلقه، الذي قد قدَّمنا صفتَه آنفًاا- عارفون. وإِذْ صَحَّ ذلك؛ فَسَدَ قول مَن أنكر تفسيرَ المفسين -من كتاب الله وتنزيلِه- ما . )1(لم يحجب عن خلقه تأويله مثال على التدبر:-3 ) في كتابه751ومن أمثلةِ هذا المستوى من التَّدبُّرِ، ما ذكره ابن القيِّهمِ (ت ﭻ ﭽ في سورة الذَّارياتِ، قال المهاجر .]24، محمد82النساء[ ﭼﭼ ﭽﭾ فإن قلتَ: إنَّك قد أشرَْتَ إلى مقامٍ عظيمٍ، فافتحْ لي بابَه واكشفْ لي حجابَه، وكيف تَدَبُّرُ القرآنِ وتَفَهُّمُهُ والإشرافُ على عجائبه وكنوزه؟! وهذه تفاسيرُ الأئمَّةِ بأيدينا، فهل في البيانِ غيرُ ما ذكروه؟ قلتُ: سأضرب لك أمثالًا تحَْتَذِي عليها، وتجعلها إمَامًاا لك في هذا المقصدِ. ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﭽ قال الله تعالى: ﯤﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺﯻ ﯼ ﯽ ﯾﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑﰒ ﰓ ﰔ ﰕ .]30-24[ ﭼﰖ فعهدي بكَ إذا قرأتَ هذه الآية، وتطلَّعتَ إلى معناها، وتدبَّرتها، فإنَّما تَطْلُعُ منها على أنَّ الملائكةَ أَتَوا إبراهيمَ في صورةِ الأضيافِ يأكلونَ ويشربون، وبشرَُّوه بغلامٍ ) تفسير الطبري.1(

عدد الصفحات ٧٦

تحرير وتاأ 77 عليمٍ، وإنَّما امرأتُه عجبت من ذلك فأخبرتها الملائكة: أن اللهَ قال ذلك، ولم يتجاوزْ تَدَبُّرُكَ غير ذلك. فاسمعِ الآن بعضَ ما في هذه الآيات من أنواعِ الأسرارِ، وكم قد تضمَّنت من الثَّنَاءِ على إبراهيم. وكيف جمعتِ الضِّهيافةَ وحقوقَها، وما تضمَّنتْ منَ الرَّدِّه على أهلِ الباطلِ من الفلاسفةِ والمعطِّهلةِ. وكيف تضمَّنتْ علماًا عظيماًا من أعلام النُّبوَّةِ. وكيف تضمَّنتْ جميعَ صفاتِ الكمالِ التي رَدَّهَا إلى العلمِ والحكمةِ. وكيف أشارت إلى دليلِ إمكانِ المعادِ بألطفِ إشارة وأوضحِها، ثُمَّ أفصحتْ وقوعَه. وكيف تضمَّنتْ الإخبار عن عدلِ الرَّبِّه وانتقامِه من الأممِ المكذِّهبةِ، وتضمَّنتْ ذِكْرَ الإسلامِ والإيمانِ والفرقِ بينهما، وتضمَّنتْ بقاءَ آياتِ الرَّبِّه الدَّالَّةِ على توحيدِه وصدقِ رُسُلِهِ وعلى اليوم الآخرِ، وتضمَّنتْ أنَّه ل ينتفعُ بذا كلِه إلَّ من في قلبِه خوفٌ من عذابِ الآخرةِ، وهم المؤمنون با، وأمَّا من ل يافُ الآخرةِ ول يؤمنُ با، فلا .)1(ينتفعُ بتلك الآياتِ؛ فاسمع الآن بعض تفاصيل هذه الجملةِ ثُمَّ بدأ يسدُ فوائدَ واستنباطاتٍ من هذه الآيات، ولول طولهُا، لذكرتهُا. * مفهوم التدبر: من خلال ما سبق طرحه يمكن القول بأن التدبر هو: إعمال الذهن بالنظر في آيات القرآن؛ للوصول إلى معانيها، ثم النظر إلى ما فيها من الإحكام والمعارف ).68-63) الرسالة التبوكية، لبن القيِّهم (ص1(

عدد الصفحات ٧٧

مفهوم التدبر 78 والعلوم والعمل فإعمال الذهن بالنظر في آيات القرآن، وهو معنى التدبر. وهذا الإعمال لغايات لا يوصل إليها إلا بالتدبر، وهي: الوصول إلى المعنى إذا كان يحتاج إلى تطلُّبٍ للوصول إليه. -1 الوصول إلى الإحكام والإتقان الذي في القرآن من جميع جوانبه؛ الذي يدل- 2 على أنه لو كان من عند غير الله لما كان فيه هذا الإحكام، بل لوجدوا فيه اختلافًاا كثيرًاا. الوصول إلى ما فيه من المعارف والعلوم، وهي جملة المسائل والمعلومات -3 المستنبطة من القرآن الوصول إلى العمل، إما بتأثر القلب والجوارح، وإما بعمل الأركان بالمتثال -4 والتطبيق * علاقة التدبر ببعض الأحوال المرتبطة بالتعامل مع القرآن: إن المتأمل في أحوال تعامل المسلم مع القرآن يمكنه أن يقسمها إلى خمسة أقسام: الأول: حال القراءة: والقراءة المجردة حركة لسانية سواءًا أكانت من المحفوظ أو من المكتوب، وقد تكون تذكُّرِية إذا كانت القراءة عن ظهر قلب، وقد تكون بصرية فقط إذا كانت تعتمد على النظر في المكتوب دون نطق اللسان. والقراءة -بأنواعها هذه- هي الوسيلة الأولى للتدبر؛ لأن التدبر يكون من خلال المتلوِّه المقروء من الصدور، أو من خلال المكتوب من الآيات في السطور.

عدد الصفحات ٧٨

تحرير وتاأ 7 الثاني: حال إرادة فهم المعنى (التفس التفسير: بيان معاني القرآن، فإذا بانت له هذه المعاني، فإنه قد أتمَّ مرحلة فهم المعنى. وفي هذه الحال يُعمل المسلم عقله في تفهم المعاني، لذا فهي مرحلة عقلية يحتاج فيها المسلم إلى اجتهاد في بعض المواطن للوصول إلى المعنى المراد؛ إما بسبب خفاء المعنى، وإما بسبب اختلاف المفسين، فيحتاج في كلا الحالين إلى إعمال العقل للوصول إلى المعنى. وهذه الحال تشترك مع التدبر في كونا عملية عقلية، بل هي أحد مجالت التدبر؛ لأنه -كما سبق- ل يمكن أن يتدبر ما ل يفهم معناه، واجتهاده في تفهُّم المعنى نوع من التدبر. أما ما يدركه -مما ل يفى عليه-؛ فذلك مما ل يحتاج إلى إعمال العقل للوصول إلى المعنى؛ لأن المعنى قد حصل وانتهى؛ لذا ل يدخل ما كان بذه الصورة في التدبر؛ لعدم حصول التكلف في الوصول إلى المعنى. (تربط بالسابق في الكيفيات والوقت). الثالث: حال الاستنباط: ، و(الألف والسين )1(تدورُ مادَّةُ (نَبَطَ) على أصلٍ واحدٍ، وهو استخراجُ شيءٍ والتاء) في (استنبط) تدلُّ على تطلُّبِ الشيءِ لأجلِ حصولِه، وكأنَّ فيها معنى التَّكلُّفِ في إعمالِ العقلِ الذي يحتاجُه المستنبطُ حال الستنباطِ، واللهُ أعلمُ. « :)310قال الطَّبريُّ (ت )، والعباب الزاخر واللباب الفاخر، للصغاني، تحقيق: محمد 381 :5) ينظر: مقاييس اللُّغة 1( .)208حسين آل ياسين (حرف الطاء

عدد الصفحات ٧٩

مفهوم التدبر 80 عن معارف القلوبِ؛ فهو له مستنبطٌ، يقال: استنبطتُ الرَّكِيَّة: إذا استخرجتَ .)1(ماءها وقال الصَّغا ؛ أي: يستخرجونه.]83[ ﭼﮜ ﮝ ﮞ ﮟﭽ تعالى: .)2(ويقال: استنبط الفقيه: إذا استخرج الفِقهَ الباطنَ بفَهْمِه واجتهادِه الاستنباط بالاصطلاح: والمراد بالستنباط في الصطلاح: استخراج الأحكام الخفية والفوائد العلمية من النصوص الشرعية اعتمادًاا على القريحة الذهنية. والستنباط عملية عقلية، تعتمد على قدرة المجتهد في استخراج الفوائد المترتبة على النص الشرعي. الأصل في الستنباط أن يكون لما خَفِيَ ودقَّ ولطُف؛ فاحتاج إخراجه وبيانه إلى ﮊ ﮋ ﭽجهد وتكلُّف ل يستطيعه أي واحد من الناس، وقد أشار قوله تعالى: ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﭼﮝ ﮞ ﮟﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ول يكون الستنباط إل بتدبر المعنى المستنبَط منه، للوصول إلى جملة ،]83النساء[ من الستنباطات، لذا فإن الستنباط ل يكون إل بعد فهم المعنى (التفسير)، وهذا يعني أن المستنبط يمرُّ بثلاث مراحل: (فهم المعنى)، ثم (تدبر المعنى)، ثم حصول أثر من آثار هذا التدبر، وهو (الستنباط). ).571 :8) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر1( .)207) العباب الزاخر واللباب الفاخر، للصغاني، تحقيق: محمد حسين آل ياسين (حرف الطاء2(

عدد الصفحات ٨٠

تحرير وتاأ 81 وقد يكون هذا الستنباط قريب المأخذ، وقد يكون بعيد المأخذ ل يدركه كثير من المتدبرين، وهذا الستنباط الدقيق -الذي ل يدركه كثيرون- هو مما يتميز به العلماء الراسخون في العلم. الرابع: حال التأثر: إن التأثر بالقرآن حالة وجدانية تحُدث للمسلم آنذاك رقة وخشوعًاا ولينًاا ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭽ ودموعًاا، وقد أشار القرآن إليها في قوله تعالى: ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻﭼ ، ]23الزمر[ ﭼﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﭼﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﭽ وقال تعالى: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭽ ، ]28الرعد[ ، وليس التأثر بالقرآن]83المائدة[ ﭼﭞ ﭟﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ هو التدبر، بل قد يكون أثرًاا من آثار التدبر، وقد يكون أثرًاا لحالة وجدانية يعيشها المسلم، فتتحرك مشاعره الفيَّاضة، فينفعل مع القرآن بحواسِّهه، ويتأثر بمواعظه من ترغيب وترهيب، وقد يكون لأسباب أخرى. الخامس: حال العمل بالقرآن: العمل بالقرآن هو تأوُّله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وهذه المرحلة هي الغاية في حياته، إذ لما سئلت ×العظمى من إنزال القرآن الكريم، وهي التي تمثَّلها الرسول أجابت بإجابةٍ بليغة، فقد روى الإمام أحد بسنده عن سعد بن ×عائشة عن خلقه هشام بن عامر قال ؟×

عدد الصفحات ٨١

مفهوم التدبر 82 ﮛ ﮜ ﮝﭽ قالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ القرآن قول الله عز وجل: .]4[ ﭼﮞ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﭽقلت: فإني أريد أن أتبتل. قالت: ل تفعل، أما تقرأ: ، وقد وُلِدَ له ×؛ فقد تزوج رسول ا]21[ ﭼﯵ ﯶ للقرآن وتأوله له ما رواه البخاري بسنده ×وذكرت عائشة من تمثُّل رسول ا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فىِ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ ×عنها، قالت وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ ليِ والعمل بالقرآن أداءٌ حركيٌّ، ول يكون إل بفهم المعنى، وقد يكون من آثار التدبر، وتخلُّفه يدلُّ على نقصٍ في الإيمان، إذ التمثُّل للقرآن وتأوُّله -كما هو حال النبي - هو الكمال الإيماني.× ا* إن (التدبر) عملية عقلية، ويشترك معه -في كونه عملية عقلية- (التفسير) و(الستنباط)، وقد ينشأ عن التدبر (التأثر)، وهو أمر وجداني، كما قد ينشأ عنه - أيضًاا- العمل، وهو أمر حركي، يقوم على تنفيذ الأمر واجتناب النهي. وإذا أمكن التمييز بين هذه المراحل التي لها علاقة بالتدبر، فإنه يمكن -كما سبق في مفهوم التدبر- القول بأن التدبر هو عموم النظر والتأمل في القرآن، سواء أنتج فائدة علمية أو لم يُنتج ذلك؛ لأن مجرد تقليب النظر في الآيات تدبر، وإن لم ينتج عنه آنذاك فائدة علمية معينة.

عدد الصفحات ٨٢

تحرير وتاأ 83 أما ما ينتج من التدبر؛ فإنه يقع في المجالات الآتية النظر في المعنى حال الخفاء، وهذا متعلق بالتفسير، أما إذا كان المعنى فيه -1 ظهور؛ فإنه ل علاقة له بالتدبر، لعدم الحاجة لإعمال النظر وتقليب الفكر في الوصول إلى المعنى. الترجيح بين الأقوال المختلفة في فهم المعنى؛ لأنه يحتاج إلى إعمال النظر -2 وتقليب الفكر للوصول إلى القول الأولى أو القول الصواب، وهذا متعلق بالتفس أيضًاا. الستنباط، وهذا ل يكون إل بالتدبر، والنظر في خفايا المعاني، ويمكن أن -3 يقال: كل استنباط تدبُّرٌ، وليس كل تدبر استنباطًاا وأنواع المستنبطات كثيرة؛ فقد تكون حكماًا فقهيًّا، وقد تكون آدابًاا وسلوكًاا تزكية، وقد تكون فوائد علمية من لغوية وبلاغية وأصولية وعقدية. تنزيل الآيات على الحوادث والأحوال الحياتية، وهذا ميدان واسع من -4 ميادين إعمال التدبر، وقد يكون بإدخال الحادثة في معنى آية من الآيات، وقد يكون من باب الستشهاد والتمثيل. ول يفى -على ما سبق بيانه من نوع التدبر المطلوب من غير المؤمنين- أن التدبر الصحيح لو حصل من المنافقين ومن الكفار لوصلوا به إلى أنَّ هذا القرآن حقٌّ ل ، ومَن وصل إلى هذه النتيجة منهم؛ فحقيق ×ريب فيه، وأن الله أنزله على نبيه محمد عليه أن يؤمن به، ويتبع هداه. ولذا يمكن أن نستشهد اليوم بالقرآن، ونطلب من الكفار -من باب إقامة الحجة أولًا، ثمَّ طلب الهتداء ثانيًاا- أن يتدبروا، هل أتى في القرآن ما يالف العقل

عدد الصفحات ٨٣