المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الرسم العثماني وأثره في روايات القراءات

ناصر سعود القثامي

صفحة ٣ من ١٨

تعقيبات الجل

عدد الصفحات ٣٦

37 من أصعب الأعمال: تفسير الواضحات، ومن هذه الواضحات (التدبر)، ويحسن بالقارئ أن ل يُغفلَ معجماًا يعنى بألفاظ القرآن ومفرداته، مثل هـ، شرح فعل (تَدَبَّر)، ومضارعه 503القرآن (يتدبَّر)، ومصدره (تدبُّر). التدبر فعل ياطب به الأمة كلها، ول يتص بذلك أهل العلم، فكما أن العالمَِ مطلوب منه التدبر، وكذلك العامي ومن ل يملك أدوات علمية تؤهله يمكن أن يقع منه التدبر، وقد يصل إلى ما يصل إليه أهل العلم، وقد يفتح الله عليه بسبب نور بصيرته ما ل يفتحه على العلماء. أذكر أن عاميًّا رأى شخصًاا يجمع الناس حوله فيجتمعون، فقال: إن فلانًاا - يقصد هذا الذي يجمع الناس- يدعو إلى نفسه.. ولو أخلص دعوته لوُفِّهق، أخذًاا من ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﭽقوله تعالى: ، وهذا معنى عزيز قد يغيب عن كثير من الدعاة ]108[ ﭼﮑ ﮒ والمشتغلين بالعلم. د. سليمان بن إبراهيم العايد التعقيب الاأول

عدد الصفحات ٣٧

مفهوم التدبر 38 شرع الإسلامُ أمورًاا تُعين على التدبر والتفكر في المتلوِّه، ومن ذلك ما في قوله ﭽ ، ]106[ ﭼﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭽ تعالى: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ، ]6-1[ ﭼﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ فهذا أمرٌ بالتلاوة في وقتٍ يعين على التأمل والتفكر، وهو وقت صفاء الذهن وفراغ الخاطر، واستعداد الفكر والقلب. ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼﯽ ﭽ ، وما اختص به القرآن من التلاوة والتجويد الذي ]32[ ﭼﯾ ﯿ يحمل الإنسان على التأمل والتدبر والنظر، أمر ل يكون مع كلام غيره، وهو مما أمر قال×: أنَّ رسول ا به، فعن أبي هريرة غيره وقد رد الشافعي على مَن فس التغني بالستغناء في حديث بالقرآن معناه: يقرأ حدرًاا وتحزينًاا. قال أحد: الرواية الأولى عن أبي سلمة تؤكد ما قال الشافعي، وكذلك ما روي عن البراء بن عازب مرفوعًاا « :×رسول ا الراكب ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﭽوقد أمر بالتفكر في صدق مَن أُنزل عليه القرآن: ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ

عدد الصفحات ٣٨

تحرير وتاأ 3 ، وقد نينا عن التكثر من ختم القرآن الناتج عن ]46[ ﭼﯹ ﯺ ﯻ ﯼ أنه قال×الإسراع في تلاوته، كما في حديث عبد الله بن عمر عن النبي الشهر ثلاثة أيام، فقال: إني أطيق أكثر من ذلك، فما زال حتى قال: صم يومًاا وأفطر يوما، قال اقرأ القرآن في كل شهر، قال إني أطيق أكثر من ذلك، فما زال حتى قال: اقرأه في ثلاث عن ختم القرآن في ليلة، كما في حديث عبد الله بن عمر؛ ×وقد ناه رسول ا « :×قال: قال رسول ا ولكن اقرأه في ثلاث متقاربة المعنى.. عن أبي حزة قال: قلت لبن عباس: إني سريع القرآن، أقرأ القرآن في ثلاث، قال: لئن أقرأ القرآن في ليلة أتدبرها وأرتلها أحب إلي من أن أقرأه كما تقرأ. و عليه بالنهار إل باليسير. وروي من وجه آخر أنه كان يتمه في رمضان في ثلاث، وفي غير رمضان من الجمعة إلى الجمعة.. هذه مقدمة.. الذين يكتبون ويتعلقون بالجانب اللغوي يطئون حين يهجمون على ما يدونه المعجميون في تبويب مادة مجردة؛ لأنم يجانبون المطلوب؛ لأن ما يدرجه أصحاب المعاجم متوجه للعملية التنظيمية التي تنصرف إلى الناحية اللفظية الشكلية، فيدخل تحت المدخل معان ليس بينها صلة، وإيرادها من باب التكثر الذي ل تدعو إليه حاجة، ول تتوقف عليه مصلحة، فالمداخل عملية تنظيمية قصد منها تنظيم المادة

عدد الصفحات ٣٩

مفهوم التدبر 40 المعجمية، ول يلزم أن يكون ما تحتها مشتقًاا من مادة واحدة ذات معنى واحد، وهذا ما يمكن أن نسميه الشتقاق الصوري، وخلاف الشتقاق الصرفي الذي يقوم على ركنين: اللفظ والمعنى، فالشتقاق الصرفي يتلف عن الشتقاق الصوري كما يظهر، فالشتقاق الصوري الذي بنيت عليه المداخل معجمية، والذي يبنى على اللفظ دون المعنى فنحن نجد في مادة ضرب (ضرب زيد عمرًاا) و(ضرب له بسهم)، (وضرب في الأرض)، والضرب بمعنى النوع والنمط، ول داعي لمن يتحدث عن معنى من هذه المعاني أن يوردها كلها، بل عليه أن يقتصر على ما يجمع بين اللفظ (المادة والمعنى)، والشتقاق الصرفي، وما يفعله كتبة العصر حين يتحدثون عن التعاريف من التزيدات التي ل داعي لها، ومبعثه الرغبة في الإطالة وزيادة أحجام المقالت والمصنفات، ول ألوم زميليَّ حينما تحدث أحدهما عن شروط بلوغ منزلة المتدبرين، والآخر عن المادة اللغوية والتصريفية التي يكفي منها القليل.. التمس د. عويض معناه من خلال المادة اللغوية، ومكونات المادة الأصلية، ومن خلال النظر إلى المعنى الصرفي، وهو معنى كلي مرده إلى الصيغة التي تدل على معانٍ منها: التكلف، وقد ذكر الصرفيون من معاني التكلف تفعَّلَ مثل تشجَّع وتحلَّم، والعمل المتكرر في مهلة نحو (تجرعته)، ومنه: تفهم، وهذان المعنيان ظاهران في تدبر، فالتدبر إنما يكون في بدايته معاناة، ويحتاج إلى بذل غير عادي، حتى يصير ممارسة، ثم يرتفع إلى أن يصير عادة، ثم يرتقي درجة إلى أن يكون مهارة، ثم يرتقي درجة فيصير سجية ل يستطيع الإنسان أن ينفك منها، ول يستطيع قراءة القرآن بدونا، إنما الحلم بالتحلم، والصبر بالتصبر، وقد يربط بعضهم بين المطاوعة والتكثير في هذه الصيغة، كما قال الرضي: وتفعل الذي للعمل المتكرر في مهلة، مطاوع فعل الذي للتكثير،

عدد الصفحات ٤٠

تحرير وتاأ 41 نحو (جرعتك الماء فتجرعته)، أي: كثرت لك جرع الماء، فتقبلت ذلك التكثير، وفوقت لك اللبن فتفوقته، وحسيتك المرق فتحسيته، أي: كثرت لك اللبن..إلخ.. ومنه تفهم. وحين قال: مِنهُ؛ لأن معنى الفعل متكرر في مهلةٍ ليس بظاهر فيه، لأن الفهم ليس بمحسوس كما في التجرع والتحسي، فبين أنه منه، وهو من الأفعال الباطنة المتكررة في مهلة. هذا؛ والظاهر أنَّ تفهَّمَ للتكلف في الفهم كالتسمع والتبصر. (انتهى كلام الرضي) ويحسن التنبيه إلى أن التدبر لفظًاا أو معنى ل يتص بالقرآن إذ كل ما ورد ل يعدو أن يكون استعمالًا، والستعمالت ل تتنافى بل تتآخى على اللفظ الواحد، ول أرى محظورًاا من استعمال اللفظ في غير القرآن، والكلام جارٍ بنحو (تدبر أمره)، أي: نظر فيه والفرق بين المكر والكيد.. إلخ. (وفلان يتدبر أعجاز أمور قد ولت صدورها)، إلخ. والتدبر التفكر، أي: تحصيل المعرفتين لتحصيل معرفة ثالثة. ويقال: (عرف الأمر تدبرًاا) أي: بأخرة. قال جرير: ول تتقون الشر حتى يصيبكم ول تعرفون الأمر إل تدبرَا قال أكثم بن صيفي لبنيه: يا بَـنِـيَّ ل تتـدبـروا أعجــاز أمــورٍ قد ولَّـت صدورُها

عدد الصفحات ٤١

مفهوم التدبر 42 وقد أورد الباحث الكريم أنَّ التدبر ورد في القرآن أربع مرات، مرتين مع القرآن ومرة مع القول، ومرة مع الآيات، وليت الباحث يراجع مقالته هذه، لما ذكر أن الفعل المضارع يدل على الحركة، والسم يدل على السكون، والمعروف أن المضارع يدل على التجدد والسم يدل على الثبوت، وفرق بين الثبوت والسكون. هذه الملحوظات اللغوية أتركها له.. حديث أبي هلال العسكري عن الفروق ل يعدو أن يكون وجهة نظر، هي محل خلاف، فالدكتور عويض نقل قول المناوي: (التأويل: تدبر الشيء وإعادة النظر فيه مرة بعد أخرى ليتحققه)، علماًا أن التفسير ل يلزم منه توافق اللفظين من كل وجه، والمستعمل للألفاظ ل ينْزع لهذا التأمل، وأستحضار أصل المعاني، والنظر فيما يكون بين اللفظين من فرق ل يلحظه المستمع، وقد جعل الدكتور عويض التأويل قريبًاا من معنى التدبر، والحقيقة أن بينهما فرقًاا، ذلك أن التأويل فيه تفسير، والتدبر ل يلزم منه هذا المعنى، فقد يتدبر الإنسان ول يفس، بل أكثر التدبر غير مكتوب، ول مدون، وهو يتعلق بالشخص، وفائدة خاصة، بخلاف التأويل والتفسير، وهذا المعنى استدركه الدكتور عويض في آخر مقاله بقوله: فالتدبر مطلوب محثوث عليه، متاح لكل الخلق ممن ملك الأداة، والتأويل محصور في أهل الرسوخ أمثال حبر الأمة، حتى لكأن التأويل يبحث فيما خفيت دللته، وصعب على سائر الناس إدراك المراد منه.. فرَّقَ الدكتور عويض بين فعَّل وتفعَّلَ، فجعل الأول صيغة صرفية، وجعل الثانية صيغة نحوية، وكلاهما من الصرف؛ لأن النحو إنما يعنى بالتراكيب، والصرف إنما يعنى بالأبنية والصيغ، وقد يطلق النحو ويراد به الكل، (النحو والصرف)، كما توسع بإيراد معاني تفعل، فنقل كل ما أورده الصرفيون، وهذا تزيد ل لزوم له، وليته

عدد الصفحات ٤٢

تحرير وتاأ 43 اكتفى بمعنيين، (التكلف والتدرج)؛ لأن بقية المعاني بعيدة عن المقصود من معنى التدبر. وربط التدبر بالمطاوعة فيه نظر، إذ ليس فيه مطاوعة، إذ المطاوعة قائمة على فِعْلِ فِعْلٍ معينٍ من طرفٍ، والستجابة له من طرفٍ آخر، مثل: (كستُ الزجاجَ فانكسَ)، (وقضضت الجدار فانقض)، وليست المطاوعة إجابة الأمر والطلب. التدبر في حقيقته مبادرة، واستجابة التدبر لأمر الله، وليس فيه المعنى الممنوح مثل (فهمته فتفهم)، (علمته فتعلم)، (وجهته فتوجه). ربط الأستاذ د. صالح العايد، بين شيئين ل يلزم الربط بينهما فهو يقول: وإن لبلوغ منزلة المتدبرين للقرآن، وللوقوف على مدى منزلته وإعجازه ثلاثة أركان: الأول: فهم علوم اللغة، والثاني: الإخلاص، والثالث: الذوق السليم. وهو غير لزم، المهم في الموضوع أن ل نجنح إلى ربط التدبر بإدراك وجوه الإعجاز، أو إدراك سر التعبير القرآني، فالتدبر عمل خوطب به الجميع، بل خوطب به الكفرة، ولم يقصر طلبه على النخبة والمعنيين بالإعجاز والراسخين في علوم العربية، وكأني بأخويَّ قد سلكَا أو تابعَا الزمخشري حين قال مقالةًا طويلة -أورد الدكتور صالح بعضًاا منها-. وربط د. صالح بين التقوى وفهم معاني حقيقة الوحي، وظهور أسرار العلم له، ول أدري صحة ذلك، إل أن يكون قصد أن التقوى مظنة التوفيق في التأويل؛ لأن قصارى هذا القول أن يكون كلمة لبعض أهل العلم ورأيًاا يحتاج إلى دليل، فكم من قاس قلبه يريد الهداية، كان الطلاع على القرآن سبب هدايته، فالتدبر وإن كان من معرض كافر قد يكون سبب الهداية، كما حصل في قصة إسلام عمر بن الخطاب،

عدد الصفحات ٤٣

مفهوم التدبر 44 وكتبه د أستاذ العلوم اللغوية جامعة أم القرى ولهذا أقترح على أخي د. صالح مراجعة مثل هذه المقالة، قد يقول إن ذلك خاص بمن يشتغلون في علوم القرآن، غير أن التدبر غير مقصور عليهم؛ لأنه أمر خوطبت به الأمة، بل إن التدبر ورد في الآيات الأربع ضمن سياق ياطب غير المؤمنين، الآيات الأربع كلها وردت في سياق مخاطبة غير المؤمنين، ولم ترد في خطاب المؤمنين.. ا* أن كل ما ذكر إنما يتوجه إلى جهة خاصة تعنى ببيان وجوه الإعجاز والوصول إلى تفسير قد ل يدركه عامة المفسين، وهل يحرم من ل تتوافر فيه هذه الشروط الثلاثة من نعمة التدبر، وهي أساس الهداية.. إن معنى التدبر الذي ذكره الإخوان معنى مقبول؛ لكن هل لنا أن نقصر ما جاء ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﭽفي القرآن عن التدبر في هذا المعنى: ﯫ ﯬ ﯭﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ .]46[ ﭼﯼ والسلام عليكم ورحة الله وبركاته،،،

عدد الصفحات ٤٤

45 بذل الباحث الكريم د. عويض العطوي جهده مشكورًاا لبيان معنى التدبّر؛ فسلك عدَّة مسالك لبيان مفهوم التدبُّر، ويمكن إيضاح ذلك فيما يلي مع بعض الوقفات حولها: اهتمَّ ببيان معاني مشتقات مادة (دبر) محاولةًا منه للوصول إلى :المسلك الأول معنى (التدبُّر)، فقد جعل المبحث الأول بعنوان: دللة مادة (التدبر) في اللغة، واستعرض مشتقات مادة (دبر) مع بيان معانيها على النحو التالي: ذكر تحته (الإدبار والدُّبور) للدللة على هذا المعنى. :الذهاب والانصراف ذكر تحته (الدُّبُر والدَّبْر) و(الدابر من السهام، والدابرة أي :مؤخرة الشيء العرقوب)، ومما يُلحظ عليه أنه جعل منه قولهم (الدلو بين قابل ودابِر)، والذي أراه أنه من المعنى الأول أي النصراف. ذكر تحته (التدبير) وهو النظر في عواقب الأمور.:عواقب الأمور ومما يلحظ عليه أنه فس التدبير بعواقب الأمور، وإنما هو النظر فيها فيكون العنوان الصحيح (النظر في عواقب الأمور). د. عبدالعزيز بن حيد الحميد التعقيب الثاني

عدد الصفحات ٤٥

مفهوم التدبر 4 كما أنه ذكر معه (التدبُّر) لمعرفة الأمر بأخرة، وليس هذا من (النظر في عواقب الأمور ذكر تحته (التدابر) للمصارمة والهجران.التقاطع والهجران: ذكر تحته (دَبَرَ السهم الهدف) أي جازه. التجاوز: ذكر تحته (دَبَرَ) أي تَبِع، والدابِر التابع، و(استدبرَ) أي تَبِعَ. :التتبع والتعقّب ومما يلاحظ عليه أن معاني هذه المشتقات تدل على التَبَع ل التتبُّع، وبينهما فرق. كما أن التعقُّب أورده الباحث وفسَّه بـ (التدبُّر). ويتضح هنا أنه جمع عددًاا من المشتقات تحت معنى واحد. ذكر تحته (الدَّبور) لنوع من الريح. :ريح خاصة ويلاحظ على ما مضى: ل أظنُّ أن إيراد معاني مشتقات المادة الواحدة ستقرِّهبنا من معنى المشتقِّه المراد، -1 وهو (التدبُّر) هنا، فهو مشتقٌّ من ضمن المشتقات العديدة للمادة، ومما هو معلوم اختلاف معاني مشتقات المادة الواحدة، من جهة كونا مشتقات ثلاثية أو غيرها، وكونا مزيدة أو مجردة، ويكثر جدًّا أن يكون لكل مشتقٍّ معنى ل علاقة واضحة له بمعنى المشتقِّه الآخر. لم يكن عنوان المبحث دقيقًاا، فهو ليس (دللة مادة التدبُّر في اللغة) بل (دللة -2 مشتقات مادة: دبر)، وإن كان قصدَ دللة المادة التي اشتقَّ منها (التدبُّر) فهو ليس دقيقًاا كذلك، فهي ليست دللة مادة (دبر) بل مشتقاتها، ومما يوضح قصده بعد ذكر مادة (دبر) قوله (التدبُّر) إحدى مشتقات (دبر) ل أصل المادة، ولذا فلها معنى خاصّ كما -3 لأخواتها معاني خاصَّة، وهو ما ينبِّههنا لكيلا نحمل بقيَّة المشتقات على كلمة (التدبُّر)،

عدد الصفحات ٤٦

تحرير وتاأ 47 وهو ما قد يتوهَّم القارئ من صنيع الباحث، مع أنه لم يرد ذلك. ومع أنه أورد معا بعض المشتقات لكنَّ بيان تلك المعاني ل يوضِّهح معنى (التدبُّر)، بل ما يقرِّهبنا من ذلك هو معرفة المعنى العامِّه لمادة (دبر)، وهو ما ذكره في الصفحة الرابعة من بحثه نقلاًا عن ابن فارس في أن أغلب المشتقات تدلُّ على (آخر الشيء وخَلْفه أي خلاف قُبُله). أتعب الباحث نفسه للوصول إلى معنى (التدبُّر) وسلك مسلكًاا المسلك الثاني: آخر غير بيان معاني أخوات (التدبُّر) من المشتقات الأخرى للمادة، بل بالبحث عن الكلمات التي فُسِّهَتْ بالتدبُّر، وهي: استدل بتفسير الزمخشري لـ (حرثتُ القرآن) بـ: أطلت دراسته وتدبُّره. :الحرث وأورد تفسير الزمخشري لتطفيل الكلام وترشيحه بالتدبُّر.:التطفيل وعلى طريقة الباحث كان الأولى جعل عنوان هذا التفسير (التطفيل والترشيح). ذكر تفسير الزمخشري لفَليْ الشِعْر بالتدبُّر والتفتيش في معانيه. :الفَليْ ذكر تفسير الزمخشري لقتداح الأمر بالتدبُّر.:الاقتداح ذكر تفسير التعقُّل بالتدبُّر. :التعقُّل ويظهر من استعراض الكلمات السابقة مجيء التدبُّر في شرحها، وهو إشارة إلى التقارب بين تلك الكلمات والتدبُّر، ويظهر لي أن التقارب بين هذه الكلمات والتدبُّر أكثر من تقارب المعاني التي ذكرها الباحث في بداية بحثه مع معنى التدبُّر. كما أنَّ تفسير الألفاظ الخمسة السابقة بالتدبُّر يأتي في أغلبها على المجاز. سعيًاا من الباحث الكريم إلى تحديد معنى التدبُّر فقد جعل المسلك الثالث: ، فأبان الفرق الفروق الدلالية بين التدبر ومرادفاته من حيث اللغة المبحث الثاني: بين التدبُّر ومرادفاته (التفكُّر، والنظر، والتأمُّل، والتفسير، والتأويل)، وأراد بذلك

عدد الصفحات ٤٧

مفهوم التدبر 48 التأكيد على تميّز التدبُّر عن غيره من المرادفات، لكنَّه في بيانه التقارب بين معا استدللًا بمجيء التدبُّر تفسيرًاا )(الحرث، والتطفيل، والفلي، والقتداح، والتعقُّل لها -وهو ما ذكرتُه في المسلك الثاني- قد يجعلنا نظنُّ أن هذه الكلمات من المطابقات للتدبُّر، وما أظنُّ الباحث الكريم أراد هذا، وكما هو معلوم فإن من ينفي الترادف بين الألفاظ وخاصَّة في القرآن يدرك تميُّز (التدبُّر) عن غيره. اجتهد الباحث في بيان دللة صيغة (تَدَبَّر) في المبحث الثالث المسلك الرابع: ، فأورد دللتها الصرفية ببيان معاني صيغة وزنا : دلالة صيغة الكلمة (التدبر)وعنوانه (تَفَعَّل)، وذكر سبعة معانٍ جاء الفعل فيها مطاوعًاا لفعل آخر، إضافة إلى مجيئها بمعنى (استفعلَ)، و(فَعَلَ)، أي أن سبعةًا منها جاء الفعل معها مطاوعًاا لفعل آخر، وهو ما يدلُّ على غلبة المطاوعة على معاني هذه الصيغة، لكنَّ الباحث جعل ذلك مؤشرًاا مهماًّ في موضوع التدبُّر، فالمطاوعة ل تكون إل بعد جهد ومشقَّة، حتى لكأن المطاوِع كان مستعصيًاا ثم لنَ وطاوعَ، وهذا يوجب على المتدبِّهر إطالة النظر، والتأني والصبر. لكني أتساءل: ما قيمة إيراد معاني صيغة (تَفَعّل) وأكثرها للمطاوعة، مع أن (تَدَبّر) ليس مطاوعًاا لـ (دَبّرَ) كما قد نتوهَّم من كلامه؟ لعل الأقرب في بيان معنى (تَدَبّر) ما ذكره من دللته على التكلُّف والتدرُّج، أي بذل المتدبِّهر الجهد وتكلَّفه، مع التدرُّج والتتبُّع مرحلة مرحلة. ولبيان معنى التدبُّر أوردَ دللة صيغتها النحويَّة، وذكر أن التدبُّر جاء في أربعة مواضع في القرآن الكريم، لكنَّه وقف عند ورود الكلمة بصيغة المضارع، وألمحَ إلى أنا تدلُّ على التجدُّد والحدوث، بينما السم يدلُّ على السكون غالبًاا، والذي يظهر لي

عدد الصفحات ٤٨

تحرير وتاأ 4 أنه ل عجب من مجيء المضارع في الآيات الكريمة؛ فالتدبُّر مقصود ومحضوض عليه، وهو ما جاءت عليه الآيات الثلاث، والمضارع هو المناسب هنا، وفي الرابعة جاء التدبُّر علَّةًا لإنزال القرآن، وهو ما يناسب المضارع، ول أظنُّ أن التجدُّد والحدوث مقصودان هنا، وإنَّما دللته كدللة أيِّه مضارع يستدعيه السياق. وأحسب أن السياق لو استدعى مجيء الكلمة بصيغة المصدر لدلَّت على ما يدلُّ عليه المضارع في هذه الآيات الكريمة. وقد يكون بيان معنى (تَدَبَّر) أيس من المسلك الذي سلكه الباحث الكريم، وهو بيان المعنى اللغوي المباشر لهذه الكلمة، فالمادة الأصلية (دبر) تدلُّ في أكثر على آخر الشيء وخَلْفه، وأكثر مشتقاتها تدور حول هذا – كما ذكر ابن فارس–معانيها المعنى، لكن (التدبُّر) لكون صيغتها (التفعّل) تدلُّ على التكلُّف والجتهاد لمعرفة آخر الشيء، ولكون القرآن في عظمته يحتاج إلى الجتهاد في فهمه والتعمُّق فيه، لذا ورد التدبُّر مختصًّا بالقرآن الكريم. لكنِّهي أحسب أن ورود التدبُّر في كلام العرب لما يحتاج إلى التدبُّر فيه دليلٌ على أن هذه الكلمة تدلُّ كغيرها على المعنى الذي تحمله دون اختصاصها بالقرآن الكريم، فالتدبُّر -كما ذكر أبو هلال العسكري- تصرّف القلب بالنظر في العواقب، وهو ما يؤكد أنَّه يمكن أن يجري على أيِّه كلام. وممَِّا ورد في كلام العرب عن التدبُّر قول ابن أحر الباهلي: لو كنتُ ذا علمٍ علمتُ وكيف لي بالعلم بعد تَدَبُّرِ الأمرِ وممَّا ورد في المعاجم عن التدبُّر قول الجوهري فجأة، إذا لم يكن عن تردُّد ول تدبُّر ويُقال

عدد الصفحات ٤٩

مفهوم التدبر 50 * يتضح مما سبق أمور أشير إليها باختصار بذل الباحث الكريم جهدًاا كبيرًاا لبيان مفهوم التدبُّر برجوعه إلى معاجم -1 اللغة والكتب المتخصِّهصة حينما يتعلَّق الأمر بدللت الألفاظ فهو أمرٌ دقيقٌ تختلف فيه الآراء -2 والجتهادات، وقد يغلب أحيانًاا الجانبُ النظريُّ على الواقع في اللغة، وقد ثبت أن كثيرًاا من الألفاظ يتلف استعمالها في اللغة عماَّ ورد عنها في المعاجم وكتب الفروق، فنجد في اللغة العديد من الألفاظ التي نصَّ بعضهم على وجود فروق بينها، وحينما ننظر في استعمال العرب لها نجدهم يغفلون تلك الفروق ويفسون بعضها ببعض. ضرورة البعد عن التكلُّف عند بيان معاني الألفاظ، فلا يكن همُّنا البحث عن -3 أيَّة فروق تُذكر بين الألفاظ، بينما نجد في الستعمال اللغويِّه ما يُلغي تلك الفروق ما أعنيه هو عدم التكلُّف في التأكيد على تلك الفروق التي ذكرها بعض العلماء مع إغفال آخرين لها، مع ضرورة العناية بما ثبت لدى اللغويِّهين من فروق متَّفق عليها. لشتقاقات المادة الواحدة معانٍ مختلفةٌ، لكنَّها قد تتفق في معنى عامٍّ، وما -4 يفيدنا في الوصول إلى معنى إحدى المشتقات هو معرفة المعنى العامِّه مع مراعاة دللة صيغة الكلمة المقصودة. ل القطع با- معرفة مرادفات أو مقاربات – مما يساعدنا في إيضاح الدللة -5 الكلمة المرادة، إمَّا بمجيء الكلمة المرادة تفسيرًاا لها (وفي بحثنا جاء التدبُّر تفسيرًاا ، أو بذكر مرادفات للكلمة المرادة (وفي )للحرث والتطفيل والفلي والقتداح والتعقُّل بحثنا ورد التفكُّر والنظر والتأمُّل والتفسير والتأويل مرادفات للتدبر). عدم تحميل الكلمة المرادة ما ل تحتمل في إضافة دللت جانبيَّة، وفي بحثنا -6 أشير إلى تحميل الباحث الكريم دللة المطاوعة إلى التدبُّر استدللًا بمجيء صيغة

عدد الصفحات ٥٠

تحرير وتاأ 51 (تفعّل) للمطاوعة في أكثر معانيها، مع أن التدبُّر ليس للمطاوعة، إلى جانب ما قد يتوهمَّه القارئ من اختصاص (التدبُّر) بالقرآن في القرآن الكريم، وأنه ل يصلح لغيره، مع إشارة الباحث إلى دللة مجيء فعل التدبُّر في القرآن بصيغة المضارع، وهي أنه يدل على التجدُّد والحدوث، مع أن المضارع استدعاه السياق، ولو جاء السياق محتاجًاا للماضي لدلَّ الماضي على المعنى نفسه. يقيني أن الخوض في دللة لفظٍ قرآنيٍّ ل يلو من التخوُّف، فيجب علينا -7 التِّهزان في إبراز الدللة دون تكلُّفٍ من جانب، مع مراعاة كونه لفظًاا قرآنيًّا يحتاج إلى مزيد عناية، ويمكن أن يكون دليلنا نوعان من المصادر: الأول: كتب التفسير الأولى المعتمدة على أقوال علماء التفسير ذوي المعرفة باللغة، والثاني: كتب اللغة من معاجم ورسائل لغويَّة، دون الكتفاء بمن يبالغ في إيجاد الفروق أو التقريب بين المعاني المتباعدة، وأشير إلى أن أبا هلال العسكري أُخذ عليه تكلفه في إيجاد فروق دقيقة يتعامى العرب في كلامهم عنها، وإلى ابن فارس في تكلُّفه أحيانًاا في إيجاد معنى عامّ لألفاظ مختلفة تتفق في المادة اللغويَّة. أخيرًا: أشيد بالجهد الواضح للباحث الكريم د. عويض العطوي، مع اعتذاري لهذا الطرح المتعجِّهل الذي ل يلو من اختصار، لكني على يقين أن المطلع والسامع سيثريه بنقده وتقويمه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وكتبه د. عبدالعزيز بن حميد الحميد الأستاذ المشارك بكلية اللغة العربية - جامعة الإمام محمد بن سعود هـ1429/5/21

عدد الصفحات ٥١