مفهوم التدبر 20 - الحرث8 .)1(يقول الزمخشري في (الأساس - التطفيل:9 .)2(يقول الزمخشري - الفلي:10 .)3(يقول الزمخشري - الاقتداح:11 .)4(جاء في (الأساس - التعقُّل: 12 .)5(« ومن خلال النظر في كلِّه ما سبق نلحظ تقارب المعاني، وأنَّ جُلَّها يعود إلى عاقبة هـ) مؤونة ردِّه تلك المعاني إلى معنًاى 395الشيء ومؤخرتِه، وقد كفانا ابن فارس كُلِّهـيٍّ بقوله وهو آخِر الشيَّء وخَلْفُه خلافُ قُبُلِه، وتشذُّ عنه كلماتٌ يسيرة نذكرُها، فمعظم الباب ) أساس البلاغة، مادة (حرث).1( ) أساس البلاغة، مادة (طفل2( .359/1) أساس البلاغة3( ) أساس البلاغة، مادة(قدح4( (دار الفكر المعا ) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، تحقيق: د. محمد رضوان الداية5( )188 / ص1هـ) (ج1410، دار الفكر - بيروت ، دمشق، الطبعة الأولى،
عدد الصفحات ٢٠تحرير وتاأ 21 .)1(أنَّ الدُّبُرَ خلافُ القُبُل ووجَّه ابن فارس كثيرًاا من الأقوال وفقًاا للمعنى الذي ذكر فقال ودبَّرْتُ الحديثَ عن فُلانٍ، إذا حدَّثتَ به عنه، وهو من الباب؛ لأنَّ الآخِر المحدِّهثَ يَدْبُر الأوَّلَ يجيءُ خَلْفَه... وقد دَبَرَ يَدْبُرُ دُبُورًاا، والدَّبَرانُ: نجمٌ، سمِّهي بذلك؛ لأنَّه يَدْبُر الثُّريَّا، ودابَرْتُ فُلانًاا: عاديتُه، وفي الحديث وذلك أنْ يترُكَ كلُّ واحدٍ منهما الإقبالَ على صاحبه بوجْهه، والتدبير: أنْ يُدبِّهر الإنسانُ أمرَه، وذلك أنَّه يَنظُر إلى ما تصير عاقبتُه وآخرُه... والدَّابر من القِداح: الذي لم يَْرُج؛ وهو خلاف الفائز، وهو من الباب؛ لأنَّه ولىَّ صاحبَه دُبُرَه. والدَّابر: التابع؛ يقال: ، يقول: تَبِع ]33[ ﱫ ﯮ ﯯ ﯰﱪدَبَرَ دُبُورًاا. وعلى ذلك يفسَّ قوله جلَّ ثناؤُه: النَّهارَ... وأما الكلمات الأُخَرُ؛ فأُراها شاذَّةًا عن الأصل الذي ذكرناه، وبعضُها .)2(صحيح وبذا ندرك أنَّ دللت هذه المادة يمكن أن ترشدنا إلى أن (التدبُّر) يحتاج إلى: التتبُّع للوصول للغايات، وأواخر الأشياء. وإنما أَورَدتُّ كلَّ ما يص هذه المادة من معانٍ من أجل الستقصاء؛ ليمكننا بعد ذلك الخروج بمعنى مناسب لدللة التدبُّر في القرآن، وفي نظري أنَّ المعاني المذكورة تآزرت بصورة واضحة في دللة أشرت إليها قبل قليل. 1423) مقاييس اللغة، ابن فارس،تحقيق: عبد السَّلام محمد هَارُون، (اتحاد الكتاب العرب، 1( م)، مادة (دبر2002هـ ) مقاييس اللغة، مادة (دبر).2(
عدد الصفحات ٢١ومع هذا؛ فأنا ل أرى ما يدعو إلى التعمُّق في البحث اللغوي إل للمختصين، أما عند مخاطبة الناس بذا الموضوع، أو التأليف؛ فأرى أن يقصر الأمر على ما يفهمُه الناسُ بسهولة، حتى ل نقيم حدودًاا أو حواجز تضيق من مساحة التدبر الواسعة. وفي رأيي أنَّ عامة المسلمين يفهمون المعنى العام من مصطلح (تدبر القرآن)، ولهذا فلا أرى مناسبة للتوسُّع فيه على ما ذكر، إل للبحوث المتخصصة، وهذه الورقة إحداها.
عدد الصفحات ٢٢23 بما أنَّ التدبر لم يذكر في القرآن إل مع القرآن، فهذا يعني خصوصية لهذه الكلمة ليست لغيرها، مما يرى أنه بمعناها مثل: التفكُّر، والتأمُّل، والنظر، والتفسير، والتأويل، ولهذا رأيت أنَّ مما يمكن أن يُسهم في تجلية معنى التدبر وتحديد مفهومه بيان الفروق الدلليَّة بينه وبين هذه الكلمات؛ لإدراك سرِّه اختصاص كلٍّ منها بما اختص به. * التدبر والتفكر: ، وجاء في القاموس: )1(يقول ابن سيده ، وجاء عند ابن فارس)2(« .)3(الفاء والكاف والراء تردُّدُ القَلْب في الشيَّء، يقال: تفكَّرَ إذا ردَّدَ قلبه معتبرًِاا ويظهر من هذا: أنَّ التفكر هو استخدام للعقل المشار إليه بالنظر والقلب، وليس من دللته الوصول إلى الغايات، بل العتبار بالمشاهدات وما يماثلها من ) المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيدة، مادة (فكر).1( ) القاموس المحيط، الفيروز آبادي، مادة (فكر2( ) مقاييس اللغة، مادة (فكر3( المبحث الثا الفروق الدلالية بين التدبر وبع مرادفاته من حيث اللغة
عدد الصفحات ٢٣مفهوم التدبر 24 دلئل القدرة، لذا نجده يذكر مع الآيات المنظورة (الكون)، دون الآيات المسطورة (القرآن)؛ لأن ذلك هو مجال، وقد أجاد أبو هلال العسكري حين جعل جوهر الفرق بين اللفظين يرجع إلى مقصد كلٍّ منهما (العواقب، والدلئل)، بناء على الفرق المعجمي في دللة كل منهما، فقال .)1(القلب بالنظر في العواقب، والتفكُّر: تصرف القلب بالنظر في الدلئل * التدبر والنظر: ، )2(جاء و وهو تأمُّلُ الشيَّءِ ومعاينتُه، ثم يُستعار ويُتَّسَع فيه، فيقال: نظرت إلى الشيَّءِ أنظُر إليه، .)3(إذا عاينْتَه ويتضح من هذا: أنَّ عماد هذه الكلمة (النظر) هو المعاينة التي أداتها العين، وبذا يكون النظر أقرب التفكر منه إلى التدبر، وأرى أن الثنين (التفكر والنظر) أداتان يمكن أن يوصلا إلى القدرة على التدبر. * التدبر والتأمل: يقول الخليل .)4(تأمّلْ خليلي هل تَرَى من ظَعائنٍ... تحمّلْنَ بالعَلْياءِ من فَوْق جُرْثُمِ .121 / 1) الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري1( ) العين، مادة (نظر2( .) مقاييس اللغة، مادة (نظر3( ) العين، مادة (أمل4(
عدد الصفحات ٢٤تحرير وتاأ 25 ، وقال ابن فارس)1(وجاء « .)2(الرَّمل ويتضح من هذا: أنَّ التأمل يدور حول التثبت والتلبُّث والنتظار، ومن هذا الوجه يتلف عن التدبر الذي يراد منه التتبُّع حتى الوصول إلى غاية المقصد. وقد عرَّفه العسكريُّ بقوله ، وقريب منه قول )3(يكون إل في طول مدة، فكل تأمل نظر، وليس كل نظر تأم .)4(المناوي * التدبر والتفسير: قال ابن فارس ، وهذا يعني: أنَّ التفسير مبناه على الكشف والإيضاح، ويكون له )5(وإيضاحِه مرتكز محدد كاللُّغة مثلاًا، ولهذا نجد العناية بذكر ما يدل على الإبانة والإيضاح في قول .)6(الزمخشري فهذا يدل على وجود مؤشر للمعنى يوضح المراد من خلاله، ولهذا يكون التفسير -غالبًاا- قريبًاا ظاهرًاا مفهومًاا، بخلاف التدبر؛ فقد يكون لطيفًاا عميقًاا، ولأجل هذا ) القاموس المحيط، مادة (أمل).1( ) مقاييس اللغة، مادة (أمل2( .543 / 1) الفروق اللغوية3( .156 / 1) التعاريف4( .) مقاييس اللغة مادة(فس5( .351 / 1) أساس البلاغة6(
عدد الصفحات ٢٥مفهوم التدبر 2 الملحظ نجد المناوي يقول .)1(الآية وشأنا وقصتها والسبب الذي نزلت فيه، بلفظٍ يدلُّ عليه دللة ظاهره * التدبر والتأويل: ، وهو )2(قال ابن فارس بذا يشير إلى دللة النهاية والغاية، ويظهر ذلك بوضوح من قوله ﭜ ﭝ ﭞ ﭟﭠ ﭽتأويل الكلام، وهو عاقبتُهُ وما يؤُولُ إليه، وذلك قوله تعالى: يقول: ما يَؤُول إليه في وقت بعثهم ونشورهم. ]53[ ﭼﭡ ﭢ ﭣ وقال الأعشى: على أنَّا كانَتْ تأَوَّلُ حُبّها تأَوُّلُ رِبِعِيِّه السِّهقابِ فأصحبا .)3(يريد مرجعَه وعاقبتَه، وذلك مِنْ آل يَؤُولُ هـ) على المآل والمرجع، وذكر معه التفسير فقال711ونص ابن منظور الرجوع، آل الشيءُ يَؤُول أَوْلًا ومآلًا: رَجَع، وأَوَّل إِليه الشيءَ: رَجَعَه... وأَوَّلَ الكلامَ .)4(وتَأَوَّله: دَبَّره وقدَّره، وأَوَّله وتَأَوَّله: فَسَّه ولعلنا من خلال هذه المعطيات نستطيع القول بأن التأويل يبحث فيما يؤول إليه الشيء، وإذا تعلَّق ذلك بالكلام كان المراد هو ما يؤولُ إليه ذلك الكلام، أو هو الرجوع به إلى مآل آخر. .192 / 1) التعاريف1( ) مقاييس اللغة، مادة( أول2( ) مقاييس اللغة، مادة (أول3( ) لسان العرب، مادة(أول4(
عدد الصفحات ٢٦تحرير وتاأ 27 وبذا يكون التأويل أقربَ المعاني للتدبر؛ لشتراكهما في الوصول للغاية والمآل، والمقصد، لكن قد يكون في التأويل من الخفاء في الدللة ما ليس في التدبُّر. - بإيراد الفروق بين التفسير والتأويل )1(وقد اهتمَّ أبو هلال العسكري -كغيره ، وما ينبغي التنبه إليه في كلامه قوله في ناية تلك النقول الكثيرة، )2(على وجه الخصوص والتفصيلات المتعدد ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘﯙ ﭽ التأويل له مزيَّة زائدةٌ على التفسير، ويرشد إليه قوله تعالى: ، حيث حصر سبحانه علم التأويل في جنابة تعالى، ]7[ ﭼﯚ ﯛ ﯜ ومن رَسَخَ في العلم قدمُه، واستضاء في طريق التحقيق علمُه، ووقع على عجائب ما أودع فيه من الأسرار، وأطلع على تفاصيل ما اشتمل عليه من الأحكام والآثار. «وقد دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبن عباس، وقال ، فلو لم يكن للتأويل مزيدُ فضلٍ لم يكن لتخصيص ابن عباس الدِّيْنِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ بذلك -مع جلالةِ قدره، وعظيم شأنه- مزيدُ فائدة ولعلَّ هذا ما يجعلنا نقول: إن هناك علاقة بين التأويل والتدبر، يحكمها التقاؤهما في الغايات والمقاصد، وافتراقهما فيما يتعلَّق بالمكلفين، فالتدبر مطلوب محثوث عليه، متاح لكلِّه الخلق ممن ملك الأداة، والتأويل محصور في أهل الرسوخ أمثال حبر الأمة وترجمان القرآن، حتَّى لكأن التأويل يبحث فيما خفيت دللته، وصعب على سائر الناس إدراك المراد منه. وقد يرشد إلى ذلك تأمل الآيات التي ورد فيها لفظ التأويل، فهي جلُّها -أو .193 / 1) كالمناوي في التعاريف1( .130 / 1) انظر: الفروق اللغوية2(
عدد الصفحات ٢٧مفهوم التدبر 28 كلها- مما خفيت دللته، مثل الرؤيا، وما خفي من العلم في قصة موسى -عليه السلام- والعبد الصالح، لهذا ينبغي عدم الوقوف عند القول بأن التأويل هو التفسير فحسب، بل إنَّ الدللة الأخرى المتعلقة بالمآل فيها من العمق والبعد ما يحتاج إلى طول نظر من خلال الأسلوب القرآني، أما التأويل الحادث؛ وهو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر، فهذا ل تدعمه اللغة. وليس حديثُنا هنا عن التأويل المذموم، وإنما عن دللته اللغوية وربطها بوروده لبن عباس به، ولهذا يمكننا من خلال النظر في مواطنه ×في القرآن، ومدح النبي في القرآن من جهة، واستقصاء ما انفرد به ابن عباس من أقوال من جهة، يمكننا من خلال ذلك أن ندرك بصورة أدق معنى التأويل، وسر اختصاص ابن عباس به.
عدد الصفحات ٢٨2 لصيغة الكلمة أثر في مدلولها، لهذا رأيت أن أُسلِّهطَ الضوء على صيغة هذه الكلمة من الناحية الصرفية ومن الناحية النحوية، وذلك من خلال مطلبين: دللة الصيغة الصرفية (تفعل).المطلب الأول: دللة الصيغة النحوية (صيغة المضارع).المطلـب الثاني: المطلب الاأول: دلالة ال * معلوم أن (التدبُّر) هو مصدر الفعل (تدبر)، وهو فعل مزيد، ومعاني الزيادة تظهر في الفعل، ثم تنقل للمصدر، فالحديث عن المصدر سيكون من خلال الحديث عن الفعل، يقول ابن سيدة . )1(في تفعَّل، وضمُّوا العَينَ؛ لأنه ليس في الكلام اسمٌ على تفعُّلٍ وبناء على ذلك؛ فإنَّه ل بد أن يكون لصيغة هذا الفعل على (تفعُّل) دون غيرها من الصيغ دللة تتميَّز با، ويمكن لهذه الدللة أن توضح المراد وتحدد المفهوم، وحتى يتم ذلك، فيحسن أن نعرف المعاني التي ذكرها الصرفيون لهذه الصيغة (تفعُّل)، .409 / 3) المخصص1( المبحث الثالث دلالة
عدد الصفحات ٢٩مفهوم التدبر 30 (بزيادة التاء في أوله، وتضعيف الع هـ 616يقول العكبري للمعاني، نحو تَفَعَّل وتَفَاعَل وافتعل، وفي مصادرها وفي مصدر فَعَّل نحو قطَّع تَقْطيعًاا، .)1(فزيادةُ التَّاء والياء عوضٌ من تَشْديد العينِ في الفعل؛ ليدلَّ على التكثير والتوكيد ، نستطيع القول: )2(وبعد النظر فيما ذكره الصرفيون من دللت صيغة (تفعَّل إنَّ كثيرًاا من المعاني الواردة مع هذه الصيغة مبني على المطاوعة، حيث إنا تلمح في أغلب المعاني المذكورة، وعادة ما ينص الصرفيون على ذلك، وسأشير إلى ذلك عند ذكر معاني الصيغة التي هي: (مطاوع) (فعَّل) نحو: كسَّت الزجاج فتكسَّ. التكثير: (مطاوع) (فعَّل) نحو: قيَّسته فتقيس، أي نسبته إلى قيس. النسبة: (مطاوع) (فعَّل)، ول يأتي إل متعدِّهيًاا، والتخاذ يعني: اتخاذ فاعل الفعل، الاتخاذ: وجعله مفعول أصل الفعل، نحو: تسنم عليَّ المجد، اتخذه سنامًاا. (مطاوع) (فعَّل)، وهو رغبة الفاعل، واجتهاده في حصول الفعل له التكلف: حقيقة، نحو: تشجَّع، وتحلَّم، وتصبرَّ، وتجلَّد، وتكرَّم، وتنوَّه، تقول: تشجَّع المغامر؛ أي: كلَّف نفسه الشجاعة؛ ليتم حصولها. (مطاوع) (فعَّل)، وهو للدللة على السلب، وترك الفعل والبتعاد التَّجنب: عنه، نحو: تحرَّج محمد؛ أي: ترك الحرج، وتأثم الرجل. بمعنى: ترك الإثم. .312 / 1) اللباب علل البناء والإعراب1( ) ممن فصل في هذا الأمر الرضي في شرحه لشافية ابن الحاجب، انظر تفصيل ذلك في: شرح2( .104 / 1شافية ابن الحاجب
عدد الصفحات ٣٠تحرير وتاأ 31 (مطاوع) (فعَّل)، وهو العمل المتكرر في مهلة، وهو بذا يؤول إلى معنىالتدرُّج: التكثير، وحصول الفعل مرة بعد أخرى، ويأتي للأمور الحسية والمعنوية. جرعت المريض الدواء فتجرعه؛ أي: شربه جرعة بعد جرعة.مثال الحسيَّة: علمت التلميذ المسألة فتعلمها؛ أي: علمها مرة بعد مرة.ومثال المعنوية: (مطاوع) (فعَّل)؛ أي جعل الشيء ذا أصل حقيقة، أو تقديرًاا، فالحقيقة التأصيل: نحو: أصَّلته فتأصل؛ أي: صار ذا أصل، ومثال التقدير: أهَّلته فتأهَّل؛ أي: صار ذا أهل، وقد يكون مطاوع تقديرًاا، مثال الحقيقة: تزبَّب العنب؛ أي صار زبيبًاا، والتقدير نحو: تكلَّل الشيء؛ أي: صار إكليلاًا. بمعنى « الحضور والوفاء به، والعتقاد: وهو تصورك الشيء أنه على صنعة أصله، نحو تعظمته؛ أي: استعظمته، بمعنى: اعتقد فيه أنه عظيم. بمعنى «جهمته؛ أي: كلحت في وجهه، ومنه حديث دعاء الرسول ؛ أي: يلقاني بالغلظة والوجه الكريه.يَتَجَهَّمُنِي ولعله اتَّضح من خلال هذا العرض لأهم معاني هذه الصيغة كيف أن المطاوعة كانت السمة الأظهر فيها، والعامل المشترك بين أكثرها، وحتى لو كانت المطاوعةُ واردةًا في صيغ أخرى، فإن المعاني المذكورة مع هذه الصيغة، والبنية التي وردت عليها، تحدِّهد نوع الدللة فيها، وتمنحها السمةَ المميزةَ لها، عن (تفاعل، وانفعل) على
عدد الصفحات ٣١مفهوم التدبر 32 سبيل المثال وشيوع المطاوعة في هذه الصيغة عمومًاا يجعلنا نستحضر معناها في حديثنا عن التدبُّر، وإن لم يكن ذلك ظاهرًاا في الفعل(تدبَّر)؛ لأنه ليس مطاوعًاا لـ(دبَّر)، ذلك أنَّ المطاوعة ل تكون عادة إل بعد جهد ومشقة، حتى لكأن هذا المطاوِع كان مستعصيًاا ثم لن وطاوع، والتدبُّر يحتاج إلى تعقب ونظر في العواقب إلى أن يحصل له مراده، وهذه بعض دللت المطاوعة. كما أننا إذا نظرنا إلى المعاني الأخرى الواردة، واستحضرنا معنى (التدبر) ومجاله وهو القرآن، عرفنا بعض السمات والصفات التي ينبغي للمتدبِّهر التحليِّه با، ويمكننا لحظُ ذلك من معنيين على وجه الخصوص هما: (التكلُّف) و(التدرُّج) المراد منه حصول الفعل مرَّة بعد مرَّةٍ، ومرحلة بعد مرحلةٍ، فالأول يُشعر بضرورة بذل الجهد، والثاني يُبين ضرورةَ التدرُّج والتتبُّع مرحلة مرحلة، لسبر أغوار أسرار القرآن، ولعل هذا يلتقي بوضوح مع المعنى اللغوي لمادة (التدبر)، مما يمكِّهننا من رسم معالم واضحة لمنهجية التدبر تتمثل في: (الصبر، وبذل الجهد، والتدرج). المطلب الثاني: دلالة ال* الحديث هنا عن الصيغة التي وردت عليها المادة في القرآن، وبالنظر في تلك الصيغة نجد أن التدبُّر جاء في القرآن في أربعة مواضع هي: ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﭽقوله تعالى: ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﭽ، وقوله تعالى: ]82[ ﭼﮈ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﭽ، وقوله تعالى: ]24[ ﭼﮗ
عدد الصفحات ٣٢تحرير وتاأ 33 ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭽ ، وقوله تعالى: ]68[ ﭼﮬ .]29[ ﭼﭸ ﭹ ﭺ وعند تأمل هذه الآيات يمكن لمح الدللت الآتية: أنَّ هذه المادة (التدبر) لم تذكر في القرآن إل مع القرآن، بينما ذكر مع غيره -1 التفكر والتذكر والنظر، ولكل منها معناه الخاص به، على ما سبق بيانه أنَّ الصيغة التي جاءت عليها هذه المادة هي (الفعل المضارع) بالفك -2 (يتدبرون) والإدغام (يدبروا)، وقد تنوَّع معها ما يدل على القرآن معها، فقد ورد لفظ (القرآن) معرَّفًاا مرتين، وورد لفظ (القول) معرَّفًاا مرة واحدة، وورد لفظ (آياته) معرَّفًاا بالإضافة مرة واحدة. ومن خلال كلِّه هذا يمكننا إدراك معان أخرى يمكن أن تتكامل مع ما سبق، فصيغة الفعل -وخصوصًاا المضارع- لها دللت ل بد من استثمارها، وقد ألمح البلاغيُّون في دللة المضارع في مقابل السم إلى بعض الفروق، ولعل أهمها: أن المضارع يدلُّ على التجدُّد والحدوث، أو ما يمكن التعبير عنه بالستمرار التجددي، والسم يدل على الثبوت، كما أنه يدل على الحركة بخلاف دللة السم على السكون غالبًاا، كما أنه أقدر من السم على استحضار الصورة، فإذا قلنا: فلان يركب، كان المضارع ناقلاًا للصورة، ودالًّ على الحركة، وليس شرطًاا أن يكون ذلك متجدِّهدًاا. وإذا أردنا أن نستثمر كل هذا في دللة المضارع الوارد معنا هنا، لأمكننا القول بأن المراد هو الحث على التدبر بطريق الإنكار لضدِّهه (عدم التدبر)، بأسلوب يشعر بضرورة تجدد ذلك كلَّما دعا له داع، أو وجد له سبب. وهذا الأمر يتناسب مع قضية التدبر، التي ل يتصور فيها أن الإنسان سيكون
عدد الصفحات ٣٣مفهوم التدبر 34 متدبِّهرًاا كلَّ وقته، لكن ينبغي أن يتحرَّك عنده هذا الهاجس كلما طرق سمعه القرآن، أو تحرَّك به لسانه، أو قرأته عيناه، وهذا يعني أن (التدبر) حدثٌ متجدِّهدٌ مع أسبابه ودواعيه. فدللة المضارع في الشواهد كلِّهها مؤشرِّهٌ مهمٌّ على ضرورة الستمرار المتجدِّهد في هذا الشأن، ذلك أنَّ مِنْ أهمِّه دللت هذه الصيغة التجدد والحدوث. ا* لعله اتَّضح مما سبق ما يأتي: تآزر دللة المادة (دبر) مع دللة الصيغة في إظهار سمات محددة يمكن جمعها فيما يأتي: النظر في المقاصد والغايات.أ- التدرُّج، والحدوث، والتجدُّد. ب- بذل الجهد.ج- الصبر، والتحمُّل. د- أنَّ أقرب المرادفات للتدبُّر هو التأويل لجتماع الكلمتين في دللة المآل والعاقبة، مع فروق في الوضوح والخفاء. اختصاص (التدبر) بالقرآن؛ فلم يرد إل معه، وهذا يوجب -في نظري- عنايةًا خاصَّةًا بالآيات التي ورد فيها التدبُّر، واقترح أن يكون هناك ملتقًاى آخر خاصًّا با (تحليلاًا، وتفسيرًاا، وموازنةًا)، ويمكن أن تدرس فيه الفروق بين (النظر، والتفكر، والتأويل، والتدبُّر) من خلال القرآن، وهذا ما يمكن أن يوجد منهجًاا معينًاا في محاولة
عدد الصفحات ٣٤تحرير وتاأ 35 تحُدِّهد مفهوم هذه المصطلحات تنوُّع ما يدل على القرآن مع التدبر، فمرَّة يذكر القرآن، وهو الأكثر، ومرة يرد القول، ومرة ترد الآيات، ولعل هذا يشير إلى مجالت التدبر، وأن أدناها الآية، وأوسعها القرآن كله، وقد يكون فيه إشارة المقروء والمسموع منه. هذا ما تيس بيانه على ضيق في الوقت، وأسأل الله العون والتوفيق. وكتبه د. عوي عميد كلية المعلِّهمين، ورئيس قسم اللغة العربية جامعة تبوك هـ1429/5/1الثلاثاء
عدد الصفحات ٣٥