مفهوم التدبر 252 مراد الله تعالى بكلامه المتعبد بتلاوته، قدر الطاقة البشرية، وراضَ نفسه على مناهج المفسين، مع معرفته جمُلاًا كثيرة من تفسير كتاب الله، ومارس التفسير عمليًّا بتعليم . )1(أو تأليف وإذا كان التفسير هو البيان والكشف عن المعنى فبينه وبين التدبر تلازم واضح وعلاقة شديدة التصال واللتحام؛ لأن المتدبِّهرَ إذا تدبر وفق ضوابط وشروط التدبر فسوف يزيل الشبهات، ويوضح اللتباسات، ويكشف عن المعاني المرادة من الألفاظ والجمل بل من السورة القرآنية بله القرآن كله، فالتدبر على ذلك وسيلة، والتفسير غاية. وإذا كانت مهمةُ المفسِّه هي بيان المراد من معاني وأحكام القرآن، فَمِنْ ثم يلزم المفس أن يتسلح بكافة العلوم التي تعينه على الكشف عن المعاني والأحكام، فلا يصح أن يُفس أحدٌ القرآن، وهو ل يدري شيئًاا عن طرائق العرب في أساليبهم شعرًاا ونثرًاا ؛ لأن القرآن الكريم نزل على طرائقهم الأسلوبية، وطبائعهم اللغوية بنظمٍ معجزٍ. وهنا يجدر بنا أن نذكر العلوم أو الأدوات التي يحتاج إليها المُتَدَبِّهرُ والمُفَسِّهُ على حد سواء ما دامت العلاقة وطيدة بينهما كما بينا فنقول الذي يريد أن يُفسِّه القرآن برأيه بدون أن يلتزم الوقوف عند حدود المأثور منه فقط، أن يكون مُلِماًّ بجملة من العلوم التي يستطيع بواسطتها أن يُفسِّه القرآن تفسيرًاا عقليًّا مقبولًا، وجعلوا هذه العلوم بمثابة أدوات تعصم المفسِّه من الوقوع في الخطأ، وتحميه من القول على الله بدون علم، وإليك هذه العلوم مفصَّلة، مع توضيحٍ لكل علم منها من الأثر في الفهم وإصابة وجه الصواب: .33 /1) قواعد الترجيح عند المفسين، للشيخ حسين الحر1(
عدد الصفحات ٢٥٢تحرير وتاأ 253 علم اللغة: لأن به يمكن شرح مفردات الألفاظ ومدلولتها بحسب الأول: الوضع، قال مجاهد إذا لم يكن عالمًاا بلغات العرب ل يكفى، إذ ربما كان اللفظ مشتركًاا، والمفسِّه يعلم أحد المعنيين ويفى عليه الآخر، وقد يكون هو المراد. علم النحو: لأن المعنى يتغير ويتلف باختلاف الإعراب، فلا بد من الثاني: اعتباره، أخرج أبو عبيدة عن الحسن أنه سُئِل عن الرجل يتعلم العربية يلتمس با حُسن المنطق، ويقيم با قراءته فقال: حَسَنٌ فتعلمها، فإن الرجل يقرأ الآية فيعيى بوجهها فَيَهْلَكُ فيها. علم الصرف: وبواسطته تُعرف الأبنية والصيغ. قال ابن فارس الثالث: فاته المعظم، لأنَّ (وَجَدَ) مثلاًا كلمة مبهمة، فإذا صرفناها اتضحت بمصادرها وحكى السيوطي عن الزمخشري أنه قال : جمع (أُمٍّ)، ]71[ ﭼﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥﭽ(الإمام) في قوله تعالى: وأن الناس يُدعون يوم القيامة بأمهاتهم دون آبائهم قال: وهذا غلط أوجبه جهله بالتصريف، فإن (أُمًّا) ل تجُمع على إمام الشتقاق: لأن السم إذا كان اشتقاقه من مادتين مختلفتين، اختلف الرابع: باختلافهما، كالمسيح مثلاًا، هل هو من السياحة، أو من المسح؟ علوم البلاغة الثلاثة (المعاني، والبيان، والبديع): الخامس، والسادس، والسابع: فعلم المعاني يُعرف به خواص تراكيب الكلام من جهة إفادتها المعنى، وعلم البيان يُعرف به خواص التراكيب من حيث اختلافها بحسب وضوح الدللة وخفائها،
عدد الصفحات ٢٥٣مفهوم التدبر 254 وعلم البديع يُعرف به وجوه تحسين الكلام، وهذه العلوم الثلاثة من أعظم أركان المفسِّه، لأنه ل بد له من مراعاة ما يقتضيه الإعجاز، وذلك ل يُدرك إل بذه العلوم. علم القراءات: إذ بمعرفة القراءة يمكن ترجيح بعض الوجوه المحتملة الثامن: على بعض. علم أصول الدين: وهو علم الكلام، وبه يستطيع المفسِّه أن يستدل على التاسع: ما يجب في حقه تعالى، وما يجوز، وما يُستحَل، وأن ينظر في الآيات المتعلقة بالنبوات، والمعاد، وما إلى ذلك نظرة صائبة، ولول ذلك لوقع المفسِّه في ورطات. علم أصول الفقه: إذ به يعرف كيف يستنبط الأحكام من الآيات ويستدل العاشر: عليها، ويعرف الإجمال والتبيين، والعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، ودللة الأمر والنهى، وما سوى ذلك من كل ما يرجع إلى هذا العلم. علم أسباب النزول: إذ إن معرفة سبب النزول يعين على فهم المراد الحادي عشر: من الآية. علم القصص: لأن معرفة القصة تفصيلاًا يعين على توضيح ما أجمل الثاني عشر: منها في القرآن. علم الناسخ والمنسوخ: وبه يعلم المحكم من غيره، ومَن فقد هذه الثالث عشر: الناحية ربما أفتى بحكم منسوخ فيقع في الضلال والإضلال. الأحاديث المبيِّهنة لتفسير المجمل والمبهم؛ ليستعين با على توضيح الرابع عشر: ما يشكل عليه. علم الموهبة: وهو علم يُورثه الله تعالى لمن عمل بما علم، وإليه الخامس عشر:
عدد الصفحات ٢٥٤تحرير وتاأ 255 :×، وبقوله]282[ ﭼﯸ ﯹﯺ ﯻ ﯼﭽالإشارة بقوله تعالى: « قال السيوطي: بعد أن عَدَّ علم الموهبة من العلوم التي ل بد منها للمفس « كما ظننت من الإشكال، والطريق في تحصيله ارتكاب الأسباب الموجبة له من العمل والزهد. قال في البرهان له أسراره، وفى قلبه بدعة أو كبر، أو هوى أو حب دنيا، أو هو مُصرِّهٌّ على ذنب، أو غير متحقق بالإيمان، أو ضعيف التحقيق، أو يعتمد على قول مفسِّه ليس عنده علم، أو راجع إلى معقوله، وهذه كلها حُجُب وموانع بعضها آكد من بعض ﭼﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭽهذا المعنى قوله تعالى: ، قال ابن عيينة: أنزع عنهم فهم القرآن. أخرجه ابن أبي حاتم.]146[ هذه هي العلوم التي اعتبرها العلماء أدوات لفهم كتاب الله تعالى، وقد ذكرناها مسهبة مفصَّلة، وإن كان بعض العلماء ذكر بعضًاا وأعرض عن بعض آخر، ومنهم مَن أدمج بعضها في بعض وضغطها حتى كانت أقل عددًاا مما ذكرنا، وليس هذا العدد الذي ذكرنا حاصرًاا لجميع العلوم التي يتوقف عليها التفسير، فإن القرآن -مثلاًا- قد اشتمل على أخبار الأمم الماضية وسيرهم وحوادثهم، وهى أمور تقتضى الإلمام بعلمي التاريخ وتقويم البلدان، لمعرفة العصور والأمكنة التي وُجِدت فيها تلك .)1(الأُمم، ووقعت فيها هذه الحوادث وإذا كان الأمر كذلك فمن قال بغير ذلك فقد جانبه الصواب، يقول الشيخ . 251 : 248/1) التفسير والمفسون للشيخ الذهبي1(
عدد الصفحات ٢٥٥مفهوم التدبر 25 مساعد وفحصها سيظهر ما يأتي: أنَّ بعضها ل يلزم المفسِّه معرفتها، كعلم البلاغة، وعلم أصول الفقه، وأنَّ بعضها يكفيه منها مبادئ العلم دون الدخول في تفصيلته، كعلم النحو، وأنَّ بعضها يحتاج منه جزءًاا معيَّنًاا، كمعرفة دللة الألفاظ من علم اللغة، ول شكَّ أنَّ من حصَّل هذه العلوم كان أوسع بحثًاا وتقريرًاا في تفسيرِه، لكنه فيما يكون .)1(خارجَ حدِّه البيان عن معاني القرآن v v v ثالثًا: تحرير مصطلح التأويل لغة صيغة تأويل مصدر على وزن تفعيل، وهو مصدر من الفعل الماضي الرباعي المضعف العين (أَوَّل)، ويعني في اللغة الرجوع والتقدير والتفسير، يقول ابن منظور: ﯪ ﭽ« أَي لم يكن معهم علم تأْويله، وهذا دليل على أَن علم ]39[ ﭼﯫ ﯬ التأْويل ينبغي أَن ينظر فيه، وقيل: معناه لم يأْتهمْ ما يَؤُول إليه أَمرهم في التكذيب به من العقوبة. ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵﯶ ﯷ ﭽ ودليل هذا قوله تعالى: ، وفي حديث ابن عباس ]39[ ﭼﯸ التَّأْوِيْلَ بالتأْويل نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأَصلي إلى ما يحَتاج إلى دليل لوله ما تُرِك ظاهرُ يكثر أَن يقول في ركوعه وسجوده: ×: كان النبياللفظ، ومنه حديث عائشة .44/1) مفهوم التفسير للشيخ مساعد الطيار1(
عدد الصفحات ٢٥٦تحرير وتاأ 257 ﭿﭽ« .)1(»...]3[ ﭼﮀ ﮁ ﮂ فالتأويل على ذلك له عدة معانٍ: التفسير والتوضيح والكشف، والرجوع أي: رجوع الألفاظ والجمل إلى معانيها المرادة منها، ونقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأَصلي إِلى ما يحَتاج إِلى دليل لوله ما تُرِك ظاهرُ اللفظ. ) مرة:17وقد ورد هذا المصطلح في الذكر الحكيم .]6[ ﱫﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨﱪ ﭨ ﭧ .]21[ ﱫﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨﱪ ﭨ ﭧ ﱫ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﭨ ﭧ .]100[ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ ﱪ .]101[ ﱫﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﱪ ﭨ ﭧ .]82[ ﱫﯴ ﯵ ﯶ ﯷﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿﱪ ﭨ ﭧ .]44[ ﭼﭑ ﭒ ﭓﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭽ ﭨ ﭧ ﭼﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﭽ ﭨ ﭧ .]78[ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾﯿ ﰀ ﰁ ﭽ ﭨ ﭧ التَّأويل من الأَوْلِ، 99) لسان العرب مادة (أ و ل)، وجعل الراغبُ في مفردات ألفاظِ القرآنِ 1( مادَّة أول ترجعُ إلى أصل 158/1أي : الرُّجوع إلى الأصلِ، وجعل ابن فارس في مقاييس اللُّغةِ ابتداءُ الأمرِ، وانتهاؤه، ويظهرُ أنَّما يشتركانِ في معنى الرُّجوعِ الذي نصَّ عليه الرَّاغبُ، ولو جُعِلَ أصلاًا واحدًاا لكانَ أَوْلىَ، فالأوَّل من الأشياءِ يرجعُ إليه ما بعدَه مما تأخَّرَ عنه.
عدد الصفحات ٢٥٧مفهوم التدبر 258 ﭼﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ .]59[ ﭼﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﭽ ﭧ ﭨ .]35[ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﭽ ﭧ ﭨ ﮣﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ]7[ ﭼﯩ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭽ ﭧ ﭨ ]53[ ﭼﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ]39[ ﭼﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬﯭ ﭽ ﭧ ﭨ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟﯠ ﯡ ﭽ ﭧ ﭨ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫﯬ ﯭ ﯮﯯ ﯰ ﯱ ﯲ .]36[ ﭼﯳ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿﰀ ﭽ ﭧ ﭨ ﭼﰁ ﰂ ﰃ ﰄﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ .]37[ ﭼﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭽ ﭧ ﭨ .]45[ (أي الواقع عليه التأويلالمؤَّوَل ومن يتأمل سياق هذه الآيات يلاحظ أن
عدد الصفحات ٢٥٨تحرير وتاأ 25 هذه الآيات جاء متنوعًاا: فقد يكون متشابًاا من القرآن كما في سورة آل عمران، أو رجوعًاا إلى كتاب الله وسنة رسوله كما في سورة النساء، أو بيانًاا لعاقبة ما وُعِدوا به من العذاب كما في سورة الأعراف، أو تفسيرًاا لأحلام وأحاديث ورؤى كما في آيات سورة يوسف، أو كشفًاا لأمر السفينة والغلام والجدار كما في سورة الكهف. ، ﭼﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘﭽ إما أن يكون هو الله عز وجل: المؤِّول كما يلاحظ أنَّ ، وإما عبدًاا صالحًاا ﭼﯭ ﯮﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﭽوإما نبيًّا من أنبياء الله: ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﭽمن عباده على أرجح الأقوال، وهو الخضر عليه السلام: ، وعلى ذلك؛ فإن الصلة بين التدبر والتأويل صلة وثيقة جدًّا، فالذي ﭼﮐ ﮑ يعلم التأويل هو الله وبعض الأنبياء، وبعض عباده الصالحين، والذي يُدبِّهرُ الأمر هو ، والمؤمنون (العباد الصالحون)؛ ×الله، والذي يتدبر القرآن حق التدبر هو الرسول فهذا مناط اللتقاء بين التأويل والتدبر من ناحية الفاعل. هو القرآن، والمتدبَّر المؤوَّل كما يتفقان من جهة المفعول من جهة أخرى، هي أن ولكنهما يتلفان من جهة أن المؤَّوَل في القرآن هو المتشابه، والمتدبَّر يشمل جميع القرآن، ويلتقيان أيضًاا من جهة أن المؤَّول يكون بيانًاا لعاقبة، أو تفسيرًاا لأحلام ورؤى، وكل هذا يندرج في التدبر كما سبق تعريفه، ولكنهما يتلفان من جهة أن التدبر في القرآن عام للجميع كافرين ومنافقين ومؤمنين أي لجميع الخلائق، بينما التأول وقفٌ على الراسخين في العلم مثل حبر الأمة ابن عباس كما يفهم من الحديث الشريف السابق، فالتدبر على ذلك أعم من التأويل كما ترى، وبذلك يلتقي التأويل بالتدبر من وجوه، ويتلفان من وجوه أُخَر. v v v
عدد الصفحات ٢٥٩مفهوم التدبر 20 :لغة رابعًا: تحرير مصطلح البيان صيغة البيان مصدر من الفعل (بان يبين بيانًاا)، وهو في اللغة بمعنى الوضوح والظهور، يقول ابن منظور بَيانًاا: اتَّضَح، فهو بَينِّهٌ، والجمع أَبْيِناءُ، مثل هَينِّهٍ وأَهْيِناء، وكذلك أَبانَ الشيءُ فهو مُبينٌ؛ قال الشاعر: لو دَبَّ ذَرٌّ فوقَ ضَاحِي جلدِها لأَبَانَ من آثارِهِنَّ حُدورُ ... وتَبَينََّ الشيءُ: ظَهَر، وتَبيَّنْتهُ أَنا، تتعدَّى هذه الثلاثةُ ول تتعدَّى، وقالوا: بانَ ، وإلى هذا ذهب البقاعي أيضًاا )1(الشيءُ واسْتَبانَ وتَبينَّ، وأَبانَ وبَينََّ بمعنى واحد حيث يقول . )2(في كلامه، ويزيد عليه البرهان بأنه إظهار صحة المعنى بما يشهد به ﭨ ﭧ، )3(وقد استعمل الذكر الحكيم هذا المصطلح (البيان) ثلاث مرات ﭿ ﭽ ﭧ ﭨ ، ]138[ ﭼﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩﭽ .]4[ ﭼﮀ .]19[ ﭼﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﭽ ﭧ ﭨ وهنا يجدر بنا ملاحظة عدة أمور: اسم الإشارة (هذا) في آية آل عمران يعود على القرآن أي: هذا القرآن فيه :الأول ) لسان العرب (ب ي ن).1( .219 / 4) نظم الدرر للبقاعي2( ) وردت صيغ كثيرة من مادة (ب ي ن) ل مجال لذكرها كلها هنا، فلتراجع في المعجم 3( .145 : 141المفهرس
عدد الصفحات ٢٦٠تحرير وتاأ 21 بيان للناس عامة، وهو هدى وموعظة للمتقين خاصة فالبيان هنا بمعنى الوضوح والنكشاف مما يعني أن القرآن ل ألغاز فيه، فمعانيه بينة وطرائقه واضحة. ﭼﭿ ﮀ ﭽ البيان في سورة الرحن ليس ببعيد عن هذا، فمعنى: :الثاني « ]4[ ، ولن يبين الإنسان عن مقاصده) 1(مقاصده ورغباته، ويتميز به عن سائر الحيوان ورغباته إل بكلام واضح ل ألغاز فيه عكس ما يتشدق به بعض الحداثيين الذين يغمغمون بكلام وغمغمات غير مفهومة، ومعاني كلامهم زئبقي رجراج تغطيه التعمية، ويلفه الغموض، ويسمون هذا فنًّا، أل سحقًاا لهذا الفن! البيان في سورة القيامة أيضًاا بمعنى التوضيح أي: علينا توضيح :الثالث معانيه وإظهارها، وتفصيل المجمل من أحكامه عن طريق السنة المطهرة، كما قال ﭼﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭽ رب العالمين: ، فالبيان في هذه الآيات الثلاث لم يرج عن معنى الظهور والوضوح ]44[ والنكشاف في آية الرحن هو والمبينَّ في آية آل عمران هو القرآن، المُبَينَّ يلاحظ أن :الرابع في آل عمران وسورة القيامة المبينِّ في آية القيامة هو القرآن، وأن والمبينَّكلام الإنسان، في سورة الرحن هو الناطقية والمبينِّهو المولى عز وجل الذي أنزل القرآن بيانًاا للناس، لدى الإنسان. ولعلك الآن عزيزي القارئ تدرك الفرق لئحًاا بين التدبر والبيان، فالتدبر يكون في المعاني المكنونة في كلام الرحن كي نصل إلى مراد الله فيها، وهذا هو صلة التدبر بتصرف.1456/3) تفسير الصابو1(
عدد الصفحات ٢٦١مفهوم التدبر 22 بالبيان المفهوم من آية آل عمران والقيامة، وقد أشار إلى هذا بعض العلماء يقول د محمود توفيق . )1(المبتغَى بالتدبر هو المعنى القرآني الكريم، وهذا هو مناط البركة الرئيس ويكون التدبر أيضًاا في الدللت المستكنة في كلام الإنسان، فعلى المتكلم أن يبين كلامه، وعلى أخيه الإنسان أن يتدبر في كلامه، ويعقله ليفهم المراد منه، كما أن بين التدبر والبيان تلازم جليٌّ من جهة أن البيان هو المعنى الواضح المنكشف، والتدبر ل يكون إل في كلام واضح ل ألغاز فيه للوقوف على حقيقته، وهكذا كانت العلاقة وثيقة بين البيان والتدبر فهما صنوان متلازمان ل ينفكان. v v v ، صيغة استنباط مصدر على وزن استفعاللغة تحرير مصطلح الاستنباط:خامسًا من الفعل الماضي السداسي استنبط، ويعني في اللغة الستخراج، يقول ابن منظور: « ﮜﭽواستنبَطَ الفَقِيهُ إذا استخرج الفقه الباطن باجتهاده وفهمِه، قال الله عزَّ وجلَّ: قال الزجَّاج: معنى يستنبطونه في اللغة ]83[ ﭼﮝ ﮞ ﮟﮠ .)2(يستخرجونه، وأَصله من النَّبَط، وهو الماء الذي يرج من البئر أَوَّل ما تحفر لكن يلاحظ أن الألف والسين والتاء في استنبط تدلُّ على الطلب أي: أن المستنبط يتطلب ويتكلف ويبذل جهده، ويعمل عقله ليصل إلى مراده كما يحصل المستخرج للماء من قعر البئر بالصبر والتكلف والمعاناة وبذل الجهد. .12/1) العزف على أنوار الذكر د/ محمود توفيق1( ) لسان العرب (ن ب ط2(
عدد الصفحات ٢٦٢تحرير وتاأ 23 ولم يرد هذا المصطلح بذاته في القرآن الكريم بل ورد الفعل المضارع (يستنبط ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﭽ ﭨفي الذكر الحكيم مرة واحدة في قوله ﮑ ﮒﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟﮠ ؛ فهذا ]83[ ﭼﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ الفعل من الألفاظ الفرائد التي لم ترد إل في هذا الموطن فحسب من الذكر الحكيم. ﭻ ﭼ ﭽويلاحظ أن هذه الآية وردت عقب الحديث عن قوله تعالى: ، كما يلاحظ أن الخطاب ﭼﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ فيها، وفيما قبلها موجه للمنافقين الذين ينعي المولى عز وجل عليهم هنا بأنم جاءهم خبر من الأخبار عن المؤمنين بالظفر والغنيمة أو النكبة والهزيمة أذاعوا به، وأفشوه وأظهروه، وتحدثوا به قبل أن يقفوا على حقيقته، وكان في إذاعتهم له مفسدة للمسلمين، ولو ترك هؤلءِ الكلامَ بذلك الأمر الذي بلغهم، وردوه إلى رسول الله، . )1(وإلى كبراء الصحابة، وأهل البصائر لعلمه الذين يستخرجونه منهم فالستنباط هنا كما هو جلي لم يتعلق بآية من آيات القرآن لم يفهمها المنافقون فهماًا صحيحًاا بل هو متعلق هنا بعدم الوقوف على حقيقة الأخبار التي يتناقلها بعض الناس بدون فهم أو روية، ويفشونا، ول يعرفون حقائقها، ولو ترك المنافقون هذا الأمر لأهله لستنبطوه، ووضعوا الأمور في نصابا، وأدركوا حقائق الأخبار المتناقلة. كما يلاحظ من الآية أن الذين يستنبطون حقائق الأخبار المذاعة هم: (الرسول، وأولو الأمر) والمقصود بم هنا (أكابر الصحابة وأهل البصائر في كل زمان ومكان)، أو الذين من الممكن أن نسميهم المتدبرين. .276/1) تفسير الصابو1(
عدد الصفحات ٢٦٣مفهوم التدبر 24 فالمتدبرون هم الذين يقفون على حقائق الأمور، ويعرفون كنه الأخبار التي قد تكون سببًاا في المفسدة، وعلى ذلك فإن بين التدبر والستنباط علاقة وثيقة جدًّا، فالمستنبط يستخرج ما خفي ودق من الأخبار والمعاني. والمتدبر ل يتدبر إل في كل كلام يحتاج في إدراكه إلى تأمل وتفكر وإنعام نظر، ليستخرج خفيه، ويقف على حقيقته، كما أن التدبر يُعدُّ أصلاًا أصيلاًا للاستنباط ؛ لأن الذي يستنبط الأمور الخفية، والمسائل الدقيقة ل بد أن يتدبر ويتأمل فيها أولًا، وعلى ذلك فالتدبر أعم، والستنباط أخص، وأيضًاا فإن التدبر يؤدي حتماًا إلى الستنباط، ويزخر تراثنا العظيم بكثير من العلماء، والفقهاء، والقضاة، وأصحاب البصائر الذين وفَّقَهُم المولى سبحانه وتعالى واستنبطوا المسائل الخفية، وأزاحوا الركام عن القضايا الشائكة التي خفيت عن غيرهم وكانت سبب فتنة وبلبلة كثيرة في شتى صنوف العلوم والمعارف عقيدةًا وتفسيرًاا وحديثًاا وفقهًاا وبلاغةًا ونحوًاا، وغير ذلك، وما ذلك إل بفضل التدبر. أما وجه المفارقة بينهما فيتمثل في أن التدبر مطلوب من كافة الناس باختلاف مشاربم، بخلاف الستنباط؛ فإنه ل يكون للكافة بل يتص كما حكى القرآن بالرسول، وأولي الأمر (العلماء والولة وأهل البصائر) فهؤلء على كل حال طوائف خاصة، وليسوا عامة المؤمنين. v v v سادسًا: تحرير مصطلح الفهم لغة صيغة فَهْم على وزن فَعْل، وهي مصدر من الفعل الماضي الثلاثي فَهِمَ، ويعني في اللغة: المعرفة والعلم والفقه، يقول ابن منظور
عدد الصفحات ٢٦٤تحرير وتاأ 25 فَهِمَه فَهْماًا وفَهَماًا وفَهامةًا: عَلِمَه الأخيرة عن سيبويه، وفَهِمْت الشيء: عَقَلتُه وعرَفْته، .)1(وفَهَّمْت فلانًاا وأَفْهَمْته، وتَفَهَّم الكلام: فَهِمه شيئًاا بعد شيء ولم يرد هذا المصطلح بعينه في الذكر الحكيم بل ورد الفعل الماضي الرباعي ﮦ ﮧﮨ ﭽ ﭨ مرة واحدة فحسب في قوله )2(المضعف العين (فَهَّم ﭼﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ ﯗ .]79[ وقد ورد التفهيم هنا في سياق بيان الحادثة المشهورة بين داود وسليمان عليه ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﭽالسلام التي ذكرتها الآية السابقة في قوله تعالى: فحكم ]78[ ﭼﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ داود عليه السلام بحكم لم يكن هو عين الصواب، وامتن المولى عز وجل على سليمان فعلمه وعرفه، وألهمه عين الصواب، ومن ثم نُسب التفهيم هنا للمولى عز وجل بنون .ﭼﮦﭽالعظمة في قوله: هو الله عز وجل، وأن الذي المُفَهِّمَ ونستطيع أن نستنبط من ذلك أمرًاا مهماًّ أن : سليمان عليه السلام، وقضية الحرث المتنازع فيها، وعليه )3(وقع عليه التفهيم شيئان فالفهم ل يكون إل في الأمور العويصة، والقضايا الشائكة والمسائل الدقيقة المتنازع فيها، والتي يذهب فيها الحكمان مذاهب شتى ما بين الخطأ والصواب وعين الصواب، ) لسان العرب مادة (ف هـ م).1( ) هذه الكلمة من الكلمات الفرائد -مادةًا وصيغةًا- في الذكر الحكيم، وهي مثل مصطلح 2( (التفسير)، ومصطلح (الستنباط ) الفعل3( وجل القضيةَ سليمانَ
عدد الصفحات ٢٦٥مفهوم التدبر 2 ومن رزقه الله فهماًا وعلماًا ومعرفةًا وألمعيةًا أكثر يكون أقدر على الإتيان بالحكم الصائب بعينه. كما يلاحظ أن الفهم هنا كان في أمر دنيوي مما يتصل بالزرع والحرث. وهنا تبدو العلاقة واضحة جدًّا بين التدبر والفهم؛ لأن المتدبر في الأمور يجب أن تتوافر فيه هذه الصفات من الفهم والمعرفة التي يلهمها رب العالمين لبعض عباده الصالحين ولو نسبيًّا. وعلى ذلك فالتدبر أعم والفهم أخص؛ لأن التدبر يكون في كل المعاني المستكنة في كتاب الله، والفهم يتص بالقضايا الشائكة والمسائل الخبيئة الدفينة، ولذا كان العقل والعلم والمعرفة اللاتي هي مناط الفهم من الأساسيات التي يجب أن تتوافر في المتدبر، وأيضًاا فالفهم يكون نتيجة للتدبر، وهل نتدبر شيئًاا إل بعد فهمه ومعرفته والوقوف على حقيقته اللغوية والمراد منه؟ ؛ فقد تبين لنا من عرضنا لهذه المصطلحات، والصيغ المختلفة أن القرآن وبعد الكريم يعبر عن المعاني السابقة بصيغ معينة غاية في الدقة، فمن يتأمل القرآن قراءةًا ، ومن يكشف متأولاً، ومن يقف على متشابه القرآن يكون متدبرًا وسماعًاا وكتابةًا يكون ، ومن يتعرف على حقائق الأخبار، ويميز مُفَسرًِّا عن المعاني المرادة من الألفاظ يكون ، ومن يدرك الصواب في مبينًابينها يكون مستنبطًاا، ومن يأتي بكلام واضح يكون القضايا الشائكة يكون فاهمًاا، وغني عن البيان أن التدبر أعم من هذه المصطلحات، وأنا كلها داخلة تحت عباءته، فيا لروعة هذا الذكر الحكيم الذي يعبر بصياغات هي مناط إعجازه، بما ل يقدر الإنس والجن أن يأتوا با. v v v
عدد الصفحات ٢٦٦تحرير وتاأ 27 هذا، وكنت أود أن تتسع محاور هذا الملتقى لتشمل علاقة التدبر بالتَّفَكُّر والتَّذَكُّر والنظر والعتبار؛ لأنا من المصطلحات القرآنية المهمة، والتي لها وثيق الصلة بمصطلح التدبر، وزيادة في الفائدة أقول: صيغة (تَفَكُّر) على وزن تفعُّل، وهي مصدر الفعل الماضي الخماسي (تَفَكَّرَ)، والمراد منه لغة التأمل وإعمال العقل في الشيء، يقول ابن منظور إِعمال الخاطر في الشيء ؛ قال سيبويه: ول يجُمع الفِكْرُ ول العِلْمُ ول النظرُ، قال: وقد حكى ابن دريد في جمعه أَفكارًاا، والفِكْرة: كالفِكْر، وقد فَكَر في الشيء، وأَفْكَرَ ، ومن العجيب أن الذكر الحكيم )1(فيه وتَفَكَّرَ بمعنًاى، الجوهري: التَّفَكُّر: التأَمل لم يستخدم مصطلح التأمل مطلقًاا وهذه خصوصيات في استعمالت الذكر الحكيم لبعض الصيغ والألفاظ عرضتُ لها في بحثٍ بعنوان ضوء آيات النحل والنمل وصيغة (تَذَكُّر) على وزن تفعُّل أيضًاا، وهي مصدر الفعل الماضي الخماسي(تَذَكَّرَ) والمراد منه لغةًا: استحضار المنسي أو الغائب عن الذهن، يقول ابن منظور .)2(بعد النسيان وذَكْرتُه بلساني وبقلبي وتَذَكَّرْتُه وأَذْكَرْتُه غيري، وذَكَّرْتُه بمعنًاى والنظر مصدر من الفعل الماضي الثلاثي (نَظَرَ) ومعناه لغة: التأمل بحاسة البصر يقول ابن منظور .)3(الجوهري: النَّظَر تأَمُّل الشيء بالع ومصطلح العتبار مصدر من الفعل الماضي الخماسي (اعْتَبرََ) وهو في اللغة: التدبر ) لسان العرب مادة (ف ك ر).1( ) لسان العرب مادة (ذ ك ر2( ) لسان العرب مادة (ن ظ ر3(
عدد الصفحات ٢٦٧