مفهوم التدبر 234 وكبير، وكذلك ما ذكرتموه من الحفَّاظ وطلاب المدارس وطالباتها، وكذلك المواقع الإلكترونية.. الباقات.. الوسائط الصوتية..فلا بد من العناية بذا كله، ل أريد أن أطيل؛ لأن هذا على ما يبدو سيكون في لقاءات قادمة.. إنشاء قناة تلفزيونية، وإن لم يتحقق ذلك أرى أن نطور القنوات القرآنية وهي كثيرة -ولله الحمد- بأن تقدم في ختماتها وقرءاتها المتنوعة التدبر بدل كلمات وبيان، وأحيانًاا تفسير وترجمة بالإنجليزية والفرنسية، فلا بد أن يوجد التدبر ضمن هذه الآيات في قنوات التلفزة.. وسيكون لذلك معنى مهم جدًّا للناس كافة. إخراج وطباعة تفاسير مركزة، وأظن أن في سوريا الآن شيء من هذا القبيل، تعين على التدبر، فيحيط بالصفحة القرآنية مجموعة من الدرر التدبرية، وليست معاني « في ول أسباب نزول، ولَعَليِّه ألفتُ النظر إلى نموذج سيد الحقيقة هو جاء بنموذج رائع فريد، حتى في الفهارس التي تلت كتابه؛ فقد فهرست الآيات التي تتحدث عن اليوم الآخر.. أو الربا.. وهكذا، فأعتقد أن حضور هذه المنهجية في التفاسير جيد.. والتدبر يا أحباب -حسب فهمي- في ثلاثة مواطن: في آيات القرآن المسطور، وفي آيات الكون المنظور، من خلال القرآن نفسه، والقرآن يحضنا على ذلك، بالمخلوقات والأنفس والكون، فأرى أنه من أهم ما يرتقى به يا أحباب.. تدبر أسماء الله وصفاته العلا التي تختم به مئات الآيات القرآنية.. فأرجو ثالثًا: أن ل يغفل مشاينا عن ذلك. وأقول: إن الجانب الذي أشار إليه د. الربيعة فيما يتعلق بإنشاء جمعيات وروابط
عدد الصفحات ٢٣٤تحرير وتاأ 235 وهيئات، وخاصة موضوع الهيئة العالمية، حتى لو لم تشهر هنا، أو لم تأتِ في رابطة العالم الإسلامي، فسينظم إليها مئات بل ألوف من الناس؛ لأن الناس يحتاجون إلى مظلة... أقول شيء مهم: موضوع ترجمات القرآن، بعد أحداث سبتمبر -بحكم احتكاكي بالندوة العالمية- أسلم كثير من الناس بسبب ترجمات معاني القرآن اليسيرة هذه، فلا تستقلوا هذا العمل المبارك.. وأسأل الله لي ولكم الثبات والتوفيق.. وصلى الله وسلم على نبينا محمد،،،
عدد الصفحات ٢٣٥237 السلام عليكم ورحة الله وبركاته، تعودت أن أورط نفسي، وفي الحقيقة تأثرًاا بذا ومعاذ بن جبل، فسأله ×الجو؛ فأقحمت نفسي كما أقحم الأعرابي نفسه بين النبي : ماذا تقول في صلاتك؟ فعرف أنه ليس أهلاًا لذلك البحر..×النبي فأقول لكم كما قال الأعرابي: أما دندنتكم ودندنة معاذ فإني ل أفقهها.. وأشعر كأنني كـ(النون) بين (لنا) في هذا الجو العظيم وبين هؤلء العلماء الجهابذة، الذين في الحقيقة أمتعونا بكتاب الله عز وجل. لكن أبشركم نحن العوام نفهم التدبر بسهولة، كما نفهم آيات الصفات بدون تعقيدات المتحذلقين والمتكلمين، نقرأ آيات الصفات فنؤمن با، ولم نشعر بمشكلة قط.. كذلك القرآن يقرأه العوام ويتلذذون به، وأذكر أن أحد الإخوة من غير أهل ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﭽالسنة، وقد تجاوز عمره السبعين عام، قرأ قوله تعالى: ، فسبحان الله، سبعين عام، يقرأ القرآن ]6[ ﭼﯜﯝ ﯞ ﯟﯠ كثيرًاا؛ لكن في تلك اللحظة فتح الله عليه، فقال: الله يقول: وأزواجه أمهاتهم وأنا أسبهم وألعنهم؟!! فالتزم بمنهج أهل السنة والجماعة.. أ. عادل المعاودة المداخلة الثالثة
عدد الصفحات ٢٣٧مفهوم التدبر 238 وهذا ليس معناه أننا ل نحتاج إلى هذه الدراسات، ول إلى هذا التعمق، بل نحتاج ذلك من أهل الختصاص.. وأبشركم أن هذا التدبر لم ينقطع عند الأمة؛ ولكنه ضعف، لذلك أشكر أخي الدكتور محمد الربيعة، الذي سمعت منه ومن الدكتور عبد الرحن الشهري، كلمة في البحرين، قال: القرآن خُدِمَ طباعةًا، وخُدِمَ تلاوةًا، وخُدِمَ تفسيرًاا؛ لكن أين الخدمة في التدبر؟ وهذا هو السؤال.. وحيرني أكثر سؤال د. عويض الذي قال: لماذا لم يدم سابقًاا؟ وحقيقة؛ حيرني وجلستُ أتساءل، هل نحن تعدينا الصواب؟ لكن قد نقول: ربما أنه خدم بأساليب مختلفة.. والتدبر ل يمكن أن يكون بدون حفظ القرآن وتلاوته وحفظ القراءات والتفسير.. كل ذلك مهم للتدبر بل لزم للتدبر، ول يمكن أن يتدبر القرآن بدون هذه العلوم.. وأعتقد: أن واجب الأمة خدمة العلماء في هذا العمل الذي أعتقد أنه من أرجى وأفضل أعمال الأمة التي نسمع با، ولذلك أتمنى، ودعوت الله عز وجل أن تتشرف البحرين بأحد هذه المؤتمرات.. وأرجو أن تكون قبل تبوك.. وجزاكم الله خيرًاا،،،
عدد الصفحات ٢٣٨ملحقات الكتاب
عدد الصفحات ٢٤٠241 الحمد لله الذي ميز الإنسانَ بالعقلِ والتَّفَكُّرِ، وأنعم عليه بنعمةِ التدبر، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن واله. وبعد: فبادئَ ذي بدء أشكرُ جميع القائمين على إقامة وإعداد هذا الملتقى بدعوتهم الكريمة لي للحضور والمشاركة بالمداخلة ضمن فعالياتِ هذا الملتقى الفريد من نوعه في اسمه وغايته، وأدعو مخلصًاا أن يحقق الأماني والتطلعات المرجوة من وراء انعقاده. ول أخفي على حضراتكم حينما وصلتني الدعوة الكريمة، وطالعتُ المحاور الأساسية والفرعية لهذا الملتقى أني شعرتُ برهبة شديدة ؛ لأن هذا الموضوع، وإن بدا في ظاهره موضوع مطروق مترددٌ في أروقة العلم والعلماء إل أنه في الحقيقة موضوع حيوي شائق وشائك ؛ لأن التدبر من وجهة نظري هو أساس اكتساب المعارف والعلوم عند الأفراد والأمم في كل زمان ومكان مذ بدء الخليقة، وحتى قيام الساعة، د. عبدالله عبدالغني سرحان التدبر حقيقته وعلاقته التفسير، والتأويل، والبيان، والاستنباط، والفهم
عدد الصفحات ٢٤١مفهوم التدبر 242 فالتدبر يعد أساس الحضارات والإبداعات والبتكارات المختلفة في شتى العصور بل إن التدبر هو أساس الخير في هذه الحياة، ونظيره التدبير هو أساس الشر في هذه الحياة أيضًاا، فالشرير المتمكن في شره، والمجرم العاتي في إجرامه لن يكون لإجرامه أثر كبير، ولشره ضرر عظيم إل إذا حاك خطته الإجرامية حياكة منظمة، وعَمِل على تدبير الشر، واصطناع المكر والحيلة اصطناعًاا عظيماًا. وَلْنُعَدِّه عن ذا، ولنركز على التدبر المذكور في القرآن الكريم، ومدى علاقته بغيره من المصطلحات القرآنية الأخرى (التفسير، التأويل، البيان، الستنباط، الفهم) وكلها مصطلحات وردت في القرآن متفاوتة من حيث العدد قلة وكثرة. ونظرًاا لأني لم أطالع تفصيل محاور المؤتمر، وأوراق العمل المقدمة فيه حتى يكون صلب المداخلة منصبًّا على شيء ما، فقد فكرت أن تكون مداخلتي متسعة بعض الشيء قد تلتقي في نواح منها مع ما سيقال، وقد تختلف في نواحٍ أخرى، ومن ثم سأعرض مرئياتي حول هذا الموضوع المهم جدًّا. لكِنْ قبل أن أخوض في حقيقة التدبر وما يتعلق به، ومدى صلته بذه المصطلحات القرآنية ينبغي أن أؤكدَ على أمرين مهمين: يجب أن يكون القرآن الكريم هو منطلقنا في تحرير وتأصيل وبيان الفروق :الأول بين هذه المصطلحات من واقع الستعمال والسياقات المختلفة؛ لأن الذكر الحكيم يتميز عن كلام البشر أجمعين بانتقائه مفردات وصيغٍ يستخدمها الستخدام الأمثل والأدق، ول يصح وضع غيرها مما قد يقاربا البتة موضعها. أن هذه المصطلحات القرآنية السالفة بينها حتماًا فوارق دقيقة، وإل -عقلاًا :الثاني ومنطقًاا- لو كانت متحدة في معناها من جميع الوجوه لكتفى المولى عز وجل بإحداها
عدد الصفحات ٢٤٢تحرير وتاأ 243 عن الأخرى في الذكر الحكيم، وعلى ذلك فإن المقصود بالتدبر يتلف عن غيره من بقية المصطلحات لكنه ليس اختلافًاا متضادًّا كالختلاف بين القيام والجلوس، والنوم واليقظة، والمرض والصحة، والضحك والبكاء، فهذه المصطلحات ل يمكن أن تجتمع معانيها بأي وجه من الوجوه، عكس المصطلحات محل الدراسة، فهي وإن افترقت من وجه فإنا قد تلتقي من وجه آخر مثل التقاء معاني الأفعال وظَهَرَ، ونَتَقَ وَرَفَعَ، وَقَطَعَ وَانْفَصَلَ سيكون القرآن الكريم بعد تحرير هذه المصطلحات في اللغة هو منطلقنا لبيان الفروق الدللية، والعلاقات القائمة بينها. أولاً: تحرير مفهوم التدبر في اللغة والقرآن الكريم: التدبر مصدر للفعل الماضي الخماسي (تَدَبَّر) على وزن تَفَعَّلَ، ومعناه لغة: التفكر والنظر في عواقب الأمور وأدبارها، يقول صاحب تاج العروس عاقِبَةِ الأَمْر أَي: إلى ما يَؤُول إلِيه عاِقَبُته كالتَّدَبير، وقيل: التَّدَبُّر: التَّفكُّر أَي تحَْصِيل .)1(المَعْرِفَتَينِْ لتَحْصِيل مَعْرِفةٍ ثالثة، ويقال: عَرَف الأَمرَ تَدَبُّرًاا أَي بأَخَرَةٍ ومجيء التدبر على صيغةِ التَّفعُّلِ فيه دللة على التكلُّفِ في الفعلِ، ومعاناته وحصولِه بعد جُهْدٍ، يقال: تدبر المسألة أي تفكر فيها، وتأمل في دللتها، وبذل جهدًاا مرة بعد مرة حتى وعاها، ووقف على حقيقتها، فالتدبر ملازم دائماًا لبذل الجهد والمشقة والمعاناة مما يدل على أنه يحتاج إلى وقت للوصول إلى حقيقة الشيء الذي يتدبره الإنسان أو أجزائه أو سوابقِه أو لواحقه أو أعقابه. ولم يرد مصطلح التدبر مطلقًاا في القرآن الكريم بذه الصيغة بل وردت صيغ مادة (د ب ر).2813/1) تاج العروس1(
عدد الصفحات ٢٤٣مفهوم التدبر 244 أخرى من مادة (دَبَر) في الذكر الحكيم في عدة آيات على النحو ا مرات) وهو من الفعل الماضي الرباعي 4 ورد الفعل المضارع (يُدَبِّهرُ أولاً: المضعف العين (دَبَّرَ): ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﭽ ﭨ ﭧ -1 ﭼﮀ ﮁﮂ ﮃ ﮄﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﮒ .]3[ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﭽ ﭨ ﭧ -2 ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ .]31[ ﭼﯶ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮﭯ ﭰ ﭽ ﭧ ﭨ - 3 ﭼﭱ ﭲﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ]2[ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﭽ ﭧ ﭨ - 4 .]5[ ﭼﮘ ﮙ ﮚ ﮛ يتضح لنا من هذه الآيات السابقة عدة أمور: جاء التعبير فيها جميعها بالفعل المضارع (يُدَبِّهرُ). :أولاً المدبِّهر في جميع الآيات (أي الفاعل المحذوف) هو الله عز وجل.ثانيًا: المدبَّر (أي المفعول المذكور) في جميع الآيات هو الأمر، والأمر هنا ورد :ثالثًا معرفًاا بأل، وتعريفه بأل يفيد الستغراق والعموم الكلي لجميع أنواع الأمر، وهذا حق ﭼﮞ ﮟ ﮠ ﮡﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦﭽ ل مرية فيه كما قال تعالى في آية أخرى:
عدد الصفحات ٢٤٤تحرير وتاأ 245 ، أي له أمر كل شيء سبحانه وتعالى صغيرًاا وكبيرًاا، قليلاًا وكثيرًاا، ]54[ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﭽدقيقًاا وجليلاًا، وقد صرحت الآية الثانية بما قلناه في قوله تعالى: .ﭼﯱ ﯲﯳ ورد اسم الفاعل (مُدَبِّهر) من الماضي الرباعي (دَبَّرَ) في موطن واحد فحسب ثانيًا: ففي هذه الآية]5[ ﭼﮮ ﮯ ﭽ ﭨفي قوله بالملائكة التي تدبر الأمر، وهو شئون الكون المختلفة في الرياح والأمطار والأعمار ، وهنا مفارقة دقيقة فالملائكة تدبر أمرًاا ما، )1(والأرزاق وغير ذلك من شئون الدنيا والله يدبر الأمر كله. نستنتج من هذا أن الله عز وجل وصف نفسه بأنه المدبِّهر، وأنه يدبر أمور الخلائق كلها دون استثناء فالله هو المدبِّهرُ، والأمر هو المدبَّر، كما وصف الملائكة المقربين بذلك أيضًاا، ولكنهم يدبرون أمرًاا ما بإذنه سبحانه وتعالى ل يتجاوزونه. ورد الفعل المضارع المتصل به واو الجماعة (يَتَدَبَّرُونَ) من الفعل الماضي ثالثًا: ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﭽ ﭨ ﭧالخماسي (تدَبَّرَ) مرتين ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﭽ ﭧ ﭨ، و]8[ ﭼﮆ ﮇ ﮈ ، والخطاب في آية النساء موجه للمنافقين الذين يتحدث ]24[ ﭼﮗ ﭼﭻ ﭼﭽالسياق القرآني عنهم قبل هذه الآية، والستفهام في قوله تعالى: استفهام إنكاري ينكر عليهم عزوفهم عن القرآن وعن قراءته بتدبر وأناة، وأنم لو تدبروا القرآن حق التدبر لنخلعوا عن نفاقهم الذي سيودي بم إلى الدرك الأسفل من النار، ولما كان المنافقون ل يتدبرون القرآن فيفهم من ذلك بمفهوم المخالفة، بتصرف.1678/3) تفسير الصابو1(
عدد الصفحات ٢٤٥مفهوم التدبر 24 وفحوى الخطاب أنَّ المتدبرين حقًّا هم المؤمنون والخطاب في آية سورة محمد موجه للمنافقين الذين يتحدث السياق القرآني استفهام ﭼﭻ ﭼ ﭽعنهم قبل هذه الآية أيضًاا، والستفهام في قوله تعالى: إنكاري توبيخي أيضًاا. والمراد بالقرآن في آية النساء ومحمد القرآن كله حيث جاء معرفًاا بأل التي تفيد الستغراق، نصل من ذلك إلى أن الذي ل يتدبر القرآن كُلَّه هو المنافق، وأن المتدبِّهر للقرآن كله هو المؤمن، وأن المتدبَّر هو القرآن كله مسموعًاا أو مقروءًاا، فمعنا إذنًا مصطلحان قرآنيان مستنبطان من هاتين الآيتين (المتدبِّهر هو المؤمن، والمتدبَّر هو القرآن). ونستنتج من ذلك أيضًاا إلى أن مَن تدبر القرآن، وتأمل معانيه، وتبصر ما فيه سيصل إلى نتيجة فحواها أن القرآن كله كلام الله ليس فيه اختلاف البتة؛ لأنه لو كان من عند غير الله لوجد المتدبر فيه اختلافًاا، ولما لم يجد المتدبر فيه اختلافًاا ثبت أن القرآن من عند الله، فمن أراد من المنافقين والكفار أن يقف على تلك الحقيقة عليهم أن يقرأوا القرآن كله بتدبر، أما القراءة السيعة والهذُّ والهذرمة التي ل تأمل فيها فلن تُوَصِّهلَ إلى تلك النتيجة، كما يلاحظ أن آية سورة محمد قد أشارت إلى أن آلة التدبر هي القلوب المفتوحة، أما القلوب المنغلقة القاسية التي كأنا مكبلة بالأغلال، والأقفال الحديدية ل ينفذ إليها نور الإيمان ونور القرآن، وهذا يعني أن التدبر له شروط وضوابط ل بد أن يسير عليها المتدبر وسوف نبين ذلك لحقًاا إن شاء الله تعالى.
عدد الصفحات ٢٤٦تحرير وتاأ 247 ﭨ ﭧ من الماضي الخماسي (تَدَبَّرَ) مرتين، )1( ورد الفعل المضارع (يَدَّبَّرُوا -4 ﭽ ﭨ ﭧو، ]68[ ﭼﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﭽ .]29[ ﭼﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ والخطاب في آية سورة المؤمنون موجه إلى كفار مكة كما هو واضح من الآية ] 67[ ﭼﮞ ﮟ ﮠ ﮡﭽ ﭨالسابقة في قوله كفار مكة يسمرون، ويذكرون القرآن بالهجر، ويقولون: إنه سحر وشعر وكهانة، استفهام توبيخي ﭼﮥ ﮤ ﮣﭽفالخطاب لكفار مكة، والستفهام في قوله: إنكاري ينعي عليهم أنم لو تدبروه لصدقوا بما فيه، وعلموا أنه كلام رب العالمين. وعبر عن القرآن هنا بالقول؛ لأنم يسمعونه مقولًا، ول يقرؤونه قراءة، وهو تعبير دقيق جدًّا في هذا السياق. نستنتج من هذا أن كفار قريش لم يكونوا من المتدَبِّهرين في القرآن الكريم، وبمفهوم المخالفة -كما يقول الأصوليون- يكون المؤمنون هم (المتدبرون)، والمتدبَّرُ هو القول المراد به هنا القرآن الكريم أيضًاا. أما في آية ص، فالفاعل في قوله: (لِيَدَّبَّرُوا) هو واو الجماعة الذي يعود على المؤمنين ) أصله يتدبروا حذفت التاء وشدِّهدت الدال. يقول أبو حيان 1( الغيبة وَشَدِّه الدال وأصله ليتدبروا. وقرأ عليٌّ بذا الأصل، وقرأ أبو جعفر: بتاء الخطاب وتخفيف الدال؛ وجاء كذلك عن عاصم والكسائي بخلاف عنهما، والأصل: لتتدبروا بتاءين، فحذفت إحداهما على الخلاف الذي فيها، أهي تاء المضارعة أم التاء التي تليها؟ واللام في ليدبروا لم كي، وأسند التدبر في الجميع، وهو التفكر في الآيات، والتأمل الذي يفضي بصاحبه إلى النظر في عواقب الأشياء، وأسند التذكر إلى أولي العقول؛ لأن ذا العقل فيه ما يهديه إلى الحق وهو عقله، فلا يحتاج إل إلى ما يذكره .338/9فيتذكر
عدد الصفحات ٢٤٧مفهوم التدبر 248 بدليل كاف الخطاب في قوله: (إِلَيْكَ) أي أنزلناه إليك ولأمتك خاصة، وبدليل وصفه بكونه مبارك، وبدليل السياق السابق، كل هذا يرشحُ أن يكون المقصود بواو الجماعة هم المؤمنون، والمعنى: أنزلنا هذا الكتاب إليك ليتدبر مَنْ معك من المؤمنين آياته وليتعظ به أولوا العقول الرشيدة، وبناء على ذلك أيضًاا يكون المفعول الواقع عليه التدبر هو آيات الكتاب، فالمتدَبِّهرون إذن بصيغة اسم الفاعل هنا هم المؤمنون، والمتدبَّر هو آيات الكتاب. وهنا لفتة رائعة، ومفارقة دقيقة، المؤمنون يتدبرون ويتأملون في المكتوب نصًّا، ويتدبرون في المقروء والمسموع بالفحوى ؛ لأن من يتأمل يجد أن التدبر في المكتوب جاء في آية واحدة في سورة ص، والتدبر في القرآن ورد في آيتين النساء ومحمد، والتدبر في القول ورد في آية (المؤمنون)، وكأن الذكر الحكيم يجعل التدبر في المقروء المسموع أكثر وهذا شيء بدهي وطبيعي ؛ لأن من يحُسن سماعًاا يحسن فهماًا وتعقلاًا واستجابةًا. أما المقيد المكتوب؛ فإن المرء لو لم يتدبره من المرة الأولى فسيعود إليه مرة أخرى ولن يَتَفَلَّتَ منه؛ لأنه مقيد مكتوب، فهل يقدر مخلوق على الإتيان بمثل هذا التفاوت ، والأمر يطول بنا لو توقفنا عند الأسرار )1(العجيب والرشيد في هذه الصياغات؟ مرات، واسم الفاعل منه 4) العجيب أن الذكر الحكيم استخدم الماضي الرباعي (أَدْبَرَ 1( مرات، والمصدر (إدبار) مرة واحدة في سياقات مختلفة تمامًاا ل صلة لها بما نحن فيه، ك 8(مُدْبِر مرات، ولم يستخدم هذا الفعل الثلاثي مطلقًاا، كما استخدم الجمع 4استخدم اسم الفاعل من (دَبَرَ مرة في سياقات ل صلة لها بما نحن فيه أيضًاا، وكل هذا ينبئ 13 مرات، وجمع الجمع (أدبار5(دُبُر عن أن القرآن الكريم يضع كل صيغة في مكانا الأشكل با ول يمكن أن يسد غيرُها مسدها، وهذا من دلئل إعجازه في اختيار صيغه بما ل يسمح الوقت بالستفاضة فيه، يراجع المواضع السابقة في .253،252المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم
عدد الصفحات ٢٤٨تحرير وتاأ 24 البلاغية الكامنة وراء التعبير بكل صيغة على حدة، وما ذكرناه كان هذه لمحة سريعة، والإشارة تغني عن العبارة، وبخاصة في الحديث مع أولي الألباب. وهكذا يلوح لنا أن الذكر الحكيم يقصر التدبر على شيئين: القرآن مقروءًاا ومقولًا، أي مسموعًاا، والقرآن مكتوبًاا، وبين الثنين علاقة قوية، وصلة شديدة ملتحمة ل تنفصم ول تنقطع، فالمتدبر يتدبر المكتوب والمحفوظ في الصدور، والسامع يتدبر المقروء على الألسنة، هذا ما قد يُسْتَنْبَطُ مِنْ تَدَبُّرِ حديث القرآن عن هذه الآيات. وما دام القرآن هو منطلقنا في تحرير وتأصيل المصطلحات، فالذي يتناغم مع ذلك أن يكون التدبر مقصورًاا على القرآن مقروءًاا ومكتوبًاا ومسموعًاا، ومتابعة للذكر الحكيم ل يُطلَق مصطلح التدبر على التفكر في الكون والنفس الإنسانية صراحة ؛ لأن القرآن لم يُطلِقْ عليه ذلك بل أطلق عليه عبارات أخرى مثل: التفكر والتذكر والنظر والعتبار كما سيأتي، وما جاء على ألسنة علمائنا في كتب التراث إنما هو من قبيل التسامح في العبارة فحسب، وليس هذا من مصطلحات القرآن الكريم وإطلاقاته. ولكن مما ينبغي الإشارة إليه -كما سيأتي- أننا بالقياس على أن التدبر يكون في القرآن الكريم كتابة (رسماًا وخطًّا) وقراءة وسماعًاا يكون التدبر كذلك في الحديث الشريف كتابةًا وقراءةًا وسماعًاا، وكذلك الحال في سائر علوم المسلمين المستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة، وكلام العرب كله شعره ونثره، وهكذا نتوسع بالتدبر إلى جميع آفاقه ومجالته الرحبة، وليس هذا منا ابتعادًاا عما أَصَّلْنَاه من قبل، ولكنه قياس عليه، وهو قياس صحيح جدًّا إن شاء الله تعالى، فعلوم المسلمين يجب أن تُقْرَأَ وتدرس بنفس كيفية التدبر ذاته في القرآن الكريم. ومن ثمَّ يتبين لنا بعد هذا كله أن أركان التدبر كما ظهرت لنا بجلاء من هذه
عدد الصفحات ٢٤٩مفهوم التدبر 250 الآيات تتمثل في ثلاثة أمور المُتَدَبِّهرون: هم الكافرون والمنافقون والمؤمنون وكل هؤلء يجب أن الأول: يتدبروا القرآن بقلوب مفتوحة، وعقول واعية ليصلوا إلى المراد من وراء التدبر فتدبر هؤلء تحكمه شروط وضوابط يجب أن تُراعى. المُتَدَبَّرُ: هو القرآن كله مسموعًاا ومقروءًاا ومكتوبًاا بمختلف ما فيه، وبما الثاني: اشتمل عليه من شرائع وعقائد وأخلاق وقصص. عملية التدبر ذاتها وطريقتها وكيفيتها.الثالث: v v v تحرير مصطلح التفسير لغةثانيًا: صيغة تفسير مصدر على وزن تفعيل من الفعل الماضي الرباعي المضعف العين (فَسَّ)، ويعني في اللغة: البيان وكشف المغطَّى، يقول ابن منظور فَسَ الشيءَ يفسُِه بالكَس، وتَفْسُُه بالضم، فَسًْاا، وفَسََّهُ: أَبانه، والتَّفْسيرُ مثله. ابن الأَعرابي: التَّفْسيرُ والتأْويل والمعنى واحد، وقوله عز وجل: وأَحْسَنَ تَفْسيرًاا ؛ الفَسُْ: . فالتفسير على ذلك هو )1(كشف المُغَطَّى، والتَّفْسير كَشف المُراد عن اللفظ المُشْكل كشف المغطى، وبيان المراد من الألفاظ المشكلة. ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭽ ﭨ في قوله )2(وقد ورد في الذكر الحكيم في آية واحدة ) لسان العرب مادة (ف س ر).1( ) هذه اللفظة من الألفاظ الفرائد مادة وصيغة في القرآن الكريم، فهي لم ترد إل في هذا الموضع2( الذكر الحكيم، ولكاتب هذه السطور بحث بعنوان استخدام الذكر الحكيم لبعض الألفاظ التي وردت مرة واحدة لم تتكرر على أي صيغة من الصيغ، بل هي فريدة وحيدة لفظًاا ومعنًاى مثل
عدد الصفحات ٢٥٠تحرير وتاأ 251 .]33[ ﭼﭕ ﭖ ﭗ ﭘ والتفسير هنا يحتمل أن يكون بمعنى أحسن بيانًاا وتفصيلاًا، أو كشفا للحجة والدليل، أو أحسن تفسيرًاا من مَثَلِهم كما يقول كثير من المفسين. لكن يلاحظ أن الذي أَتيَ هنا بأحسن التفسير هو المولى عز وجل حيث نسبه بدليل كاف ×، والذي أُتيَِ به إليه هو النبي ﭼﭔ ﭕ ﭖﭽ لنفسه في قوله: ، وكأن المعنى: ول يأتونك (أي الكفار) يا محمد ﭼﭕﭽالخطاب في قوله: بحجة وشبهة فاسدة من كلامهم إل أتينا بحجة تدمغ هذه الحجة الباطلة، وحجتنا هي أقوى وأحسن بيانًاا وكشفًاا وإيضاحًاا فالتفضيل للمبالغة إذ ليس في حجتهم حسنٌ، أو يراد بالحسن ما يبدو من برجة سفسطتهم وشُبههم فيجيء الكشف عن الحق أحسن وقعًاا في نفوس السامعين من مغالطاتهم فيكون التفضيل بذا الوجه على حقيقته؛ فهذه نكتة من دقائق الستعمال إذن لدينا هنا مصطلحان مُسْتَنْبَطَانِ من هذه الآية الكريمة: )1(ودقائق التنزيل هو الله عز وجل.المُفَسرِّ: ؛ هكذا بإطلاق القرآن.× هو الرسولوالمفسرَّ له: ومن ثم نتساءل: هل يجوز أن نُسَمِّهيَ آخرين بذه التسمية أو بمعنى آخر؟ هل يجوز أن نطلق على الذين يكشفون عن معاني القرآن مفسِّهين؟ نعم؛ بالقياس على ذلك يجوز، شريطة أن يكون المفس كاشفًاا الحق موضحًاا له مُبينًاا عنه دامغًاا به الباطل، وما عدا ذلك ل يُسَمَّى مفسِّهًاا، وهذا الأمر هو ما جرى عليه علماؤنا، ولم يفَ عليهم، ولذا عرفوا المفسِّه بقولهم .2964/1) التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور1(
عدد الصفحات ٢٥١