تحرير وتاأ 185 مراتب التدبر يمكن تقسيم التدبر إلى مراتب قياسًاا على ما قسم به ابن عباس التفسير فقال: « بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير ل يعلمه إل الله تعالى ذكره فالتدبر على ثلاثة أوجه: تدبر العامة، وهو الوقوف عند الآيات مع الفهم العام لها والتبصر بما المرتبة الأولى: اشتملت عليه من الأوامر والنواهي والوعد والوعيد، والنتفاع با تذكرًاا واتباعًاا. أن يقرأ القرآن ويقف مع آياته متأملاًا في وعده ووعيده وأمره وصورة ذلك: ونيه، فيزداد با إيمانه وخشيته. تدبر العلماء، وهو الوقوف عند الآيات مع الفهم لمعناها ودللتها، المرتبة الثانية: والتبصر بمقاصدها وهداياتها، والنتفاع با إيمانًاا وعلماًا. أن يقف مع آيات القرآن بإمعان النظر وإعمال العقل في مقاصدها وصورة ذلك: ومعانيها ودللتها، وينتفع با علماًا وفهماًا وخشية. تدبر العلماء الربانيين: وهو الوقوف عند الآيات مع الفهم لمعناها المرتبة الثالثة: ودللتها ومقاصدها وهداياتها، والتبصر بما اشتملت عليه من الأوامر والنواهي والوعد والوعيد، والنتفاع با علماًا وإيمانًاا وعملاًا، وهذه المرتبة هي التي تمثلها السلف الصالح في تعاملهم مع القرآن، وهي التدبر الأمثل. حال السلف الصالح في تلقيهم مع القرآن الذين رزقوا العلم وصورة ذلك: والعمل بالقرآن.
عدد الصفحات ١٨٥مفهوم التدبر 18 * المحور الثاني: تحرير العلاقة والفرق بين التدبر والمصطلحات القرآنية الأخرى: بالنظر في التعريف السابق نستطيع أن نحرر العلاقة والفرق بين التدبر والمصطلحات القرآنية الأخرى، بما ل يلتبس على القارئ والمتدبر: أولاً: الفرق بين التدبر والتفسير: الفرق بين التدبر والتفسير ظاهر من وجوه: إن التفسير هو كشف المعنى المراد في الآيات، والتدبر هو ما وراء ذلك من أولاً: إدراك مغزى الآيات ومقاصدها، واستخراج دللتها وهداياتها، والنتفاع با إيمانًاا وعلماًا وعملاًا. إن المفس غرضه العلم بما دلت عليه الآيات للفهم، والمتدبر غرضه العلم ثانيًا: بما دلت عليه للإيمان والعلم والعمل؛ ولذا فإن التفسير يغذي القوة العلمية، والتدبر يغذي القوة العلمية والإيمانية والعملية. إن التدبر واجب الأمة كلها بتفاوت مراتبها، ولذلك جاء الأمر بالتدبر في ثالثًا: كتاب الله دون التفسير، وخوطب به ابتداءًا الكفار في آيات التدبر، وأما التفسير فهو واجب بحسب الحاجة إليه لفهم كتاب الله تعالى. إن التدبر ل يحتاج إلى شروط إل فهم المعنى العام مع حسن القصد رابعًا: ﭼﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤﭽ وصدق الطلب، ولذلك قال الله تعالى: ، أما التفسير؛ فله شروط ذكرها العلماء، لأنه من القول على الله، ولذا ]17[ تورع عنه بعض السلف رحهم ا ولذا يقال: ل يعذر المسلم في التدبر، ويعذر في التفسير.
عدد الصفحات ١٨٦تحرير وتاأ 187 ثانيًا: الفرق بين التدبر والاستنباط يقال في الفرق بين التدبر والستنباط كما قيل في الفرق بين التدبر والتفسير؛ لأن غرض التفسير والستنباط واحد هو فهم المعنى وما يدل عليه، فالتفسير في الفهم، والستنباط في الدللت،وأما التدبر فيتجاوزهما إلى قصد التذكر والتباع، وبذلك يكون التدبر أوسع منهما. ثالثًا: الألفاظ المقاربة للتدبر والفرق بينها: هناك ألفاظ مقاربة للتدبر وهي: التأمل، والتفكر، والنظر، والتذكر، والعتبار، والستبصار. وقد أبان ابن القيم الفرق بينها، فقال في آخر: فيسمى تفكرًاا لأنه استعمال الفكرة في ذلك وإحضاره عنده. ويسمى تذكرًاا لأنه إحضار للعلم الذي يجب مراعاته بعد ذهوله وغيبته عنه. وكل من التذكر والتفكر له فائدة غير فائدة الآخر فالتذكر يفيد تكرار القلب على ما علمه وعرفه ليرسخ فيه ويثبت ول ينمحي فيذهب أثره من القلب جملة، والتفكر يفيد تكثير العلم واستجلاب ما ليس حاصلاًا عند القلب فالتفكر يحصله والتذكر يحفظه. ويسمى نظرًاا لأنه التفات بالقلب إلى المنظور فيه. ويسمى تأملاًا لأنه مراجعة للنظر كرة بعد كرة حتى يتجلى له وينكشف لقلبه. ويسمى اعتبارًاا وهو افتعال من العبور لأنه يعبر منه إلى غيره فيعبر من ذلك الذي قد فكر فيه إلى معرفة ثالثة وهي المقصود من العتبار، ولهذا يسمى عبرة؛ إيذانا بأن
عدد الصفحات ١٨٧مفهوم التدبر 188 هذا العلم والمعرفة قد صار حالًا لصاحبه يعبر منه إلى المقصود به ويسمى تدبرًاا لأنه نظر في أدبار الأمور وهي أواخرها وعواقبها، وتدبر الكلام أن ينظر في أوله وآخره ثم يعيد نظره مره بعد مرة ولهذا جاء على بناء التفعل كالتجرع والتفهم والتبين. ويسمى استبصارًاا وهو استفعال من التبصر وهو تبين الأمر وانكشافه وتجليه . )(للبصيرة الدراسة التطبيقية: التحليل والستدلل: القسم الثاني:q والعلاقة بينه وبين المصطلحات ،بعد أن تبين لنا مفهوم التدبر وما يتضمنه الأخرى، ولتحقيق هذا المفهوم فإنني سأفصِّهل القول في هذا القسم بذكر الأدلة من القرآن والسنة، والآثار الواردة عن السلف مما يؤكد ذلك ويجليه، ليطمئن قلب القارئ، وليكون ذلك تطبيقًاا عمليًّا بالأمثلة من أحوال السلف الصالح الذين هم أكمل الناس تمثلاًا للتدبر الأمثل، فهم الأسوة والقدوة، ول سبيل لتحقيق التدبر « :والنتفاع بالقرآن إل باتباع منهجهم والقتداء بم، كما قال مالك أمر هذه الأمة إل بما صلح به أولها * المحور الأول: تحليل لآيات التدبر في القرآن: حين نتأمل في آيات التدبر الواردة في القرآن يتجلى لنا مفهوم التدبر من وجوه: سياق الآيات:أولاً: جميع آيات التدبر قد جاءت في غير سياق الحديث عن القرآن، وهذا يؤكد أن الغرض هو الأمر بالوقوف عند الآيات الواردة والتأمل فيها للإيمان والعلم والعمل، .182/1) مفتاح دار السعادة1(
عدد الصفحات ١٨٨تحرير وتاأ 18 ويظهر ذلك بما ي ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﭽ قوله تعالى: الآية الأولى: ×، وردت في سياق الأمر بطاعة الرسول ]82[ ﭼﮆ ﮇ ﮈ والستجابة له والرجوع في الحكم إليه. قال ابن جرير في معنى الآية .)1(كتاب الله، فيعلموا حجَّة الله عليهم في طاعتك واتباع أمرك ﭼﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﭽ قوله تعالى: الآية الثانية: ، وردت في سياق الأمر بالستجابة والإذعان وعدم التولي. ]24[ ﭼﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﭽ قوله تعالى: الآية الثالثة: وردت في سياق تخويف المكذبين المستكبرين بالعذاب، تقريعًاا لهم على ]68[ عدم التذكر والنتفاع با، وهذا يؤكد أن التدبر هو قصد التذكر والتباع بالآيات قال أبو حيان آباءهم الأولين: أي إرسال الرسل ليس بدعًاا، ول مستغربًاا، بل أرسلت الرسل للأمم .)2(قبلهم، وعرفوا ذلك بالتواتر ونجاة مَن آمن، واستئصال مَن كذب ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭽ قوله تعالى: الآية الرابعة: وردت في سياق مخاصمة الكافرين في الحق الذي جاء به محمد، ]29[ ﭼﭺ وذكر قصة داود وسليمان ورجوعهما للحق بعدما تبين وإنابتهما إلى الله. فنلحظ من ورود هذه الآيات الآمرة بالتدبر في سياق الحديث عن غير القرآن .567/8) جامع البيان1( .268/8) البحر المحيط2(
عدد الصفحات ١٨٩مفهوم التدبر 10 أن الغرض منها الأمر بالوقوف عند الآيات الواردة والتأمل فيها والتذكر والنتفاع با، مما يؤكد ما ذكرته بأن التدبر هو الوقوف عند الآيات والتأمل فيها بغرض التذكر والتباع. بيان المراد بالتدبر من آيات التدبر: ثانيًا: الآيات المذكورة كلها معقبة -في نفس الآية- بما ينبئ عن مقصود التدبر، وهذا يظهر من وجوه: معقبة في نفس ]82[ ﭼﮑ ﮒ ﮓﭽ قوله تعالى: الآية الأولى: وهذا ]82[ ﭼ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈﭽ الآية بقوله: يبين -والله أعلم-: أن المقصود بالتدبر التأمل في الآيات وما فيها من دلئل الصدق والحق، وهذا يؤكد أن التدبر هو الوقوف عند الآيات والنظر والتأمل فيما دلت عليه من الحق والصدق وغير ذلك، بقصد النتفاع با إيمانًاا وعلماًا وعملاًا. قال الألو من عند الله تعالى بمشاهدة ما فيه من الشواهد التي من جملتها هذا الوحي الصادق . )(والنص الناطق بنفاقهم المحكي على ما هو عليه ، معقبة بقوله: ]24[ ﭼﮑ ﮒ ﮓﭽ قوله تعالى: الآية الثانية: ، وهذا يدل على أن من لوازم التدبر إقبال القلب ]24[ ﭼﮔ ﮕ ﮖ ﮗﭽ وحضوره مع القرآن وإيمانه به، وهو ما يتضمنه الوقوع عند الآيات كما ذكرت. قال الشنقيطي التي هي الهمزة، وبين أن قلوبم عليها أقفال ل تنفتح لخير، ول لفهم قرآن .150 /4) روح المعا1(
عدد الصفحات ١٩٠تحرير وتاأ 11 معقبة في نفس ]68[ ﭼ ﮣ ﮤ ﮥ ﭽ قوله تعالى: الآية الثالثة: وهي تدل على أن ، ]68[ ﭼ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﭽ الآية بقوله: من لوازم التدبر النظر والتأمل في الآيات الواردة وما دلت عليه، وهو مايتضمنه تعريف التدبر. ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭽ قوله تعالى: الآية الرابعة: ، وهذا يؤكد أن لوازم ﭼ ﭸ ﭹ ﭺﭽ عقبها بقوله: ]29[ ﭼﭺ التدبر قصد التذكر والتباع، لأنه غاية له، وبذلك دلت الآية على ما تقرر من تضمن التدبر لقصد التذكر والتباع، والله أعلم. فظهر بذلك أن الآيات الأربع مشتملة على مفهوم التدبر المتضمنة لثلاثة أمور: الوقوف عند الآيات بالقلب. -1 النظر والتأمل فيما دلت عليه الآيات-2 قصد التذكر والتباع-3 صيغة الفعل الواردة في الآيات:ثالثًا جاءت صيغة الفعل في الآيات كلها بصيغة المضارع الدال على التجدد والستمرار، وهذا يؤكد لنا أمور: أن التدبر مأمور به دائماًا حال القراءة، ويؤكد ذلك ورود الستفهام ولم -1 الأمر أن التدبر لناية له في الآيات، وأن القارئ لن يبلغ النهاية فيه، وذلك لتوسع -2 المعاني والدللت والهدايات في الآيات وتجددها اختلاف المأمور بتدبره في الآيات:رابعًا:
عدد الصفحات ١٩١مفهوم التدبر 12 بالنظر في الآيات الأربع نجد الاختلاف في المأمور بتدبره القرآن في آيتين من آيات التدبر السابق ذكرها. -1 الآيات في آية واحدة-2 القول في آية واحدة-3 ونستطيع أن نستنبط من هذا الختلاف أمور أن آية النساء والمؤمنون الواردة بلفظ تدبر القرآن، وتدبر القول ظاهر فيها أن -1 المراد تدبره من حيث العلم بأنه حق وبأنه دال على الصواب، ولذلك عقبت إحدى ، ]82[ ﭼﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﭽالآيتين بقوله: ، ]68[ ﭼﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﭽوعقبت الأخرى بقوله: دال على أنه من عند الله كما يؤكده ختام الآية، والتعبير – والله أعلم–والتعبير بالقرآن بالقول دال على أنه قول حق فيما تضمنه من الآيات والعبر، ويؤكده ختام الآية. أن آية محمد الواردة بلفظ تدبر القرآن، ظاهر فيها أن المراد الإيمان به والإقبال -2 أن آيةﭼ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﭽعليه وحضور القلب معه، ولذلك عقبت الآية بقوله: (ص) الواردة بلفظ تدبر الآيات، ظاهر فيها معنى تدبر دللت الآيات وهداياتها، ، وبالتأمل في هذه الألفاظ ﭼ ﭸ ﭹ ﭺ ﭽولذلك عقبت الآية بقوله: واختلافها نجد أنا دالة على مفهوم التدبر بأركانه الثلاثة، أعني: حضور القلب، والتأمل في الدللت، وقصد التذكر والتباع، والله أعلم. أدلة الوقوف عند الآيات والتأمل فيها: * المحور الثاني: التدبر للوقوف عند الآيات والتأمل فيها أدلة من القرآن والسنة يؤكد تضمن وأقوال السلف وأحوالهم:
عدد الصفحات ١٩٢تحرير وتاأ 13 أولاً: الأدلة من القرآن القرآن دال على تضمن التدبر للوقوف عند الآيات والتأمل فيها، من وجوه: أن القرآن ملئ بالنصوص الآمرة بالنظر في الآيات والتفكر والتبصر والتذكر، -1 ومنها .]67[ ﭼﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﭽ قوله تعالى: .]3[ ﭼﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﭽ قوله تعالى: .]4[ ﭼﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚﭽ قوله تعالى: .]75[ ﭼﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯﭽ قوله تعالى: .]54[ ﭼﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻﭽ قوله تعالى: .]22[ ﭼﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﭽ قوله تعالى: وفي أسلوب استفهامي يدعو للوقوف مع الآيات والتأمل في مقاصدها: .]44[ ﱫﮭ ﮮﱪقوله تعالى: .]50[ ﱫﯜ ﯝﱪقوله تعالى: .]80[ ﱫﯯ ﯰﱪقوله تعالى: .]3[ ﱫﮓ ﮔﱪقوله تعالى: .]72[ ﱫﭺ ﭻﱪقوله تعالى: .]26[ ﱫﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤ ﮥﱪ قوله تعالى: وقد تكررت هذه الآيات في مواضع كثيرة من القرآن، مما يؤكد أن الغرض هو الحث على الوقوف عند الآيات والتأمل والتفكر وإعمال العقل والبصر والسمع فيها، والنظر في دللتها وهداياتها، والتذكر والتباع، وهذا هو التدبر.
عدد الصفحات ١٩٣مفهوم التدبر 14 تكرر الآيات في بعض السور مما يؤكد أنا للحث على الوقوف عندالآيات- 2 والتأمل فيها، ومن ذلك مث وردت ]17[ ﭼﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﭽ قوله تعالى: هذه الآية في السورة أربع مرات، وتعددها دال على أن المقصود الوقوف عند الآيات وهي آية دالة دللة ،ﭼ ﮢ ﮣ ﮤﭽ والقصص الواردة والتذكر با، ولهذا قال: أي للتذكر. ﭼﮞ ﮟ ﮠ ﮡﭽ صريحة على الحث على التدبر ولهذا قال: وردت هذه الآية ]13[ ﭼﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﭽ : قوله تعالى واحدًاا وثلاثين مرة، وهي آية حاثة على الوقوف عند النعم والآلء الواردة في السورة وتأملها مما يبعث على التذكر والإيمان. ورود القَسَم في ابتداء السور بالآيات الكونية وتعدده وتضمنه للتغيرات -3 والأحوال التي تتضمنها الآيات الكونية المقسم با فهذا التعدد دال على الأمر بالوقوف مع هذه الآيات والتأمل فيها للانتفاع والإيمان. اعتبار علم الوقف والبتداء وهو علم عظيم غرضه التدبر.-4 قال الزركشي في البرهان كيف أداء القرآن ويترتب على ذلك فوائد كثيرة واستنباطات غزيرة وبه تتبين معاني . )1(الآيات ثانيًا: السنة وأقوال السلف وأحوالهم: بالنظر في السنة النبوية وأقوال السلف وأحوالهم نجد أنا دالة على أن التدبر هو الوقوف عند الآيات والتأمل فيها والتفاعل معها، ومما يشهد لذلك: .342/1) البرهان في علوم القرآن1(
عدد الصفحات ١٩٤تحرير وتاأ 15 بنا ليلة× ما أخرجه النسائي وابن ماجه، عن أبي ذر، قال-1 ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹﭽ فقام بآية يرددها وهي قوله تعالى: .)1(»]118[ ﭼﯺ فهذا الترديد وقوف عند الآية وتأمل في مشهدها العظيم. ما ورد عن عمر أنه مكث في تعلم سورة البقرة اثنتي عشرة سنة، وابنه عبد -2 .)2(الله مكث في تعلمها ثماني سن وهذا يدل على طول وقفوهم وتأملهم فيها بتعلم ما فيها والعمل به. ثالثًا: اللغة: اللغة تدل على تضمن التدبر للوقوف مع الآيات والتأمل فيها من وجهين: أن الوصول إلى أواخر الكلم وناياتها الذي هو أصل التدبر أمر يحتاج إلى :الأول وقوف مع الآيات وطول نظر وتأمل. مجيء التدبر على وزن التفعُّل، وهو ما يحتاج إلى بذل جهد وإعمال عقل :الثاني وإمعان نظر، وإلقاء سمع؛ للوصول إلى ما وراء الألفاظ من المقاصد والمعاني والدللت والهدايات. « :يقول ابن القيم .)3(بعد مرة، ولهذا جاء على بناء التفعل كالتجرع والتفهم والتب ، وصححه الألباني في 1411 ح320/4، وابن ماجه1018 ح1421/4) أخرجه النسائي1( .1205المشكاة رقم .1957/331/2) أخرجه البيهقي في الشعب2( .183/1) مفتاح دار السعادة3(
عدد الصفحات ١٩٥مفهوم التدبر 1 * المحور الثالث: الأدلة على أن الوقوف عند الآيات يشمل الإقبال والتفاعل بالقلب واللسان والجوارح: الأدلة على أن الوقوف عند الآيات يكون بالقلب حضورًاا وإيمانًاا وتعظيماًا أولاً: واستشعارًاا بأنه المخاطب: .]24[ ﭼﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗﭽ قوله تعالى: -1 يؤكد أن التدبر يتضمن حضور القلب، حيثﭼ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﭽفقوله: جعل من موانع التدبر انغلاق القلوب، وهذا دليل كاف على تضمن التدبر لحضور القلب الذي هو من مقدمات التدبر، وهو من الوقوف عند الآيات بالقلب. ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭽ قوله تعالى: - 2 .]37[ ﭼﭭ دال على لزوم حضور القلب.ﭼ ﭬ ﭭﭽ، وقوله: ﭼ ﭧ ﭨﭽفقوله: أي: قلب عظيم حي، ﭼﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨﭽ قال السعدي ذكي، زكي، فهذا إذا ورد عليه شيء من آيات الله، تذكر با، وانتفع، فارتفع، وكذلك ﭼﭭﭽمن ألقى سمعه إلى آيات الله، واستمعها، استماعًاا يسترشد به، وقلبه .)1(أي: حاضر، فهذا له أيضًاا ذكرى وموعظة، وشفاء وهدى دال على حضور السمع وإنصاته وإصغاؤه. ﭼ ﭩ ﭪ ﭫ ﭽوقوله: قال ابن كث . )2(وهو شاهد يقول غير غائب. وهكذا قال الثوري وغير واحد .807/1) تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحن1( .409/7) تفسير ابن كث2(
عدد الصفحات ١٩٦تحرير وتاأ 17 ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﭽ قوله تعالى: -3 .]70-69[ ﭼﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ أي: حي القلب واعيه، فهو الذي يزكو ﭼ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼﭽ قال السعدي بذا القرآن، وهو الذي يزداد من العلم منه والعمل، ويكون القرآن لقلبه بمنزلة المطر .)1(للأرض الطيبة الزاكية . )2( قال مالك بن دينار-4 قال الإمام البخاري- 5 .)3(بحقه إل الموقن قال الحسن- 6 تركبونه فتقطعون به مراحله، وإن من كان قبلكم رأوه رسائل من ربم فكانوا .)4(يتدبرونا بالليل وينفذونا بالنهار إذا أردت النتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، « وقال ابن القيم-7 وألق سمعك، واحضر حضور من ياطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه، فإنه خطاب »×منه لك على لسان رسوله الأدلة على أن الوقوف عند الآيات يكون باللسان ترتيلاًا وترسلاًا وتحزنًاا ثانيًا: وتكرارًاا وتفاعلاًا بالسؤال والتعوذ عند مناسبة ذلك ما يلي: .698/1) تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحن1( .298/6) الدر المنثور2( .410/24) صحيح البخاري3( .28) التبيان في آداب حلة القرآن للنووي ص4(
عدد الصفحات ١٩٧مفهوم التدبر 18 .]4[ ﭼﭢ ﭣ ﭤﭽ قوله تعالى: -1 الإسراع في القراءة يدل على عدمﭼﭢ ﭣ ﭤ ﭽ قال الرازي .)1(الوقوف على المعا أي: اقرأه على تمهل، فإنه يكون ﭼﭢ ﭣ ﭤ ﭽ وقال ابن كث ، قالت عائشة×عونًاا على فهم القرآن وتدبره. وكذلك كان يقرأ فيرتلها، حتى تكون أطول من أطول منها ، فقال: ×و يمد بسم الله، ويمد الرحن، ويمد ﭼﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭽ « الرحيم وقال ابن جُرَيج، عن ابن أبي مُلَيكة عن أم سلمة: أنا سُئلت عن قراءة رسول ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭽ ، ، فقالت ×ا .)2( رواه أحد، وأبو داود، والترمذي]2-1[ ﭼﭙ ﭼﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭽ قوله تعالى: -2 .)3(: على تؤدة}على مكث{، قال مجاهد]106[ قالت كما نعتتها أم سلمة × كانت قراءة النبي-3 .)4( مفسة حرفًاا حرفًاا×ا .154/30) مفاتيح الغيب1( .250/8) تفسير ابن كث2( .575/7) جامع البيان3( .2923 ح185/5) أخرجه الترمذي وصححه4(
عدد الصفحات ١٩٨تحرير وتاأ 1 يقرأ في السورة، فيرتلها،×، أنا قالت× عن حفصة زوج النبي- 4 .)1( حتى تكون أطول من أطول منها « :× ما روي عن سعد بن أبي وقاص قال: قال- 5 .)2(فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، وتغنوا به فمن لم يتغن به فليس منا « :× قال: قال ما روي عن ابن عمر -6 .)3(فتحازنوا ذات ليلة فافتتح البقرة، × أخرج مسلم عن حذيفة قال-7 فقلت: يركع عند المائة ثم مضى، فقلت: يصلي با في ركعة فمضى، فقلت: يركع با، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاًا، إذا مرَّ بآية فيها .)4(تسبيح سبح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مرَّ بتعوذ تعوذ بنا ليلة فقام × أخرج النسائي وابن ماجة عن أبي ذر قال- 8 ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﭽ بآية يرددها وهي قوله تعالى: .)5(»]118[ ﭼﯺ ورد ذلك أيضًا عن عدد من الصحابة والتابعين كعائشة وسعيد بن جبير -9 .)1746، برقم151/5) أخرجه مسلم1( ، رقم 362/2)، والبيهقى في شعب الإيمان 1337، رقم 424/1) أخرجه ابن ماجه 2( )، وقال ابن كث689، رقم49/2)، وأبو يع2051 .114/1فضائل القرآن ).689، رقم49/2) أخرجه أبو يعلى بسند ضعيف3( .1850رقم166/5) أخرجه مسلم4( .1411 ح320/4، وابن ماجه1018ح1421/4) أخرجه النسائي5(
عدد الصفحات ١٩٩مفهوم التدبر 200 والربيع بن خثيم وغيرهم .)1( وقال ابن القيم .)2(وإذا لم يتمكن من التدبر إل بترديد فليردد« :قال أبو حامد الغزا قال ابن مسعود لعلقمة وقد عجل في القراءة- 10 .)3(زين القرآن عن أبى جمرة قال: قلت لبن عباس -11 في ثلاث فقال: لأن اقرأ البقرة في ليلة فأدبرها وأرتلها أحب إليَّ من أن أقرأ ك .)4(تقول يقول إسحاق بن إبراهيم عن الفضيل بن عياض -12 شهية بطيئة مترسلة كأنه يخاطب إنسانًا، وكان إذا مرَّ بآية فيها ذكر الجنة يردد فيها .)5(ويسأل * المحور الثالث: الدليل على أن التدبر شامل للتأمل فيما وراء النص: ذكرنا معنى التدبر في الأصل اللغوي وأقوال العلماء في ذلك، وهي كافية في الدللة، إذ أن هذا الركن هو الأصل في التدبر. أما أدلة ما يشمله التأمل في الآيات؛ فظاهرة من وجوه: إدراك مغزى الآيات: لأن القرآن الكريم له مقاصد وغايات جاء لتحقيقها أولاً: .222/1) مفتاح دار السعادة1( .92/1) إحياء علوم الدين2( .)8724، برقم255/2) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف3( .)4187، رقم489/2) أخرجه عبد الرزاق4( .662/2) سيرة أعلام النبلاء5(
عدد الصفحات ٢٠٠