المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تتبع الرخص بين الشرع والواقع

عبداللطيف بن عبدالله التويجري

صفحة ٣ من ٥

الفصل الثا الآثار المترتبة على تتبع الرُّخص

عدد الصفحات ٣٩

الآثار المترتبة على تتبُّع الرُّخص 41 لا شكَّ أن لتتبع الرُّخص آثاراً سلبية تؤدي إلى نتائج خطيـــرة, وقــد تــوسـع فــي الحــديــث عنهــا الشــاطبـــي في كتابه النفيس: الموافقات, وأيضاً هناك )790(ت بعـــض الإشــارات مــن علمــاء آخــرين كـابن الصــلاح وابــن الــقيـــم ,)676(ت والنــووي ,)643(ت :)1( أُجْملُها في النقاط التالية .)751(ت - أن فــي تتبع الــرُّخــص مخالفة لأصــول الشريعة 1 ومقاصدها؛ لأن الشريعة جاءت لتخرج الإنسان من داعيةِ ). والمجموع: 125 ينظر في هذه المسألة: أدب المفتي والمستفتي, ص) 1( )83/5). والموافقات 185/4). وإعلام الموقع 55/1( .)103-102/5( )99/5( الثانيالفصل الآثار المترتبة على تتبع الرخص

عدد الصفحات ٤١

42 تتبُّع الرُّخص بين الشرع والـواقـع هــواه, ونهيه عـن اتِّباع الهوى. أمَّــا تتبع الرُّخص يعني انغمــاس الإنســان فيما يحقــــق هــواه, واتبـــــاع مــا تميــل إليه نفسه. - أن في تتبع الرُّخص انحلالاً من ربقة التكليف, 2 وهو يتكلم عن ذلك: (فإنه )790(تيقول الشاطبي مؤدٍّ إلى إسقاط التكليف في كل مسألة مختلف فيها؛ لأن حاصل الأمر مـــع القـــول بالتخييـــر أن للمــكلف أن يفــعل . )1(ما يشاء ويترك ما يشاء وهو عين إسقاط التكليف - ترك اتِّباع الدليل إلى اتِّباع الخلاف, وهذا مخالف 3 {لقوله - تعالى وَالرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ .تَأْوِيلاً - الاستهانة بالدين وشرائعه؛ إذ يصير بذلك سيــــــالاً 4 لا ينضبط - ترك ما هو معلوم إلى ما ليس بمعلوم.5 .)5/83 الموافقات)1(

عدد الصفحات ٤٢

الآثار المترتبة على تتبُّع الرُّخص 43 - انخرام نظام السياسة الشرعية الــذي يقوم على 6 الــعــدالــة والتسوية بحيث إذا انــخــرم أدَّى إلــى الفوضى والمظالم وتضييع الحقوق بين الناس. - أن تتبع الرُّخص يُفضي إلى القول بتلفيق المذاهب 7 على وجه يخرق إجماع العلماء * * *

عدد الصفحات ٤٣

الفصل الثالث تتبع الرُّخص فــــي العصر الحديث، وفيه مبحثان: الأول: واقــــــع المفـتـــين الثاني: واقــــــع المستفتين

عدد الصفحات ٤٥

واقع المفتين 47 إن الناظر في منهج بعض المنتسبين للفتيا اليوم يخشى أن يشملهم ذلك الذَّمُّ والزجر الذي قاله العلماء وحذروا منه؛ لوقوعهم في المحظور المنهي عنه تــارة, ولكونهم أخذوا التيسير منهجاً في الفتوى تارة أخرى. والأمر الـمُدْهش في هــذه القضية أنــك تجدهم يحتجون بحجج عامة غير , فهم «منضبطة, يصدق عليها مقولة - مثلاً - يسوِّغون مسلكهم هذا بحجة: أن الدين يُسر, وأن الشريعة جــاءت بقواعد السهولة والسماحة ورفع الحرج, ونحن إذا أخذنا بأهون الأقوال في المسائل وافقنا هذه القواعد والأصول السمحة التي شرعها الدين. وحين نتأمَّل هذا الكــلام نــجــد أن مقـدمتــه صحيحــة الأولالمبحث واقع المفتين

عدد الصفحات ٤٧

48 تتبُّع الرُّخص بين الشرع والـواقـع لا غبار عليها, ولكن نتيجته فاسدة؛ إذ إن كون الشريعة قد راعت اليسر والسهولة في تكاليفها لا يعني بحال أن يختار المرء من أقوال الفقهاء ما يشتهي؛ لأن هناك تناقضاً وتباعداً بين هــذه القاعدة العظيمة التي شرعها وجــاء بها الخالق الحكيم, وبين تتبع رخص البشر المخلوقين. وأمـــر آخــر إذ كيف يــســوغ للمكلف أن يــرفــع مشقة التكليف الشرعي التي شرعها الشارع بحيث يتبع كل سهل جاء عن هؤلاء العلماء المخلوقين بدون أصول وضوابط؟! إن من المغالطات والأخطاء أن نقوم بتقرير فرع فاسد ونبنيه على أصل صحيح. وكون المرء يأخذ برخصة إمام من الأئمة خالف فيها الدليل الصحيـح لأسباب وأمــور بحجة القاعدة الكبرى وهي )1(لا يُلامُ عليها ومعذور فيها التيسير, ورفــع المشقة والحـــرج؛ فلا جَـــرَمَ أن هــذا منهج مخالفٌ لأصـــول الــديــن, ويوصلنا إلــى منهج يعارض مقاصد الشريعة وانضباطها, ولهذا نجد أن عامة العلماء قد ينظر: رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام).)1(

عدد الصفحات ٤٨

واقع المفتين 49 سدُّوا هذا الباب وحرَّموه؛ حفاظاً على الشريعة, يقول ابن : (يحرم التساهل في الفتيا, واستفتاء )762(تمفلح . )1( من عُرف بذلك : (الــــــــرأيُ الباطل )751(تويــقــول ابــن القيم أنــواع؛ أحــدها: الــرأي المــخالــف للنــص, وهــذا ممــا يعلم بالاضطـــرار مــن دين الإســــلام فــســاده وبــطـــلانــه, ولا تــحــل الفتيا به ولا القضــاء, وإن وقع فيه من وقع بنوع . )2( تأويل وتقليد ويتَّضح هذا الأمر في الواقع اليوم؛ حيث إن بعضهم قد يحتج ببعض أقوال العلماء وآرائهم المخالفة للنصوص الشرعية, ويحتج بأنه قول أو رأي لفلان من الأئمة, وهذا أمر خطير, ويجب الحــذر منه؛ لأن هذا القول مخالفٌ للأدلة الشرعية التي أُمر العبدُ المخلوق من خالقه باتِّباعها, وأُخذ عليه العهد والميثاق, والترهيب والترغيب؛ فكيف ).300/6), وكشاف القناع25/10 المبدع)1( .)87/1 إعلام الموقع)2(

عدد الصفحات ٤٩

50 تتبُّع الرُّخص بين الشرع والـواقـع يخالفها ويأخذ غيرها من أقوال البشر وآرائهم؟! وإذا كان هذا الــرَّأي أو القول يُعدُّ زلَّة لهذا العالم أو الإمام فكيف يحتج به؟! إذ لا أسوة في الشر؛ كما قاله ابن مسعود رضي , فالعصمة لم تكتب لهم, وإن كانوا من خيرة )1(اللَّه عنه الناس وأزكاهم. : (ومن العجب )748(ت قال العز بن عبد السلام العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعاً ومع هذا يقلِّده فيه, ويترك من الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبه جموداً على تقليد إمامه, بل يتحلل لدفع ظواهر الكتاب والسنة, ويتأولهما بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالاً عن . )2(مقلده ومــن المــؤلــم - فــي هــذا الزمــن - أن نــرى كثيراً من أصحاب التساهل والتيسير المزعوم يقعون في محظورات ).139/2 ينظر: جامع بيان العلم وفضله)1( .)104/2 قواعد الأحكام)2(

عدد الصفحات ٥٠

واقع المفتين 51 وأخطاء جسيمة, فها هم اليوم يريدون تطويع الفتوى بحجة مسايرة الواقع, ومواكبة تغيرات العصر, وها هم يــنــادون بتغيير الفقه الإســلامــي؛ من أجــل أن يكون فقه التيسير والوسطية حسب أهوائهم ومصالحهــم, كــل هــذا مــن أجــل نصرة هذا المنهج المتساهل, ويا ليتهم يفيقون ويشاهدون آثاره ونتائجه, حيث أوصل هذا المنهج كثيراً منهم إلى القول بالأقوال الغريبة, والآراء الشاذة حتى ميَّعوا الدين واستطال الجُهَّال عليه, وعطَّلوا بعض الحدود والأحـــاديـــث, وأصبحنا نــرى فــتــاوى يستنكرها الــعــوام أصحاب الفطر السليمة فكيف بأهل العلم؟! فهذا يرى جواز إمامة المرأة للرجال في الصلاة! وذاك يرى أنه لا ينبغي إقامة حد الرِّدة على المرتد في هذا الوقت! وثالث يرى إباحة الغناء! ويأتي من يزعم أن دية الرجل تساوي دية المرأة في هذا الزمن! ورابع يفتي بجواز إنشاء بنوك حليب للأمهات استنــاداً إلــى قــول عـــن أبـــي ثــور ولا يثبت, وآخر يرى جواز مصافحة المرأة الأجنبية للرجال

عدد الصفحات ٥١

52 تتبُّع الرُّخص بين الشرع والـواقـع وتقبيلها ضارباً بالأحاديث الصريحة عرضَ الحائط. ويأتي في مقابلهم من يغلو فيُرخِّص بقتل الكافر لمجرد وجوده .)1(بجزيرة العرب, اتباعاً لهواه ومنهجه وهــكــذا فــي سلسلة أقـــوال شـــاذة, وآراء فجَّة يمسك المتعالم لها رواية ضعيفة, أو خلافاً شاذاً, أو فهماً بعيداً؛ فيبني عليه فتوى مجلَّلة بحلل البيان, ونضد الكلام لكنها .)2(عرية عن الدليل والبرهان وفي آخــر المطاف لا تعجب أن تسمع من يقول لأحد اللجـان الــوضعيــة فــي بلاده: (ضعـــوا من المـــواد ما يبدو لكم أنه مـوافق للزمــان والمكــان, وأنــا لا يعـــوزني بعــد ذلك أن آتيكــم بنـــص مـن المــذاهـــب الإســــلامية يطــــابق ينظر في هذه الأقول وغيرها: التعالم وأثره على الفكر والكتاب, للشيخ )1( ), ضمن كتاب: المجموعة122بكر أبو زيد - رحمه اللَّه تعالى - ص العلمية. وكتاب إرسال الشواظ على من تتبع الشواذ, لفضيلة الدكتور صالح الشمراني, فإنه مفيد في بابه. ينظر: التعالم وأثره على الفكر والكتاب, للشيخ بكر أبو زيد - رحمه )2( ), ضمن كتاب: المجموعة العلمية122اللَّه تعالى- ص

عدد الصفحات ٥٢

واقع المفتين 53 .)1(ما وضعتم إن من يسمع لمثل هذه الفتاوى أويقرؤها يتبادر إلى ذهنه أسئلة محيِّرة وهي: كيف وصل الأمر إلى هذا الحد؟ وهل يجوز لهذا المفتي أو غيره من المفتين الإفتاء في دين اللَّه بالتشهِّي والتخيُّر؟ وهل يجوز البحث عن الأقوال التي توافق غرض المفتي وهواه أو غرض من يحابيه فيفتي به ويحكم به؟! )751(تيُــجــيــب عــن ذلـــك الإمــــام ابـــن الــقــيــم بقوله: (هــذا من أفسق الفسوق, وأكبر الكبائر, واللَّه . )2(المستعان ينقل في (موافقاته) )790(توهذا الإمام الشاطبي قوله:)494(تكلاماً جميلاً لأبي الوليد الباجــي (..لا خــلاف بين المسلــمين ممن يُعتدُّ به في الإجماع رحمه اللَّه – ينظر: كتاب: تراجم الأعلام المعاصرين, لأنور الجندي )1( .)428تعالى - ص ).185/4 إعلام الموقع)2(

عدد الصفحات ٥٣

54 تتبُّع الرُّخص بين الشرع والـواقـع أنه لا يجــوز ولا يســوغ ولا يحــل لأحــد أن يفتــي فــي ديــن اللَّه إلا بالحق الذي يعتقد أنه حق؛ رضي بذلك من رضيه, وسخطه من سخــطه. وإنما المفتي مخبر عن اللَّه - تعالى - في حكمه فكيــف يخبــر عــنه إلا بمــا يعتقد أنه حكم به وأوجــبــه؟ واللَّه - تعالى - يقول لنبيه - عليــه { الصلاة والسلام . )1( )أَهْوَاءَهُمْ ولعظم هـــذه المســـألة عــــدَّ بعـــض العلماء - كالسمعاني - الكف عن الترخيص والتساهل شرطاً من )489(ت شروط المفتي, حيث يقول: (المفتي من استكمل فيه ثلاث شــرائــط: الاجــتــهــاد, والــعــدالــة, والــكــف عــن الترخيص : أن يتساهل في إحداهماوالتساهل. وللمتساهل حالتان؛ طلب الأدلة وطرق الأحكام ويأخذ بمبادئ النظر وأوائل الفكر, فهذا مقصر في حق الاجتهاد ولا يحل له أن يفتي ولا يجوز أن يُستفتى. ).91/5 الموافقات)1(

عدد الصفحات ٥٤

واقع المفتين 55 : أن يتســـاهـــل فــي طـلــب الـــرُّخـــص وتأول والث . )1( الشبه, فهذا متجوز في دينه, وهو آثم من الأول بإسناده عن إسماعيل )2( وتأمَّل ما رواه الإمام البيهقي القاضي يقول: (دخلت على المعتضد باللَّه فدفع إليَّ كتاباً, فنظرت فيه فإذا قد جمع له من الرُّخص من زلل العلماء, وما احتج به كل واحد منهم, فقلت: مصنِّف هذا زنديق. فقال: ألم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رويت, ولكن من أباح المسكر - النبيذ - لم يبح المتعة, ومن أباح المتعة لم يبح المسكر, وما من عالم إلا وله زلة, ومن أخذ بكل زلل العلماء ذهب دينه. فأمر المعتضد بإحراق ذلك . )3( الكتاب ), 438/3 ينظر: قواطع الأدلة في أصول الفقه, لأبي المظفر السمعاني )1( .)305/6والبحر المحيط للزركشي ).356/10 السنن الكبرى)2( .)465/13 سير أعلام النبلاء)3(

عدد الصفحات ٥٥

56 تتبُّع الرُّخص بين الشرع والـواقـع ومن فقــه الإمام الدارمي ما ذكره في كتابه (الرَّد على الجهــمية) حيث ذكر علامتين ظاهرتين يُستدل بهما على ابتداع الرجل من اتِّباعه في هذه المسألة, حيث يقول: (إن الــذي يريد الشذوذ عن الحق يتبع الشاذ من قول العلماء ويتعلــق بزلاتهـــم, والـــذي يــؤم الحــق فــي نفسه يتبع المشهور مــن قــول جماعتهــم وينقلــب مــع جمهــورهم, فهما آيتان بينتان يستدل بهما على اتِّــبــاع الرجل وعلى .)1( ابتداعه فكلُّ هذه المواقف والأقوال تدل على أن هذا المذهب والمسلك ليس جديداً كما ترى, بل عُمل من قبل وأنكره العلماء وبينوا أنه مبنيٌّ على أصول فاسدة تُذهِب الدين وتفسده ولــو مــا نجــم عنه إلاَّ الخلط بــين أصــول الشريعة ) 728(توفروعها, أو ما يسميه شيخ الإسلام ابن تيمية , لكفى به بُعْداً عن الحق, )2( بالشرع المنزَّل, والشرع المؤوَّل ).129 الرد على الجهمية, ص)1( ويسميه بعض المعاصرين: الثوابت والمتغيرات, والمثبت أَوْلى. قال شيخ)2( الإسلام ابن تيمية: (الشرع المنزَّل: وهو الكتاب والسنة, واتباعه واجب

عدد الصفحات ٥٦

واقع المفتين 57 وإفساداً للخلق : (لو جاز اتِّباع أي مذهب )676(تيقول النووي شــاء لأفضى إلــى أن يلتقط رخــص المــذاهــب متبعاً لهواه ويتخير بين التحليل والتحريم والوجوب والجواز, وذلك . )1( يؤدي إلى الانحلال من ربقة التكليف والواجب في مسائل الخلاف اتباع ضابط الشرع, قال : (فإن في مسائل الخلاف ضابطاً )790(تالإمام الشاطبي { قرآنياً ينفي اتِّباع الهوى جملة, وهو قوله - تعالى . تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ وهذا المقلِّد قد تنازع في مسألته مجتهدان فوجب ردُّها إلى اللَّه والرسول وهو الرجوع إلى الأدلة الشرعية, وهو أبعد =من خرج عنه وجب قتله, ويدخل فيه أصول الدين وفروعه وسياسة الأمراء وولاة المال وحكم الحكام ومشيخة الشيوخ وغير ذلك, فليس لأحد من الأولين والآخرين خروج عن طاعة اللَّه ورسوله. والثاني: الشرع المؤول: وهو موارد النزاع والاجتهاد بين الأمة, فمن أخذ فيما يسوغ فيه الاجتهاد أقرَّ عليه ولم تجب على جميع الخلق موافقته إلا بحجة ). 281/9لا مردَّ لها من الكتاب والسنة). ينظر: مجموع الفتاوى ).55/1 المجموع)1(

عدد الصفحات ٥٧