119 ويكون المعنى: إن الصابر على شدة المدينة من يشفع له النبي صلى الله عليه وسلم من العصاة ومن يشهد له بما نال فيها من الشدة ليوفى أجره. وشفاعته صلى الله عليه وسلم وإن كانت عامة للعصاة من أمته إلا أن العصاة من أهل المدينة لهم زيادة خصوص منه وذلك والله تعالى أعلم بأن يشفع لهم قبل أن يعذبوا بخلاف غيرهم أو يشفع في ترفيع درجاتهم أو في السبق إلى الجنى أو فيما شاء الله من ذلك"(1). ِّ ِّ (1 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 3، ص ص482 – 483.
عدد الصفحات ١٢٩120 ِّ ِّ المبحثِّالسادسِّ التصحيحِّوالتضعيفِّعندهِّ المطلبِّالأول:ِّالتضعيف.ِّ المطلبِّالثاني:ِّالتصحيح.ِّ ِّ ِّ ِّ ِّ ِّ
عدد الصفحات ١٣٠121 عيفِّالديثِّوتصحيحه ض المبحثِّالسادس:ِّصناعتهِّفيِّتِّ المطلبِّالأول:ِّتضعيفِّالديثِّ صناعته رحمه الله تعالى في تضعيف الأحاديث لا تخرج عن رأي جمهور المحدثين فهو يضعف الحديث لأمور: أولاً: للانقطاع في السند ثانياً: لجهالة الرواي ثالثاً: لضعف راوي الحديث رابعاً: للاضطراب في السند خامساً: رد الحديث نقلاً وعقلاً سادساً: تضعيف الحديث رواية وإن كان متنه صواباً وأحياناً نجده رحمه الله تعالى ينقل التضعيف عن غيره من العلماء المتقدمين وأحياناً يرد تضعيفهم للحديث". أولاً: التضعيف للانقطاع ويرد الإمام القرطبي رحمه الله تعالى لاحتجاج بالحديث للانقطاع فمن ذلك: ما جاء في كتاب القسامة – باب: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث- وهو يتحدث عن حكم قتل المسلم بالكافر والذمي ويشرح قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم ((النَّفْسُ بالنَّفْسِ )) فقال: "وقوله ((النفس بالنفس)) موافق لقوله تعالى: ((وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنًّ النًّفْسَ بِالنَّفْسِ )) (1). ويعني به النفوس المتكافئة في الإسلام، والحرّية. بدليل قوله ((لاَْ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِ كَافِرٍ )) (2)، خرجه البخاري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو حجة للجمهور من الصحابة والتابعين على من خالفهم وقال قوم: يقتل المسلم بالذمي وهم أصحاب الرأي والشعبي والنخعي ولا يصح لهم ما رووه من حديث ربيعة: ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قَنَلَ يَوْمَ خَيْ بَرَ مسلها بك افر)) (3)، لأنه منقطع، ومن حديث ابن البيلماني وهو ضعيف في...)) ( 4) قلت: وابن البيلماني قلت: وابن البيلماني هو محمد بن عبد الرحمن، ضعيف، وقد اتهمه ابن عدي وابن حبان(5). ثانياً: التضعيف لجهالة الراوي وجاء ذلك في حديثه عن تحريم الحمر الأهلية في كتاب الصيد والذبائح عند حديث أنس رضي الله عنه قال: ((لمَّا فَتَحَ رسولُ الله صلى اللهُ عليهِ وسلّم خَبْيَرَ أَصَبْنَا حُمُراً خارجاً من القَرُيَةِ...)) فقال: "...وبأن أولى العلل ما خرج به منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: (1 )سورة المائدة، آية رقم 54. (2 )البخاري مع فتح الباري، ا لصحيح، مصدر سابق، كتاب الديات، باب العاقلة، ح 6903، ص14، ص239 طبعةدار الفكر 1415هــ- 1995م (3 )أبو داود، المراسيل، مصدر سابق، ح 250. (4 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 5، ص ص38 – 39. (5 )ابن حجر، التقريب، ص 492 – ت6067.
عدد الصفحات ١٣١122 ((إنَّ اللهَ ورسولَهُ يَ نْهَيَانِكُم عَنْهَا، فإِنَّها رِجْسَ مِنْ عَمَل الشَّيْطَانِ )). ... فظهر أن هذه العلى الأولى من كل ما قيل منها وأما التعليل الذي ذكره أو داود(1) من حديث غالب بن أبحر وهو الذي قال فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ((إِنَّمَا حَرَّمْتُهَا مِنْ أَجْلِ جَوَّالِ الْقَرْيَةِ )). فحديث لا يصح لأن من يرويه هو عبد الله بن عمرو بن لويم وهو مجهول، وقد رواه رجل يقال له: عبد الرحمن بن بشر وهو أيضاً مجهول على ما ذكره أبو محمد عبد الحق، وأما ما عدا ذلك من العلل التي ذكرناها فمتوهمة مقدّرة لا يشهد لها دليل فصح ما قلناه والحمد لله"(2). ثالثاً: تضعيف الحديث لضعف راويه: وقد ضعف أحاديث لضعف رواتها فمن ذلك: ما جاء في كتاب الحج – باب: ما جاء في دخول النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة وفي صلاته فيها- حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة هو وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة الحجبي...)) قال: "هذا إنما كان عام الفتح كما جاء مخصوصاً في الرواية الأخرى ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم محرماً يوم الفتح فلا ستدل به على أن دخول البيت نسك في الحج والعمرة كما ذهب إليه بعضهم وأما أحاديث حجة الوداع، فليس في شيء منها تحقيق أنه صلى الله عليه وسلم دخل أولاً غير أن أبا داود روى من حديث عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم خرج من عندها مسروراً ثم رجع إليها وهو كتيب، فقال: ((إِ نِّي دَخَلْتُ الْكَعْبَةَ وَلَوِ اسْتَقْ بَلْتُ مِنْ أَمْرِي، مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا دَخَلْتُ هَا إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ شَقَقْتُ عَلَى أُمَّتِي )) وظاهره أن ذلك كان في حجة الوداع، غير أن هذا الحديث في إسناده إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصغير وهو ضعيف. وقد رواه البزار بإسناد آخر ولا يثبت أيضاً"(3). رابعاً: التضعيف للاضطراب في السند فمن ذلك ما جاء في كتاب الحدود – باب: إقامة السادة الحد على الأرقاء- حديث علي رضي الله عنه ((أَقِيْمُوا على أَرَقَّائِكُم الحَدَّ... )) فقال: "وفيه من الفقه ما يدل على أن من كان حده دون القتل لم يقم عليه الحد في مرضه حتى يفيق، لا مفرقاً، لا مجهولاً، ولا مخففاً، ولا مثقلاً، وهو مذهب الجمهور تمسكاً بهذا الحديث، وهو أولى مما خرجه أبو داود(4) من حديث سهل بن حنييف ((أَنًّ رَجُلاً منِ أَصُحَاب النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلّم اَشتَكى حتى أَضُنَى فَعادَ جِلْدة على عَظْمٍ فَوقَعَ على جَارِيَةٍ لغيره ثُمَّ نَدِمَ فاستُفْتِيَ لَهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فأمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يَأخُذُوا له مئةَ شِمُرَاخٍ فَيَضُرِبُوهُ بِها ضَرُبَةً وَاحِدَةَ )) لأنه إسناد مختلف فيه"(5). خامساً: رد الحديث نقلاً وعقلاً فجاء في كتاب الصلاة – باب: ما جاء في سجود القرآن- (1 )أبو داود، السنن، مصدرسابق، كتاب الأطعمة، باب أكل لحوم الحمر الأهلية، ح 3809، ج4، ص63، طبعة موسوعة الكتب الستة. (2 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 5. (3 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 3، ص429. (4 )أبو داود، السنن، مصدر سابق، كتاب الحدود، باب إقامة الحد على المريض، ح 4472، ج41نص 615 (5 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 5، ص ص125 – 126.
عدد الصفحات ١٣٢123 فيالحديث عن عبد الله ((أنهُ قُرِئَ على رسول الله صلة الله عليه وسلم ((والنَّجْم إِذَا هَوَى)) فَسَجَدَ...)) قال: "وقوله: ((غَيْرَ أَنَّ شَيْخَاَ أَخَذَ كَفَّا مْنَ حَصَى )) هذا الشيخ هو أمية بن خلف. قُتِل يوم بدر كافراً، وإنما سجد – أي أمية بن خلف – لما روي أنه سجد حينئذ مع النبي صلى الله عليه وسلم المسلمون والمشركون والجن والأنس قاله ابن عباس ورواه البزار(1) حتى شاع أن أهل مكة قد أسلموا وقدم من كان هاجر إلى أرض الحبشة لذلك. وكان سبب سجودهم، فيما قال ابن مسعود أنها كانت أول سورة نزلت فيها سجدة وروى أصحاب الأخبار والمفسرون أن سبب ذلك ما جرى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم من ذكر الثناء على آلهة المشركين في سورة النجم، ولا يصح هذا من طريق النقل ولا العقل. وأشهر طريق النقل فيه عن الكلبي وهو كذاب وأما العقل فلا يصدق بذلك لأمور مستحيلة، قد عددها القاض عياض في الشفاء"(2). سادساً: تضعيف الحديث رواية وإن كان متنه صواباً فقال في كتاب الإيمان – باب: إثم من اقتطع حق امرئ بيمينه- قال: "فأما ما يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: ((البَيِّنَةُ على المدَّعِي واليَمِيُن على مَن أَنْكَرَ )) ( 3) فليس بصحيح لأنه يدور على مسلم بن خالد الزندي ولا يجتج به لكن معنى متنه صحيح بشهادة الحديث المتقدم له حديث صحيح مسلم ((شاهِدَاكَ أَوْ يَمينُهُ )) وبحديث ابن عباس الذي قال النبي – صلى الله عليه وسلم- فيه ((ولكنَّ اليمِينَ على مَنْ أَنْكَر)) (4)...(5). نقله التضعيف عن غيره من العلماء وأحياناً كان رحمه الله تعالى ينقل التضعيف عن غيره من العلماء فمن ذلك: ما جاء في كتاب الطهارة – باب: الفرق بين دم الحيص والإستحاضة- فقال عند تعليقه على حديث ((اَغْسِ لي عَنْكِ الدَّمَ وتوضّئِي ))." ذكره النسائي(6) وقال: لا نعلم أحداً قال: وتوضئي في الحديث غير حماد. يعني والله أعلم في حديث هشام. وقد روى أبو داود(7) وغيره. ذكر الوضوء من رواية عدي بن ثابت، وحبيب بن أبي ثابت، وأيوب بن أبي مسكين. قال داود: وكلها ضعيفة"(8). رد الضعف عن الحديث: وقد يرد الضعف عن الحديث ولا يسلم لما قبل فيه من ذلك فقال رحمه الله تعالى في كتاب الحج – باب: الحج عن المعضوب(9) والصبي- في حديث عن مسألة النيابة في الحج قال: "وقد اختلف فيها قديماً وحديثاً" إلى أن قال: "وسبب الخلاف في هذه المسألة: ما قد أشرنا إليه من معارضة الظواهر بعضها بعضاً، ومعارضة القياس لتلك الظواهر، واختلافهم في تصحيح حديثي جابر وابن عباس. فأما حديث جابر فخرجه عبد الرزاق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أن الله يدخل بالحجة الواحة ثلاثة الجنة: (1 )السيوطي، الدر المنثور، مصدر سابق، ج7، ص635. (2 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 1، ص282. (3 )الترمذي، الجامع، مصدر سابق، كتاب الأحكام، باب البينة على المدعي واليمين على من أنكر، ح 1341، ج3، ص262. (4 )البيهقي، السنن، مصدر سابق، كتاب الدعاوي والبنيات، باب البينة على المد عي واليمين على من أنكر، ج10، ص252. (5 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 1، ص ص348 – 349. (6 )النسائي، السنن، مصدر سابق، كتاب الطهارة، باب الاستحاضة، ح 348، ج2، ص181، طبعة موسوعة الكتب الستة وشروحها. (7 )أبو دواد، السنن، مصدر سابق، كتاب الطهارة باب أن الحيضة إذا أدبرت لا تدع الصلاة، ح 282، ج1، ص124. (8 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 1، ص594. (9 )المعضوب: الشيخ الكبير الذب لا يثبت على راحلته. القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 3، ص441.
عدد الصفحات ١٣٣124 الميت، والحاج، والمنفذ لذلك))(1)، في إسناده أبو مبشر، نجيح. وأكثر الناس يضعفه، ومع ضعفه يكتب بحديثه. وأما حديث ابن عباس فخرجه أبو داود(2) قال فيه((سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة. قال: أخ لي أو قريب لي. فقال: حججت عن نفسك، قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة)). علله بعضهم: بأنه قد روي موقوفاً والذي أسنده ثقة"(3). المطلبِّالثاني:ِّتصحيحِّالديثِّ لم يشترط القرطبي رحمه الله تعالى شروطاً واضحة للحديث الصحيح عنده بل نجده رحمه الله تعالى يقبل الحديث إذا خلا عن التضعيف والعلل لأي سبب فالحديث الصحيح عنده هو ما عند جمهور العلماء. ويظهر صنيعه هذا من خلال تضعيفه للاحاديث، فالحديث المتصل المسند الخالي من الشذوذ أو العلة أو الانقطاع وكان رواته من الثقات المعروفين ولم يكونوا من المجهولين فهو المقبول عنده. والحديث الذي يختل فيه شرط من ذلك فهو مردود ولا يحتج به. ومن صنيعه في التصحيح: أولاً: تصحيح السند إذا قرن فيه بين ثقة وضعيف لأن الاعتماد على ثقة الرواي. ثانياً: الاكتفاء بالحكم على سند الحديث للإشارة إلى صحة الحديث. ثالثاً: نقله التصحيح عن غيره. أولاً: تصحيح السند إذا قرن فيه بين ثقة وضعيف لأن الاعتماد على ثقة الرواي. وجاء ذلك في كتاب الزكاة – باب: ما تجب فيه الزكاة – فقال في نصاب الذهب والفضة حديث عن أبي داود (4): فرو ى بإسناد صحيح إلى أبي إسحاق السَّبِيعِيّ عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور، عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إِذا كَانَتْ لَكَ مِئَتَا دِرْهَم... )). قلت – القرطبي-: "هذا الحديث غاية ما قيل فيه: أن جرير بن حازم رواه عن أبي إسحاق وقرن فيه بين عاصم بن ضمرة وهو ثقة وبين الحارث الأعور وهو كذاب. ورواه جماعة من الأئمة عن أبي إسحاق عن عاصم موقوفاً على علي، فقال من رود ذلك الحديث لعل جريراً سمعه من أبي إسحاق عن عاصم موقوفاً، وسمعه عنه الحارث مسنداً، ولذلك قرن بينهما، وكان الإسناد متلقى عن الحارث. وهذا لا ينبغي أن يرد الخبر له، لأنه وهم وظن غير محقق. بل هو مردود لأن المعتمد ثقة جرير وأمانته، وقد أخبر بأنه سمعه منهما في مساق واحد وظاهره: أنه تلقاه عن كل واحد منهما على نحو ما تلقاه عن الآخر فيعتمد على رواية الثقة. وتلغى رواية غيره ولا يضره وقف من رفعه إذا كان الذي رفعه ثقة"(5). قلت: ففي هذا الحديث الذي قرن فيه بين ثقة وكذاب قبل الخبر اعتماداً على أمانة الثقة وضبطع لما ينقل عادة لا على نقل هذا الكذاب. (1 )عبد الرزاق، المصنف، مصدر سابق، كتاب الحج، باب فصل الحج، حــ 8803، ج5، ص5. (2) أبو داود، السنن، كتاب الحج، باب الرجل يحج عن غيره، 8 حــ1811، ج1، ص562. (3 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 3، ص444. (4 )أبو داود، السنن، مصدر سابق، كتاب الزكاة، باب زكاة السائحة، ح 1573، ج1، ص493. (5 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 3، ص ص10- 11.
عدد الصفحات ١٣٤125 ففي هذه الحالة يقبل الحديث لأنه روي من طريق من يعتمد على نقله وأمانته، والله تعالى أعلى وأعلم. ثانياً: الحكم على صحة السند: فمن ذلك ما جاء في كتاب البيوع – باب: ترك قول من قال: لا ربا إلا في النسيئة- حديث ابن عباس أن أبا سعيد لقيه فقال له: ((أرَيْتَ قَوْلَك في الصَّرْفِ... )) ولكن حدثني أسامة بن زيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنَّمَ ا الرِّبَا في النَّسِيْئَةِ )) وفي رواية ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لاَ رِبَا فِيْمَا كَانَ يَدَاً بِيَدٍ )). قال: وقول ابن عباس كلا لا أقول أي لم اسمع فيه من النبي صلى الله عليه وسلم شئياً، ولا فهمت من كتاب اللله ثم أخذ فأسند الحديث عن أسامة، وأخبر أنه سمعه منه فثبت الحديث بنقله – وهو الإمام العدل – عن أسامة ذي المآث والفضل. فلا شك في صحة سند الحديث وإنما هو متروك لاحد الأوجه المتقدمة والله أعلم"(1). قال: قلت والذي استقر عليه أمرُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في القنوت: ما رواه الدارقطني(2) بإسناد صحيح عن أنس أنه قال: ((مَا زَالَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم يَقْنُتُ فِي صَلاَةِ الغَداَةِ حتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا)) والله أعلم"(3). ثالثاً: نقل التصحيح عن غيره في كتاب الطهارة – باب: ما يستنجى به والنهي عن الاستنجاء باليمين – قال في النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول. "ذهب ربيعة وداود: إلى جواز ذلك مطلقاً. متمسكين بحديث ابن عمر وبما رواه الترمذي(4) عن جابر قال ((نَهى رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلّم أنْ يُسْتَقْبَلَ القِبْلَة بِبَوْلٍ.. )) فرأيته قبل أن يموت بعام يستقبلها قال: وقال فيه البخاري هو صحيح"(5). وهنا يظهر 1- سكوته إذا كان مستند الخصم صحيحاً 2- بيان الدليل القوي من الضعيف في المسائل الخلافية ِّ ِّ (1 )المصدر ذاته، ج4، ص ص486 – 487. (2 )الدار قطني، السنن، مصدر سابق، كتاب الوتر، باب صفة القنوت، حــ 1676، ج21ن ص28. (3 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 2، ص ص304 – 305. (4 )المذي، الجامع، مصدر سابق، كتاب الطهارة، باب في كراهية رد السلام على المتوضي، طبعة م وسوعة الكتب الستة، ح 90، ج1ـ ص 151. (5 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 1، ص516.
عدد الصفحات ١٣٥126 المبحثِّالسابعِّ قواعدِّحديثيةِّ المطلبِّالأول:ِّالروايةِّبالمعنى.ِّ المطلبِّالثاني:ِّروايتهِّعنِّالثقةِّعنده.ِّ المطلبِّالثالث:ِّإذاِّخالفتِّروايةِّالراويِّعمله.ِّ المطلبِّالرابع:ِّإنكارِّالراويِّلروايتهِّلاِّيعنيِّردها.ِّ المطلبِّالخامس:ِّطرقِّالروايةِّوسماعِّالصغير.ِّ ِّ ِّ ِّ
عدد الصفحات ١٣٦127 ابحثِّالسابع:ِّرأيهِّفيِّبعضِّالمسائلِّالخلافيةِّفيِّعلومِّالديثِّ المطلبِّالأول:ِّصناعتهِّفيِّالروايةِّبالمعنىِّ وهي مسألة خلافية، اختار الإمام القرطبي فيها رأي جمهور المحدثين والأصوليين. بين الإمام القرطبي رحمه الله تعالى موقفه من الرواية بالمعنى وأشار إلى ذلك: في كتاب الإيمان: في أثناء شرحه لحديث ((بَنِيَ الإسْلاَمُ علىَ خَمْسٍ... )) الذي يرويه ابن عمر رضي الله عنها حيث قال: "وحديث ابن عمر هذا قد روي من طرق، ففي بعضها ((شهادةِ أنْ لاَ إلَهَ إِلاّ اللهُ )) وفي بعضها ((عَلىَ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وتَكْفُرَ بِما دُوْنَه )) فالأولى نقل للفظ والأخرى نقل بالمعنى والأصل نقل اللغظ وهو المتفق عليه. وقد اختلف في جواز نقل الحديث بالمعنى من العالم بمواقع الكلم وتركيبها على قولين: الجواز والمن ع، وأما من لا يعرف فلا خلاف في تحريم ذلك عليه، وقد أوضحنا المسألة في الأصول"(1). فمن خلال هذا النقل نستطيع تلخيص الأقوال التي عرضها رحمه الله تعالى بالنسبة لحكم الرواية بالمعنى بثلاثة أقوال: الأول: إن النقل باللفظ هو الأصل، وهو المتفق عليه. الثاني: أن الذي لا يعلم بمواقع الكلم وتركيبها لا يجوز له ذلك ولا خلاف في تحريم ذلك عليه. الثالث: فيمن يعلم مواقع الكلم وتركبيها ففيها قولان الجواز والمنع(2). وصنيعه رحمه الله تعالى من خلال الأمثلة التي وقفت عليها يبين أنه من الذين يجوزون النقل بالمعنى للقادر المتمكن من علوم اللغة وتركيبها مع تقديم النقل بالنص عليه إذا كان الموطن موطن ترجيح. فمن ذلك: ما جاء في كتاب الصلاة حديث أبي قتادة في القراءة في الظهر والعصر. قال: حديث أبي قتادة حجة لمالك على صحة مذهبه في اشتراط قراءة الفاتحة في كل ركعة وعلى قراءة سورتين مع الفاتحة في الركعتين الأوليين، وأما ما بقى من الصلاة فال يقرأ فيه إلا بالفاتحة خاصة، وقد تمسك الشافعي في أنه يقرأ فيما بقي بسورة مع الفاتحة بحديث أبي سعيد الآتي بعد هذا، ووجه تمسك قوله: إنه قرأ في الركعتين الأوليين قدر ثلاثين أية وفي الأخريين قدر نصف ذلك. والفاتحة إنما هي سبع آيات لا خمس عشرة. فكان يزيد سورة وهذا لا حجة فيه فإنه تقدير وتخمين من أبي سعيد ولعله صلى الله عليه وسلم كان يمد في القراءة بالفاتحة حتى يقدر بذلك وهذا الاحتمال غير مدفوع. وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم: ((أنّه كانَ يرتل السورة، حتى تكون أطول من أ طول منها)) (3)، وهذا بشهد بصحة هذا التأويل، وحديث أبي قتادة نص فهو أولى(4). فهنا نلحظ أنه رحمه الله تعالى قدم الرواية (1 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 1، ص169. (2 )انظر المسألة في الروضة، لابن قدامة، ص1، وابنالصلاح في علوم الحديث، ص 213. (3 )مسلم، الصحيح، مصدر سابق، كتاب صلاة المسافري ن وقصره ا، ح 733، ج1، ص246. (4 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 2، ص71.
عدد الصفحات ١٣٧128 باللفظ على التخمين والتقدير الذي هو رواية بما فهمه الرواي أي بالمعنى. وقد يكتفي رحمه الله تعالى بالتنبيه على الروايات بالمعنى دون اعتراض أو رد بل يكون على طريق القبول. ومن ذلك ما جاء في كتاب التفسير حديث ((يَقْبِضُ اللهَ تَبَارَكَ وتَعالى الأَرْضَ يَوْمَ القِيَامَةِ...)) قال: قوله ((يَقْبِضُ اللهَ تَبَارَكَ وتَعالى...)) في هذه الرواية، وفي الرواية الأخرة: ((يَطْوِي)) وفي الثالثة ((يَأْخُذُ )) هذا الاختلاف يدل على أنه نقل بالمعنى وأن اللفظ الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعين وحاصل مدلول هذه الألفاظ: أنه تعالى يفعل في السموات والأرض فعلاً وهو أنه يقبض مبسوطهما ويطمس أنوارهما فعبر عن ذلك بعبارات مختلفة كالطي والتكوير وغير ذلك مما في معناه مما جاء في الكتاب"(1) فهد بين القرطبي رحمه الله أنها روايات بالمعنى ومع ذلك وجه المعنى وبين المراد منه المطلبِّالثاني:ِّروايتهِّعنِّالثقةِّعندهِّ وقد كان من صنيعه أحياناً أنه ينقل عن الثقة عنده من غير أن يذكر اسمه من ذلك: ما جاء في كتاب الجهاد والسير – باب: في غزوة ذي قرد- حديث سلمة بن الأكوع، قال: "وقوله: ((اذْهَبْ إِليك )) قيدناه على من يوثق فعلمه على الأمر أي: انفذ لوجهك"(2). وكذلك في كاتب اللباس– باب: تحريم لباس الحرير والتغليط فيه على الرجال وإباحته للنساء- قال: "قوله: ((حُلّةً سِيَرَاءَ ))، ... وبعضهم لا يينون الحلة ويضيفها إلى سِيَرَاءَ وكذلك رواه ابن سراج وكذلك قيدته على من يوثق بعلمه وتقييده فهو على هذا من إضافة الشي إلى صفته"(3). الجمهور فيها أن عمله لا يقدح بصحة روايته لأنه يكون عدل عنه لعارض قام عنده رجح ذلك للديه دون أن يضر ذلك باعتقاده ونحن متعبدون بخبر الصادق المصدوق وخالف في ذلك جمهور الحنفية وبعض المالكية، والقرطبي أخذ برأي المخلفين. المطلبِّالثالث:ِّإذاِّخالفتِّروايةِّالراويِّعمله.ِّ وكان من صنيعه رحمه الله تعالى رد الرواية إذا خالفها الراوي بعمله وجاء ذلك: في كتاب الطلاق – باب: إمضاء الطلاق الثلاث من كلمة – قال: "أما حديث ابن عباس فلا يصح به الاحتجاج لأوجه: ...ثانياً: لو سلمنا أنه حديث مسند مرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم لما كان فيه حجة. لأن ابن عباس هو راوي الحديث، وقد خالفه بعمله وفتياه وهذا يدل: على ناسخ ثبت عنده، أو مانع شرعي منعه من العمل"(4). ِّ (1 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 7، ص362. (2 )المصدر ذاته، ج3، ص680. (3 )المصدر ذاته، ج5، ص ص385 - 386. (4 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 4، ص240
عدد الصفحات ١٣٨129 المطلبِّالرابعِّ إنكارِّالراويِّلروايتهِّلاِّيعنيِّردهاِّولاِّيقدحِّفيِّراويهاِّإذاِّكانِّثقةِّ وجاء هذا الصنيع عنده رحمه الله تعالى في: كتاب النكاح – باب: استئمار الثيب واستئذان البكر- فقال في اشتراط الولي في صحة النكاح بعد أن ذكر أحاديث. "وهذه الأحاديث مشهورة صحيحة عند تحقيق النظر فيها. ولا يلفت إلى شيء مما ذكر فيها، كما ذكر من أن حديث عائشة تفرد به سليمان بن موسى، فإنه إمام ثقة. وهو الإشفاق... وكما قيل عن ابن جريج أنه سأل ابن شهاب عن هذا الحديث فأنكره. وهذا لا يلتفت إليه لأن هذه الحكاية أنكرت على ابن علية. وهو الذي أوردها. ولو صحت فلم ينكر ابن شهاب الحديث إنكاراً قطع بتكذيبه بل إنكار ناس، والراوي عنه ثقة جازم في الرواية، فينبغي للزهري أن يقول: حدثني فلان عني بكذا كما قد حكى عنه: أنه قال في مثل هذا: حدثني مالك عني. وكل ذلك نسياناً وليس بدعاً في الإنسان وبسط الكلام فيه في كتب الخلاف"(1). وهو على رأي الجمهور، هنا يقول ابن الصلاح: من روى حديثاً ثم نسيه لم يكن ذلك مسقطاً للعمل به عند جمهور المحدثين وجمهور الفقهاء والمتكلمين(2). ِّ المطلبِّالخامس:ِّبيانِّالروايةِّومتىِّيصحِّسماعِّالصغِّ من خلال قراءتي وجدت الإمام القرطبي رحمه الله تعالى قد نبه إلى طريقين من طرق تحمل الحديث، وهما: السماع والعرض وبيان متى يصح جواز سماع الصغير. وقد جاء ذلك في مواطن قليلة. أولاً: بيان طرق الرواية ما جاء في كتاب الصلاة حديث النهي في الركوع والسجود – قال: "وقول علي رضي الله عنه: ((نَهَاني رَسولُ اللهِ صلّى اللهُ عل يه وسلّم ولا أَقُولُ نَهَاكُم)) لا يدل على خصوصية بهذا الحكم وإنما أخبر بكيفية توجيه صيغة النهي الذي سمعه، فكانت صيغة النهي التي سمع: ((لاَ تَقْرأْ القرآنَ في الرُّكُوعِ )) فحافظ التبليغ على كيفية ما سمع حالة التحمل وهذا من باب نقل الحديث بلفظه كما سمع"(3). (1 )المصدر ذاته، ج4، ص ص116 – 117. (2 )ابن الصلاح، علوم الحديث، مصدر سابق، ص 117. (3 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 2، ص87.
عدد الصفحات ١٣٩130 وما جاء في كتاب الصلاة حديث إقراء النبي صلى الله عليه وسلم أبي القرآن قال: "قوله صلى الله عليه وسلم لأبي: ((إنَّ اللهَ أَمَرنِي أَنْ أَقْرأَ عَلَيْكَ القُرْآنَ )) إنما كان ذلك ليقلن عنه أبي كيفية القراءة مشافهمة وصفتها، وليبين طريق تحميل الشيخ للراوي بقراءته عليه وفي حديث عبد الله بن مسعود: قراءة التلميذ على الشيخ، وكلاهما طريق صحيح"(1). ومن ذلك ما جاء في كتاب الزكاة حديث تصدقن يا معشر النساء قال: "وفيه دليل جواز تصدق المرأة من مالها بغير إذن زوجها، لكن فيما لا يجحف بحق الزوج، بدليل ما خرجه النسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاَ يَحِلُّ لآَمرأةٍ أَن تَقْضِي فِي ذِي بَالٍ مِنْ مَالِهَا إِلاّ بإذْنِ زَ وْجِها )) (2)- نقلته من حفظ وسماع لا من كتاب – وهذا مذهب مالك"(3). ثانياً: بيان السن التي يجوز فيها السماع أما بيان السن التي يجوز سماع الصغير فهي مسألة خلافية: فذهب بعض العلماء إلى أنه إذا ميز، وقيل إذا عقل وضبط، وقيل أنه سن محمود بن الربيع واختار القرطبي أنه إذا عقل قبلت روايته جاء ذلك: في كتاب الصلاة حديث محمود بن الربيع. ((إِنّي لأَعْقَلُ مَجَّةٌ مَحَّبها رسُ ولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ دلو فِي دَارِنا... )) قال: "وإنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مباسطة للصبي وتأنيساً له، كما قال: ((يَ ا أَبا عُمَيْرٍ مَا فَعَل النُغَيْر )) (4). أو لعله إنما فعل هذا ليعقل هذا الصبي هذا الفعل لصغره، فيحصل بذلك تأكيد فضيلة الصحبة، ونقل شيء عنه عليه الصلاة والسلام كما كان، وكان محموداً إذ ذاك ابن أربع سنين بل ابن خمس سنين وفيه دليل على جواز سماع الصغير إذا عقل، وتثبت ثمَ نقله في كبره"(5). (1 )المصدر ذاته، ج2، ص426. (2 )الإمام أحمد، المسند، مصدر سابق، ج3، ص503. (3 )القرطبي، ا فهم، مصدر سابق، ج3، ص45. (4 )البخاري، الصحيح، مصدر سابق، كتاب، باب، ح 6129. (5 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 2، ص285.
عدد الصفحات ١٤٠131 ِّ ِّ المبحثِّالثامنِّ موقفهِّمنِّالأحاديثِّالمنتقدةِّ وصناعتهِّفيها.ِّ ِّ
عدد الصفحات ١٤١132 المبحثِّالثامنِّ موقفهِّمنِّالأحاديثِّالمنتقدةِّعلىِّصحيحِّمسلم:ِّ خصصت هذا المبحث لبيان موقفه –رحمه الله تعالى- مما انتقد على الصحيح من أحاديث. وليس غرضي في هذا المبحث رد الانتقادات التي وجهت للصحيح من قبل الحفاظ، من أمثال: الدارقطني، والغساني، والقاضي عياض – رحمهم الله تعالى – فإن هذه المسألة بحثت وألف فيها كتب، وأكتفي في هذا المبحث بما لخصه شيخي الفاضي د. محمد الطوالبة في كتابه "الإمام مسلم ومنهجه في صحيحه(1)" فقال تحت سؤال: هل كل ما في الصحيحين صحيح؟ لقد قال البخاري: "ما أدخلت في هذا الكتاب إلا ما صح" وقال: "لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحاً"، وقال مسلم: "إنما أخرجت هذا الكتاب وقلت هو صحاح... ولكني إنما أخرجت هذا من الحديث الصحيح ليكون مجموعاً عندي، وعند من يكتبه عني فلا يرتاب في صحتها" بل قال مسلم: "إنه لم يضع في "الصحيح" إلا ما أجمعوا عليه". فهل وافقهما المحدثون على قولهما؟ قال البيهقي: "لقد صنف كل واحد منهما أحاديث كلها صحاح" فوافقهما من غير استثناء، ورأى أبو إسحاق الإسفراييني أن صحة الأصول والمتون من أحاديثهما مقطوع به، ولا يحصل الخلاف في ذلك، وإن حصل فهو محصور في طرقها ورواتها، وحكى إجماع أهل الصنعة على ذلك فقال: "أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بصحة أصولها ومتونها، ولا يحصل الخلاف فيها بحال، وإن حصل فذاك اختلاف في طرقها رواتها". وقد تنبه ابن الصلاح إلى الخلاف الحاصل في ذلك فبعدما قرر أن: "ما رواه الشيخان مقطوع بصحته بالإجماع – لتلقى الأمة كل واحد من كتابيهما بالقبول استثنى بعض ما تكلم عليه أهل النقد كالدارقطني وغيره، وأكد ذلك بقوله: "فما أخذ عليهم من ذلك وقدح فيه معتمد من الحفاظ فهو مستثنى مما ذكرنا، لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول" واستثنى ابن حجر ما وقع التجاذب بين مدلوليه حيث لا ترجيح لأحدهما ولا يمكن الجمع، وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته. قول عام ويحتاج إلى تخصيص، ومن ثم فإن قول السخاوي: "إن الذي أورده البخاري ومسلم مجتمعين ومنفردين بإسناديهما المتصل دون ما سيأتي استثناؤه من المنتقد والتعاليق وشبهها مقطوع بصحته" في غاية الدقة. ولا يمنع من الاستثناء اجتهاد العلماء في الجواب عنها، ودفعه انتقادها- كما فعل ابن حجر فيما وقع البخاري، والنووي فيما وقع في مسلم – لأنه وإن كان فيهما كفاية ففيهما تكلف في بعض الأحيان. وليس غرضي من هذا المبحث القدح في الصحيحين والحط من شانهما. فالذي أعتقد، وأدين الله به: -قلت وهذا الذي أدين الله كذلك-" أن كل من يهون من أمرهما مبتدع متبع غير سبيل المؤمنين"، كما قال الدهلوي. ويلاحظ هنا: أن وقوع الإج ماع على أصحية ما في الكتاب مما تقدم بيانه ليس معناه أصحية كل حديث فيهما بالنسبة لما في سواهما، بل أصحية الجملة إلى الجملة وتقديمها عيلها، كما هو الحلل في اتفاق الجمهور على تفضيل صحيح البخاري على صحيح مسلم، فليس المقصود منه (1 )الطوالبة، الإمام مسلم ومنهجه في صحيحه، مرجع سابق، ص ص 130 – 132.
عدد الصفحات ١٤٢133 أن كل حديث في صحيح البخاري أصح من كل حديث في حديث صحيح مسلم، بل المقصود أن جملة ما في البخاري أصح، وعلى هذا فلا يستدل بكون حديث معين في الصحيحين أصح من سائر الصحاح إلا بعد تبين وجوه الأصحية في ذلك الحديث بعينه". فلذلك اكتفيت ببيان موقفه الذي أبانه رحمه الله تعالى من تلك الأحاديث وقوله في شرح تلخيص المقدمة عند عبارة: "وبذلاً جهدهما في تبرئتهما – أي الصحيحين – من كل على..." ويعني بذلك اجتهدا في تصحيح أحاديث كتابيهما غاية الاجتهاد، غير أن الإحاطة والكمال لم يكملا إلا لذي العظمة والجلال، فقد خَرَّجَ النقاد كأبي الحسن الدارقطني، وأبي علي الجيان ي عليهما في كتابيهما أحاديث ضعيفة، وأسانيد عليلة، لكنها نادرة قليلة، وليس فيها حديث متفق على تركه، ولا إسناد مجمع على ضعفه، ولكنها مما اختلف فيه ولم يلح لواحد منهما في شيء منها قدح فيخيفه، بل ذلك على حسب ما غلب على ظنه، وحصل في علمه، وأكثر ذلك مما أردفاه على إسناد صحيح قبله، زيادة في الاستظهار وتنبيهاً على الإشهار، والله أعلم: وسيأتي التنبيه على بعض تلك الأحاديث إن شاء الله"(1). وبعد تتبعي لبعض تلك الأحاديث – وجدت تنبيهه على ثلاثة أنواع: - الأول: الاكتفاء بذكر ذلك الانتقاد. - الثاني: ذكر الانتقاد ورده. - الثالث: ذكر الانتقاد والسليم له. وكل ذلك كل منه بشكل مقتضب من غير إسهاب، فاكتفيت بنقل تلك المواطن مع قول الغمام النووي في المنهاج – إن وجد، لبيان العلة بشكل أوضح، سيما أن الإمام النووي هو أكثر من أهتم بهذا المجال، والله ولي التوفيق. أولاً: الاكتفاء بذكر الانتقاد: ففي حديث أبي الجُهَيْم بن الحارث بن الصَّمَّةِ الأنصاري قال: ((قْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ فَلَقِيَهُ رَ جُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الجِدَارِ ...)) قال: "ذكر القاضي أبو الفضل عياض – رحمه الله تعالى -: أن مسلماً ذكره مقطوعاً، قال: وفي كتابه أحاديث يسيره مقطوعة(2) متفرقة في أربعة عشر موضعاً هذا منها(3). قال النووي: قوله ((وروى الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة)) هكذا وقع في صحيح مسلم من جميع الروايات منقطعاً بين مسلم والليث، وهذا النوع يسمى معلقاً، وقد تقدم بيانه، وإيضاج هذا الحديث وغيره مما في معناه في الفصول السابقة في مقدمة الكاتب، وذكرنا أن في صحيح مسلم أربعة عشر أو اثني عشر حديثاً منقطعة. هكذا وبيناها والله أعلم. (1 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 1، ص100. (2 )قلت: وهذا الحديث مع بعض الأحاديث القادمة التي انتقدت لعلة الانقطاع أوردها شيخنا الفاضل د. محمد طوالبه كتاب الإمام مسلم ومنهجه في صحيح، ورد العلماء عليها بشكلٍ كافٍ فأفاد وأجاد. انظر الطوالبة. الإمام مسلم ومنهجه في صحيحه، مرجع سابق، ص ص 290 – 301. (3 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 1، ص ص617 – 618.
عدد الصفحات ١٤٣134 وفي حديث ابن عمر ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ مُوَجِّهٌ إِلَى خَيْبَرَ )) قال: "وهم الدار قطني وغيره هذه الرواية، قالوا والمعروف على راحلته وعلى بعير ولم يخرج البخاري هذه الرواية(1). قال النووي- تعليقاً على قول الدار قطني ومتابعيه-: "وفي الحكم بتغليط رواية عمر نظر لأنه ثقة نقل شيئاً محتملاً، فلعله كان الحمار مرة والبعير مرة أو مرات لكن قد يقال: أنه شاذ فإنه مخالف لرواية الجمهور في البعير والراحلة والشاذ مردود وهو المخالف للجماعة، والله أعلم"(2). وفي حديث عبد الله بن السعدي المالكي أنه قال ((اسْتَعَمَلنِي عُمّرُ بنُ الخَطَّابِ على الصَّدَقَةِ...)). قال: "وحديث عبد الله بن السعدي هذا فيه انقطاع فإن مسلماً رواه من حديث السائب بن يزيد عن ابن السعدي وبينهما رجل هو حويطب بن عبد العزى قاله النسائي وغيره"(3). قال النووي: وأعلم أن هذا الحديث استدرك على مسلم، قال القاضي عياض: قال أبو علي بن السَّكن: بين السائب بن يزيد وعبد الله بن السعدي رجل هو حُوَيْطِبُ بن عبد العُزَّى قال النسائي: لم يسمعه السَّائِبُ – اَبْنُ يزيد – من ابن السعدي بل إنما رواه عن حويطب عنه. قال غيره: هو محفوظ من طريق عمروه بن الحارث، رواه أصحاب شعيب والزبيدي وغيرهما عن الزخري قال: أخبرني السائب بن يزيد أن حُوَيْطِباً أخبره أن عبد الله بن السعدي أخبره أن عمراً أخبه، وكذلك رواه يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب هذا كلام القاضي. قلت – أي النووي -: وقد رواه النسائي في سننه كما ذكر: عن ابن عيينة، عن الزهري، عن السائب، عن حُويطب عن ابن السعدي، عن عمر – رضي الله عنه-، ورويناه عن الحافظ عبد القادر الرَّهَاوِي في كتاب الرباعيات قال: وقد رواه هكذا عن الزهري، محمد بن الوليد، والزبيدي، وشعيب بن أبي حمزة الحِمْصِيّان، وعقيل بن خالد ويونس بن يزيد الأّيلِيَّان، وعمر بن الحارث المِصْرِيّ والحكم بن عبد الله الحِمُصِيّ، ثم ذكر طرقهم بأسانيدها مطولة كلهم عن الزهري، عن السائب عن حويطب، عن ابن السعدي، عن عمر، وكذا رواه البخاري من طريق شعيب، قل عبد القادر: ورواية النعمان بن راشد عن الزهري فأسقط حويطباً ورواه معمر عن الزهري واختلف فيه فرواه عنه سفيان بن عيين ة وموسى بن أعين كما رواه الجمعة عن الزهري. ورواه عبد الرزاق عن معمر فأسقط حويطباً وابن السعدي. ثم ذكر الحافظ عبد القادر طرقهم كذلك قال: فهذا ما انتهى من طرق هذا الحديث. قال: والصحيح ما اتفق عليه الجماعة يعني: عن الزهري، عن السائب من حويطب عن ابن السعدي عن عمر..."(4). وفي حديث سويد بن غفلة((أنَّ عمر رضي الله عنه خَطَبَ بالجَابِيَة فِقال: نهى نبي الله صلى عليه وسلّم عن لِبُسِ الحريرِ إلا مَوْضِعَ أُصْبِعَيْن... )). (1 )النووي، المنهاج، مصدر سابق، ج5، ص180. (2 )القرطبي، ا لمفهم، مصدر سابق، ج2، ص341. (3) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 17، ص91. (4) النووي، المنهاج، مصدر سابق، ج10، ص127.
عدد الصفحات ١٤٤