103 - قلت-: حكم بالاضطراب مع أنه يمكن الجمع بين الآية والحديث من غير تقدير أي اضطراب.ِّ ثانيا: اضطراب السندِّ ينبه رحمه الله تعالى على الاضطراب في السند وعلى رأي من قال بهِّ كتاب الصلاة – باب: فيمن لم يدر كم صلى –ِّ حديث أبي سعيد الخد ري قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((إذا شَكَّ أحدُكُم في صلاتِهِ ....)) فقال رحمه الله تعالى: "وقد اعتل أصحابنا لهذا الحديث بأوجه، أحدها: أنه يعارضه حديث ذي اليدين حيث زاد النبي – صلى الله عليه وسلم- ثم سجد بعد السلام، وهو حديث لا علة له وحديث أبي سعيد أرسله مالك عن عطاء وأسنده غيره فكان هذا اضطراباً فيه والتسليم من ذلك أرجح"(1).ِّ وفي كتاب الجنائز– باب: الأمر بغسل الميت –ِّ حديث أم عطية رضي الله عنها "قال: ... ولم ينبه النبي – صلى الله عليه وسلم- أم عطية على الغسل من غسل الميت، وهو موضوع تعليم، فلو كان واجباً لبينه هنا وقد روى أبو داود(2) من حديث أبي هريرة مرفوعاً((من غسَّل ميتًا فليغتسلْ ومن حملَه فليتوضَّأْ )) قال: اختلف في إسناد هذا الحديث"...(3).ِّ رابعاً: الاضطراب في الرواياتِّ وينبه على الاضطراب الواقع في المتونِّ ففي كتاب الصلاة – باب: قصر الصلاة بمنى – قال في ترجيح مذهب الجمهور ودليله: "قلت والأشبه في هذه الأقوال قول الجمهور ومالك وغيره لأنه يعتضد بإباحة النبي صلى الله عليه وسلم المقام للمهجر بمكة ثلاثاً فإنه أبقى عليها فيها حكم المسافر ومنعه من مقام الرابع فحكم له فيه بمقام الحاضر القاطن، فكان ذلك أصلاً معتمداً وأما ما استدل به غير هذا من إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بمكة في الفتح وفي حجته وكم أقام في الطائف؟ فلا حجة فيه لما في تلك الروايات من الاضطراب الكثير..." (4).ِّ ِّ ِّ ِّ (1 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 2، ص ص180 – 181. (2 )أبو داود، السنن، مصدر سابق، كتاب الجنائز، باب يوم الغسل من غسل الميت، ح 31616، ج2، ص218. (3 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 2، ص596. (4 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 2، ص334.
عدد الصفحات ١١٣104 المطلبِّالخامسِّالمدرجِّ "ما ذكر في ضمن الحديث متصلاً به من غير فصل، وليس منه"(1).ِّ صناعته في المدرجِّ نبه الإمام القرطبي رحمه الله تعالى على ما وقع في الأحاديث من إدراج، وقد كان تنبيهه على ضربين:ِّ أولاً: إما أن يجزم بأن هذه اللفظة مدرجة.ِّ ثانياً: أو من غير جزم. وفي كلا الحالين، إما أن: 1- يرد الإدراج 2- أو يكتفي بالتنبيه عليه 3- أو يوجهه سواء كان مدرجاً أو على اعتبار أنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم فمن ذلك: ما جاء في كتاب الإيمان، حديث من مات لا يشرك بالله شيئاً. قال: "وأما قول ابن مسعود المذكور في أصل كتاب مسلم وهو قوله: ((قُلْتُ : أَ نَا وَمَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيئ اً دَخَلَ الجَنَّةَ )). فيعني بذلك: أنه لم يسمع هذه اللفظة من النبي – صلى الله عليه وسلم – نصاً: وإنما استنبطه استنباطاً من الشريعة. فإما من دليل خطاب قول عليه – الصلاة والسلام- ((مَن مَاتَ يُشْرِكُ باللَِّّ شيئً ا دَخَلَ النَّارَ ))، أو من ضرورة انحصار الجزاء في الجنة أو النار. أو من غير ذلك، وعلى الجملة فهذا الذي لم يسمعه ابن مسعود من النبي – صلى الله عليه وسلم- هو حق في نفسه، وقد رواه جابر في هذا الحديث من قول النبي – صلى الله عليه وسلم- ولذلك اكتفينا به في المختصر عن نقل ابن مسعود"(2). ومنه ما جاء فيكتاب الجمعة حديث حق الله على كل مسلم أن يغتسل... قال: "وقوله ((حَق علَى كُلِّ مُسْلِمٍ، أنْ يَغْتَسِلَ في كُلِّ سَبْعَةِ أيَّامٍ )) لم يعين في الصحيح يوم هذا الغسل وقد عينه البزار في زيادة زادها في هذا الحديث قال: وهو يوم الجمعة(3). وتمسك به من قال من أهل الظاهر: بأن الغسل ليوم الجمعة لا للجمعة ولا حجة فيه لأن الصحيح ليس فيه: يوم الجمعة والمفسؤر ظاهره: أنه قول الراوي والله تعالى أعلم"(4). ومن ذلك ما جاء في كتاب الجهاد والسير حديث غزوة بني المصطلق قال: "وقوله: وأصاب يومئذ قال يحيى: أحسبه قال: جويرية، أو قال ابنة الحارث هكذا صواب هذه الرواية بإسقاط البتة. وقد غلط فيها بعض النقلة فظن أن يحيى إنما شك في اسم ابنة الحارث، هل هي جويرية أو البتة؟ (1 )د. عتر، منهجالنقد، مصدر سابق، ص 439. (2 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 1، ص 290. (3 )علي بن أبي بكر الهيثمي ( 807هــ- 1388م)، كشف الأستار عن زوائد مسند البزار على الكتب الستة، تحقيق عبد الرحمن الأعظمي، الطبعة الأولى، مؤسسة الرسالة بيروت – 1399هــ- 1979م حــ624، ج1، ص 300. (4 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 2، ص483.
عدد الصفحات ١١٤105 وحمله على ذلك الأخذ بظاهر ذلك اللفظ وهو فاحش، لأنه لم يذهب أحد من الناس إلى أنه اسم ابنة الحارث هذه: البتة. وإنما يحيى بن يحيى شك في سماع اسم جويرية ثم بتْ القضية، وحقق السماع لاسمها بدليل قوله في الرواية الأخرى وجويرية بنت الحارث ولم يشك والله أعلم"(1). ومن ذلك: ما جاء في كتاب النكاح حديث الشغار قال: "وقد جاء تفسير الشغار في حديث ابن عمر من قول نافع، وجاء في حديث أبي هريرة من كلام رسول الله – صلى الله عليه وسلم- وفي مساقه، وظاهره: الرفع إلى النبي – صلى الله عليه وسلم- ويحتمل أن يكون من تفسير أبي هريرة أو غيره من الرواة أعنى: في حديث أبي هريرة. وكيفما كان فهو تفسير صحيح موافق لما حكاه أهل اللسان فإن كان من قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم- فهو المقصود، وإن كان من قول الصحابي فمقبول لأنهم أعلم بالمقلل وأقعد بالحال"(2). ومن ذلك من جاء في كتاب حديث أنا محمد وأنا أحمد قال: "وقوله قد سماه الله رؤوفاً رحيماً ليس هذا من قول النبي – صلى الله عليه وسلم- بل: من قول غيره، وهو الصحابي والله أعلم. ألا تراه كيف؟ أخبر عنه بخطاب الغيبة ولو كان من قوله صلى الله عليه وسلم لقال: وقد سماني الله رؤوفاً رحيماً. هذا الظاهر ويحتمل أن يكون ذلك من قوله. وقد يخرج المتكلم من الحضور إلى الغيبة كما قال تعالى: ﱡﭐ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱠ (3). وفي هذا إشارة إلى قوله تعالى(4 )ﱡﭐ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﱠ (5). ِّ ِّ ِّ (1 )المصدر ذاته، ج3، ص519. (2 )القرطبي، ا فهم، مصدر سابق، ج4، ص112. (3 )سورة يونس، آية رقم 22. (4 )سورة التوبة، آية رقم 128. (5 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 6، ص149.
عدد الصفحات ١١٥106 ِّ المطلبِّالسادس:ِّالمصِّ حفِّ التصحيف: تغيير اللفظ والمعنى(1)، وهو التغيير الواقع في الكلمة بتبديل يطرأ على الحرف أو الحركات مع بقاء صورته الخط(2)، وقيل إنه تغيير اللفظ وحمله على غير المراد منه(3).ِّ والتصحيف مشتق من الصحيفة، لأن من ينقل التصحيفات ويغير يقال: إنه قد صحّف، أي قد روى عن الصحف فهو مصحف، ومصدره التصحيف (4).ِّ وتقوم صناعته القرطبي رحمه الله تعالى فيه علىِّ أولاً: بيان التصحيف وصوابه. ثانياً: بيان تصحيف التصحيف. ثالثا: التفريق بين التصحيف وتوجيه التصحيف. رابعاً: بيان ممن وقع التصحيف. خامساً: استخدام صيغ تدل على التصحيف مثل: لا معنى له، ليس بشيء، إصلاح ورأي لا رواية... سادساً: رده على من قال بالتصحيف إذا لم يكن كذلك. سابعاً: الاستعانة بأقوال النقاد لبيان التصحيف. ثامناً : التنبيه على التصحيف بصيغة التمريض. أولاً: بيان التصحيف وصوابه: فجاء في كتاب الإيمان – باب: رفع الأمانة والإيمان من القلوب- في حديث عمر حينما سأل حذيفة – رضي الله عنه- عن الفتنة فقال: "وقوله ((وَالأَخَرَ أَسْوَدَ مِرْبَاَدٌ ))- أي القلب الأخر الذي تنزل فيه الفتنة... الأمر في تفسير مرباد: شدة بياض في سواد، قال فيه القاضي أبو الوليد الكناني: هذا تصحيف، وأرى صوابه شبه بياض في سواد. وذلك أن شدة البياض في سواد لا تسمى ربدة وإنما يقال لها بلق، إذا كان في الجسم. وحَوَر إذا كان في العين. والربدة إنما هي شيء من بياض يسير يخالطه السوَّاد كلون أكثر النعام" (5). (1 )أيوب بن موسى1094 – 1674). الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، تحقيق د.عدنان درويش ومحمد المصري، الطبعة الثانية، وزا رة الثقافة، دمشق، 1981، ج2، ص72. أحمد بن محمد الأزهري 370هــ- 590م) تهذيب اللغة، عبد السلام هارون، الدار المصرية: 1384هــ- 1964، ج4، ص255. محمد مرتض ى الزبيدي (1205 هــ-1785م) تاج العروس من جواهر القاموس، طبع بمصر، 1306هـــ- 1307هــ. جذر ص ح ف حـــ6، ص 96. (2 )فائدة بن مبارك الأبياري (603هــ-1964م) نيل الأماني على مقدمة القسطلاني، طبع بمصر ص56، محمود ميره، مقدمة تصحيفات المحدثين للعسكري، الطبعة الأ ولى، دار التراث، القاهرة، ج 1، ص39. (3 )طاهر بن صالح الجزائري، توجيه النظر إلى أصول الأثر، طبع بمصر 9132هــ- 1909م، ص365. (4 )السخاوي، فتح المغيث، مصدر سابق، ج3، ص73، الحسن بن عبد الله العسكري 395هــ- 975م). تصفيحات، المحدثين، تحقيق محمود ميرة دار التر اث، القاهرة، ج 1، ص24. (5) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 1، ص360.
عدد الصفحات ١١٦107 ثانياً: تصحيف التصحيف جاء في كتاب الإيمان – باب: شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين- في حديث أبي سعيد الخدري في الشفاعة. قال رحمه الله تعالى في قوله ((مِثْقِالِ ذِرَّةٍ )). "كذا صحت روايتنا فيه بفتح الذال المعجمة، وتشديد الراء، وهي الصغير من النمل. ولم يختلف أنه كذلك في هذا الحديث، وقد صحفه شعبة في حديث أنس، فقال: ذرة بضم الذال وتخفيف الراء، على ما قيده أبو علي الصدفي والسمر قندي، وفيما قيده العذري، والخشني: درّة بالدال المهملة وتشديد الراء. واحدة الدر وهو تصحيف التصحيف"(1). ثالثاً: التفريق بين توجيه التصحيف والتصحيف فجاء في كتاب الأضاحي – باب: الذبح بما أنهر الدم: حديث رافع بن خديح ((يا رَسولَ اللهِ، إنَّا لاَقُو العَدُوِّ غَدًا، وَليسَتْ معنَا مُدًى، قالَ صَلَّى اللََُّّ عليه وسلَّمَ : أَعْجِلْ، أَوْ أَرْنِ ي، ما أَنْهَرَ الدَّمَ )). فقال: والرواية الصحيحة المشهورة: أنهر بالراء وذكر الخشني في شرحه هذا الحرف الزاي، والنهز: بمعنى الدفع، وهذا توجيه للتصحيف فلا يلتفت إليه"(2). رابعاً: بيان ممن وقع التصحيف جاء في كتاب الإيمان – باب: شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين- حديث أبي سعيد الخدري في الشفاعة... فقال عند قوله ((مِثْقِالِ ذِرَّةٍ )). وفي قوله تعالى للملائكة كما في الحديث ((ارْجِعُوا فمَن وجَدْتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقالَ دِينارٍ مِن خَيْرٍ فأخْرِجُوهُ ))، "كذا صحت روايتينا فيه بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء وهي الصغير من النمل، ولم يختلف أنه كذلك في هذا الحديث. وقد صحفه شعبة في حديث أنس فقال: ذرة: بضم الذال وتخفيف الراء..." (3). خامساً: استخدام صيغ تدل على التصحيف فقد كان رحمه الله تعالى أحياناً ينبه على التصحيف من غير تصريح بلفظ التصحيف بل يستخدم عبارات تشير إلى التصحيف مثل: لا معنى له، ليس بشيء، فمن ذلك: ما جاء في كتاب الطهارة – باب: النهي عن أن يبال في الماء الراكد- حديث أبي هريرة عن النبي – صلى الله عليه وسلم-. ((لا يبولَنَّ أحدُكُم في الماءِ الرَّاكدِ، ثمَّ يغتسلُ )) قال: "ثمَّ يغتسلُ فِيهِ )) الرواية الصحيحة: يغتسل برفع اللام ولا يجوز نصبها إذا لا ينتصب بإضمار أن بعد ثم. وبعض الناس قيده: ((ثمَّ يغتسلْ )) مجزومة اللام على العطف على: لا (1) المصدر ذاته، ج1، ص449. (2 )القرطبي، مصدر سابق، ج5، ص368. (3 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 1، ص449.
عدد الصفحات ١١٧108 يبولن وهذا ليس بشيء إذ لو أراد ذلك قال: ثم لا يغتسلن لأنه إذا ذاك يكون عطف فعل على فعل لا عطف جملة على جملة. حينئذ يكون الأصل مساواة الفعلين في النهي عنهما..." (1). وفي كتاب الصلاة– باب: كيفية السجود- حديث أنس عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ((اعْتَدِلُوا في السُّجُودِ ولا يَبْسُطْ أحَدُكُمْ ذِراعَيْه انْبِساطَ الكَلْبِ )) وعن عمرو بن الحارث قال: ((كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللََُّّ عليه وسلَّمَ إذَا سَجَدَ يُجَنِّحُ في سُجُودِهِ، حتَّى يُرَى وضَحُ إبِطَيْهِ )). قال: "ووقع في رواية السمرقندي: يجنح مخففاً، ولا معنى له، بل الصواب التشديد(2). وفي كتاب الصوم– باب: لأهل كل بلد رؤيتهم عند التباعد- حديث ابن عباس عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ((إِنَّ للهِ مُدَةُ لِلَرْؤَيةِ )) قال: "هكذا صحت روايتنا فيه، وهكذا الأصول الصحيحة، والنسخ المقيدة، وقد سقط في بعض النسخ لمن لا يضبط ولا يحفظ (قال: إِنَّ للهِ) فيبقى اللفظ أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- (مُدَةُ لِلَرْؤَيةِ) وهو خطأ صُراح لا يقبل الإصلاح"(3). وفي كتاب الصلاة– باب: في صلاة النفل قائماً وقاعداً - حديث عبد الله بن عمرو قال: حُدثت أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قال: ((صلاةُ الرَّجلِ قاعِدًا نصفُ الصَّلاةِ ...)) قال: عند قوله ((فَوَضَعْتُ يَدِي علَى رَأْسِهِ ...)) وهذا كله على ما صحّ عندنا من الرواية على رأسه وظاهره أنه عائد على النبي – عليه الصلاة والسلام- على رأسه وقد ذكر لي أن بعض الناس رواه ((رأسيه)) فالحق به ياء المتكلم وهاء السكت ووجهه واضح لو ثبت. وأظن أنه إصلاح ورأي لا رواية"(4). سادساً: الرد على القول بالتصحيف وعلى من قال به: حديث ((أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ )) فقال عند قوله ((وَأَبِيهِ )):" الروايةُ الصحيحةُ التي لا يُعرَفُ غيرُها هكذا، بصيغة القسم بالأب. وقال بعضهم: إنَّما هي: واللهِ وصُحِّفَت بأَن قُصِرَتِ اللامان؛ فالتبسَت بأبيه؛ وهذا لا يُلتَفَتُ إليه؛ لأَنَّهُ تقديرٌ يَخرِمُ الثقةَ برواية الثقاتِ الأثبات. وإنَّما صار هذا القائلُ ..." (5). وفي كتاب الطهارة– باب: ما يحل من الحائض- حديث أم سلمة – رضي الله عنها- ((بيْنَما أنا مُضْطَجِعَةٌ مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللََُّّ عليه وسلَّمَ في الخَمِيلَةِ، إذْ حِضْتُ، فانْسَلَلْتُ ...)) قال: " وقولها ((فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حَيْضَتِي)) بفتح الحاء كذا قرأناه، تعني بها الدم وقد قيده بعض الناس بكسر الحاء، يعني به الهيئة والحال كما تقول العرب: هو حسن القعدة والجلسة وكذا قاله الخطابي في قوله عليه الصلاة والسلام ((إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكَ )) أن صوابه بكسر الحاء، وعاب على المحدثين الفتح، وعيبه مُعاب لأن الهيئة غير مراده، وإنما هو الدم في الوضعين"(6). (1 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 1، ص541. (2 )المصدر ذاته، ج2، ص97. (3)المصدر ذاته، ج3، ص145. (4 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، 2، ص37. (5 )المصدر ذاته، ج1، ص160. (6 )القرطبي، المفه م، مصدر سابق، ج1، ص557.
عدد الصفحات ١١٨109 سابعاً: الاستعانة بأقوال الأئمة النقاد في كشف التصحيف الظاهر من صنيعه رحمه الله تعالى أنه هو الذي كان ينبه على التصحيف، وذلك عندما يقارن الروايات مع بعضها البعض، ويستخدم اللغة في توجيه المعاني، ما يصح وما لا يصح من الروايات، ولكن وجدناه ينقل أقوالاُ للعلماء في النص على بعض التصحيفات التي وقعت في بعض الروايات. فمن ذلك: ما جاء في كتاب الرقى والطب – باب: النهي عن الكهانة- حديث عائشة ((سَأَلَ أُنَاسٌ رَسولَ اللََِّّ صَلَّى اللهُ ليه وسلَّمَ عَنِ الكُهَّانِ، فَقَالَ لهمْ رَسولُ اللََِّّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لَيْسُوا بشيءٍ )) قالوا: ((يا رسول الله...))" فقال: وفي الرواية الأخرى ((فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة...)) ولم يختلف أحد من رواة مسلم أن الرواية في هذا اللفظ: قرّ الدجاجة يعني به الطائر المعروف، واختلف فيه عن البخاري: فقال بعض رواته: كقر الزجاجة بالزاي قال الدارقطني: هذا مما صحفوا فيه..." (1). وفي كتاب النبوات– باب: مثل ما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم- حديث: أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم ((مَا بعَثني اللََّّ بِهِ منَ الْهُدَى والْعلْمِ ...)) قال: "((وقبِلَتِ )) لم يختلف رواه مسلم في هذا الحرف أنه بالباء بواحدة من القبول أي: شربت الماء فانتفعت به، وقيده بعض رواة البخاري: قتلت- بياء مثناه من تحت – وقال الأصيلي: إنه تصحيف وقال غيره ليس كذلك والأظهر قاله الأصيلي"(2). قلت: وفي هذين المثالين يظهر جليا عنايته بالتصحيف وكشفه وبيانه، وأن كان في غير موضوع كتابه الذي يشرحه صوناً للقارئ من الخطأ وإبعاداً له عن التصحيف كما وقع لغيره. ثامناً: التنبيه على التصحيف بصيغة تفيد الشك وليس القطع ومن ذلك ما جاء في كتاب الإيمان - باب: هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه؟- حديث: أبي ذر: ((قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَِّّ صلى الله عليه وسلم: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: نُورٌ أَنَّىٰ أَرَاهُ )) قال: "وقوله عليه الصلاة والسلام ((نُورٌ أَنَّىٰ أَرَاهُ )) هكذا رويناه وقيدناه برفع (نورٌ) وتنوينه، وفتح أنى التي بمعنى كيف الاستفهامية، ورواية من زعم أنه رواه نور إني، ليست بصحيحة النقل، ولا موافقة للعقل، ولعلها تصحيف وقد أزال هذا الوهم الرواية الأخرى حيث قال... ((رَأَيْتُ نُوراً... ))" (3). وكذلك ما جاء في كتاب الطهارة– باب: خصال الفطرة والتوثيق فيها- حديث: أبي هريرة عن النبي – صلى الله عليه وسلم- ((جُزُوَا الشَّوَارِبَ ))، قال: "وقوله ((جُزُّوا الشَّوَارِبَ ))، كذا الرواية الصحيحة عند الكافة ووقع: خُذُوا الشَّوَ ارِبَ فَكَأَنُّهُ تَصْحِيفً. ووقع لابن ماهان: أرجوا اللحى بالجيم وكأن هذا تصحيف، وتخريجه أنه أراد أرجو من الإرجاء فسهل الهمزة فيه"(4). (1 )المصدر ذاته، ج5، ص634. (2 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 6، ص82. (3 )المصدر ذاته، ج1، ص406. (4 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج1، ص515.
عدد الصفحات ١١٩110 ِّ ِّ المبحثِّالخامسِّ فيِّعلومِّالرواةِّوماِّيتعلقِّبهمِّ المطلبِّالأول:ِّالتعريفِّبالصحابةِّ المطلبِّالثاني:ِّالمبهمِّ المطلبِّالثالث:ِّالمتفقِّوالمفترقِّ المطلبِّالرابع:ِّالوهمِّ المطلبِّالخامس:ِّالشكِّ ِّ ِّ ِّ ِّ
عدد الصفحات ١٢٠111 المبحثِّالخامس:ِّعلومِّالرواةِّومايتعلقِّبهمِّ صناعته في تعريف الرواة، اشتملت صناعته رحمه الله تعالى في تعريف الرواة على جوانب هي: 1- تعريف الصحابة 2- بيان المبهم 3- بيان المتفق والمفترق المطلبِّالأول:ِّتعريفِّالصحابةِّ "اختلف في تعريف الصحابي على أقوال أشهرها أنه كل مسلم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو من الصحابة، وهذه طريقة المحدثين" (1). وقد ألفت كتب كثيرة في الصحابة أشهرها الاستيعاب لابن عبر البر، وأسد الغابة لابن الأثير، وأجودها الإصابة لابن حجر وهو مرتب على حروف المعجم، جمع ما قبله، وميز الصحابي من غيره، وابتعد عما وقع فيه غيره من أخطاء في إدخال من ليس من الصحابة فيهم. اعتنى رحمه الله تعالى في كتابه بالتعريف بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاصة في كتاب الفضائل والمناقب. وجاء تعريفه للصحاب ة رضوان الله تعالى عليهم خلاصة لترجمة الصحابي الذي ذكره فشمل: اسمه ونسبه ووفاته وبعض أوصافه. وسار على هذا السنن في غالب التراجم، ولم يقتصر في التعريف بالصحابة الذي ذكروا وردت الأحاديث بالتنصيص على فضائلهم. بل نجده يعرّف ببعض الصحابة الذين ورد ذكرها في الأسانيد أو في المتون بحسب ما يقتضيه الحال. وبالجملة فإن عمله ذلك يدل على عقلية فذة جمعت كتب السير، والمغازي، وتراجم الصحابة كسيرة ابن إسحاق ومغازي موسى بن عقبة وغيرهما وقدمتها لنا بصورة ملخصة بشكل وافٍ يتناسب مع ما يقتضيه الحديث. من ذلك ما جاء في فضل أبي بكر الصديق حيث قال: "واسمه عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤي. يجتمع نسبه مع نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرّة بن كعب، وسماه رسول الله – صلى الله عليه وسلم- بالصدّيق. روه عنه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ويسمى بعتيق، وفي تسميته بذلك ثلاثة أقوال: "وهو أول من أسلم من الرجال، وقد أسلم على يديه من العشرة المشهود لهم بالجنة خمسة، عثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم. قال الإمام الحافظ أبو الفرج بن الجوزي(2): جملة ما حفظ له من الحديث عن رسول – صلى الله عليه وسلم- مئة واثنان وأربعون حديثاً أخرج له منها في الصحيحين ثمانية عشر حديثاً". (1 )ابن الصلاح، علوم الحديث، ص293. (2 )قلت: وجاءت ترجمة الصديق خلاصة لما ذكره ابن الجوزي انظر: عبد الرحمن بن علي بن الجوزي ( 597 هــ- 1178م)، المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، تحقيق محمد عطا ومصطفى عطا، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، 1412هــ- 1992م، ج4، ص ص53 – 125.
عدد الصفحات ١٢١112 قال القرطبي: "ومن المعلوم القطعي، واليقين الضروري أنه حفظ من حديث رسول– صلى الله عليه وسلم- ما لم يحفظ أحد من الصحابة، وحصل له من العمل مالم يحصل لأحد منهم، لأنه كان الخليل المباطن، والصفي الملازم، لم يفارقه سفراً ولا حضراً، ولا ليلاً ولا نهاراً، ولا شدّة ولا رخاءً، وإنما لم يتفرغ للحديث، ولا للرواية، لأنه اشتعل بالأهم فالأهم، ولأن غيره قد قام عنه من الرواية بالمهم ... وأفضيلته بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم- عند أهل السنة، هو الذي يقطع به من الكتاب والسنة: أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ولم يختلف في ذلك أحد من أئمة السلف ولا الخلف ولا مبالاة بأقوال أهل التشيع...". وكانت وفاة أبي بكر رضي الله عنه على ما قاله ابن إسحاق: "يوم الجمعة لسبع ليالٍ بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة. وقال غيره أنه مات عشية يوم الاثنين، وقيل عشية يوم الثلاثاء لثمانٍ بقين م ن جمادى الآخرة هذا قول أكثرهم. قال ابن إسحاق: وتوفي على رأس سنتين وثلاثة أشهر واثنتي عشرة ليلة من متوفى رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ... وقد تقدم: أنه مات وهو ابن ثلاث وستين سنة"(1). وفي فضائل أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي– صلى الله عليه وسلم-: قال: "واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، واسم أبيها حذيفة، يعرف بزاد الراكب، وكان أحد أجواد العرب المشهورين بالكرم، وكانت قبل النبي – صلى الله عليه وسلم- تحت أبي سلمة بن عبد الأسد وأسلمت هي وزوجها وكان أول من هاجر إلى أرض الحبشة ويقال إن أم سلمة أول ظعينة قدمت المدينة مهاجرة. قال أبو عمر: تزوج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد سنتين من الهجرة، بعد وقعة بدر وعقد عليها في شوال، وابنتى بها في شوال. قال أبو محمد عبد الله بن علي الرَّ شاطي(2): هذا وهم شنيع، وذلك أن زوجها أبا سلمةشهد أحد وكانت أحد في شوال سنة ثلاث فجرح فيها جرحاً اندمل ثم انتقض به فتوفى منه في شوال سنة أربع وبنى بها عند انقضائها قال: وقد ذكر أبو عمرو هذا في صدر الكتاب وجاء به على الصواب. وتوفيت أم سلمة في اول خلافة يزيد بن معاوية سنة ستين. وقيل توفيت في شهر رصمان أ و شوال سنة تسع وخمسين. وصلى عليها أبو هريرة، وقيل سعيد بن زيد، ودفنت بالبقيع"(3). وفي كتاب الطهارة- باب: الوضوء في المذي- حديث علي بن أبي طالب ((كُنْتُ رَجلاًَ مَذَّاء ... فَأَمَرْتَ المِقْدادَ بنَ الأَسْودَ أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ –صلى الله عليه وسلم-)). قال: "هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة الكندي. وإنما نسب للأسدي لأنه كان في حجره وكان قد تبناه، وقيل حالفه"(4). وفي كتاب الصلاة– باب: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة – (1 )القرطبي، المفه م، مصدر سابق، ج6، ص ص236 – 250. (2 )الشيخ الإمامالحافظ المتقن النسابة، كان حافظاً ضابطاً محدثاً فقيهاً بارعاً، له اقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب رواة الأثار والإعلام، بما في كتاب المؤتلف والمختلف، للدار قطني من الأوهام، توفي شهيداً سنة 542هــ الذهبي، سير إعلام النبلاء مصدر سابق، ج20، ص359. وقوت الحموي، معجم البلدان مصدر سابق، ج3، ص45. (3 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 6. (4 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج1، ص562.
عدد الصفحات ١٢٢113 حديث((يَا فُلاَنُ بِأَيَّ الصَّلاَتَيْنِ اعْتَدَدَتَ... )). قال: "وقول عبد الله بن مالك بن بحينه هو الصحيح. وما رواه القعنبي خطأ. كما قاله في الأم. وقال أبو مسعود الدمشقي: أهل العراق يقولون: عن مالك بن بحينه وأهمل الحجاز قالوا: يقولون في نسبه: عبد الله بن مالك بن بحينة، وهو الأصح. وبحينة: أم عبد الله قال أبو عمر بن عبد البر: إن بحينة اسم أم أبيه مالك والأول أصح وأثبت ولعبد الله ولأبيه مالك صحبة"(1). المطلبِّالثاني:ِّصناعتهِّفيِّالمبهمِّ قال ابن الصلاح(2) في تعريفه: أي معرفة أسماء من أبهم ذكره في الحديث منالرجال والنساء أو من عرف بابن فلان أو ابن الفلاني أو ابنة فلان وعلق على ذلك الدكتور نور الدين عتر. فقال: "وينقسم الإبهام بحسب موضعه في الحديث إلى قسمين: إبهام في السند وإبهام في المتن. ولمعرفة المبهمات فوائد مهمة" (3). أشهر مصنفات هذا الفن المستفاد من مبهما ت المتن والإسناد للحافظ ولي الدين العراقي، جمع فيه كتب سابقيه. اعتنى القرطبي رحمه الله تعالى ببيان المبهمات الواقعة في المتن عند شرحه للأحاديث، وأحياناً يبين مبهمات السند وإن كان ذلك قليلاً. ولبيان صناعته القرطبي في المبهم قسمتها إلى: أولاً: التنبيه على الخطأ الواقع في تعين المبهم مع التعليل. ثانياً: تبيين المبهم وضبطه وتعينه على وجه الجزم. ثالثاً: بيان من ذكر بابن فلان أو أبو فلان أولاً: التنبيه على الخطأ الواقع في تعيين المبهم مع التعليل من ذلك ما جاء في كتاب الإيمان – باب: وجوب التزام شرائع الإسلام- حديث طلحة بن عبيد الله. قال: ((جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللََِّّ صَلَّى اللهُ عَ لَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ ...)). كقال القرطبي: "قيل إن هذا الرجل هو ضمام بن ثعلبة الذي سماه البخاري في حديث أنس المذكور بعد هذا، وإن الحديثين واحد، وهذا فيه بعد لاختلاف مساقهما، وتباين الأسئلة فيهما... والأولى أن يقال هما حديثان مختلفات"(4). وكذلك ما جاء في نفس الكاتب– باب: إطلاق اسم الإيمان على جعله في حديث جبريل إسلام- حديث أبي سعيد الخدري ((أنَّ أُناسًا مِن عبدِ القَيْسِ قَدِمُوا علَى رَسولِ اللهِ صَلَّ ى اللََُّّ عليه وسلَّمَ )). فقال عند قوله في الحديث: ((وفي القوم رجل أصابته جراحة كذلك))، قيل اسم هذا الرجل جهم بن قثم، قاله ابن أبي خيثمه. وقيل كانت الجراحة في ساقه. قال القرطبي: "وهذا الرجل ليس هو أشج عبد قيس، لأن اسمه مختلف كما ذكره هنا، وفيما تقدم ولآن الأصل في الشجاج لا يكون إلا في الرأس والوجه"(5). (1 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج2، ص351. (2 )ابن الصلاح، علوم الحديث، مصدرسابق، ص 375. (3 )د. نور الدين عتر، حاشية علي ابن الصح، مصدر سابق، ص 375. (4 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 1، ص157. (5 )المصدر ذاته، ج1، ص179.
عدد الصفحات ١٢٣114 ثانياً: تعيينالمبهم على وجه الجزم: ففي كتاب الصلاة – باب: ما جاء في سجود القرآن- حديث ابن عباس رضي الله عنه ((شَهِدْتُ صَلاَةَ الْفِطْرِ مَعَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ ...)) قال: "وقوله ((فَقَالَتِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ إِلَى قَوْلَهِ لاَ يُدْرَى حِينَئِذٍ مَنْ هِيَ ))، هكذا عند جميع الرواة، غير أنه بعضهم يقول: لا يدري حسن من هي وكذا ذكره البخاري. ويعني به الحسن بن مسلم رواي الحديث عن طاووس في كتاب مسلم وغيره"(1). حديث عبد الله بن مسعود: ((عَنِ الَّنبَيِّ – صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَرَأَ والنَجْمِ فَسَجَدَ فِيهَا وَسَجَدَ مَنْ كَانَ مَعَهُ، غَيْرَ أَنّ شَيْخَاً أَخَذَ كَقَا مِنْ حَصَاء ٍأَوْ تُرَابٍ فَرَفَعَهَ إِلَى جَبْهَتِهِ )). قال: "وهذا الشيخ هو أمية بن خلف، قتل يوم بدر كافراً "(2). وفي كتاب الجنائز– باب: الأمر بالصلاة على الميت- حديث جابر بن عبد الله قال: (( قَالَ رَسُولُ اللََِّّ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أَخًا لَكُمْ قَدْ مَاتَ فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْه))، قال: "وهذا الميت هو النجاشي: ملك الحبشة، الذي هاجر إلى أرضه من هاجر من الصحابة واسمه أصحمة – بهمزة وصاد مهملة ساكنة- بعدها حاء مفتوحة هكذا ذكره البخاري وابن اسحاق. وفي مسند ابن أبي شيبة(3) في هذا الحديث تسمية صَحمة على وزن ركوه، بغير همز وفتح الصادر وسكون الحاء. وقال: هكذا قال لنا يزيد، وإنما هو صمحة كذا ذكره بتقديم الميم بغير همز. وأصحمة عطية، بالعربية"(4). ثالثاً: بيان من ذكر بابن فلان أو أبي فلان من ذلك ما جاء في كتاب الإيمان – باب: الإسلام إذا حسن هدم ما قبله من الأثام- حديث وفاة عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: "وابن شماسة رويناه بفتح الشين وضمها، واسمه عبد الرحمن بن شماسه وأبوه من بني مَهْرَة، قبيل" (5). وفي كتاب اللباس– باب: ما جاء في صبغ الشعر- حديث جابر ((أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ))، قال: "أبو قحافة هو: والد أبي بكر الصديق. وأسمه: عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن تيم. أسلم يوم فتح مكة وله صحبة. مات في المحرم سنة أربع عشرة من الهجرة. وهو ابن سبع وتسعيهن سنة بعد وفاة ابنه أبي بكر بأشهر"(6). (1 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 2، ص ص529 – 530. (2 )المصدر ذاته، ج2، ص ص197 – 198. (3 )ابن أبي شيبة، المصنف، مصدر سابق، كتاب الجنائز، باب: في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي، حــ 11954، ج2، ص 45. (4 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 2، ص609. (5 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 1، ص438. (6 )المصدر ذاته، ج5، ص419.
عدد الصفحات ١٢٤115 المطلبِّالثالث:ِّالمتفقِّوالمفترقِّ قال ابن الصلاح "هذا النوع متفق لفظاً وخطأً... فإن فيه الاتفاق في صورة الخط مع الافتراق في اللفظ... وزلق بسببه غير واحد من الأكابر"(1). قال: د. نجم خلف: "وصورته أن يتفق اثنان من رواة أو أكثر في اسم واحد متشابه في اللفظ والخط مع أنهم مختلفون في أشخاصهم وربما يكون أح دهم ثقة والآخر ضعيفاً فيكون الاشتباه فيهم وعدم التميز بينهم سبباً في الوهم والخطأ وهو فن يتطلب معرفة واسعة بالرجال"(2). قلت وصنيع الأمام القرطبي فيه وإن كانت شواهده قليلة في الكتاب فإنه يدل على معرفة واسعة بالرجال. من ذلك ما جاء في كتاب الإيمان - باب: إطلاق اسم الإيمان على ما جعله في حديث جبريل إسلاماً - حديث أبي جمرة كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس قال: "(وأبو جمرة) هذا الذي يروي عن ابن عباس حديث وفد عبد القيس هو بالجيم والراء، واسمه نصر بن عمران الضبعي. وقد روى عن ابن عباس رجل آخر يقال له أبو حمزة المهملة والزاي واسمه عمران بن أبي عطاء القصّاب"(3). وفي كتاب الطهارة– باب: الغرّة والتحجيل من الإسباغ- حديث أبي حازم قال: ((كُنْتً خَلْفَ أَبي هُريرة وهو يَتَوَضَّأُ... )) قال: "كان خطابه لأبي حازم سلمان الأعرج الأشجعي الكوفي مولى غرة الأشجعية، وليس بأبي حازم سلمة بن دينار الفقيه الزاهد مولى بني مخزوم، وكلاهما خرّج عنه في الصحيح" (4). وفي كتاب الحدود– باب: من روى أن ماعزاً لم يحفر له- حديث ابن عباس ((أنَّ النَبيَّ صلّى الله ُعليهِ وسلَّم قال لمِاَعِزٍ بنِ مَالَكٍ... )) قال: "وماعز هذا هو ابن مالك الاسلمي، قيل يكنى أبا عبد الله لولد كان له وفي الصحابة ماعز التميم غير منسوب لأب. ويقال المكنى بأبي عبد الله وكان ماعز هذا تحت حجر هزّال بن رتاب، أبي نعيم الأسلمي فوقع على جارية هزّال، فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ((هَلاَّ سَتْرَتَهُ بِرِدَائِكَ ))(5()6). (1 )ابن الصلاح، علوم الحديث، ص358. (2 )نجم عبد الرحمن خلف، الصناعة الحديثية، مرجع سابق، ص 479. (3 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 1، ص171. (4 )المصدر ذاته، ج1، ص507. (5 )أبو داود، السنن، مصدر سابق، كتاب الحدود، باب في الستر على أهل الحدود، ح 4377، ج3، ص541.... (6 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج5، ص102.
عدد الصفحات ١٢٥116 م ه المطلبِّالخامس:ِّالوِّ وتمثيل صنيعه في التعامل مع الوهم في الروايات سنداً أو متناً - وإن كان في الكتن هو الغالب- بما يلي: أولاً: إيراد الوهم بصيغة الشك. ثانيا:ً التنبيه على الوهم الواقع في الروايات. ثالثاً: بيان الوهم وصوابه. رابعاً: بيان الوهم وسببه. خامساً: بيان ممن وقع الوهم. أولاً إيراد الوهم بصيغة الشك فمن ذلك ما جاء في كتاب الإيمان – باب: رؤية النبي صلى الله عليه وسلم للأنبياء- حديث أبي هريرة: قال: ((قَالَ رَسُولُ اللََِّّ صلى الله عليه وسلم ... قَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّى...)) وحديث عبد الله بن عمر في ذكر الرجال. فقال: "وقوله في هذا الحديث ((أَعْوَرُ العَيْنِ اليُمْنَى)) هذا هو الصحيح والمشهور وقد قع في رواية ((اليُسْرَى)) وكأنه وهم، ويمكن أن يحمل هذا على ما يتخيله بعض العامة: من أن العوراء هي الصحيحة، إذ قد بقيت منفردة عديمة قرينتها، وليس بشيء بل العوراء: التي أصابها العَوَرُ. أي العيب" (1). ثانياً: التنبيه على الوهم الواقع في الروايات من ذلك ما جاء في كتاب الإيمان – باب مباني الإسلام- حديث ابن عمر رضي الله عنهما ((بُنِيَ الإِسْلاَ مُ عَلى خَمْسِ... )) قال: "وقد وقع في بعض الرويات في الأصل تقديم الحج على الصوم، وهي وهم والله أعلم. لأن ابن عمر لما سمع المستعيد يقدم الحج على الصوم زجره ونهاه عن ذلك، وقدم الصوم على الحج وقال: هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا شك أن نقل اللفظ كما سمع هو الأولى والأسلم"(2). ثالثاً: بيان الوهم وصوابه فمن ذلك ما جاء في كتاب الصوم – باب: النهي عن الوصال في الصوم – عن أبي هريرة قال: ((نَهَى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم... )) وعن أنس قال: ((وَاصَلَ رسولُ اللهُ صلى الله عليه وسلم في آخر شّهْر رَمَضَان، فوَاصَل نَاسٌ مِن المُسْلمِينَ فَبلغَه ذَلك )). قال: ""وقوله: واصل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر شهر رمضان)) كذا ا لصواب، وكذلك رواه الهروي، ووقع للعذري والطبري والسجزي والباجي وفي أكثر النسخ أول شهر رمضان. وهو وَهَمٌ، والصحيح ما تقدم بدليل ق وله في الرواية الأخرى عن أنس وذلك في آخر الشهر"(3). رابعاً: بيان الوَهَم وسببه وجاء ذلك في كتاب الجهاد والسير- باب: لا يستحق القاتل السلب بنفس القتل – (1 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 1، ص399. (2 )المصدر ذاته، ج1، ص169. (3 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 3، ص162.
عدد الصفحات ١٢٦117 قال: وقوله((والرَّجلانِ معاذُ بْنَ عَمْروٍ بن الجَمُوحِ، ومعاذُ بنُ عَفْراءَ )). هكذا الصحيح وقد جاء في البخاري من حديث ابن مسعود: ((أنَّ ابْنَيْ عَفْرَاءَ ضَرَباهُ حتَّى بَرَكَ )). وكأنه هذا وهم من بعض الرواة لحديث ابن مسعود، وسبب هذا الوهم، أنّ عفاء هذه من بني النجار، أسلمت وبايعت، وكان أولادها سبعة، كلهم شهد بدراً، وكانت عند الحارث بن رفاعة، فولدت له. معاذاً ومعوذاً ثم طلقها فتزوجتها بكير بن عبد الملك. فولدت له: خالداً وإياساً، وعاقلاً، وعامراً، ثم راجعها الحارث، فولدت له عوفاً، فشهدوا كلهم بدراً. فكأنه التبس على بعض الرواة معاذ بن عمرو بن الجموح بمعاذ بن عفراء، وبمُعَوِّذ بن عفراء عند السكوت عن ذكر عمرو والد معاذ. والله تعالى أعلم"(1). خامساً: بيان ممن وقع الوهم ففي كتاب الطهارة – باب: في صفة الوضوء- حديث أبي أنس: ((أَنَّ عُثْمَانَ تَوَضَّأَ بِالْمَقَاعِدِ فَقَالَ: «أَلاَ أُرِيكُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ ثُمَّ تَوَضَّأَ ثَلاَثًا ثَلاَثًا )). قال: "وقوله عن أبي أنس: هو مالك بن أبي عامر الأصبحي. قال أحمد بن حنبل وهم وكيع في قوله: عن أبي أنس، وإنما هو أبو النضر عن بشر بن سعيد عن عثمان. وقال الدارقطني: هذا مما وهم فيه وكيع عن الثوري، وخالفه بقية أصحاب الثوي الحفاظ، فرووه عن الثوري عن أبي النضر من بشر بن سعيد، عن عثمان"(2). ِّ المطلبِّالسادس:ِّشكِّالرواةِّ ويقوم صنيعه في التعامل مع شك الرواة على: أولاً: التنبيه على الشك فقط. ثانياً: رد الشك بالرواية الجازمة. ثالثاً: تعيين الراوي الشاك. رابعاً: بيان أن الأمر يحتمل الشك أو التنويع. خامساً: رد الشك والتوهم وبيان أن الصواب هو التنويع. أولاً: التنبيه على الشك فقط وقد يكتفي رحمه الله تعالى بالإشارة إلى الشك الذي وقع في الرواية دون بيان الصواب للرواية التي لم يقع الشك فيها من فمن ذلك ما ذكره في: كتاب الإيمان – باب: إطلاق اسم الإيمان على ما جعله في حديث جبريل إسلاماً - قال: "وقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَنِ القَوْمُ )) أو ((مَنِ الوَفْدُ )) هذا شك من بعض الرواة، والوفد الوافدون وهم القادمون...والقوم وفد"(3). (1 )المصدر ذاته، ج3، ص550. (2 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 1، ص481. (3 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 1، ص172.
عدد الصفحات ١٢٧118 ثانياً: رد الشك بالرواية الجازمة قال في كتاب الإيمان – باب: وجود التزام شرائع الإسلام- "وقوله ((أَفْلحَ وأَبِيهِ إِنَّ صَدَق )) أو ((دَخَلَ الجَنَّةَ وأَبيه إِنْ صَدَقَ )) هذا شك من بعض الرواة في هذا الطريق. وقد جاء طريق آخر بالجزم على أحدهما كما تقدم ثم معنى اللفظيين واحد فلا يضر الشك وإنما ذكره الرواي متحرياً"(1). ومن ذلك أيضاً ما جاء في كتاب الإيمان شعب والحياة شعبة منها قال: "وقد ذكر الترمذي هذا الحديث وسمى الشعبة باباً فقال: ((بضِعٌ وسِتّون )) أو ((بِضْعُ وسَبْعُون)) ولا يلتفت لهذا الشك فإن غيره من الثقات قد جزم بأنه بضع وسبعون، ورواية من جزم أولى"(2). ثالثاً: تعيين الرواي الشاك وجاء ذلك في كتاب البيوع – باب: الرخصة في بيع العَرّية بخرصها تمراً - حديث أبي هريرة ((أَنَّهً صلَّى اللهُ عليه وسلّم رَخَّصَ في بَيْعِ العَرَايا... )). قال: "وقولع فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق هو شك من داود بن الحصين، وموضع الشك الخمسة، فتطرح، ويعول على أن الجوانب مخصوص بما دونها لأوجه..." (3). رابعاً: احتمال أن تكونأو للشك أو التنويع: وكان أحياناً يطرق الاحتمال بأن أو ليست للشك وإنما تحتمل التنويع فمن ذلك ما قاله في كتاب الإيمان – باب: ما خص به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الشفاعة العامة- "وقوله: ((لَكُما مَا بَيْنَ مَكَةَ وهَجَر، أَو كَما بين مَكَة وبَصْرى)) يحتمل أن يكون شكاً من بعض الرواة، ويحتمل أن يكون تنويعاً. كأنه عليه الصلاة والسلام قال: ((إِذَا رأَى مَا بِيْنَهما قَدَّرَهُ راءٍ بِكَذَا وقَدَّرَرهُ رَاءٍ بِكَذَا))، ويصح أن يقال: سلك بها مسلك التخيير فكأنه قال: قدروها إن شئتم بكذا، وإن شئتم بكذا وإن شئتم بكذا"(4). خامساً: رد الشك المتوهم كما جاء في كتاب الحج – باب: تحرم المدينة وصيدها- في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّي أَحرِّمُ مَا بيْن لاَبَتِي المَدِينَة )) قال: "إِلاّ كُنْتُ لَهُ شَفِيْعَاً أو شَهِيدَاً )) زعم قوم: أن أو هنا شك من بعض الرواة وليس بصحيح فإنه قد رواه جماعة من الصحابة ومن الرواة كذلك على لفظ واحد ولو كان شكاً لااستحال أن يتفق الكل عليه وإنما أو هنا للتقسيم والتنويع، كما قال شاعر: فَقَالُوا لَنَ ا ثِنْتَان لاَ بُدَّ منْهُما صُدُورُ رِمَاح أشْرَعَتْ أَو سَلاسِلُ (1 )المصدر ذاته، ج1، ص161. (2 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 1، ص207. (3 )المصدر ذاته، ج4، ص396. (4 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 1، ص ص438 – 439.
عدد الصفحات ١٢٨